تناسخ الأمكنة .. لنا عبد الرحمن روح لاهثة بين المدن

"إلى الذين واجهوا أشباحهم بثبات ...إلى الخاسرين كثيراً، الحالمين دوماً، إلى الذين ربطوا أجسادهم إلى سارية السفينة .." هكذا أهدت عبد الرحمن روايتها الأخيرة "قيد الدرس" التي صدرت عام 2016 عن دار الآداب اللبنانية.

رواية "ثلج القاهرة" للكاتبة لنا عبد الرحمن

ولدت الكاتبة اللبنانية لنا عبد الرحمن عام 1975، حصلت على درجة الدكتوراة عام 2010 من جامعة ببل هيلز في أهمية الجسد الإنساني في السير الذاتية، مع التركيز على الكاتبات اللبنانيات. تعيش عبد الرحمن وتعمل في القاهرة منذ عام 2002، نشرت ثلاث روايات قبل روايتها "ثلج القاهرة"، هي" حدائق السراب" عام 2006، "تلامس" عام 2008 ، "أغنية لمارجريت" عام 2011. نشرت أيضًا ثلاث مجموعات قصصية هي: "أوهام شرقية" في عام 2004 و"الموتى لا يكذبون أبدًا" عام 2006، و"صندوق كرتوني يشبه الحياة" عام 2017.

"ثلج القاهرة" هي الرواية الرابعة للكاتبة اللبنانية لنا عبدالرحمن، نشرتها عام 2013 دار آفاق للنشر في القاهرة. هي رواية متشعبة، ليس فقط عبر المدن ولكن داخل النفس الإنسانية أيضاً. يمكن قراءة الرواية بوصفها رحلة اكتشاف لحياة امرأة سورية هي بشرى، التي يبدو أنها تعبر طريقاً طويلاً محفوفاً بالعقبات، ولكن الرحلة تواكب حيوات وأحداث أخرى. تتبع الرواية حكاية بشرى المفتونة بحياة امرأة عاشت منذ مائة عام تدعى نورجيهان. نحن هنا بإزاء فكرة الاستنساخ. من ثم تصبح تيمة الاستنساخ ذاتها مبرراً لإثارة أسئلة عميقة عن الذاكرة: "ما فائدة التذكر إذا كنا عاجزين عن الفعل؟" هي إحدى الجمل المفتاحية في الرواية.

نعود إلى نورجيهان، وهي تجسّد شخصية أميرة، ومن وصف حياتها المرفهة يشعر القارىء أنه في عالم من الفانتازيا. قبل أن يمضي وقت طويل، تبدأ القصة المأساوية لبشرى-انتقالها إلى القاهرة، ثم عودتها إلى سوريا بحثاً عن جذورها وتحققها من هويتها- تترسخ.

لقد صوّرت الكاتبة الشعور بالانتقال المكاني بشكل مؤثّر في مشهد استيقاظ بشرى إثر كابوس حيث رأت القاهرة فيه مغطاة بثلج أبيض وهي تجري لتلتقط الرقائق لتأكلها حتى أصبحت هي نفسها متجمدة في شكل تمثال. إن احتمال إصابتها بالشلل يصيبها بالفزع: أهكذا يشعر الأموات في اللحظة التي تغادر فيها أرواحهم أجسادهم، واعين بما يدور حولهم ولكنهم لا يستطيعون القيام بأي فعل؟ تتساءل عبدالرحمن في روايتها.

إذن، هل أرادت الكاتبة هنا أن تنقل أجواء الشام إلى أجواء القاهرة الحارة؟ هل هو شعور بالاغتراب والوحدة؟

"كانت علاقتي مع المكان تبدو لي ملتبسة أحياناً في السابق، لأن الأمر ينطوي على تساؤلات كبيرة متعلقة بالأماكن التي نشأنا فيها وننتمي إليها، أو التي ارتحلنا نحوها. وهل ينبغي للكاتب النظر إلى علاقته مع المكان باعتباره واقعياً أو نصّياً، بمعنى مقاربة تاريخه المكاني ورؤية انعكاس تلك الأماكن في كتابته، أو التأمل في نصوصه واكتشاف سبب حضور هذا المكان تحديداً دون سواه، سواء أكانت مدينة ينتمي لها أو شارع يسكن فيه، أو مكان متخيل لم يعرفه" تقول عبد الرحمن في حوار تبادلته معها.

