100 عام على وعد بلفور

وجدت إنجلترا وأوروبا أن الوسيلة الوحيدة التي تمكنها من السيطرة على المنطقة هي أن تزرع دولة إسرائيل بحماية بريطانية أوروبية تقدم لهم العديد من الضمانات، أولها هو عدم اتحاد مصر والشام في حِلف عربي مُوَحّد يسيطر على نهر النيل وشمال إفريقيا من ناحية، وقناة السويس وآسيا الصغرى من ناحية أخرى، كما حدث في فترة حكم محمد علي باشا.

كتاب "100 عام على وعد بلفور" للكاتب ميسرة صلاح الدين

عمل اليهود على استغلال وترويج فكرة اضطهادهم من الدول القديمة التي كانت تحتل المنطقة العربية، واستغلال فكرة اضطهادهم الحديث كذلك من أوروبا وبخاصة في فترة الحكم النازي لألمانيا، والتقت بذلك رغبتهم في إقامة وطن لهم مع رغبة الدول الاستعمارية في إضعاف دول المنطقة.

كان مصير الأراضي الفلسطينية محل اهتمام في دوائر الحكم في بريطانيا، خاصة بعد دخولها الحرب العالمية الأولى مباشرة، وكان أول لقاء بين حاييم وايزمان، زعيم الحركة الصهيونية لاحقاً، ورئيس الوزراء البريطاني آرثر بلفور عام 1904 تناول موضوع إقامة وطن لليهود في فلسطين، وعلى الرغم من أن علاقة الحكومة البريطانية تجاه اليهود والصهيونية لم تكن واضحة بل وكان يتخللها الريبة والحذر، ولكنها رأت أن هناك مصالح متبادلة من الممكن أن تحقق مكاسب لها خاصة في وقت الحرب، واحتلالها العديد من الأماكن في المنطقة العربية، فكان وعد بلفور في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني من العام 1917 "وعد من لا ييملك لمن لا يستحق".

يتحدث الكتاب مفسراً التاريخ الديني والأدبي لبني إسرائيل، وكيف صارت معتقداتهم الدينية والأدبية التي عملت بمثابة الغذاء الروحي لليهود، على الرغم من أنها ليست حقائق مثبتة علمياً، فاتخذوا منها سبيلاً لمواجهة صراعهم مع الشعوب الأخرى، التي كانت في المنطقة أو وفدت إليها.

وعرض الكاتب للعقائد اليهودية عبر التاريخ، والمؤامرات العصرية على العرب، والرسائل بين السير آرثر ماكماهون مندوب الملك البريطاني في مصر، وبين الشريف حسين حاكم مكة، مع بداية الحرب العالمية الأولى، حول مستقبل المنطقة بعد الحرب، وكيف انتهى الأمر إلى "وعد بلفور" في الثاني من نوفمبر تشرين الثاني من عام 1917، ثم ما حدث من مؤامرات واتفاقات بعد ذلك لقيام دولة إسرائيل.

 


وعد بلفور .. المقدمات والنتائج

وعد بلفور مثله كمثل العديد من الوعود والتصريحات التي تصدر في حالات الحروب، يحاول من خلالها السياسيون الحصول على العديد من المكاسب الممكنة من الحلفاء والأعداء، أو كالوعود التي يلقي بها الملوك والزعماء في خطاباتهم الحماسية، وهو ما فعلته بريطانيا في هذا الوقت بالتزامن مع الحرب العالمية الأولى، ولكن نقطة الحسم في تنفيذ هذا الوعد والتمسك به هو إصرار اليهود أنفسهم على انتزاع وطن ودولة من أيدي من حولهم من الحلفاء والأعداء، وهو ما قاله ديفيد بن غوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل: "لا يهم ماذا يقول العالم، المهم ماذا يفعل اليهود".  

 

نص وعد بلفور

"وزارة الخارجية

في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني سنة 1917

عزيزي اللورد روتشيلد 

يسرّني جداً أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته، التصريح التالي الذى ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته:

" إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة مقام قومي في فلسطين للشعب اليهودي، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التى تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أى بلد آخر".

