كيف يمكن مساعدة فلسطين في مئويتها الثانية؟

كتاب "القضية الفلسطينية في مئويتها الثانية"؛ هو مجموعة مقالات أشرف على جمعها وعرضها الباحث السياسي اللبناني فيصل جلول، والروائي الفلسطيني رشاد أبو شاور. شارك في الكتاب كوكبة من المثقفين والإعلاميين والباحثين السياسيين العَرَب، كلٌّ وصف زاوية من زوايا القضية الفلسطينية، كما تبدّت على مدى عـقود، وصولًا إلى التاريخ المعاصر.

كتاب "القضية الفلسطينية في مئويتها الثانية"

 يقول جلول وأبو شاور في مقدمة الكتاب إن مائة عام مرّت على سايكس – بيكو وتصريح بلفور وزير خارجية بريطانيا للمتموّل اليهودي (روتشيلد) بمنح اليهود وطناً( قومياً) في فلسطين.. نجحت بريطانيا وفرنسا وروسيا وامريكا في إنشاء كيان صهيوني، لكنها فشلت في إخضاع عرب فلسطين، فكانت المقاومة هي العنوان الأبرز على امتداد المائة عام التي أعقبت مؤامرة سايكس – بيكو، وتصريح بلفور البريطاني. بالمقاومة بقيت فلسطين عربية، رغم كل ما مارسته بريطانيا من تآمر على عرب فلسطين، وما اتبعته الصهيونية من أساليب قهر وقمع وقتل واغتيالات واجتياحات، وما شنته من حروب، فضلاً عن جهودها المحمومة في عمليات تغيير ملامح المدن والبلدات والمقدسات وحقائق التاريخ والجغرافيا في فلسطين.. وكانت، وما زالت المقاومة هي العنوان الأبرز لصمود الفلسطينيين، ولمأزق الصهيونية على أرض فلسطين.. منذ وجدت قضية فلسطين وهي قضية عربية أولى بامتياز، رغم أن جهات رسمية عربية تآمرت وتواطأت وتساوقت مع مخططات بريطانيا، وحتى مع قيادة الحركة الصهيونية ".

ويضيفان: "تواصلنا، نحن فيصل جلول ورشاد أبوشاور، وطرحنا على نفسينا السؤال التالي: ماذا نقدم لفلسطين، من موقعنا كمثقفين عربيين، والمؤامرة تشتد عليها، والمهرولون للتطبيع يسفرون عن وجوههم بلا حياء، ويديرون ظهورهم لفلسطين وقضيتها وشعبها العربي الأصيل المقاوم، منطلقين من مصالحهم في الحكم، ومن تبعيتهم،هم الذين لم يكن لهم أي دور في يوم من الأيام في دعم فلسطين القضية والشعب. اخترنا أن نعد كتاباً يسهم فيه عدد من المثقفين والباحثين والدارسين والمناضلين المعروفين من كل القطار العربية، لنرفع الصوت معاً، منحازين لفلسطين عربية بحدودها الجغرافية المعروفة، وبتاريخية حضورها في قلب الوطن العربي..".

يجيب هذا الكتاب عن أسئلة وهواجس المئوية الثانية للقضية الفلسطينية بعد قراءة جدية لمسارات النضال الفلسطيني والعربي خلال القرن العشرين ومطالع الألفية الثالثة. ويناقش فرضيات بقاء وانهيار الدولة العبرية بالقياس الى  التجارب الاستيطانية في العالم وبخاصة في الولايات المتحدة الأميركية وكندا والجزائر وجنوب أفريقيا ومملكة القدس الصليبية.

يضم هذا الكتاب مشاركات من أقطار عربية عدة، حيث لبى كل من طلب منه المشاركة وبحماسة منقطعة النظير، ففلسطين حاضرة بقوّة رغم الرياح والغيوم السوداء التي تتلبد في سمائها، وفوق رؤوس أهلها الصامدين الصابرين المقاومين بمآثرهم التي لا تتوقف.

فلسطين إذن، تحيا بمحيطها كما بما فيها وعليها، والأهم أنّ مصيرَها ناظم لمصير ذلك المحيط، بالسلب كان أو بالإيجاب...


خارطة طريق لاستعادة ما سُـلِب

المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية

يطرح الباحث السياسي الخبير في شؤون الاستراتيجيا الدولية، كمال خلَف الطويل، مسألة القضية الفلسطينية، بنحوِ كونها "ليست قضية الفلسطينيين" (فحسب)، بل قضية مشروع هيمنة غـربي على العالم العربي؛ "متّـكئ على ركيزة إحلالية استيطانية استعمارية في قلبه— فلسطين". إذن، يشدّد الطوي، على أنّ القضية الفلسطينية "هي قضية العرب، وفي الصدر منهم شعبهم الفلسطينيّ". فسقوط العرب، كمشروع أمة، في فلسطين؛ هو نهاية تطلعها، عبر رحلة قرن من الزمان، إلى نهضة توحيدية تحوِّلها من ناقصة تكوين إلى كاملة أوصاف.

والشاهد أنّ تراجع القضية (الفلسطينية) في الذهن العربي الجمعي، عبر ربع القرن الأخير، برغم هبّات التحام شعبية في الانتفاضتين؛ لا يعود إلى اختلال موازين القوى، فحسب، بين "رعاة" القضية وأعـدائها (علمًا أن هذا الاختلال اقترب من حافة التلاشي في الأعوام 1960 و1973 و1989)، وإنما إلى عوامل أخرى ثلاثة؛ يحدّدها الطويل على نحوِ: أولًا، مراوحة معسكر "المحافظة" العربي بين النأي عن دور إيجابي فاعل في القضية، والتواطؤ عليها؛ ثانيًا، انخراط معسكر "التقدمية" العربيّ في حروب مع المحيط (العراق مع إيران، وليبيا مع تشاد، والجزائر مع المغرب بالواسطة)، أو صدمات بَينية دائمة (العراق وسوريا وليبيا)، أو الصراع مع حركة فتح (أطولها السوري، وأقصرها عراقيًّا وليبيًّا)؛ ثالثًا، تهافت القيادة االفلسطينية، لا سيما إثر رهابها "المدريديّ" الذي أفرز طامتها "الأوسلوية".

ويستدرك خلَف الطويل بأنَّ "لقائل أن يزعم أنّ ما كان من تبنٍّ شعبي عربي للقضية قد فات زمانه، وقبع في دياجير النسيان؛ لفرط فداحة ما عليه أوضاع شعوب أمة أنهكها طاغوت الكولونيالية وامتدادها وتوابعها، وجثم على صدرها استبدادًا"... لكنّه يجزم، إزاء ذلك، بأنْ "ليس لهذا المنطوق من نصيب صحة، إلا النزر اليسير"، مستشهدًا بواقع "أنّ انتعاشًا وطنيًّا فلسطينيًّا هو واحد من أهم خمائر التعافي العربي من وعثاء الاحتراب".

