قراءة في العلاقات التركية الإسرائيلية بين عامي 1949 و1960

يعرض الكتاب لتاريخ العلاقات التركية الإسرائيلية بين عامي (1949-1960)، منذ اعتراف تركيا بالكيان الإسرائيلي حتى الانقلاب العسكري التركي عام 1960.

كتاب "تركيا واسرائيل" للكاتب محمد الدوداني

تأسست العلاقات التركية الإسرائيلية في آذار/ مارس 1949 عندما أصبحت تركيا ثاني أكبر بلد ذات أغلبية مسلمة (بعد إيران عام 1948)، تعترف بإسرائيل. ومنذ ذلك الوقت حققت حكومة البلدين تعاونًا مهمًا في المجالات العسكرية، والدبلوماسية، والاستراتيجية. كما يتفق البلدان حول الكثير من الاهتمامات المشتركة والقضايا التي تخص الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط. ومع ذلك، يعاني الحوار الدبلوماسي بين البلدين الكثير من التوترات.

وقع اختيار الكاتب على عام 1949 كبداية للدراسة على اعتبار أنه العام الذي اعترفت فيه تركيا بــ"إسرائيل"، وشهد تبادل العلاقات الدبلوماسية بينهما، كما وقع الاختيار على عام 1960 كنهاية لفترة الدراسة، إذ إنه العام الذي شهد الانقلاب العسكري التركي وتأسست على أثره الجمهورية الثانية.

  الواقع أننا أمام كتاب استمد أهميته من موضوعه، فيبنما عاش اليهود في الدولة العثمانية أربعة قرون ونصف القرن، ينعمون بالأمن، الذي افتقر إليه أقرانهم في أوروبا المسيحية، على الرغم من وجود حركات تحررية ظهرت في الدولة العثمانية في القرن السابع عشر، قام بها اليهود ترمي إلى إنشاء وطن لهم في فلسطين. مع ذلك لم يواجهوا أي نوع من العداء من قبل سلاطين آل عثمان، حتى في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، الذي اشتدت فيه المعارضة ضده، التي أشعل اليهود نارها .حيث كشفت قرارات مؤتمر برلين عن ضعف الدولة العثمانية، فاستغلت الكيانات السياسية والقومية هذا الضعف، وقامت بانتفاضات على الحكم المركزي بهدف الحصول على الاستقلال الكامل، ودعمتها أوروبا في سبيل تحقيق ذلك، وهكذا تتالت الأزمات السياسية في وجه السلطان عبد الحميد الثاني بعد الحرب العثمانية الروسية ومؤتمر برلين. إنضمت تونس ومصر والسودان إلى قائمة الأقاليم التي فقدتها الدولة العثمانية لصالح أوروبا في عهد عبد الحميد الثاني.

   يعرض الكتاب لهذه الأجواء حيث انطلق الجنود القادمون إلى إسطنبول من الجيش الثالث وهتفوا "نطالب بالشريعة" وأعلنوا التمرد. وهذا كله بغياب الضباط وبرئاسة عرفاء، وطالبوا أمام مسجدي آيا صوفيا والسلطان أحمد بعزل الصدر الأعظم حسين حلمي باشا ورئيس مجلس المبعوثان "أحمد رضا بك" ونفي "الاتحاديين"، وانضم إليهم حشود من أصناف الشعب وخاصةً الحمالين.

ويظهر أن هدف هذه المؤامرة هو كبح جماح جمعية الاتحاد والترقي ونصرة السلطان عبد الحميد والشريعة كما يهتفون. فقاموا بقتل وزير العدل ناظم باشا، ظانين أنه أحمد رضا بك وقتلوا الأمير شكيب أرسلان أحد المبعوثين، ظانين أنه الصحافي حسين جاهد.