وسأكون ممتناً إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيوني علماً بهذا التصريح

المخلص

آرثر جيمس بلفور"

 

وعلى الرغم من أن الرسالة لا تتضمن كلمة "دولة" بل تحدثت عن وطن وتؤكد على عدم القيام بأي شيء من شأنه أن يمس الحقوق المدنية والدينية للجماعات الأخرى التي تعيش في فلسطين، إلا أنها ساهمت في تشجيع يهود القارة الأوروبية على الهجرة إلى فلسطين خلال الفترة ما بين الحرب العالمية الأولى والثانية، في وقت كانت القارة تشهد صعوداً للتيارات القومية المعادية للسامية.

كان اللورد روتشيلد هو أول يهودي يعين في مجلس العموم البريطاني، وكان رئيساً لفرع المنظمة الصهيونية العالمية في بريطانيا، وإن كان هذا الوعد الذى كتب تاريخ جديد للمنطقة بكاملها من بلفور كطرف مانح وموثق لوعد حكومة انجلترا وصاحب جلالتها الملك جورج الخامس يشير إلى قدر كبير من التفاهم بين الجانبين الانجليزي واليهودي، ولكنه في الحقيقة تحكمه العديد من المصالح الأخرى.

 


بريطانيا .. من أجل المصلحة

 

أوضح الكتاب أن أهم تلك المصالح هو حصول بريطانيا على دعم الجالية اليهودية في الولايات المتحدة في خلال الحرب العالمية الأولى، وذلك نتيجة لما تتمتع به من نفوذ واسع هناك لدفع الولايات المتحدة للاشتراك في الحرب إلى جانب بريطانيا، إضافة إلى ذلك وجود التيار المتصاعد في ذلك الوقت الذي يسمّى الصهيونية المسيحية بقيادة العالم اليهودي البارز حاييم وايزمان، الذي كان على علاقة قوية بالنبلاء الإنجليز، فضلا عن أنه استطاع أن يؤسس حلماً يهودياً / مسيحياً مشترك ذا طابع ديني تتعلق بعقيدة عودة المسيح وقيام مملكته في القدس.

وأشار الكاتب إلى أن شهرة وايزمان في الأوساط العسكرية بسبب أبحاثه الكيميائية لاستخلاص الأسيتون الذي يعد مكوناً أساسياً في صناعة المتفجرات التي تسخدم تحت الماء، هو ما لفت أنظار الأوساط العسكرية البريطانية حيث تمثل اكتشافاته إضافة هامة لترسانتها الحربية التي كانت في أمس الحاجة لأي دعم.

وأكد الكتاب أن عودة اليهود إلى القدس دائماً ما كانت تقُبل بالرفض من الدوائر الحكومية الرسمية في بريطانيا فحسب، بل إن اليهود أنفسهم في بريطانيا كانوا ضد الصهيونية بوجه عام، وضد إنشاء وطن قومي لليهود، إدراكاً منهم للفرق بين "بريطانيين/ يهود" وبين "يهود / بريطانيين". فكان من مصلحتهم تقليل هذا الفارق للحفاظ على المكاسب اليهودية في بريطانيا على مر العصور. وكان على رأسهم أثرياء اليهود الذين تخوفوا من فقدان أملاكهم بين ليلة وضحاها، ليذهبوا إلى فلسطين ويبدأوا حياتهم من نقطة الصفر عملاً بالزراعة، أو حملاً للأسلحة في مواجهات مسلحة بدلاً من حياة الترف والرفاهية.

نشأت العديد من التيارات الممانعة للصيهوينة حيث اعتبروا الصهيونة شكلاً من أشكال معاداة السامية، إدراكاً منهم أن الانتقال إلى فلسطين وتجميع اليهود كلهم في مكان واحد سيشكّل خطراً كبيراً على اليهود خاصة عند طردهم للسكان الحاليين.

 


وعد بلفور .. وتدفق اليهود على فلسطين

 

أوضح الباحث أنه على الرغم من المعوقات والاعتراضات من قبل اليهود أنفسهم ومن قبل أطراف من الحكومة البريطانية وأطراف أخرى متعاطفة مع الدولة العثمانية، فقد صدر وعد بلفور في النهاية بالتزامن مع اتفاقية "سايكس بيكو". وسبق بلفور أي محاولات أخرى خاصةً من الجانب الألماني لإصدار وعد مماثل لليهود يضمن تحالفهم وولاءهم خلال الحرب.

وفي ظل تحالف الألمان مع العثمانيين الذين يسيطرون فلسطين في الأساس، لذلك فقد أكد الكتاب أن اليهود في مفاوضتهم مع التاج البريطاني كانوا في معركة محسوم نتيجتها لصالحهم بشكل أو آخر.