نحن، إذن، أمام مهمّتين: كيف لانتعاش كهذا، ولمثل ذلك التعافي أن يستولَدا من رحم كارثة لم تعرِف نظيرًا لها بعدُ لا القضيةُ ولا الأمةُ؟

يوجِب الطويل، إجابة عن ذلك، أنه "يلزم هنا أن نوصّف دواعي العلّة". ففي الرأس؛ اتفاق "كامب دايفد" ونهج أنور السادات (متبوعًا بالحرب العراقية-الإيرانية، فاجتياح لبنان، فحرب الخليج عام 1991-- أي حصيلة خروج مصر من الصراع العربي-الصهيوني)؛ وتفعيل خط الفالق السني-الشيعي؛ وانشغال العراق عن الصراع؛ وبعثرة المقاومة الفلسطينية بعد إخراجها من لبنان.

وإن شئنا العودة أبعد، فلعل نقطة الخلل الأولى في مسار القضية، عقب هزيمة حزيران (يونيو)، كانت فك الارتباط العربي بمناطق الاحتلال الفلسطينية عام 1967، بما عناه من إعفاء الأردن ومصر من واجب ومسؤولية تحرير ما احتل أثناء سيطرتهما.

تجلى ذلك في شيوع شعار ملتبس يقول بوحدانية شرعية تمثيل منظمة التحرير للفلسطينيين، مغفلًا ذلك الواجب على جارين عربيّين لفلسطين، في استعادة ما تنطّحا له عام 1948: "إنقاذ" ما تيسر – 22 بالمئة – من فلسطين. وزاد الطين بلّة رفعُ وتبنّي شعار أشدّ التباسًا؛ هو "استقلالية القرار الفلسطيني"، وما عناه من نأي عن قومية قرار الحرب والسلام، ومن المضي في مسيرة انفراد عاجزة. ثم ركض النخبة الفلسطينية المتنفّذة، إلى كينونة من فلسطين–الأراضي المحتلة عام 1967، من دون أن تـدرِك أنّ تحقُّق ذلك بالتنازل لا يُدرَك؛ أما نَيلُه غيرَ مشروط، فمرهون بموازين قوى تحتاج إلى أن تؤمَّن، وهو ما يذهب بنا، تاليًا، إلى: "كيف؟"...

ويلفت الطويل إلى أنّ "هجرة القضية إلى العروبة وتلقّف العروبة لها هما المبتدأ والخبر، والفاعل كذلك.. هذا من حيث النداء والخطاب والفكر..."؛ مردفًا بأنّ هناك تعافيًا لسوريا وبرءًا للعراق من علل الاحتراب"... ليعود ويسأل، تاليًا: "كيف؟" (في خصوص هجرة القضية إلى العروبة...).

هناك محوران إقليميان اقتتلا، وما فتـآ، ولو بوتيرة أقلّ، لسنوات ستّ، هما: التركو-قطري (وهو ذو صلة بالولايات المتحدة)؛ والإيرانو-سوري (وهو محوَر مقاوِم/ممانِع للاستراتيجيا الأميركية في المنطقة). لكن اقتتالهما بدأ واطّرد بدوافعهما الإقليمية في الأساس.

كان للاقتتال بين المحوَرين فعلُ تقريب الأول من خصم استراتيجي – وإن بتفاوت – لكليهما؛ هو المحور السعودي-الإماراتي-الأردني، وهو المتماهي، إلى حد التطابق، مع المصالح الاستراتيجية العليا للولايات المتحدة، والمتضمنة أمن إسرائيل ومنعتها.

والحاصل، كما يرى الطويل، أنّ "فيض هذا الاقتتال حمل في سيله آفة تسعير مذهبيّ، وصلت إلى حدّ الفجور بعون طبيعة اصطفاف المحاور المستجـدّ، ولاقت يُسرًا نسبيًّا بفعل التعقيد الإثنِي والطائفي والمذهبي لديموغرافيا سوراقيا العربية". ثم إن "استباحة كل السبل صارت ناموس التعامل بين هذه المحاور، وحتى بين الصديقَين السابقين منهم واللدودين مذذاك".

ويُكمِل خلَف الطويل: "والآن، وبعد سعير أعوام ستة منه، يلوح اقترابُ الصديقين اللدودين من الاقتناع بأن الاقتتال كان كارثة صنعاها، وينبغي أن ينفكّا عنها.. هنا بالضبط، بحسب خلف الطويل، هو "مربط الفرس: أن تدرك النخَب -- والفلسطينية بالذات – أن وقف الحرب السورية، وتصالح المحورَين المعنيَّين، هما ’أمرُ اليوم‘؛ في الطريق إلى شراكة عربية-تركية-إيرانية تقيم للشرق قائمة"؛ ويجزم خلف الطويل بأنّه "ثمة ’أمرَ اليوم‘ ثاني، هو وضع العراق على سكّة سِلم مجتمعي تواطأت لوحدته مع سوريا... وحدة لا صلة لها بمشبوب عاطفة، وكل الصلة بضرورة حياة، للمكوّنين: أي هما يعيشان في واحد أو يموت كل واحد".

ويحدّد خلَف الطويل أنّ "تعافي ووحدة مكوِّني سوراقيا العربية الرئيسين، يَعنيان قيامَ قوة عربية في هذا الشرق، تـدشّن قوميةَ قرار الحرب والسلام، وتضع إسرائيل في حجمها الصحيح"، لا سيما أنّ وراءَها – أي وراءَ القوة العربية – "حليفان إقليميان يُعتـدّ بهما"... قرار "يقود إلى تخليص فلسطين-67 من الاحتلال الإسرائيلي وآثاره دونما قيد أو شرط".

"والشرط الثالث"، بحسب الطويل، "لإحياء القضية (الفلسطينية) – بعد استعادة لغة ومفردات العروبة، وبعد تعافي سوراقيا العربية – هو "اتحاد الشعب الفلسطيني على قاسم مشتـرَك برنامجي أدنى" كامن في "تخليص فلسطين– 67 من دون شروط؛ معطوفًا على تأجيل التعامل مع ملفّ فلسطين-48 إلى حين استواء موازين قوى أمثـل--تغيرات أميركية فارقة أو وحدة عربية أوسع".

إذن، يسأل الباحث كمال خلَف الطويل: "ما الذي في وُسع نخَب عربية فعلُه لإنفاذ الشرائط تلك؟" ويجيب:

أولًا، التبشير بالعروبة لغة ومفرداتٍ وطقسًا وطريقة تناول؛ ثانيًا، الضغط المعنوي والفكري والسياسي اللامحدود لوقف صراع "المحورَين"، عبر سوراقيا العربية، ومصالحتهما وفق شراكة ثلاثية متكافئة؛ ثالثًا وصول الذهن الجمعي الفلسطيني إلى صيغة برنامج ينال أرض فلسطين-67 بلا قيد، ولا يمسّ، تفريطًا أو تلاعبًا، ملفّ فلسطين-48 الذي ينتظر تساوي القدرة بالرغبة.