تمتلىء الرواية بالشخصيات التي تتراوح ما بين المحورية والهامشية. يبدو أن الكاتبة لم تكتفِ بالانتقال المكاني، فهي تحاول أن تجسّد انتقال الروح من جسد إلى آخر. إلى جانب بشرى هناك على الأقل ثلاث شخصيات مؤثرة: نبيلة، والدة بشرى، مصرية وقعت في حب شاب سوري مثقف حينما كانت ممثلة صغيرة وغادرت القاهرة لتعيش حياة غريبة ووحيدة معه في دمشق. هناك أيضاً صوفي، الشاب المثقف الذكي الذي قابلته بشرى عند عودتها إلى دمشق، بينما يظهر عمو نجيب، صديق والدتها وحبيبها السابق بوصفه كاتم الأسرار. الشخصيات الأخرى مثل ناجي، حبيب بشرى السابق، أسماء التي تشاركها السكن تبدو مهلهلة قليلاً. تبقى نور-جيهان أيضاً شخصية هامشية، وحتى بشرى ذاتها تنجو فقط -كشخصية روائية- من خلال تعقد رحلاتها.

عند وفاة والد بشرى تبيع نبيلة سراً بيت دمشق وتعود مع ابنتها إلى القاهرة – في لحظة من اللحظات الدلالية في حياة بشرى. في القاهرة كل شيء مختلف: الناس، الطرق واللغة. بعد شهور قليلة من استقرارهما معاً في شقة صغيرة في حي المنيل، أحد أحياء القاهرة المطلة على النيل وتسكنها الطبقة المتوسطة، وهو المكان الذي عاشت فيه نورجيهان أيضاً وقتلت فيه بواسطة خادم لها- تموت نبيلة. على الرغم من الحزن الذي يفيض به الفصل الأول، يبدأ القارىء في التصالح مع فكرة الموت.

تعود فكرة التناسخ لتطرح نفسها من جديد. في الحقيقة تطرح فكرة التناسخ أسئلة أكثر من تقديمها حلولاً؛ تطرح عبد الرحمن الكثير من التساؤلات، الساخرة، والغريبة والمؤثرة أيضاً، في النصف الثاني من الرواية بالمقارنة بنصفه الأول.

تنقسم الرواية إلى ثلاثة أجزاء، لكل منها أجزاء فرعية معنونة. عبر الرواية يتصاعد صوتان: تحكي بشرى قصتها بلغة تبتعد عن الفصحى بلا أثر من اللهجة السورية، بينما نورجيهان تقدم نوعاً من المونولوج الفلسفي بلغة عربية كلاسيكية.

تقول عبد الرحمن إن الفكرة الأصيلة للرواية تدور حول الحياة الأخرى لنور جيهان، وهي الضمير الأعلى لروح بشرى، المفتونة بها إلى حد الهوس. هل صحيح أنها عاشت حياة أخرى في عصر آخر؟ تتساءل الكاتبة.

في نهاية الرواية يكتشف القارىء أن نورجيهان بدورها تعتقد أنها أيضاً استنساخ لروح راقصة غجرية تدعى سولاي. "إنه نوع من اللعب الميتافيزيقي، تقاطعات ما بين الخيال والواقع. كلاهما موجود في الحياة؛ الخيال يجب أن يحتل جزءاً من حياتنا حتى يمكننا أن نتأمل ونكتشف".

"لقد تطلب الأمر مني عامان لكي أدرس أصل ظاهرة الاستنساخ، لأعرف إن كانت صحيحة علمياً أم لا. في الحقيقة، ما دفعني لكتابة الرواية هو افتتاني بالفكرة. لطالما شعرت أنني عشت حياة أخرى، في أماكن مغايرة. وكثيراً ما تراودني صور أناس وأماكن لم أرها من قبل"، تستطرد عبد الرحمن. "لقد حدث ذلك لي حينما جئت إلى القاهرة للمرة الأولى وتجولت في أحياء مثل الزمالك والمنيل وشعرت وقتها أنني رأيت تلك الأماكن من قبل. أعتقد الآن أن هناك صوراً وخيالات تنتقل إلينا عبر أجدادنا من خلال الجينات الوراثية، أو ربما من خلال الهواء أو الطعام الذي نتناوله"، تضيف عبد الرحمن. 