بدأت أعداد المهاجرين اليهود في الازدياد لتصل إلى 320 ألف نسمة حتى عام 1930، مما ساهم فى تغيير التركيبة السكانية للمجتمع الفلسطيني الذى كان يمثل فيه اليهود أقلية بنسبة 3% فارتفعت لتصل إلى 30% من عدد السكان، وتسبب تلك الهجرات في مشكلة اجتماعية لليهود أنفسهم، فقد كان اليهود الأوروبيون يختلفون عن يهود فلسطين الأوائل الذين سكنوا فلسطين قبل الهجرات وامتزجوا بمجتمعها بقدر كبير وتحدثوا اللغة العربية، بل كانت نواياهم تجاه فلسطين تختلف كلياً عن اليهودي الأوروبي الذى يرفض واقع فلسطين الحالي، بل أنه يحمل الفكر الاستعماري الأوروبي.

أخذ اليهود يتوسعون في شراء الأراضي وإقامة الكيبوتسات، فتغيرت نسب وحدود الملكية، فأدرك الفلسطينيون أنهم أمام خطر حقيقي، فعقدت القبائل الفلسطينية المؤتمر الوطني الأول عام 1919 لإدانة ورفض وعد بلفور ولكنه لم ينجح. وتصاعدت المقاومة الفلسطينية للاستيطان، ولكن على الرغم من ذلك اتخذت عصبة الأمم قراراً في عام 1922 بفرض الانتداب البريطاني على فلسطين متضمناً وعد بلفور، وهو ما أكسب الوجود اليهودي في فلسطين شرعية دولية موثقة، بل شجّع اليهود على تغيير سياستهم الاستيطانية وتطويرها. فلم يكتفوا بالكيبوتسات فبدأوا في بناء مدن حديثة على الطراز الأوروبي، وظهرت تل أبيب مدينة يهودية خالصة لا يعيش فيها العرب.

وأضحت بريطانيا أمام مشكلة حقيقة بسبب تزايد أعداد اليهود المهاجرين، في الوقت الذي كانت تسعى فيه للحفاظ على علاقات جيدة مع العرب، وأن تحد من الأطماع الصهيونية التي ربما تطمع في إلغاء الانتداب البريطاني وتهدد وجودها في فلسطين. ومع استمرار الهجرات اليهودية في التدفق، تمكن قادة اليهود وميليشياتهم العسكرية من فرض الأمر الواقع على الساحة الفلسطينية وساعدهم في ذلك اللاعب الدولي الجديد الذي ظهر على الساحة السياسية، أي الولايات المتحدة الأميركية.

ومع تصاعد العنف الألماني تجاه اليهود، وبخاصة خلال الحرب العالمية الثانية، كانت فلسطين هي الملجأ المناسب لهم، ولكن بخسارة الجيش الألماني، وسقوط مدينة برلين 1945 في أيدي الحلفاء، وانتحار هتلر وقادة الحزب النازي. وقد بدأت الآلة الإعلامية الأميركية بالتجول داخل ألمانيا ما بعد الحرب لتكشف معسكرات الاعتقال النازية والمقابر الجماعية وأفران الحرق وتبثها إلى العالم بالتركيز على اليهود بشكل خاص على حساب كل الضحايا الآخرين كورقة لعب وضغط أمام المجتمع الدولي في سبيل مساعدة اليهود وتبرير إقامة دولة لهم في فلسطين، فأصبح الصهاينة أكثر تصميماً على بناء وطن خاص بهم بل وأصبح العالم أكثر تعاطفاً معهم.

 


الانسحاب البريطاني .. وتقسيم فلسطين

يوضح الكتاب موقف الجانب البريطاني الذي صار متخوفاً من استمرار هجرة اليهود، وضياع فلسطين التي تعد موقعاً استراتيجياً هاماً لبريطانيا، فحاولت الأخيرة أن تقدم لهم وطناً بديلاً في أواسط أوروبا أو إفريقيا. ولكن الهجرات استمرت بكل السبل حتى الطرق غير الاعتيادية كالتهريب. وكان وراء ذلك الولايات المتحدة الأميركية، حتى بدأ اليهود في التصدي لبريطانيا ذاتها لتصبح في حيرة من أمرها. فبعد خروجها من حربين عالميتين، أصبحت تكلفة الحفاظ على فلسطين أكثر مما ينبغي، فأعلنت بريطانيا أنها عاجزة عن حفظ السلام في فلسطين بين العرب واليهود وستترك حل المسألة في أيدي الأمم المتحدة وهو ما يعني رغبتها في الإنسحاب تحت ستار دولي.