الصوت والقلم يصنعان رأيًا عامًّا يشكّل حالة ضغط شعبية وازنة على الرسميات، وتحديدًا عند "المحورَين". ثمة أمثـلة ثلاثة: السعار المذهبي، سفك الدم، والاتحاد الفلسطيني.

في الأول، هناك كلام كثير ينبغي أن يقال عن حال العراق بارومتـرًا للتمذهب، وعن ضرورة جبه الحزبية الدينية-السياسية (والمسلحة) بتشكيلات سياسية سلمية عابرة للمذاهب، وحريصة على عراق عربي قويّ، ولكن صديق لجواريه الإيراني والتركي. وكذلك عن ضرورة إفهام الجوار أن طلب الصداقة -- بل الشراكة – أمر، وتجاوز التأثر والتأثير حدودَ التفاعل الثقافي والحضاري إلى اندياح أي منهما في بطن العراق السياسو-اجتماعي، هو أمر آخر تمامًا، ومحظور بالمطلق.

وبطبيعة الحال، لا يكون السعي إلى ذلك عبر الاستقواء بمحتل سابق أو لاحق، وإنما باستيلاد إرادة وطنية مصممة على إحياء الاجتماع العراقي من رقدة دماغية طالت.

وفي الثاني، بحسب الطويل، "فكم بين أن يشدد على نقطة تهافت منطق الاقتتال الإقليمي (بين المحورين) وتجليه المحلي، وتهرؤ منطوقه، إن لجهة الدوافع أو النتائج".

ويستطرد الطويل متسائلًا: "ما الذي استفادته تركيا وقطر، مثلًا، من خوضهما حربًا مسلحة -- بالواسطة – على المحور الإيرانو-سوري في سوريا؟.. أدويلة كردية في الشرق-الشمال السوري؟ أم احتشاد جهاديات بمحاذاة حدودها؟ أم عنفًا في الداخل يوجع اقتصادها؟"... ويردِف: "ما الذي استفادته إيران من صلفها العراقي وتزيدها اليمني؟"

ويخلص الطويل، في معرض كلامه على مَثـل "سفك الدم"،  إلى أنّ "الدروس المستفادة من التجربة المُرة، تقضي بالخروج الفوري من نفق الاقتتال، والولوج منه إلى باب التصالح"؛ معلِنًا أنّ "كل مثقف عربي مطالَب بالضرب على وتر هذه المسألة بلا هوادة".

أما في الثالث، فللمرء أن يضع ربع القرن المنصرم، فلسطينيًّا، تحت يافطتي الضعة والتهافت: فجِع الفلسطينيون بنخب متنفذة ترى في التنازل قيمة فائضة، وفي التفاوض حياة، وفي التوسّل فرض عين، وفي التسوّل عادة حميدة؛ لا بل تستبيح القتل والتجويع والإملاق، سُبُلًا لإخضاع المخالِف لها.

والحال كذلك؛ يرى الطويل أنه "مِن أوجب واجبات نخَب رشيدة دحرُ منطوق أولئك المتنفّـذين، وهزمُه، بكلمة الحق الصارخة".

سهل أن يحاجّ أحد بالقول إن تلك محض تمنيات، لكن طبائع العصر تقول إن "الرأي العام" ليس كمًّا مهملًا في عالم اليوم المدجَّج بأسلحة التواصل الشامل، بل هو السلاح الأمضى، إيجابًا كان أو سلبًا. وتاليًا، كما يرى الطويل، فإنّ "تنظيم تدفّق الآراء حول رؤوس أقلام محدّدة، يفعَل فعلَه في تشكيل مرجعية شعبية ضاغطة".

ويستطرد خلَف الطويل، بأنّ "أهمية سبيل البوح الكاشف تنبع من فداحة فجور الجرائم الوطنية الكبرى التي ولغت فيها زمر حاكمة، عبر ما ينيف عن ربع قرن، وبلغت مبلغًا فيه من التباهي بالفجور ما يفيض عن فحواه نفسه، وصار الخلطُ بين العدو والصديق، وافتعال عدو و"تبييض" آخر، وإعاقة مجرى صراع الأمة الرئيس مع أعدائها التاريخيين، وتحويلُه إلى صراعات جانبية تحت يافطات يدَس في صلبها السمُّ بالعسل، شغل تلك الزمر الشاغل، طلبًا لمرضاة ’راع‘ أدمنت الخنوع لرغباته ونواهيه لقاء حمايته وجودها وتمكينه.

ويضيف أنّ "البوح نفسَه مطلوب نحو الشركاء المحتمَلين (تركيا وإيران)؛ فليس لأي منهما نصيب في قيادة مشروع، أكان إقليميًّا أم إسلاميًّا، ما لم يكن من شريك عربيّ ندّيّ مع أيّهما أو كليهما". ويرى أنّ واجب تركيا وإيران مراجعة نهجيهما خلال نصف دزينة السنين المنصرمة، والخروج بالدرس المستفاد: ليس المشرق العربي – تحديدا سوراقيا العربية – مدًّا حيويًّا لأيّهما، وإنما شريك متساوي القدر والمقدار".. ولن يعود هذا المشرق "ميدانَ نزالِهِما، وإنما هو أرضُ تلاقٍ على مشتركاتٍ، لا مكانٌ لتصفية حساب".

 


سلاح الإعلام.. سياسة "التيئيس"

 

"التيئيس!"... ترى الباحثة المتخصّصة في الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب، حياة الحويك عطية أنه "هدفٌ يقع في صلب قواعـد الحرب النفسية التي أرسى قواعـدَها علماءُ الاتصال بدءًا من الحربين العالميتين، وبرع الصهاينة في ممارستها. فقد "عمل الإعلام الصهيوني، وكل الإعلام الذي يسير في ركابه – عن وعي أو عن غير وعي – على التركيز على قتل الأمل (في نفوس العَرَب)". هذا التركيز يتّخذ أشكالًا عدّة تدور في دائرة ثنائية تضادّ "الإبهار – الإحباط، التفوّق - الدونية": تضخيم قوة الجيش الإسرائيلي، تضخيم قوة المجتمع الإسرائيلي، والتعتيم الكامل على نقاط ضعف كليهما؛ في مقابل نظرة دونية انهزامية إلى العرب والفلسطينيين، رغم أن النضال على الأرض كسر هذه المعادلة غير مرة، خصوصًا في فلسطين ولبنان.

فتجزم الكاتبة بأن التجربة قد أثبتت "قصورَ الجنديّ الإسرائيلي في معارك المواجهة الميدانية، وبالتالي قصور الحرب النظامية (التي يتفوّق فيها الإسرائيلي) أمام حرب الكوماندوس التي لم يخضها مرة إلا وهزِم فيها".

وكذلك في المجتمع، والاقتصاد، والبيئة، والاندماج، خصوصًا بين السفارديم والمزراحيم والأشكيناز والروس الذين يقيمون شبه مجتمع مستقل لغويًّا وثقافيًّا. كلّها مشاكل وجودية لا يبرزها إعلامُنا (العربيّ) إلا نادرًا.