وسط هذه الأحداث قام السلطان عبد الحميد باستدعاء قائد الفرقة الثانية وأمره بإخماد التمرد لكنه رفض قائلاً أنه ينتظر الأمر من قائد الجيش. إنضم إلى حركة التمرد معارضو جمعية الاتحاد والترقي وبعض علماء الدين. وساقت جمعية الاتحاد والترقي جيشًا سمي "بجيش الحركة" من مدينة سالونيك إلى العاصمة إسطنبول وكان يقال إن هدفه الأساسي نجدة السلطان تحت قيادة محمود شوكت باشا. وطلب قائد الجيش الأول ناظم باشا من السلطان التدخل لردعه، لكنه رفض قائلاً بأنهم مسلمون مثلكم. ودخل "جيش الحركة" إلى إسطنبول في 25 ابريل/نيسان 1909، وسيطر عليها وأعلن الطوارئ وأعدم الآلاف ونهب قصر يلدز مقر السلطان.


عزل السلطان عبد الحميد

في 27 ابريل/نيسان 1909 دعا محمود شوكت باشا مجلسي النواب والأعيان إلى مجلس مشترك سُمي "بالمجلس الوطني المشترك" واستصدروا فتوى بخلعه بالضغط على شيخ الإسلام، وقيل إنه رفض وحصلوا على توقيع أحد العلماء الآخرين، وقيل إنهم عرضوا على أمين الفتوى الحاج نوري أفندي إلا أنه رفض. واتهم السلطان عبد الحميد الثاني بتهم عدة، منها تدبير "واقعة 31 مارت"، وبالإسراف، وبالظلم وسفك الدماء، وتحريق المصاحف والكتب الدينية. وأنكر الكثير من المؤرخين هذه التهم التي وجهت إلى السلطان.

استدعى المجلس الصدر الأعظم توفيق باشا ليبلّغ السلطان بقرار الخلع إلا أنه رفض، فكلفوا وفداً من أربعة أشخاص هم: عارف حكمت باشا وآرام الأرمني وأسعد طوطاني وقره صو عمانوئيل اليهودي، فقرأ الوفد الفتوى على الخليفة. ونُصّب محمد الخامس أخ عبد الحميد الأصغر محله، ونُفي إلى مدينة سالونيك مع مرافقيه وعائلته عبر القطار، ولم يُسمح لأحد منهم بأخذ حاجياته وصودرت كل أراضيه وأمواله، وبقى في قصر "ألاتيني" تحت الحراسة المشددة.

  جاء الدور اليهودي في عزل السلطان عبدالحميد واضحًا، فكان السلطان عبدالحميد الثاني شديد الحذر من جمعية الاتحاد والترقي المدعومة من اليهود والمحافل الماسونية والدول الغربية. واستطاع جهاز مخابرات السلطان عبدالحميد أن يتعرف على هذه الحركة ويجمع المعلومات عنها. إلا أن هذه الحركة كانت قوية، وقد جاءت مراقبة عبدالحميد لأعضاء هذه الحركة في وقت متأخر، حيث دفعوا الأهالي الى تظاهرات صاخبة في سلانيك ومناستر واسكوب وسوسن، مطالبين بإعادة الدستور، بالإضافة الى أن المتظاهرين هددوا بالزحف على اسطنبول. الأمر الذي أدى بالسلطان الى الرضوخ لمطالب المتظاهرين حيث قام بإعلان الدستور وإحياء البرلمان وذلك في 24 يوليو/تموز 1908.

وكانت هناك أسباب عدة دفعت جمعية الاتحاد والترقي أن تبقي السلطان عبدالحميد الثاني في تلك الفترة على العرش منها، إذ لم تكن في حوزة الاتحاد والترقي القوة الكافية لعزله في عام 1908. اتبع عبدالحميد الثاني سياسة المرونة معهم، وذلك بتنفيذ رغباتهم بإعادة الدستور. وكان ولاء العثمانيين لشخص السلطان عبدالحميد. وهذه النقطة واضحة، حيث أن لجنة الاتحاد والترقي لم تكن لها الجرأة الكافية على نشر دعايتها ضد السلطان عبدالحميد الثاني بين الجنود، لأن هؤلاء كانوا يبجّلون السلطان.