وقد شُكلت لجنة من الأمم المتحدة وأُرسلت إلى القدس لتقصى الحقائق، فعمل اليهود على التواصل معهم وإقناعهم بأحقيتهم في المطالبة بأرض فلسطين، وأن مدنهم ومزارعهم أكثر تطوراً وحضارة وأقرب إلى الطراز الأوروبي من العرب التي تعتبر مُدنهم بدائية وبسيطة لتصبح اللجنة أكثر اقتناعاً بأمرين، وهما: انسحاب بريطانيا من فلسطين وحل الدولتين، وهو ما تحقق حيث أعلنت بريطانيا انسحابها من الأراضي الفلسطينية في آب أغسطس 1948.

بدأت المشاورات داخل الأمم المتحدة بحضور مبعوثي الدول: الولايات المتحدة الأميركية، روسيا، سوريا، المملكة العربية السعودية، العراق وغيرهم، في حين بدأ رجال الأعمال اليهود الموالون للصهيونية بالضغط على الدول التي لها حق التصويت، وكان أبرزهم "فايرستون"، تاجر المطاط الأميركي وصاحب شركة الإطارات الشهيرة Firestone . وصدر القرار 188 بتاريخ 29 تشرين الثاني نوفمبر 1947 بتقسيم فلسطين بموافقة 33 دولة، ورفض 13 دولة فقط وامتنعت 10 دول عن التصويت، فاندفع اليهود في شوراع تل أبيب للرقص والاحتفال، ولكن أدركوا جيداً ما سيفعلونه بعد ذلك.

تطور الصراع في فلسطين، وتغيرت صوره وأشكاله ليصبح ذات طابع ديني وعقائدي وسياسي وقومي، وأصبح لكل شيء في تلك المنطقة هويتان وتمزقت الشخصية العربية، فالمدن والشوارع العربية صارت بأسماء عبرية، والتقاليد العربية تزاحمها تقاليد عبرية، وكذلك الأعياد والمناسبات والمواسم "حتى صار الأصل بعيداً باهتاً غير واضح المعالم"، وبدأ كل شيء في 14 أيار مايو 1948 عندما وقف بن غوريون في تل أبيب معلناً قيام دولة إسرائيل.

 


بن غوريون .. وإعلان الكيان

 

تجاهل خطاب بن غوريون العديد من المصطلحات والدلالات التى بإمكانها على مر التاريخ أن تُدين إسرائيل، مؤكداً على مصطلحات وكلمات دلالية أخرى كالشتات، والسلام، والحق الطبيعي، وخلاص الشعب اليهودي، فضلاً عن أن اليهود أطلقوا على هذه الفترة "حرب التحرير" والتي كانت نكبة على الشعب الفلسطيني والمنطقة العربية بكاملها، حيث بدأت مصر والسعودية والأردن والعراق وسوريا ولبنان بالتحرك عسكرياً لإبطال قرار إنشاء إسرائيل.

وعلى الرغم من أن الجانب الإسرائيلي لم يكن نظامياً ولكن خسر العرب الحرب أمام اليهود الأكثر تدريباً فقد حولوا كل ما لديهم إلى أسلحة، وكانت سفن اليهود القادمة من أوروبا بمجرد وصولها يتسلم رجالها السلاح. قَبِل العرب الهدنة في 19 تموز يوليو 1949، والتي اعتبرت اعترافا ضمنياً بإسرائيل.

والآن .. مر قرن على وعد بلفور، حين وجدت إنجلترا وأوروبا أن الوسيلة الوحيدة التي تمكنها من السيطرة على المنطقة هي أن تزرع دولة إسرائيل بحماية بريطانية أوروبية تقدم لهم العديد من الضمانات، أولها هو عدم اتحاد مصر والشام في حِلف عربي مُوَحّد يسيطر على نهر النيل وشمال إفريقيا من ناحية، وقناة السويس وآسيا الصغرى من ناحية أخرى، كما حدث في فترة حكم محمد علي باشا.