هنا نأخذ مثالين: موضوع الهزيمة، ومسألة التغطية الفيلمية والفوتوغرافية بما تحمله من دلالات سيميولوجية. الهزيمة: طالما صوّر الإعلام إسرائيل بصورة المنتصر الدائم، في مقابل المهزوم العربي والفلسطيني، والواقع أن إسرائيل لم تربح حربًا عسكريًّا إلّا "حرب حزيران". بعدها خسرت جميع حروبها واجتياحاتها عسكريًّا، ولكنها تمكنت من تعويضها (إلا في لبنان) بربح سياسي، تتحمّل مسؤوليته الأنظمة العربية بما فيها منظمة التحرير. ويتحمّل الإعلام مسؤولية تسويقه لدى الرأي العام العربي والفلسطيني كانتصار فلسطيني وكحل لا بد منه.

غير أن الخطاب الإعلاميّ، بحسب عطية، "يكون أفضل في مراحل الشد الميداني في الداخل، حيث يبرز قصور القمع الاحتلالي الممنهج أمام أعمال المقاومة خصوصًا الانتفاضتين، وما بعدهما من نضالات يومية، وأخيرًا أمام صمود الأسرى". كذلك الحال أمام الانتصارات التي تحققها المقاومة اللبنانية، حيث تنقلب الحرب النفسية على إسرائيل؛ بحيث نجد الإعلام ردة فعل وليس خطة باستثناء نماذج مختلفة أبرزها خطاب السيد حسن نصر الله الذي يعرف كيف يبث الثقة بالنفس لدى جمهوره، في مقابل تحجيمها لدى العدو من دون أن يجنح إلى العنتريات.

أما في الصورة، وهي ما يشكّل سمة العصر الاتصالي، فإن الجيوش تعمد، في سياق الحرب النفسية، إلى نشر صور الحشود والآليات العسكرية، وترسيخ صورة تفوق القوة العسكرية للطرف المعنيّ، لكسر معنويات الطرف الآخر، كما أنها لا تمانع أحيانًا في تكرار صور الدمار والشهداء والمجازر لدى العدو، سواء لتحطيم معنويات المقاتلين والجمهور، أو لخلق ما يسمى حالة التعوّد التي تـتـفّه الخراب والموت بجعله أمرًا عاديًّا، وتحوّل الشهداء والضحايا من بشر إلى مجرّد أرقام. وهذا ما يفعله الإعلام الصهيوني وما تساهم الفضائيات العربية في تسويقه وتعميمه وتكراره، بما يعتبره البعض إدانة لإسرائيل ولجيشها، متناسين أنّ التأثير النفسي الذي تتركه، من خوف وإحباط وكبت ويأس، يفوق بكثير تثبيت الإحساس بالعداء للدولة العبرية.

هذا ما يقودنا إلى تأكيد ملاحظة أساسية تتعلق بالجمهور المستهدف. فمثلًا يمكن لتأثير صور الارتكابات والعدوان أن تكون مفيدة في إدانة إسرائيل، في ما لو كان الخطاب بلغة أجنبية موجهًا إلى جمهور أجنبي لطالما قُـدِّمت له إسرائيل على نحو ضحية مستهدَفة تدافع عن نفسها. كما يمكن لصور محددة كثيرة أن تنزع عن إسرائيل قناع التبجّح بقيم غالية لدى العالم، من مثـل الصور التي تتعلق بحالات إنسانية، خصوصًا المدنيين والأطفال، أو صور التجريف والهدم، أو صور الاعتداءات الجرمية. وكذلك ما يتعلق بالشرعية الدولية، كما حصل مع صور مقر الأمم المتحدة في قانا، أو قصف المقرّ الإعلامي في غزة الذي كان يضمّ صحافيين أجانب؛ ما وضع الجيش الإسرائيلي في مأزق كبير لم ينفع فيه الاحتجاج بوجود أربعة عناصر من حركة الجهاد الإسلامي داخل المبنى.

إن انقسام العالم العربي إلى خط يؤيّد المقاومة وخط يعمل على تسويق مهادنة الاحتلال، وترجمة هذين الخطين في الإعلام التابع لكل منهما، هو ما يحدد مسألة اختيار الخطاب وصوغه سواء كان كلامًا أو صورة.


شـيطنة الفلسطينيّ في عيون العرب!

 

"حينما شرع الروّاد في بناء المستوطنة، كان في جوارها عَـرَب وجوهُهم صفراءُ والذباب يتطاير عليها، كثير منهم حفاة وعراة، بطونهم منفوخة من الأمراض"... هي عبارة من آلاف العبارات، التي توردها كتب المناهج الإسرائيلية التي تـدرّس لتلاميذ في المرحلة الابتـدائية في إسرائيل. وقد تبيّن في أكثر من دراسة واستطلاع، أنّ 75 بالمئة من أولئك التلاميذ، عندما سئلوا عن العربي، نعتوه بـ"خاطف الأطفال" و"المجرم" و"المخرّب"، وأن 90 بالمئة منهم يعتبرون أن لا حقّ للعرب في البلاد (فلسطين)، و"يجب قتلهم وترحيلهم عنها".

ترى الكاتبة فتون عبّاسي أنّ "كل هذه الكتب المعجونة بمفردات وعبارات الكراهية، هي طبيعية في استراتيجيا كيان – إسرائيل - يبذل قصارى جهده لمنح الشرعية لوجوده، وتبرير كل ممارساته الاحتلالية والإجرامية، تجاه شعب فلسطيني يدافع عن حقه في أرضه. لكن "أنْ تنسحب هذه الاستراتيجيا لإمرارها، بطريقة غير مباشرة، إلى عقول العَرَب!.. فهنا مكمن الخطورة".

العمل على شيطنة صورة الفلسطيني، الموجود في الداخل وفي الشتات، قد لا تكون جديدة؛ بيد أنّ أحداث ما سمّي "الربيع العربي" – تجزم عبّاسي – "كانت لها اليد الطولى، أخيرًا، في العمل على تكريس هذه الفكرة". وتعطي عبّاسي مثلًا في هذا الصدد؛ "فيكفي أن نكتب عبارة نساند فيها أبناء الشعب الفلسطيني أو القضية على مواقع التواصل الاجتماعي" – التي تحولت إلى وسيلة إعلامية لا تقل أهمية عن وسائل الإعلام التقليدية – "حتى ينهال عدد كبير من التعليقات غير اللائقة عن الفلسطينيين، من بيئات كانت تقدّس الفلسطيني والقضية، ولا سيما في بعض البلدان العربية التي كان فيها الفلسطيني وقضية فلسطين أكبر هموم شعوبه، وكانت كلمة فلسطين والفلسطيني مفخرة في شوارعها".