  الواقع أن الصهيونية العالمية لم تقتصر على الانقلاب الدستوري لعام 1908، بل تعاونت مع جمعية الاتحاد والترقي لتحقيق مكاسب أخرى في فلسطين. وعليه كان لا بد من التخلّص من السلطان عبدالحميد الثاني نهائيًا ولذلك دبرت أحداث في 31 أبريل/نيسان 1909 في اسطنبول وترتب على أثرها اضطراب كبير قتل فيه بعض عسكر جمعية الاتحاد والترقي، وعرف الحادث في التاريخ باسم حادث 31 مارت. وقد حدث هذا الاضطراب الكبير في العاصمة بتخطيط أوروبي يهودي، مع رجال الاتحاد الترقي وتحرك على أثره عسكر الاتحاد والترقي من سلانيك ودخل اسطنبول.

وبهذا تم عزل السلطان عبدالحميد الثاني من كل سلطاته المدنية والدينية. ولم يغب عن بال الانقلابيين الضغط على مفتي الإسلام محمد ضياء الدين بإصدار فتوى الخلع. ففي يوم 27 أبريل/نيسان من عام 1909 اجتمع 240 عضواً من مجلس الأعيان في جلسة مشتركة وقرروا بالاتفاق خلع السلطان عبدالحميد الثاني وكتب مسودة الفتوى الشيخ النائب حمدي افندي المالي. لكن أمين الفتوى نوري أفندي الذي دعا للاجتماع رفض هذه المسودة وهدد بالاستقالة من منصبه، إن لم يجرِ تعديل عليها وأيده في التعديل عدد من أنصاره من النواب فعدل القسم الأخير على أن يقرر مجلس المبعوثان عرض التنازل عن العرش أو خلعه.

   قُرئت هذه الفتوى في الاجتماع المشترك للمجلس الملّي فصرخ النواب الاتحاديون: نريد خلعه. وبعد مداولات تمت الموافقة على خلع السلطان عبدالحميد الثاني. وبتكليف من جمعية الاتحاد والترقي تم تكوين لجنة لإبلاغ السلطان عبدالحميد بقرار خلعه. وكانت هذه اللجنة تتألف من إيمانويل قراصو وهو يهودي أسباني، وكان من أوائل المشتركين في حركة "تركيا الفتاة" وكان مسؤولاً أمام جميعة الاتحاد والترقي عن إثارة الشغب وتحريضه ضد السلطان عبدالحميد الثاني وتأمين التخابر بين سلانيك واسطنبول فيما يتعلق باتصالات الحركة. وكان هناك آرام، وهو أرمني عضو في مجلس الأعيان العثماني، وأسعد طوبطاني وهو ألباني، نائب في مجلس المبعوثان عن منطقة دراج، وعارف حكمت وهو فريق بحري وعضو مجلس الأعيان، وهو من العراق.

ويروي السلطان عبدالحميد في مذكراته تفاصيل هذه الحادثة فيقول: إن ما يحزنني ليس الإبعاد عن السلطة، ولكنها المعاملة غير المحترمة التي ألقاها بعد كلمات أسعد باشا والتي خرجت عن كل حدود الأدب، حيث قلت لهم: إنني أنحني للشريعة ولقرار مجلس المبعوثان وذلك تقديراً للعزيز العليم، سوى إني أؤكد بأنه لم يكن لي أدنى علاقة لا من بعيد ولا من قريب بالأحداث التي تفجرت في 31 مارت. ثم أردف قائلًا: (إن المسؤولية التي تحملتموها ثقيلة جدًا). ثم أشار الى قرصو قائلًا: "ما هو عمل هذا اليهودي في مقام الخلافة؟. وبأي قصد جئتم بهذا الرجل أمامي؟".

لقد اعتبر اليهود والماسونيون هذا اليوم عيداً لهم، وابتهجوا به وساروا بتظاهرة كبيرة في مدينة سلانيك، ولم يكتفِ الماسونيون بذلك بل طبعوا صورة هذه التظاهرات في بطاقات بريدية لتباع في أسواق تركيا العثمانية ولمدة طويلة. لقد كان الاتحاديون يفتخرون دائماً بأنهم ماسونيون. وقد أدلى رفيق مانياسي زادة بتصريحات الى صحيفة تمبس الفرنسية في باريس عقب نجاح انقلاب حركة الاتحاد والترقي، حيث جاء فيها: "لقد كانت للمساعدات المالية والمعنوية التي تلقيناها من الجمعية الماسونية الإيطالية التي أمدتنا بالعون العظيم نظراً لارتباطنا الوثيق بها".

