التعليم في العراق خلال الاحتلال البريطاني

يبحث الكاتب تاريخ التعليم في العراق خلال فترة الاحتلال العسكري المباشر والتي تبدأ من تاريخ احتلال البصرة في عام 1914 لغاية 1921، حيث تم تتويج الأمير فيصل بن الحسين ملكاً على العراق، متابعاً كل الأحداث والوقائع التي جرت من خلال البحث التفصلي في واقع التعليم، مدعماً البحث بالوثائق والصور والجداول الإحصائية ما يجعل الكاتب مرجعاً لتلك المرحلة.

كتاب "تاريخ التعليم في العراق في عهد الاحتلال البريطاني 1914-1921" للباحث عبدالرزاق الهلالي

لم يكتفِ الباحث بسرد الأحداث المركزية في تاريخ التعليم والأطر العامة لإدارته في البلاد بل استغرق في تفصيل طرائق التدريس وأنواع المدراس ولغات التعليم وملابس الطلاب وأجور الكودار التدريسية في ظل التطورات السياسية والاجتماعية التي مرّ بها المجتمع العراقي تحت وطأة الاحتلال البريطاني.

 كما يبحث الكتاب في تاريخ المنطقة حيث الصراع الدولي بين الدول الاستعمارية الكبرى، والألاعيب السياسة البريطانية والتي ثبتت في نهاية المطاف أقدام بريطانيا في المنطقة.

يسلط الكاتب الضوء على الصراع الذي شهدته المنطقة وصولاً الى  بسط النفوذ البريطاني على العراق، حيث أصبحت بغداد من أهم مراكز هذا النفوذ، وزاد اتصال العراق بالهند وأصبح ممثلو بريطانيا كأنهم ممثلون سياسيون لدولة مستقلة وليسوا مقيمين أجانب في جزء من الدولة العثمانية. إذ وقفت بريطانيا في وجه نابليون لمنعه من الوصول الى الهند، وقضت على الطموح الروسي للوصول الى المياه الدافئة من خلال اتفاق عام 1907 بعد خروج روسيا منكسرة من حربها مع اليابان. كذلك الأمر فعلت مع ألمانيا، بعد تمكنت مع خلال علاقتها مع الدولة العثمانية من الحصول على امتياز خط سكة حديد (برلين - بغداد). ولما كان هذا الاتفاق لا يوافق مصلحة بريطانيا عقدت اتفاقاً مع الدولة العثمانية في عام 1913 واستطاعت أن تضمن مصالحها في بلاد ما بين النهرين وكذلك اعترافاً بنفوذها على الكويت. وفي العام التالي 1914 عقدت بريطانيا اتفاق مع المانيا حصلت من خلاله على المشاركة في شركة سكة الحديد على أن تكون نهايته في البصرة، وأن تمتنع ألمانيا عن إنشاء ميناء أو محطة قطار في الخليج العربي من دون موافقة بريطانيا.

نشطت الدبلوماسية البريطانية بشكل كبير، حيث سعت الى ضم الموصل الى النفوذ البريطاني، وسعت من خلال تقديم المساعدة إلى الجمعية الكنسية التشبرية، والاتصال بجمعية الإسكان اليهودية لمساعدة المدراس في تعليم اللغة الإنكليزية من أجل زيادة النفوذ البريطاني في العراق على حساب الدولة العثمانية.

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى كانت الفرصة مواتية لبريطانيا لاحتلال البصرة حيث تحركت السفن الحربية لهذا الغرض في تشرين الأول اكتوبر عام 1914 واحتلت البصرة وأصبح السير برسي كوكس رئيساً للحكام السياسين البريطانيين.

كما خاضت بريطانيا معارك مع العثمانيين دخلت على أثرها الى الناصرية والى بغداد في عام 1917. ومع نهاية عام 1917 أصبحت بريطانيا تسيطر على معظم ولايات العراق الثلاث، وباشرت بريطانيا في تنظيم الإدارة المدنية في المناطق المحتلة، ودوائر العدل والشؤوت القانونية والعدل والمالية.