نجد صدى أفكار الكاتبة في اقتباس من حديث لبشرى في النصف الثاني من الرواية وهي تتجول في قارب نيلي مع ناجي: "أين تذهب أفكارنا وأحلامنا بعد أن نموت؟".

"ثلج القاهرة" دعوة للتصالح ما بين شخصيتين، حياتين ومكانين: "الذات ما هي إلا صوت خفيض في الفراغ اللانهائي" كما تقول.

 


رواية "قيد الدرس"

رواية "قيد الدرس" للكاتبة لنا عبد الرحمن

"إلى الذين واجهوا أشباحهم بثبات ...إلى الخاسرين كثيراً، الحالمين دوماً، إلى الذين ربطوا أجسادهم إلى سارية السفينة .." هكذا أهدت عبد الرحمن روايتها الأخيرة "قيد الدرس" التي صدرت عام 2016 عن دار الآداب اللبنانية. في 246 صفحة، نواجه مع الكاتبة فكرة الترحال والاغتراب مرة أخرى، بشكل أكثر تعقيداً وواقعية وتشويقاً بالمقارنة بعملها الروائي السابق "ثلج القاهرة".

تحكي الرواية قصة أسرة أجبرت على الانتقال من بيروت إلى دير السرو ثم عودتها إلى بيروت مرة أخرى.

تنقسم الرواية إلى ثلاثة أجزاء، متتبعة مصائر الجدة سعاد، التي تزوجت من عوض التركي المعروف بمغازلته للنساء، وابنتها نجوى التي تزوجت من باسم، وأبنائها الأربعة. تتجلى شخصيتا حسن وليلى، الإبنين الأكبر سناً في الجزء الأول من الرواية، سرداً وحواراً. تبدو ليلى بائسة، دائماً ما تتمتم، الحياة ليست عادلة، فقد أجبرت على الخروج من التعليم وترك ربيع، الرجل الذي أحبته. بينما حسن، شاب مثقف هاجر إلى فرنسا، أجبر على العودة مع نهاية الرواية لمساندة أسرته.

في الفصل الثاني المعنون بيروت- دير السرو 1982، تصف الكاتبة هروب الأسرة من الغزو الإسرائيلي لبيروت، حيث يعيشان في حي وادي أبو جميل، إلى شتورة في وادي البقاع، حتى استقرارهم في دير السرو، حيث استطاعوا استئجار بيت متواضع. أهوال الحرب اللبنانية نشاهدها بكثافة هنا: "رجال مسلحون ووجوه ملثمة عند الحواجز العسكرية تحدق بركاب كل سيارة، ثم تشير إلى المشتبه بهم، حينها يؤمر السائق بصف السيارة يميناً، وبعنف شديد يجرون الرجل أو المرأة، التي أشير إليه أو إليها...ترتفع الصرخات ثم تتلاشى أمام التهديدات والشتائم والوعيد".

 في باب بعنوان "عالم خاص" تحكي ليلى عن قريتها التي ضاعت هويتها ما بين لبنان وفلسطين. "قال عني أحد التلاميذ يوماً أنتو مش معروفين من وين...هجين ..هجين. بكيت وأنا أقول إني لبنانية، وأن أبي يقاتل من أجل أن يحرر الجنوب وفلسطين المحتلة، كنت أفكر في (قَدَس)، تلك القرية التي لا أعرفها وسمعت اسمها مراراً من أبي، هل أنتمي لها حقاً؟ ...أنتمي لعائلة مهجرة، وأب مجهول المصير، وأم تتعاطى مع الحياة بنوع من اللامبالاة".   

مرة أخرى نحن بإزاء رحلة-نسوية هذه المرة تقودها سعاد وقريبتها نجمة، تتبعهما نجوى وأبناؤها. تصف الكاتبة الرحلة كصراع نسوي للبقاء في ظل رائحة الموت في ظل ظروف وحشية يسيطر عليها رجال.