وفي مقال نشرت في جريدة "بويوك ضوغو" التركية في الثاني من مايو/أيار 1947 العدد61، يقول محرم فوزي طوغاي/ تحت عنوان "فلسطين والمسألة اليهودية"، "منع السلطان عبدالحميد تحقيق هدف إنشاء دولة يهودية في فلسطين، وكلّف هذا المنع السلطان عبدالحميد غالياً وأودى بعرشه، وأدى هذا فيما بعد الى انهيار الدولة العثمانية كلها". ورغم أنه كان يدرك - كما قال نظام الدين لبه دنلي أوغلو- في دراسته عن دور اليهود في هدم الدولة العثماينة أن "اليهود يمتلكون قوى كثيرة تستطيع النجاح في العمل المنظّم، فالمال كان عندهم والعلاقات التجارية الدولية كانت في أيديهم. كما كانوا يمتلكون الصحافة الأوروبية والمحافل الماسونية".

  بعض أقطاب حركة الاتحاد والترقي اكتشفوا فيما بعد أنهم قد وقعوا تحت تأثير الماسونية والصهيونية، فهذا أنور باشا الذي لعب دوراً مهماً في إنقلاب عام 1908، يقول في حديث له مع جمال باشا أحد أركان جميعة الاتحاد والترقي: "أتعرف يا جمال ما هو ذنبنا؟". وبعد تحسر عميق قال: "نحن لم نعرف السلطان عبدالحميد، فأصبحنا آلة بيد الصهيونية، واستثمرتنا الماسونية العالمية، نحن بذلنا جهودنا للصهيونية فهذا ذنبنا الحقيقي".

وفي هذا المعنى، يقول أيوب صبري قائد الاتحاديين العسكريين: "لقد وقعنا في شرك اليهود، عندما نفذنا رغبات اليهود عن طريق الماسونيين لقاء صفيحتين من الليرات الذهبية في الوقت الذي عرض فيه اليهود ثلاثين مليون ليرة ذهبية على السلطان عبدالحميد لتنفيذ مطالبهم، إلا إنه لم يقبل بذلك". ويقول في هذا الصدد المستشرق برنارد لويس: "لقد تعاون الأخوة الماسونيون واليهود بصورة سرية على إزالة السلطان عبدالحميد، لأنه كان معارضاً قوياً لليهود، إذ رفض بشدة إعطاء أي شبر أرض لليهود في فلسطين".

 


الدور الصهيوني في عزل السلطان

  بعد إبعاد السلطان عبدالحميد الثاني من السلطة، عبّرت الصحف اليهودية في سلانيك عن غبطتها في الخلاص من (مضطهد اسرائيل) كما وصفته هذه الصحف. وفي هذا الصدد يقول لوثر "وبعد إبعاد عبدالحميد من السلطة، عبّرت الصحف اليهودية في سلانيك عن غبتطها، وأخذت تزّف البشائر بالخلاص من (مضطهد اسرائيل) الذي رفض استجابة طلب هرتزل لمرتين، والذي وضع جواز السفر الأحمر الذي يقابل عندنا قانون الأجانب".

يقول الكاتب إن شخصية السلطان عبدالحميد الثاني "لا تزال مثار جدل تاريخي، فالكثير من العرب يرونه رجلًا وطنيًا، وأن وطنيته كلّفته عرشه، فيما رأت فيه أوروبا رجلًا دمويًا، واستدلت على ذلك بمذابح الأرمن، كما اعتبره آخرون زعيمًا للإصلاح فى بلاده، وقد حكم دولة مترامية الأطراف متعددة الأعراق بدهاء وذكاء".

