كيف تصل إلى البهجة

يستكشف المؤلفان طبيعة البهجة الحقيقية ويواجهان كل واحدة من معوقاتها كالخوف والتوتر والغضب والأسى والمرض.

كتاب البهجة من تأليف الدالاي لاما ورئيس الأساقفة ديزموند توتو

 

كتاب "البهجة" هو عمل مشترك للدالاي لاما ورئيس أساقفة جنوب أفريقيا ديزموند توتو نقله إلى العربية محمد ياسر حسكي وميس بارافي ونشرته أخيراً دار الخيال.

يقول المؤلفان: "في سيبل الاحتفال بأحد أكثر أعياد الميلاد تميزاً، التقينا لمدة أسبوع في مدينة "دارامسالا" في الهند في منزل الدالاي لاما في المنفى، للاستمتاع بصحبتنا وابتكار شيء نأمل أن يكون بمثابة هدية عيد الميلاد بالنسبة للآخرين. السعادة الدائمة لا تكمن في السعي وراء أي هدف ولا تكمن في الشهرة أو الثروة بل تكمن في التفكير البشري والقلب. لقد وافق شريكنا "دوغلاس أبرامز" على مساعدتنا في هذا المشروع وقام بإجراء مقابلات معنا على مدى الأسبوع الذي قضيناه في دارامسالا".

ويضيفان: "لا ينبغي اعتبار ما نقوله من مسلمات. إننا نشارك ما شهده وتعلمه صديقان من عالمين مختلفين كثيراً في حياتهما الطويلة. نأمل أن تكتشف صحة ما هو موجود في هذا الكتاب من خلال تطبيقه على حياتك الخاصة".

يقول دوغلاس أبرامز، الذي أعد لهذا اللقاء ومن ثم نشره: "إن التحضير لهذه الزيارة استمر مدة عام. فالدالاي لاما ورئيس أساقفة جنوب أفريقيا ديزموند توتو من أعظم المعلمين الروحانيين، ولكنهما مرشدان أخلاقيان. فهما يعتبران البهجة أكبر بكثير من السعادة".

تدور الحورات حول ما أسماه الدالاي لاما "غاية الحياة"، وهي هدف تجنب المعاناة واكتشاف السعادة، وتحويل البهجة الى سمة متأصلة ومن شعور بسيط الى أسلوب حياة دائم.

ويؤكد دوغلاس أبرامز أن هذا الكتاب كان ينظر إليه منذ البداية بوصفه قالب حلوى عيد الميلاد من ثلاث طبقات.

تحتوي الطبقة الأولى على تعاليم الدالاي لاما ورئيس الأساقفة تاتو فيما يخص البهجة.

والطبقة الثانية تتكون من أحدث العلوم المتعلقة بالبهجة وجميع المميزات الأخرى التي يعتقدان أنها أساسية لتحقيق السعادة. ومع الاكتشافات الجديدة في علم الدماغ وعلم النفس، يقول عالم الأعصاب ريتشارد ديفيدسون أنه قام بدراسات على ممارسي التأمل في مختبره ووجد أن التأمل يمتلك فؤائد على الدماغ قابلة للقياس.

أما الطبقة الثالثة من الحلوى فإنها تتضمن القصص التي حدثت في "دارمسالا" مع الدالاي لاما وديزموند توتو خلال ذلك الأسبوع. والمقصود من هذه الفصول الخاصة والشخصية هو السماح للقارئ أن ينضم الى الرحلة بدءاً من العناق الأول بين المؤلفين وحتى الوداع الأخير.

بدا الأسبوع في دارسالا وكأنه قمة خارقة للطبيعة وشكل تحدياً في رحلة الحياة من أجل البهجة والمعاناة.

الدالاي لاما وتاتو قالا إنه لا يمكن تجنب المعاناة ولكن طريقتنا في الاستجابة الى تلك المعاناة هي خيارنا. 

يبدأ الدالاي لاما بالقول: "تكمن المشكلة في عالمنا وتعليمنا أنه لا يزال يركز على نحو كبير على نحو خاص على القيم المادية الخارجية. لسنا مهتمين بما يكفي بقيمنا الداخلية. إن أولئك الذين يكبرون مع هذا النوع من الحياة التربوية يعيشون حياة مادية، ويصبح المجتمع بأكمله مادياً في النهاية. إلا أن هذه الثقافة غير كافية لمعالجة مشاكلنا البشرية. المشكلة الحقيقية تكمن هنا".

يضيف الدالاي لاما أنه "لا يمكن للقيم المادية ان تمنحنا راحة البال. لذلك علينا التركيز على قيمنا الداخلية لأننا بهذه الطريقة نستطيع الحصول على راحة البال".

بعدها التفت الدالاي لاما الى رئيس الأساقفة قائلاً: "أعتقد أن لديك إمكانية عظيمة لخلق بشرية سعيدة. فعندما ينظر الناس الى وجهك فقط فأنت إما تضحك أو مبتهج على الدوام، فهذه رسالة إيجابية للغاية. إنني ممتن لمجيئكم كي نحظى بهذه المحادثة من أجل تطوير ذهننا. علينا النظر الى مستوى أعمق، يسعى الجميع وراء السعادة والبهجة العارمة ولكن من الخارج من خلال المال والقوة والسيارة الكبيرة والمنزل الكبير. لا يولي معظم الناس الانتباه أبداً الى المصدر المطلق للحياة السعيدة وهو الداخل لا الخارج".