أسأل عبد الرحمن إن كانت في هذه الرواية قد اقتربت أكثر من تأثر شخصي بتيمة الترحال واختلاف الأمكنة؟

"لقد أثار تساؤلك فكرة اهتزاز علاقتي مع المكان، انطلاقاً من حضور خلفيات الحرب كمشهد، الاجتياح الإسرائيلي للبنان الذي سبب تهجرنا كعائلة تركت بيتها بسبب الدمار، وفيما بعد بسبب الحرب الأهلية. كان الجميع يغادرون لبنان، وفي عيني الطفلة التي كنتها، بدا لي السفر وكأنه أمر عادي. بالرغم من أن أسرتي لم تغادر لبنان، فقد ظلت فكرة "الرحيل" حاضرة"، تقول عبد الرحمن.

نعود إلى إحدى الشخصيات المحورية في "قيد الدرس"، نجوى، امرأة مدللة لها جسد جميل وشعر أحمر جذاب، تجد نفسها في حالة من الصدمة بواقعها الجديد. نتعرف في الجزء الأول من الرواية على قصة زواجها من باسم، وهو مجاهد مرتزق حارب في لبنان والعراق وفي أماكن أخرى، ولديه هوية "قيد الدرس"، ينتهي به الأمر إلى الهروب والتخلي عن أسرته. من خلال نجوى، نقرأ قصصاً مسلية عن عواد، والد نجوى، الكردي الذي تزوج ثلاث نساء بخلاف أمها.

تبدأ تراجيديا نجوى الحقيقية منذ سنوات، حينما غادرت فاطمة والدة باسم، وكانت أرملة فلسطينية، موطنها بعد النكبة عام 1948 بلا وثائق تثبت هويتها. يرث باسم "أزمة الهوية" تلك، ويورثها لأبنائه فيما بعد.

تنشغل الكاتبة في هذه الرواية أيضاً بتيمة الهويات المتعددة، فمن خلال باسم تلقي عبد الرحمن الضوء على حقائق تاريخية: في عام 1922 توقع بريطانيا وفرنسا اتفاقية تسمى نيو كامب، المعسكر الجديد، فصلت بمقتضاها 7 قرى عن جنوب لبنان وألحقت بفلسطين. بعد الاحتلال الإسرائيلي للقرى السبع والتهجير القسري لمواطنيها لأجزاء مختلفة من لبنان، أقيمت المستعمرات اليهودية لكي تمحي هويتها العربية. في عام 1960 حاولت السلطات اللبنانية حل مشكلة هؤلاء المهجرين، بالإضافة إلى آلاف الأقليات الأخرى مثل الأكراد. لقد أعلموا جميعاً أن مطالبهم "قيد الدرس" ويمنحون هويات بهذا الاسم. "أليس هذا محو متعمد للهوية، ليس فقط للأرض وللناس، ولكن للذاكرة أيضاً؟"، يتعجب بسام.


التهجير اللبناني جوهر رواية لنا عبد الرحمن

الكاتبة اللبنانية لنا عبد الرحمن

لأسباب عديدة يتعاطف القارىء مع هذه الأسرة التي عليها أن تخوض أزمات متعددة بخلاف الهوية: عليهم أن يخوضوا ويلات الحرب الأهلية  بلا أي سند مادي أو معنوي. تقدم الرواية أيضاً تحليلاً وصفياً لدير السرو جغرافياً وديموغرافياً. الدير، هو ملمح بارز للمكان، بناء غامض مهجور من الحجر يقع على أطراف المدينة، محاط بأعمدة ضخمة قديمة تحرسه من أعداء غير معروفين. بجواره جسر فوق نهر غزيل يشكل جزءاً من الطريق إلى دمشق. المكان حيث تنمو أشجار الجميز والبلوط، يتكون من تجمعات لبيوت من صفيح يسكنها فلسطينيون وبدو، بينما يسكن الفلاحون في بيوت مقامة فوق أراضيهم.