  وسط كل ما سبق، كانت الهجرة اليهودية من تركيا إلى فلسطين تعد أضعف الهجرات التي قام بها اليهود إلى فلسطين على الرغم من فتح الحكومة التركية باب الهجرة اليهودية على مصراعيه، مستجيبة للمطالب الأميركية في هذا الشأن، ورغبة من الحكومة التركية في التخلص من الأغلبية الفقيرة من "اليهود الأتراك" الذين مثّلوا عبئًا على الاقتصاد التركي. وظل هذا الباب مفتوحًا حتى أثناء معارضة تركيا قرار تقسيم فلسطين عام 1947 ورفض حكومة أنقرة إنشاء الدولة اليهودية. ولم تعبأ الحكومة التركية بالمعارضات العربية الخاصة بضرورة وقف هجرة اليهود الأتراك إلى "إسرائيل" أثناء الحرب العربية-الإسرائيلية عام 1948 وبعد أن انتهت الحرب زادت هجرتهم إلى "إسرائيل"، حتى بلغت في عامي 1949- 1950 قرابة ثلاثين ألف يهودي .

  أدت الضغوط السوفياتية والاقتصادية ورغبة تركيا في الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي إلى وقوعها فريسة لضغوط أميركا، التي قدمت لها مساعدات عسكرية واقتصادية، فكان من بين هذه الضغوط اعتراف تركيا بــ"إسرائيل" في مارس/آذار 1949، بحجة أن "إسرائيل" أصبحت أمرًا واقعاً، وتبادلت معها العلاقات الدبلوماسية. وهنا يشير الكاتب إلى أن تركيا تعد أول دولة إسلامية تعترف بـ"إسرائيل"، ما اعتبرته الدولة الصهيونية إنجازًا، وأن ذلك سيكون مقدمة للدول الإسلامية الأخرى، التي ستحذو حذوها في الاعتراف بــ"إسرائيل" وإقامة علاقات معها.

  لقد احتلت تركيا ركنًا مهمًا في المخططات الصهيونية قبل وبعد قيام إسرائيل، التي أرادت الالتحام جغرافيًا بالبر الأوروبي عبر الجسر التركي، والتي تتمتع بمركز استراتيجي مهم من المنظور الإسرائيلي، فعن طريقها يمكن ضبط دول الجوار (العربية) والتحكم فيها بطريقة غير مباشرة. وهنا يؤكد الكاتب أن العلاقات بين تركيا وإسرائيل أقوى ارتباط استراتيجي تقيمه، بعد ارتباطها بالولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، بل فاق ارتباط "إسرائيل" مع تركيا ارتباطها بتلك الدول في بعض الأحيان، نظرًا لاعتبار الإسرائيليين تركيا الصديق القريب جدًا إليهم من حيث البعد الجغرافي .ويوضح الكاتب أن العلاقات بين الدولتين تجلّت أهميتها على مستوى الهجرة اليهودية إلى فلسطين المحتلة، إذ كانت تركيا تمثل جسرًا لعبور اليهود المتجهين إلى الكيان من إيران وروسيا ووسط آسيا وأوروبا الشرقية ومناطق أخرى .

وهنا يحاول الكاتب كشف حقيقة الوجود اليهودي في تركيا ونشاطه في المجالات المختلفة، وحقيقة الموقف التركي من هجرة اليهود الأتراك إلى فلسطين، فضلًا عن محاولات إزالة الغموض عن الدوافع التي جعلت تركيا تعترف بــ"إسرائيل" وطبيعة العلاقات الدبلوماسية بينهما، فضلًا عن أثر سياسة الأحلاف الغربية في منطقة الشرق الأوسط، إضافة إلى محاولة التعرف إلى الموقف التركي تجاه الصراع العربي-الإسرائيلي، وحقيقة العلاقات العسكرية بينهما .