ترى عبّاسي أنه مع "الربيع العربي" "اختلفت الحال، في هذه البلدان، وأصبح فيها الفلسطيني يخاف من التحريض الممنهج من قبل بعض قصار النظر". ولم تقف تلك الدعوات عند ذلك الحدّ، بل دعا بعض "المثـقفين" علانية، وعلى مرأى ومسمع من الجميع، إلى "ضرب قطاع غزة بالطائرات، محرِّضين الشعوب المكلومة من الإرهاب على الشعب الفلسطيني، حتى أصبح الفلسطيني يرى أنّ فلسطينيّته هي تهمة في ذاتها.

وترى عبّاسي أنه "من المؤسف أنّ شيطنة الفلسطيني امتـدّت كذلك إلى شعوب "دول الطَّوق"، خلال "الربيع العربي"؛ بعد أن تمّ توريط فلسطينيين، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات، في الانخراط في الشؤون الداخلية للبلاد المذكورة، من أجل ضرب القضية الفلسطينية في مقتل، وتصفية ما بقي منها في الوعي الجماعي العربي".

فقد أُوكِل إلى جماعات، تورّط بعضها عن عمد والبعض الآخر عن غير دراية أو قصد، في هذه المؤامرة، لإنهاء الحياة في المخيمات الفلسطينية، كمخيم اليرموك في دمشق – الذي يسمّى اصطلاحًا بهذا الاسم لأن من زار المخيم قبل الأحداث يعلم تمامًا أنه منطقة كسائر مناطق المدن السورية في الهندسة المعمارية والبنى التحتية ومقومات الحياة --، ولوحظ هذا كذلك في مخيم عين الحلوة في لبنان، الذي تثار فيه أشكال متعددة من البلبلة، بين فترة وأخرى، من قِبل أيادٍ خارجية تحاول تفجير الوضع داخله.

تحسم عبّاسي أنه "لا عروبة بدون فلسطين، ومحاولة شيطنة صورة الفلسطيني تستهدف العرب أجمعين. وللأسف، لقد استطاع أعداء بلداننا الوصول إلى عاطفة ووجدان بعض أبناء الشعوب العربية لتأليبهم على الفلسطينيين ككلّ، وبالتالي لانتزاع القضية من نفوسهم". لكن "كسر الوعي الجماعي العربي، وخلق وعي جديد ينكر القضية ويشيع كره الفلسطيني، هما أخطر ما يمكن أن يصيب القضية، وبالتالي ينبغي مقاومتهما والتحذير دائمًا من مخاطرهما".

وتختم فتون عبّاسي بأنه "يجدر تنبيه الرأي العام العربي، ببساطة، إلى أن الشعب الفلسطيني مؤلف من أفراد وجماعات وحركات؛ وهو كغيره من الشعوب العربية (يضمّ الصالح والطالح، والمضلَّل والمتآمر، والوفي والخائن)"؛ وهذا يحتّم علينا ألّا نعمّم سمة "الشيطنة" على كل فلسطينيّ... "وإن كانت شيطنة الفلسطينيّ قد نجحت جزئـيًّا خلال السنوات الماضية، فإنها آيلة إلى الانحسار مع الفشل الذريع الذي أصاب "الربيع العربي"، ومع النهوض الجديد الذي استأنفه محور المقاومة".

   


نموذجان لا يخدمان فرضية بقاء "إسرائيل"

يرى الباحث السياسي فيصل جلول أنّ مستقبل إسرائيل "لا يزال مرهونًا بالعلاقات الدولية والإقليمية، والبيئة السياسية العربية المتعلقة بها، والتي نشأت في ظلها". وهي بهذا المعنى، "لا تزال دولة مؤقتة وغير اندماجية في محيطها.. بالتالي، لا يزال مصيرها مطروحًا على بساط البحث داخل وخارج حدودها. وهذا استنتاج أساسي لمسار القرن المنصرم بالنسبة إلى الكيان الصهيوني".

ويشير جلول إلى أنّ "نظرة خاطفة على المئوية الثانية للقضية الفلسطينية تطرح جملة من الافتراضات حول مستقبل الدولة العِبرية في الشرق الأوسط. فهل تحافظ على قوتها الراهنة وتثبت موقعها عبر المساهمة في تفتيت العالم العربي إلى دول إثنية وطائفية متنازعة؟ أم ستزول نتيجة مقاومة وممانعة العرب والفلسطينيين في سياق تغيرات دولية وإقليمية مفتـرَضة؟"...

هذا السؤال يطرح فرضيات عـدّة حول مستقبل إسرائيل، بحسب جلول، استنادًا إلى نماذج الدوَل الاستيطانية المعروفة التي تأسست بواسطة القوة. "إنّ طرح هذه الفرضيات ليس ناجمًا عن رغبة أو تمنّ بإزالة الدولة العبرية وانتصار الشعب الفلسطيني فحسب، بل يستند إلى نقاشات واسعة في إسرائيل، وفي الدوَل الغربية الحريصة على بقائها، وفي العالمين العربي والإسلامي، حيث ينظر إلى الدولة الصهيونية بوصفها عارًا يجب التخلص منه".

ويقول جلّول إنّ "سيرة الولايات المتحدة وجنوب إفريقيا، تفصح عن تجارب شبيهة بدولة الاستيطان الصهيوني في فلسطين". فالولايات المتحدة تعتبر نموذجًا "ناجحًا" للاستيطان ولا شيء في الأفق يهدد نجاحه أو وجوده، خصوصًا من جهة الهنود الحمر سكان البلاد الأصليين، فهل تطابق شروط نجاح هذا النموذج الحالة الإسرائيلية، وبالتالي القول بأن مستقبل الدولة العبرية مضمون كمستقبل الولايات المتحدة الأميركية؟

يصعب إيجاد عناصر أساسية مشتركة بين النموذجين الأميركي والإسرائيلي، سوى الاستيلاء على أراضي شعوب كانت مقيمة في المكان عينه منذ مئات أو آلاف السنين.

ويفترق الكيان الإسرائيلي عن الكيان الأميركي في كل شيء تقريبًا؛ فالتجربة الأميركية ممتدة على قرون طويلة منذ بداية الاستعمار البريطاني ثم الأوروبي في القرن الخامس عشر إلى يومنا هذا. تزامنت هذه التجربة مع ثورات عديدة في الاقتصاد والمواصلات واستهدفت قارة غنية بأراضيها الزراعية ومعادنها وثرواتها الحيوانية والغابات ومواقعها الاستراتيجية، فضلاً عن قلة سكانها بالقياس على مساحتها حيث كان يعيش أكثر من مئة مليون هندي على أراضٍ تشمل القارة المكتشفة في القرن الخامس عشر. في المقابل تبلغ مساحة الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل 20 ألف كيلومتر مربّع، ولا يتجاوز عدد سكانها 5 ملايين نسمة من اليهود، وليس في الأراضي الفلسطينية ثروات تذكر.