لهذا الجانب من الرواية فرادة خاصة حيث تمتزج دراما الشخصيات مع مكان جديد غير مألوف في الذاكرة العربية إلى جانب ثراء المشهد ذاته. المنطقة التي تحيط الجسر، لها أيضاً تاريخ فريد حيث تحولت بعد العدوان الإسرائيلي إلى سوق شعبي للمنتجات البدوية والبضائع المهربة. دير السرو هو مكان مهجور، ليس به مدرسة، ولا مستشفى ولا حتى مسجد. مع انفصال الطوائف المحلية، تشعر أسرة نجوى –التي لا تنتمي لأي منها-بوطأة العزلة والسخط.

 تمنح اللهجة اللبنانية في الحوارات وخاصة بين نجوى وليلى، قراءة الرواية حساً من الطزاجة والشغف. يمكن قراءة الرواية أيضاً بوصفها غاليري أنيقاً من الشخصيات الحيوية. تحكي الكاتبة قصص شخصياتها بشكل يكاد يكون منفرداً، حيث تمنح كل شخصية مساحة لتحكي قصتها، بالإضافة إلى عدد من الشخصيات الهامشية التي تضيف ثراء للحكي مثل الريس، مالك الفندق الذي يعمل به حسن، وياسمين ابنة نجوى الصغرى.

خلال الرواية نقرأ الكثير من الأحداث من وجهة نظر حسان-مغامراته وعلاقاته السرية مع البدويات، ولكننا نعرف تفاصيل أكثر عن حياة الأسرة المأساوية من ليلى بداية من عدم كفاية الطعام وعدم مهارة أمها في صنعه، ومحاولتها هي لإنشاء كشك صغير للمأكولات الخفيفة في أحد أركان المنزل، ونهاية بمشاعر الغربة والتوحد التي تنتابها.

تستطرد عبدالرحمن حديثها معي عن فكرة الترحال: "كانت المواجهة الأولى لي مع فكرة الحنين إلى المكان بعد انتقالي إلى القاهرة وإدراكي مدى تعلقي ببيروت، بالتفاصيل المكانية الصغيرة التي لا تعني أحداً ولكنها تشكل ذاكرتي: البحر، المقهى الذي أحب، شارعنا، شجرة التوت العتيقة، رائحة الطعام وأغنيات فيروز، تلك التفاصيل-حتى المزعج منها-صارت تحضر في كتاباتي سواء في القصص القصيرة كما في أول مجموعتين قصصيتين، أو في رواياتي الأولى: "حدائق السراب"، "تلامس"، و"أغنية لمارجريت" ثم "ثلج القاهرة".

في هذه المرحلة أجد الكاتبة داخلي تميل إلى التفكير في الأماكن على نحو أممي أكثر وتبني مقولة "أن في كل مكان على وجه هذه الأرض هناك سرير لي". بقدر ما تبدو فكرة الحنين استدعائية ومرهونة بالذاكرة والماضي لأنها تحمل جذورنا الأعمق، تبدو جارحة ينبغي التحرر منها لاكتشاف وجوه أخرى للأماكن وللحياة برمتها".

في القسم الثالث من الرواية، تعود الأسرة إلى بيروت بعد أن أصبح أفرادها في النهاية مواطنين لبنانيين. توافقت هذه العودة مع العودة المفاجئة لملكة، أخت نجوى، من مهجرها لكي تعيد توحيد الأسرة وتبني بيتاً جديداً مكان البيت القديم الذي دمر خلال الحرب الأهلية: رمز ربما لتوحد اللبنانيين بالرغم من اختلافاتهم الطائفية.

لكننا لسنا إزاء نهاية سعيدة؛ فقد أدى ظهور الموجة الجديدة من التطرف في التسعينات من القرن العشرين في دير السرو وفي مناطق أخرى في لبنان إلى انسياق حسن ابن نجوى الأصغر إلى إحدى الجماعات الإرهابية وتحولت ياسمين إلى راقصة في أحد الملاهي الليلية. ومن ثم انقلب حلم العودة بالتالي إلى كابوس، حلقة جديدة ضمن حلقات الحكاية المأساوية.

في مقابل هذه المأساة، سيظل القارىء يفكر مراراً في عنوان الرواية، ويتساءل: هل أقبل هويتي الحالية؟ هل أنتمي بالفعل إلى الثقافة العربية؟ هل أنا متصالح معها؟ أم أنها هي الأخرى هوية "قيد الدرس"؟