  في عرض الكاتب للجانب الاقتصادي يصل إلى أن تركيا اعتبرت إسرائيل المفتاح الرئيسي لنادي الأسواق والمؤسسات المالية العالمية، وفي المقابل اعتبرت إسرائيل تركيا مفتاحًا وموقعًا استراتيجيًا مهمًا للسيطرة على الشرق الأوسط، وبابًا عريضًا لدخول أسواق القارة الآسيوية. كما رأى الإسرائيليون أن تركيا قادرة على أن تشكل صالة العرض لكل ما تنوي إسرائيل تسويقه، ما جعل العلاقات التجارية بين الطرفين تحقق أعلى ميزان تجاري في منطقة الشرق الأوسط وحدوث أعلى معدلات للتبادل التجاري بينهما لاعتماد إسرائيل على تصدير الصناعات المختلفة إلى تركيا، في الوقت الذي تستورد فيه منها المواد الغذائية المختلفة. كما عقدت تركيا مع إسرائيل اتفاقية تجارية سنة 1950 واتفاقية شحن وتفريغ بين الدولتين سنة 1951. وبعد عضوية تركيا في حلف الأطلسي (الناتو) أصبح حضورها رسميًا في المعسكر الغربي تحت زعامة الولايات المتحدة الأميركية، وأصبحت سياستها الشرق أوسطية تقترب إلى الأيديولوجية الأميركية.

   يبقى أنه على الرغم من البداية القوية للعلاقات التركية - الإسرائيلية، فإن أنقرة قطعت علاقتها بتل أبيب بعد اعتداء الأخيرة على مصر، في "العدوان الثلاثي" في عام 1956، واستمرت القطيعة بين تل أبيب وأنقرة، حتى العام 1958. لكن التطورات في الشرق الأوسط، في النصف الأول من العام 1958، والمتمثلة في نشوء "الجمهورية العربية المتحدة" بين مصر وسوريا، و"الاتحاد الهاشمي" بين الأردن والعراق، واندلاع ثورة العراق، قد تركت أثرها على تحول السياسة التركية بالإيجاب نحو إسرائيل، مجددًا، وتلاقت الدولتان في ضرورة إجهاض أي وحدة عربية تنشأ في المنطقة.

وبدأ واضحًا أن الدولتين، تركيا وإسرائيل، تلاقت أفكارهما حول إجهاض الوحدة العربية، مع تخوفهما من التقارب العربي مع الاتحا السوفياتي، آنذاك، بالإضافة إلى رفضهما تعزيز مكانة مصر في المنطقة، بعد تخوفهما من نمو دور عبد الناصر في الشرق الأوسط. وفي عام 1958، وقع ديفيد بن غوريون وعدنان مندريس اتفاقية تعاون ضد التطرف ونفوذ الاتحاد السوفياتي في الشرق الأوسط، حيث ارتبطت تركيا وإسرائيل بعلاقات اقتصادية وعسكرية.

والكتاب يمر على أشكال هذا التعاون في تلك الحقبة الزمنية المحددة، وكذلك الاتفاق الرباعي الذي تم بين تركيا وإسرائيل وإيران وإثيوبيا، في العام نفسه (1958)، وهو التحالف الذي سُمي، آنذاك، بالتحالف المحيطي الخارجي، أو "حلف الدائرة". وكان الهدف الأساسي من هذا التحالف الرباعي، هو التصدي للمد السوفياتي في منطقة الشرق الأوسط. فيما أرسى الانقلاب العسكري التركي، في العام 1960، قاعدة لتوطيد العلاقات العسكرية بين الطرفين، بدعوى أن المؤسسة العسكرية هي التي تحافظ على تلك العلاقات مقارنة بالسياسيين. وغالبًا ما كانت تلك العلاقات تتم في السر، ومن دون معرفة الشارع التركي، وربما بعض السياسيين الأتراك.

  يبقى خطأ جسيم وقع فيه الكاتب ومعه دار النشر، تمثلت في وضع عنوان خارجي للكتاب مقتص جزئيًا من العنوان الداخلي. حيث جاء العنوان الداخلي (تركيا وإسرائيل حقائق الذاتية ومزاعم الموضوعية 1949-1960)، ولم تُكتب الحقبة الزمنية لموضوع الدراسة (1949-1960) على الغلاف الخارجي، وهنا يتوهم للقارئ أن الكتاب يدور في فلك العلاقات التركية الإسرائيلية في السنوات الأخيرة. كذلك حاول الكاتب عمل إسقاطات لكل سرد تاريخي على أحداث تركيا المعاصرة في القرن الحادي والعشرين، وفترة الدولة المعاصرة، وموقفها من الصراع العربي الإسرائيلي.