لقد أدّى الاستيطان الأميركي إلى قهر السكان الأصليين وإبادتهم بواسطة الحملات العسكرية المنظمة والمجازر الجماعية والحصار الاقتصادي والأمراض المعدية، وتقلّصهم من بعد عبر اندماجهم في المجتمع الأميركي والتزاوج والدخول في الدين المسيحي. ويقدر عددهم اليوم بمئات الآلاف في مقابل 321 مليون أميركي يمثلون القوة العظمى في العالم، في حين يكاد عدد سكان إسرائيل أن يتساوى مع عدد سكان الفلسطينيين. وإذا أضفنا إليهم عدد اللاجئين الفلسطينيين في محيط فلسطين التاريخية فإن الرقم قد يصل إلى 12 مليون نسمة.

من المؤسف القول إن الضمان الأساسي لانتصار الولايات المتحدة نجم عن إبادة السكان الأصليين، وعن تجريد القلة الباقية منهم من هويتهم ومن أسباب القوة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية؛ في حين ظل قسم من سكان فلسطين التاريخية في مدنهم، وعاشوا تحت الاحتلال، والقسم الآخر في الضفة الغربية وقطاع غزة والبعض الثالث، وهو الأكبر، في الشتات.

إن شرط الإبادة الجسدية الذي ساهم إلى حد كبير في نجاح النموذج الأميركي والكندي من بعد ما كان ممكنًا في فلسطين التي كانت تحت الانتـداب البريطاني؛ وبالتالي فإنّ ما أصابها تسأل عنه بريطانيا من جهة، ومن جهة أخرى كانت ذريعة الصهاينة في الاستيطان هي إيجاد ملجأ للناجين من المحرقة النازية، ولنا أن نتخيل كيف يمكن أن تكون صورة الناجين إذا أبيد الشعب الفلسطيني أو أقسام منه، ناهيك عن صعوبة الإبادة وسط عمق عربي وإسلامي ما برح يتضامن مع الفلسطينيين منذ أكثر من قرن. هذا العمق الذي ما كان متوافرًا للهنود الحمر الذين ما كانت لهم إمكانية الإفادة من حليف خارجي أو دولة أجنبية تعينهم على مجابهة الغزاة.

إن القول بضمان بقاء إسرائيل بالقياس على الاستيطان اليانكي الناجح في الولايات المتحدة الأميركية، ينطوي على نزعة رغبوية ودعاوية يشيعها عتاة الاستيطان، ولا تصمد في مقارنة جدية بين شروط قيام الدولتين، هذا إذا أردنا إهمال حقيقة لا جدال فيها، هي أنّ بقاء الدولة العبرية رهن، إلى حد كبير، بضمان الولايات المتحدة وليس بوسائل الكيان الصهيوني الخاصة فحسب.

كذلك؛ إنّ النموذج الاستيطاني الاندماجي الناجح في إفريقيا يتمثـل في "جنوب إفريقيا" ويشبه إلى حد كبير النموذج الأميركي لكن من دون إبادة القبائل الزنجية التي تعرضت لجرائم وحشية ولتمييز عنصري لم يتمكّن حتى العنصريون المحليون من تحمل تبعاته.

لا يبدو هذا النموذج هاديًا هو الآخر إلى مصير الصهيونية في فلسطين، لأسباب عديدة من بينها أن الأقلية البيضاء أو الأفريكاينر التي استوطنت جنوب إفريقيا عام 1655 كانت هولندية الأصل في البداية، ثم انضمت إليها مجموعات بريطانية وفرنسية وأقليات من دول أوروبية أخرى، فضلًا عن ملايين الهنود الخلاسيين. هذه الأقلية ضئيلة بالنسبة إلى السكان السود، إذ لا يتجاوز حجمها الـ20 بالمئة، وهي تعيش في ما يشبه المعازل، وكانت تمتلك القرار السياسي وتستفيد من ثروات البلد المتنوعة.

خاض البيض معارك ضد بعضهم البعض، وضد بريطانيا التي سيطرت عليهم في القرن التاسع عشر بعد هزيمة نابوليون بونابارت، واكتشف البريطانيون الألماس والذهب، وساهموا في تأسيس نهضة اقتصادية عارمة حصد البيض نتائجها وحوّلت ضواحي المدن الكبرى إلى معازل للفقراء السود.

انهار نظام جنوب إفريقيا العنصري بعد الحرب الباردة أي بعد زوال الحاجة الأميركية إليه. وقد تمكّن "المؤتمر الوطني الإفريقي" الذي يمثل غالبية القبائل الزنجية من التفاهم مع البيض على تسوية قضت بإلغاء نظام لتمييز العنصري والمساواة القانونية بين الأعراق والاندماج التدريجي للسود في الاقتصاد والمؤسسات وما يشبه التقسيم والتقاسم بين البيض والسود. فهل يمكن لهذا النموذج أن يطبّق في إسرائيل؟

تعترض هذا النموذج موانع كثيرة أبرزها يهودية الدولة العبرية التي تنطوي على نفي من ينتمي إلى دين آخر. إن التخلي عن هوية الدولة اليهودية هو في أحد وجوهه، تخلٍّ عن شرعيتها التاريخية، بل عن أهم أسباب وجودها، أضف إلى ذلك أن الحكومة الإسرائيلية، لا تغامر بتسليم السلطة إلى الفلسطينيين وأن يبقى الاقتصاد في قبضتها، لأن ذلك يعني ببساطة تفكيك اللحمة التي تجمع بين الآيديولوجيا الدينية والوجود الاستيطاني مع المؤسسة العسكرية، وهذا يعني ببساطة أن الدولة العبرية غير قابلة للقسمة، هذا إذا افترضنا أن العالم سيضع النظام الصهيوني تحت الرقابة كما فعل مع النظام العنصري في جنوب إفريقيا. موجز القول إن الحل الاندماجي وتقاسم السلطة ليس متاحًا في فلسطين من خلال ميزان القوى السياسي الداخلي ولا تتيحه العلاقات الإقليمية والدولية وكلها عناصر ساهمت في إيجاد التسوية التاريخية في جنوب إفريقيا.       

 


سوريا وحماس والإخوان ومحور المقاومة

اللقاء الأخير بين الرئيس بشار الأسد وخالد مشعل في دمشق

كتب الزميل سامي كليب مقالته بعنوان "سوريا وحماس والإخوان ومحور المقاومة" قال فيها إن ثمة سبباً في قطيعة حماس مع سوريا واهتزاز محور المقاومة الممتد من طهران مروراً بدمشق وبيروت وصولاً الى فلسطين المحتلة، يجد جذوره الفعلية في قناعة ترسّخت عند عدد كبير من القادة السياسيين للحركة بأن القيادة السورية آيلة الى السقوط وأنه ما عاد ممكنا الوقوف الى جانبها.  بينما ترسخت قناعة أخرى عند الرئيس بشار الأسد والمحيطين به بأن حماس عادت الى الأصل الأخواني وأنها صارت في الخندق المواجه. كان نتيجة ذلك أن الحركة وكذلك القيادة السورية دفعتا من دمهما ورصيدهما وعمقهما الشعبي ثمن ذاك الاعتقاد، اأو بالأحرى ذاك الوهم".