شؤون التعليم في ولاية البصرة

جنود بريطانيون في العراق بعد احتلاله

 مع احتلال القوات البريطانية البصرة، أغلقت المدراس التي كانت قائمة في العهد العثماني أبوابها وعطلت الدراسة فيها بعد أن انسحب معلومها مع القوات العثمانية. غير أن الحرب لم تؤثر على بعض المدراس المسيحية الأجنبية القائمة في البصرة  مثل المدرسة الأميركية والتي أنشاها في البصرة الدكتور جون فان أيس، والذي كان له دور مهم في حقل التعليم في ولاية البصرة، والتي اهتمت بتدريس الرياضيات واللغتين العربية والفرنسية، وضمت بين صفوفها المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية، وكانت أول مدرسة ثانوية في العراق في عهد الاحتلال البريطاني والتي أصبح اسمها مدرسة الرجاء العالي في عام 1921.

ويشير الكاتب الى فتح مدرسة للبنات، التي درست التدبير المنزلي والصحة ورعاية الأطفال، والى مدرسة الراهبات الفرنسيات ومدرسة الكلدان ومدراس الكاثوليك ومدرسة الإليانس الإسرائيلية(اليهودية)، والتي فتحت في البصرة منذ عام 1903 واستمرت في عهد الاحتلال البريطاني، إضافة الى مدرسة البنات الإسرائيلية والتي انشأت مع بداية عهد الاحتلال.

يرى الكاتب أن بريطانيا لم تكن مهتمة كثيراً بالتعليم في العراق، إلا أن حاجة الإدارة المدنية التي أنشأتها للموظفين دفعها الى فتح المدراس، وطلبت من جون فان أيس إدارة شؤون المعارف في الولاية وعملت على استقدام المدرسين من المناطق التي تحتلها بريطانيا.

يشير الكاتب الى أن نظام الدراسة اعتمد على تدريب مجموعات، حيث كان يتم تدريس اللغتين العربية والإنكليزية والتاريخ والجغرافيا والدين والرياضة البدنية، واستقدمت الكتب من مصر والهند، وفتحت مدراس جديدة وأدخلت لعبة كرة القدم  والتي أصبحت لعبة محبوبة، وتم فرض رسم رمزي على كل طالب مقداره روبية واحدة شهرياً.

ويوضح الكاتب أن عدد الطلاب في المدراس الثلاث التي أنشاها الدكتور فان أيس في العام الدراسي 1916-1917 لم يتجاوز 179 طالباً، وعدد المدرسين 11 مدرساً.

كما يشير الكاتب الى المدارس غير الحكومية ودورها ومنها المدرسة الإسرائيلية للبنين والتي بلغ عدد المدوامين فيها 600 طالب.


شؤون التعليم بعد احتلال بغداد

بعد  سقوط بغداد بيد القوات البريطانية في آذار - مارس 1917، قررت الحكومة البريطانية البدء بالتحول من الإدارة العسكرية الى الإدارة المدنية. وبعد عام رُفعت الفوراق ما بين البصرة وبغداد لتصبح بغداد ولاية تضم عدداً كبيراً من المدن، منها سامراء والحلة والرمادي والنجف والكوفة وغيرها، وتم تنظيم شؤون المدينة وأٌسست دائرة الورادات وألحقت بها دائرة المعارف.

يرى الكاتب أن التحدي الأكبر لإعادة فتح المدراس المدمرة بسبب الحرب كان النقص في معلمي المدراس بعد أن انسحب المعلمون والموظفون مع القوات العثمانية. وتحت ضغط الأهالي، أوكلت مهمة شؤون التعليم الى المستر بولارد ومنح صلاحية العمل والاستفادة من نظام التعليم العثماني، شريطة أن يجري التعليم باللغة العربية. فاستقدم لهذا الغرض المربي العربي حسني بك عبد الهادي والذي أصبح مديراً للمعارف تحت أمرة وكيل ناظر المعارف المستر بولارد.

ويشير الكاتب إلى أن نظرة المجتمع العراقي للمعلم في ذلك الوقت كانت نظرة استخفاف وازدارء. وتعود الأسباب الى أن التعليم كان مهملاً ومكاناً من أجل الارتزاق وكان حرفة من لم يجد له حرفة. وهذه الأسباب كانت الدافع لفتح دار المعلمين لإعداد المعلمين والمدرسين من خلال دورات لمختلف المواد العلمية والأدبية. وفتحت مدراس متعددة (مدرسة الحيدرية – البارودية – الفضل – الكرخ والاعظمية)، ولم تكن هناك منهاهج محددة بل تركت لإدارة المدارس واستوردت الكتب من مصر والهند.