أجابه رئيس الأساقفة بالقول: "من الصعب جداً تتبع تصريحاتك العميقة. في الواقع ظننت أنك على وشك أن تقول إنه عندما تسعى وراء السعادة، فإنك لن تجدها فهي مراوغة للغاية". وتابع: "لا شيء أكثر إثارة للإحباط من أن تُنفى من موطنك وأن تُنفى معك الأشياء الثمينة. مع ذلك عندما يقصدك الناس، فإنهم يلاقون شخصاً يتمتع بصفاء وتعاطف رائع".

ويبادر دوغلاس أبرامز بسؤال هو: "هل البهجة شعور يأتي فجأة، أم هي أسلوب حياة أكثر جدارة ؟ بالنسبة اليكما تبدو البهجة وكأنها شيء أكثر استمراراً. إن تمرينكما الروحي لم يجعلكما كئيبين أو جديين، بل أكثر ابتهاجاً. هكذا كيف يمكن للناس زرع هذا الحس من البهجة، وليس مجرد شعور مؤقت؟" أجابه الدالاي لاما: هذا صحيح.

وعقب عليه ديزموند تاتو بسؤال وجهه الى الدالاي لاما: "دعني أطرح عليك سؤالاً، أنت تعيش في المنفى منذ 56 عاماً وأنت بعيد عن بلاد تحبها أكثر من أي شيء آخر. لماذا لست كئيباً؟".

أخذ الدالاي لاما يعدد له الأحداث المتتالية التي تعرض لها وفرضت عليه أن يخرج هرباً من "التيبت" الى المنفى. وقال: "تعود إحدى ممارساتي الى معلم هندي بوذي قديم في القرن الثامن عشر هو "شانتيديفا"، الذي يقول "في حال الإمكان القيام بأمر ما تجاه الموقف، فما الحاجة الى الاكتئاب، وفي حال لم يكن القيام به تجاه الأمر فما الحاجة للاكتئاب. وهكذا أنا أتدرب على ذلك".

 ويضيف الدالاي لاما: "حين ندرك معاناة الآخرين فإن ألمنا سيخف. فعلى سبيل المثال يواجه مجتمع "هوي" المسلم في الصين الكثير من المشاكل والمعاناة. ثم في خارج الصين هناك مشاكل عديدة. عندما نرى هذه الأشياء ندرك أننا لا نعاني وحدنا بل الكثير من إخوتنا البشر".

يقول دوغلاس أبرامز إن ميزة الدالاي لاما عن الآخرين أنه لا يقارن حالته مع الآخرين، بل يوحدها مع الآخرين، ويوسع هويته ويرى أن هذا الإدراك الذي يقتضي بأننا جميعاً متصلون مع بعضنا، سواء شعب التيبت أو مسلمي "هوي"، يعتبر ولادة التعاطف والشفقة".

ويكمل الدالاي لاما جوابه البليغ رداً على سؤال رئيس الأساقفة: "خسرنا بلادنا وأصبحنا لاجئين. لكن تلك التجربة منحتنا فرصاً جديدة لرؤية أشياء أكثر، بالنسبة لي شخصياً حصلت على فرص أكبر في لقاء أشخاص مختلفين، وممارسين روحيين مختلفين مثلك وعلماء أيضاً. أتت هذه الفرصة لأنني أصبحت لاجئاً. لو كنت ما زالت في "بوتالا" في "الهاسا" كنت بقيت فيما يوصف بالقفص الذهبي، "لاما" الدالاي لاما المقدس. كان الآن يجلس عالياً بتكلف كما سبق وتوجب عليه الجلوس عندما كان الزعيم الروحي المنعزل للمملكة المحرمة".

وأضاف: "من أجل ذلك، أفضل العقود الخمسة الأخيرة من حياة اللجوء فهي مفيدة أكثر وفرصة أكبر للتعلم واختبار الحياة، وهكذا لو نظرت من زواية واحدة، ستشعر كم هي سيئة، وكم هي محزنة. ولكن لو نظرت من زاوية أخرى الى المأساة نفسها والحدث نفسه سترى أنه منحنا فرصاً جديدة. ولذلك فإن الأمر رائع. وهذا هو السبب الأساسي في كوني غير حزين أو كئيب. هناك قول مأثور في التيبت: "أينما كان لديك أصدقاء فإن ذلك بلدك، وأيمنا تلقيت الحب فإن ذلك هم موطنك".

لقد أحدث هذا القول المثير للمشاعر من الدالاي لاما حسب وصف دوغلاس أبرامز تنهيدة مسموعة في الغرفة، وقدرته على تخفيف، إن لم يكن محو، ألم نصف قرن تم قضاؤه في المنفى. 

وعلق رئيس الاساقفة قائلاً: "هذا جميل للغاية".

الجدير بالذكر أن بلدة "مكيلود غانج" التيبتية البوذية الواقعة في قمة الهضبة المعروفة أيضاً باسم "دارمسالا" في أعلى المدينة الهندية الهندوسية تعني "المسكن الروحي"، وهي تتألف من كلمة "دراما"، أو التعليم الروحي، و"سالا" وهي المسكن، ومعنى الاسم كاملاً هو "نزل الحاج أو دار الاستراحة".


التعليقات

 
}