لكن كليب يرى أن الأسباب الحقيقية للقطيعة "تندرج في سياق مشروع أميركي أوسع وأخطر، زيّن للاخوان المسلمين احتمال حكمهم للوطن العربي، وكان يستهدف في حقيقة الأمر اختراق محور المقاومة والقضاء عليه ثم القضاء على الأخوان انفسهم وفي طليعتهم حركة حماس نفسها."

يعود كليب إلى ذلك اللقاء المفصلي بين بشار الأسد وكولن بأول في ٣ أيار/مايو 2003، الذي يكشف الكثير من المخطط الأطلسي الإسرائيلي لكسر محور المقاومة. فقد "اعتقد الجميع طويلاً أن اللقاء يتمحور حول العراق الذي كانت غبار الاجتياح الاميركي-البريطاني لا تزال تتصاعد من بين حناياه وكان الناس يلملمون شهداءهم ومعظمهم من المدنيين والأبرياء. ظن البعض أن باول جاء يحذر الأسد من استمرار سوريا وإيران في دعم المقاومة ضد الغزاة الاميركيين والبريطانيين، لكن يتبين من المحضر الذي بين أيدينا أن الهدف الأول والأهم، كان إقناع الأسد (عبر الإغراء أو القوة) بأن ينزع عن بلاده سترة المقاومة ويلقي عليها شال الاعتدال كي تسير في ركب دول أقامت علاقات مع إسرائيل وقطعت علاقاتها مع طهران وطوقت حزب الله والمقاومة الفلسطينية".

وينشر الزميل كليب جزءاً من المحضر السري للقاء والمتعلق بالجانب الفلسطيني وبمحور المقاومة، لكي نفهم تماماً ماذا كان المقصود وكيف رد الرئيس الأسد، إذ طلب كولن باول من الرئيس الأسد أن يقفل مكاتب حماس وغيرها ووقف مساعدة حزب الله، بينما درجت العادة في العالم أن لا يسمح وزير خارجية لنفسه بأن يخاطب رئيس دولة بلهجة المطالب والأوامر وانما بدبلوماسية التمنيات والنصائح. في المقابل، قام الأسد، وعلى معهود عادته وعادة والده حافظ الأسد في اللقاءات الكثيرة من كبار المسؤولين الأميركيين أو الدوليين أو الإقليميين، بتذكير ضيفه بأنه رئيس الدولة وأنه يتصرف بما تمليه عليه مصالح بلاده لا الضغوط الخارجية. وبعد أن شرح لباول موقف سوريا من الحرب على العراق، وقدم دلائل كثيرة على التعاون في سياق محاربة الإرهاب ومنع تسلل إرهابيين، انتقل الى الحديث عن العلاقة مع محور المقاومة. قال الأسد: "سأكون صريحاً معكم أيضاً، إذا لم يطرح موضوع السلام فلن نأخذ أي خطوات، هذا بشكل واضح. لأن ليس هدفي أن أربح داخل الطبقة السياسية الأميركية وأخسر سوريا. بكل تأكيد الآن لا نستطيع أن نطرد القيادات الفلسطينية، نستطيع أن نتعامل مع ظهورهم الإعلامي لكننا لن نطردهم، .. لا نستطيع أن نطردهم، فباعتقادنا أنه عندما تريد أن تخرج شخصاً يجب أن تعيده إلى وطنه، ونحن نريد اليوم قبل الغد أن يعودوا إلى فلسطين وهم يريدون ذلك، أما أن نطرد شخصاً إلى أي مكان في العالم فهذا كلام مرفوض. أنا أرى العكس، أرى أن الحوار معهم سيؤدي إلى نتائج إيجابية، أرى أن تفكروا في هذه النقطة".

"كان واضحاً إذاً ان إدارة بوش التي دمرت العراق ومزقته وقسمته ونهبته بالتعاون مع بريطانيا توني بلير، تريد أن يُغلق الأسد مكاتب حماس والجهاد والمنظمات الفلسطينية والجبهة الشعبية - القيادة العامة المستمرة في المقاومة المسلحة وطرد قادتها من دمشق، وتريد أيضاً وقف أي دعم لحزب الله، ونشر الجيش اللبناني عند الحدود مع إسرائيل ما يعني إنهاء أي دور لاحق للمقاومة. وكان واضحاً في المقابل أن الأسد رفض صراحة إقفال المكاتب وطرد القادة الفلسطينيين، واشترط أن يذهبوا الى مكان وحيد هو فلسطين. فاقم جوابه هذا من حدة المشكلة مع إدارة بوش، وراح الصقور والتبشيريون والمحافظون الجدد يدفعون باتجاه عمل عسكري مباشر ضد سوريا كما حصل في العراق"، يقول كليب.

كانت سياسة أميركا تقضي بربط كل مقاومة ضد إسرائيل بالإرهاب فتحرج كل الأنظمة والدول التي تدعمها، وإلّا فما علاقة تلك التنظيمات مثل حماس والجهاد وحزب الله وغيرها بموضوع العراق والإرهاب فيه. لا شيء. ويخلص كليب إلى أن سوريا قد نجت من عهد جورج بوش الابن بلا تدمير رغم رفض الأسد الانصياع الى مطالب إغلاق المكاتب الفلسطينية وقطع العلاقة مع حزب الله وايران. لكن الجروح كانت كثيرة. ارتفع مستوى الضغوط والتهديدات الأميركية والفرنسية والتي تخلللها إصدار القرار الدولي 1559. اغتيل رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري ووُجهت أولى أصابع الاتهام الى القيادة السورية. خرج الجيش السوري من لبنان. تضافرت قوى لبنانية لمناهضة دمشق وطلاق ما سميت ب" ثورة الأرز" . تخلل تلك الفترة إصدار قانون محاسبة سوريا من الكونغرس الأميركي. مع ذلك فان القرار السوري بالاندماج أكثر في محور المقاومة بقي يترسخ وساهم في انتصار حزب الله على إسرائيل في العام 2006، وساهم في تحسين شروط التفاوض السوري مع الحكومة الإسرائيلية عبر تركيا أواخر العالم 2007.

وقد ظهر جلياً أن أحد أهداف استراتيجية إدارة أوباما هو فرش السجاد الأحمر لوصول الأخوان المسلمين الى السلطة في الوطن العربي، فهم قادرون على منع الإرهاب، وهم مستعدون لشراكة حقيقية مع أميركا ولعدم المساس باتفاقية كامب دايفيد مع إسرائيل. وكشفت دراسات وكتب كثيرة خفايا تلك العلاقات التي نُسجت بدقة بين أميركا والأخوان، من تلك المقالات، واحد مهم نشرته صحيفة واشنطن تايمز بقلم بيل غيرتز بعنوان «دعم أوباما السري للإخوان المسلمين» جاء فيه: يواصل الرئيس باراك أوباما وإدارته دعمهما للتنظيم العالمي المسلح المعروف باسم «الإخوان المسلمين». كشفت الصحيفة عن وثيقة إستراتيجية وسرية للبيت الأبيض تشرح كيف أن التنظيم هو البديل المعتدل للتنظيمات الإسلامية الأكثر عنفاً كالقاعدة والدولة الإسلامية (داعش).