يرى الكاتب أن السلطة الجديدة اتبعت الأسلوب العثماني من حيث التفرقة الدنية وأدخلت مادة التربية الدينية الى المدراس على أن يدرس الطلاب كل حسب دينه أو مذهبه، وتعيّن لكل مدرسة معلم ديني من المذهب الذي ينتسب اليه أكثرية التلاميذ، أما الأقلية فقد استثنوا من هذا الدرس.

إلا أن الحاجة الى إدارة البلاد من قبل الإنكليز ونقص الموظفين والخبرات قد دفعت الى فتح مدارس في المساحة وفي المالية (مدرسة مأموري المالية) ومدرسة التجارة المسائية ومدراس أخرى مثل مدرسة الفراسة ومدارس أبناء الشيوخ الخاصة بأبناء شيوخ العشائر. ومع نهاية عام 1918 وصل عدد المدراس الى 24 مدرسة (بينها 11 مدرسة إسرائيلية) بلغ عدد طلابها 2617 طالباً وعدد معلميها 144 معلماً.

يشير الكاتب الى الدور الذي لعبه الميجر بومن في تطوير التعليم في العراق، والذي وصل الى بغداد في آب أغسطس 1918 واستلم عمله كناظر للمعارف العمومية، وعيّن معاوناً شخصياً له من العراقيين ووسع مجلس المعارف، وكان له الدور الأساسي في تنظيم التعليم حيث جعل الدراسة الابتدائية تقوم على مرحلتين: الأولية ومدتها سنتان والابتدائية ومدتها أربع سنوات. كما أنه افتتح صفاً مسائياً في دار المعلمين واعتنى بالحركة الكشفية والألعاب الرياضية.

يشير الكاتب الى أن الحكومة البريطانية قررت جعل مدنية الموصل خاضعة للإدارة العسكرية بعد أن كانت منطقة نفوذ فرنسية بحسب اتفاقية سايكس بيكو، إلا أن هذا الوضع تغير لتصبح مدمجة مع الإدارة المدنية المركزية في بغداد بعد الاتفاق مع الفرنسيين، وتم القضاء على الثورة في سنجق السليمانية في أيار مايو 1919 لتصبح السليمانية متماشية مع مبادئ الحكومة المدنية التي أسست في العراق برغم احتفاظها بوضع خاص مميز. أما منطقة كركوك ذات الأكثرية السكانية من الأتراك فجعلت منطقة مستقلة بذاتها.

تطور التعليم في ولاية الموصل من خلال الإجراءات التي قام بها الكابتن بيس الذي أغلق المدراس التركية ما عدا مدرسة الوطن. كما اتخذ إجراءات لفتح مدراس جديدة منها المدرسة الخاصة بالبروتستانت ومدراس ابتدائية، وأخرى للبنات المسلمات. واعتبرت المدراس المسيحية الخاصة شبه حكومية من حيث الإشراف عليها وصرف الرواتب لمعلميها. واعتمدت اللغات العربية في ست وخمسون مدرسة) واللغة التركية في إحدى عشرة مدرسة واللغة التركمانية على طول الحدود الشرقية واللغة الكردية في ست مدارس، ولغة الشبك في مدرسة واحدة واللغة الفارسية في مدرسة واحدة. كما أُسست دار الآداب وأنشئت جامعة الآداب.

يشير الكاتب الى الجهود التي بذلها معلمو المدراس من أجل فتح مدرسة أهلية في بغداد، حيث تبرع للتدريس في هذا الصف عدد من الأساتذة، كما يشير الى العراقيل التي وضعت من قبل سلطة الاحتلال أمام فتح مدراس ثانوية في الموصل. إلا أن الجهود الأهلية أثمرت عن فتح صف ثانوي في الموصل وآخر في البصرة، وفتحت مدراس للبنات برغم العقبات حيث أعٌتبر دخولهن الى المدرسة عملاً كبيراً، وكن يذهبن الى مدراسهن وهن "محجبات حجاباً كثيفاً" واعتبرته الأوساط المتزمتة وهي الأكثرية "تضليلاً وارجافاً وخروجاً بالفتاة عن الطريق السوي".

ويذكر الكاتب إعادة فتح مدرسة الحقوق في تموز يوليو 1919، لحاجة إدارة الاحتلال الى تنظيم الإدارة المدنية والجهاز القضائي، لأن ذلك يحتاج الى عدد من القانونيين، إضافة الى تأسيس مدرسة الصيدلة في بداية عام 1919 مع تشكل الإدارة الصحية، في حين استٌقدم الصيادلة في العهد العثماني من خريجي اسطنبول وسوريا، وفي بعض الحالات اعتٌمد على ممارسي المهنة في المشافي.

ومع اندلاع شرارة الثورة الوطنية في حزيران يونيو 1920 من مدينة الرميثة في الفرات الأوسط وامتدادها الى شرقي مدنية بغداد وغربها وشمالها، حيث استمرت خمسة أشهر، أغلقت أبواب المدارس، وهكذا بدأت السنة الدراسية 1920 – 1921  من دون أن تفتح المدراس أبوابها.


السياسة البريطانية الجديده في العراق

بينما كانت نيران الثورة العراقية مشتعلة في مختلف أرجاء البلاد، كانت الحكومة البريطانية قد اتخذت قراراً بتغيير سياستها في العراق ولا سيما بعد أن تبين لها أن سياسة القمع والشدة لا يمكن أن تؤدي الى نتيجة، وتم تعيين السير برسي كوكس مندوباً سامياً، حيث أعلن كوكس لجميع أفراد العشائر وطوائف العراق بأن حكومة بريطانيا العظمى قد انتدبته لتفيذ مقاصد الحكومة الثابتة بمساعدة رؤساء الأمة، ولتشكيل حكومة وطنية في العراق. وقد عمل على إشغال الرأي العام بقضية تأسيس الحكومة العربية ليقضي بذلك على مقاومة الاحتلال.

ويشير الكاتب الى أن إدارة الانتداب اعتمدت على المستشارين البريطانيين الى جانب كل وزير أو إدارة حيث كانت لهم الكلمة العليا وبات أصحاب المصالح يتقربون إليهم لقضاء مصالحهم.

كانت فكرة ايفاد الطلاب العراقيين الى خارج العراق للتخصص في شتى الفروع العلمية والأدبية مدار بحث ومطالبة من قبل ذوي الرأي الذين يعرفون مدى حاجة البلاد الى العناصر المتخصصة. وهذا ما دفع بوزارة المعارف والصحة العمومية الى الاستجابة الى هذه الرغبة في تموز يوليو من عام 1921، والى الموافقة على إيفاد طلبة من العراق الى سوريا ومصر وأوروبا على حساب الحكومة على أن يعود الطلبة إلى الخدمة بعد انتهاء الإيفاد بحسب ما تقرره وزارة المعارف.

وأرسلت أول بعثة علمية إلى الخارج هي البعثة الخاصة بالطب البيطري، فأرسل أربعة طلاب الى البنغال، وذلك لقلة عدد المختصين العراقيين في هذا المجال والى النشاط الذي بذلته مديرة البيطرة والركائب الملكية.

 وعندما قامت حكومة مؤقتة برئاسة السيد عبد الرحمن النقيب، بدأ كثير من أحرار العراق بالعودة الى وطنهم، وكان قسم من هولاء من العسكرين، وفي آذار - مارس 1921 وصلت إلى ميناء البصرة الباخرة (مليت لويس) اليونانية ونزل منها الضباط العراقيون الذين كانوا مستخدمين في الجيشين السوري والحجازي، وكان عددهم يزيد عن مئة ضابط وموظف، إضافة الى الضباط العراقيين المتواردين بالطرق البرية من جهات حلب.

وبالنظر إلى الحاجة الماسة، تم تأسيس دار للتدريب على الطراز البريطاني، واتخذ مقر لهذه الدار في الثكنة الشمالية والتي كانت تسمى الكرنتينا، وشكلت هيئة المدرسة من 17 ضابطاً بريطانياً يعاونهم عدد من الضباط العراقيين.

ويلقي الكاتب الضوء على الجهود التي بذلت لتأسيس مدرسة الطب، والمناقشات والإجراءات التي كانت تجرى وتتخذ. ويشير الى التحديات حيث أن أحداً لم يسأل عن الطلاب الذين سيدخلون هذه المدرسة وعن مستواهم الدراسي. فقد كان في العراق آنذاك ثلاث مدراس ثانوية حديثة التأسيس ولم يكن مستوى الدراسة فيها يفوق مستوى الدراسة المتوسطة، وظل الأمر مجرد مناقشات وقرارات وانتهى عهد الاحتلال ولم تنشئ هذه المدرسة.


التعليقات