ساهم هذا التوجه الأميركي الجديد في إيصال الاخوان المسلمين الى الرئاسة في مصر بشخص محمد مرسي الذي سارع الى بعث رسائل انفتاح لافتة وغريبة ليس على أميركا فحسب وانما حيال الحكومة الإسرائيلية. وتحرك تيار الإخوان المسلمين بقوة في ليبيا ثم في سوريا حيث صار للإسلاميين الكلمة الفصل في المجلس الوطني السوري وكذلك في ائتلاف قوى المعارضة. ان هذا الانتشار الواسع للاخوان في جسد الربيع العربي، أنعش آمالاً عريضة عند اخوان سوريا بالعودة الى العمل السياسي من أوسع البوابات. ساعدهم في ذلك دعم تركي كبير ودعم قطري أكبر وغطاء دولي لا مثيل له. مع انتعاش أمل الاخوان السوريين، بدأت حركة حماس تشعر بأن ثمة فرصة استثنائية لها لكي تخرج من حصارها في غزة المدمرة والصامدة على الجروح منذ 2008 صوب فضاء عربي وإسلامي أوسع يضمن لها لاحقاً حكم فلسطين.

ثم يروي كليب قصة الخلاف بين حماس والحكومة السورية كما رواها له خالد مشعل، ومحاولات الأخير إقناع الأسد ببعض الإصلاحات وتهدئة الأوضاع بعد الأزمة السورية في آذار 2011، ومحاولته إقناع بعض الدول العربية بتفهم موقف سوريا وعدم الضغط عليها، وفشله في منع انهيار الوضع الأمني والعسكري وقطع العلاقات العربية مع سوريا، وكيف تدهورت العلاقات بين حماس ودمشق بعد عدم أخذ مشعل وحماس موقفاً مؤيداً لسوريا في وجه الانتقادات العربية والتركية والإخوانية لها.

كان تقدير القيادتين السورية والإيرانية في محور المقاومة مع بداية "الربيع العربي" يفيد بأن حماس مستهدفة كما سوريا وإيران و"حزب الله"، وعليها في هذا الوقت بالضبط أن تحدد موقفها، يجب أن تدرك أن المقاومة العربية والإسلامية هي المقصودة بكل ما يحصل من هجوم وفتنة وقضاء على الدور السوري وليس الهدف الإصلاح أو حتى القيادة السورية. يقول كليب إنه سمع آنذاك من مسؤول سوري كبير قوله: "برغم العتب الكبير والشعور بالمرارة من عدم إعلان حركة حماس موقفا رافضا لما تتعرض له سوريا، إلا أن القيادة السورية لم تتخذ أي إجراء مغاير لما كان عليه الأمر سابقاً، فمكاتب الحركة لا تزال تعمل كالسابق، وأبواب المسؤولين مفتوحة أمام مشعل وكل قيادة حماس، والمنح المدرسية لا تزال على حالها والدعم المباشر لم ينقص ليرة واحدة. فبالنسبة لنا القضية الفلسطينية هي أحد أهم أسس السياسة السورية خارجياً وداخلياً، وهي كانت وستبقى القضية المركزية الأولى مهما حصل، وندرك أن بعض العرب الذين ينصحون حماس بمغادرة دمشق هم الذين قضوا على هذه القضية ويريدون القضاء على ما بقي من فلسطين".

خرج خالد مشعل من سوريا، وبعد فترة حمل العلم السوري المثلث النجمات، أي ذاك العلم الذي رفعته المعارضة السورية شعاراً لها. لم تنفع لاحقا تبريرات بعض المسؤولين من حماس بأنه حمله عن طريق الخطأ حين قدمه اليه أحد السوريين في احتفال عام . كانت القطيعة قد صارت سيدة الموقف. كانت المعلومات السورية التي يبثها الاعلام الرسمي تؤكد يوما بعد آخر تورط حماس بالحرب السورية وبحفر الخنادق والتدريب والقتال.

سعت القيادة الإيرانية لإقناع حماس بعدم الشطط صوب مشاريع ودول قد تؤدي لاحقاً إلى تطويق الحركة وضرب المقاومة. وفي خلال مؤتمر دعم المقاومة الذي استضافته طهران في خريف 2011 سمع مشعل كلام عتب بعد أن أوحى في كلمته بأنه راغب في التغيير في سوريا. مع ذلك فإن القيادة الإيرانية بعثت برسائل إيجابية كثيرة لحماس وعملت على احتوائها وكرمت على نحو علني ولافت إسماعيل هنية. قامت بكل ذلك بالرغم من أن طهران كما حزب الله كانا قد وجّها عتاباً إلى مشعل نفسه غير مرة ليس بسبب سوريا فقط وإنما لأن رئيس المكتب السياسي كان يتفادى شكر طهران في كل مرة يتحدث فيها عن انتصار غزة، كما أن مسؤولين في الحزب كانوا قد لفتوا نظر مشعل وبعض القيادات الأخرى إلى وجود كتب في مخيمات تدريب كوادر حماس تكفر الشيعة

كانت سوريا تغرق في الدماء، وحماس تبتعد، وكانت الإغراءات الإخوانية كثيرة من مصر وتونس وليبيا واليمن. خرجت حماس من سوريا مطلع عام 2012، ولم تعد. يقول كليب: "لقد دق الربيع العربي أسفيناً في العلاقة العضوية بين سوريا وحماس، وخلّف جراحاً وندوباً عصية على الشفاء. لكن من التقى الرئيس الأسد مؤخرا بعد سيطرة الجيش السوري وحلفائه على المدن السورية الكبرى والشعور بأن الحرب في طريقها الى الانتهاء لصالح الأسد وحلفائه، سمع كلاماً بأن المصلحة لا تستبعد المصالحة مع أحد" إذا كان في ذلك مصلحة سوريا ومحور المقاومة والدور العربي، ومن التقى قادة حماس وشاهد ذهاب بعضهم الى ايران، يُدرك أن لا سبيل لحماية فلسطين والزود عما بقي من دول عربية مناهضة لغطرسة إسرائيل وظلمها وقهرها، سوى بعودة اللحمة الى محور المقاومة رغم الجروح والعتب واللوم والخذلان.

في الكتاب مقالات أخرى لباحثين وكتاب وكاتبات عرب، أبرزهم يوسف الهندي بعنوان "قراءة جديدة في الرواية السرية لإعادة بناء "مملكة" إسرائيل "، ونواف الزرو بعنوان "تطورات الميزان الجيو – ديموغرافي في فلسطين المحتلة من النكبة حتى اليوم".