المطبخ والسياسة في تركيا

المطبخ وطريقة عرض الطعام هما مرآة تعكس التاريخ والدعاية السياسية والدبلوماسية والمشاعر القومية والروح الاقتصادية والصفات الدينية للمجتمع.

كتاب "تاريخ المطبخ: المغامرات السياسية للطعام"

يصوّر الكتاب المطبخ، وطريقة عرض الطعام، وتناوله، كمرآة تعكس التاريخ والدعاية السياسية والدبلوماسية والمشاعر القومية والروح الاقتصادية "منتج ـ مستهلك" والصفات الدينية للمجتمع، مستنداً إلى محاولة الربط بين هذه العناصر، ولا سيما العنصر السياسي، والمطبخ الخاص بالمجتمع.

ويدعي الكتاب بأن الدولة القومية أو الوطنية التي اتسمت بالمركزية والحس القومي الموّحد والبيروقراطية الإدارية على ارتباط وثيق بتحول المطابخ إلى مرآة واضحة لعكس روح العناصر المذكورة أعلاه. ومن هنا تنبع أهمية الكتاب في رصد الصورة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمجتمع التركي في العصر الحديث. وفي سياق ذلك، يحاول الكتاب الإجابة عن تساؤلٍ فحواه؛ "كيف يعكس المطبخ الخصائص السياسية والاقتصادية والاجتماعية لمجتمعٍ ما؟

يتمحور الهدف الأساسي للكتاب حول الربط بين ثقافة الأكل والسلوكيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات، مرتكزاً في طرحه إلى المنهج الوصفي التحليلي المتعمق الذي يسهب في وصف الظاهرة، واستقصاء تفاصيلها الباطنة بصيغةٍ وصفية وأخرى تحليلية.

في المحور الأول المُعنوّن باسم "أريد أن أكل، ماذا لديكم؟: السياح والرحالة، موائد إسطنبول المتواضعة"، يشرع الكاتب في طرحه بالإشارة إلى أن إسطنبول، منذ القدم، وهي مدينة لا ينقطع عنها السياح أو الزوار من الشرق أو الغرب ليومٍ، ومع التقدم التكنولوجي، ومطلع القرن السابع عشر، حيث السفن البخارية والسكك الحديدية، بدأت حركة السياحة صوب إسطنبول تزداد.

وبازدياد عدد السياح القادمين إلى إسطنبول، أضحت الأخيرة، بحسب الكاتب، بحاجة إلى فنادق ومطاعم مواتية لرغبات السياح الغربيين الذين كانوا يأتون أملاً في الإطلاع على تفاصيل إسطنبول التي كانت تلقب في حينها "عاصمة الشرق". ويفيد الكاتب بأن السياح لم يأتوا، في حينها، من أجل الطعام فقط، ولكن لا شك في أن المطبخ التركي وأصوله كانا محط اهتمام السياح القادمين بفضول إلى إسطنبول.

ووفقاً للكاتب، فإن القناعة الأساسية التي كان تُحيط بالسياح الغربيين بعد قدومهم إلى إسطنبول، هي أن إسطنبول مدينة إسلامية تعكس ذلك من خلال عدم تقديم المطاعم "الشراب الروحي" أو ما يعرف باسم الخمر. وفي تلك الحقبة، عكست إسطنبول تواضع المجتمع التركي وبساطته عبر الكراسي والطاولات الخشبية الصغيرة التي كانت المطاعم ـ أغلبها كانت مطاعم جوالة ـ تستخدمها في تقديم الطعام للسياح، بعيداً عن الأبهة التي كانت تمتاز بها المطاعم الغربية حينذاك.

أيضاً، يرى الكاتب في استخدام المطبخ العثماني معاني عربية في اللغة؛ ككلمة "طعام إيتمك"؛ بمعنى "تناول الطعام"، والتي تُركت فيما بعد لتصبح "يميك إيتمك"، انعكاس واضح للثقافة العربية الشرقية على المطبخ والمجتمع العثمانيين/التركيين، مشيراً إلى أن الفنادق والمطاعم المتواضعة، في تلك الفترة؛ أي خلال القرن السابع عشر، تُظهر حجم انغلاق المجتمع العثماني الذي سيبدأ بعد توافد السياح بالانفتاح على الخارج. هذا الانفتاح الذي سيرافقه تغيّر ثقافي وسياسي وفكري واسع، تغيّر ظهر عبر استخدام بعض جوانب الثقافة الغربية في الطعام، كاستخدام الشوكة والسكين، وتغيّر سياسي فكري يُلامس عبر ارتفاع أعداد المواطنين العثمانيين المقتبسين والمتبنّين للفكر الغربي على عدة أصعدة.

وفي نهاية المحور الأول، يؤكّد الكاتب أنه بالرغم من اقتباس إسطنبول، والمجتمع العثماني ككل، ترك وعرب، بعض جوانب الثقافة الغربية، إلا أنه مع بداية حركات التحرر مطلع الثلاثينات ونهاية الستينات، دفعت هذه المجتمعات إلى تجنب الثقافة الغربية، والبحث عن عناصر ثقافتها القومية التي تسهم في تأسيس عنصر أساسي للتحرر والاستقلالية من الاستعمار الغربي.

وينتقل الكاتب إلى المحور الثاني "يضعون أصابعهم الخمسة داخل اليخني" - اليخني لحم بالصلصة والبصل - ليصف بعض الجوانب الثقافية الخاصة بتناول الطعام لدى المجتمع العثماني في نهاية القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر، مبيّناً أن مبدأي الوحدة والإخوة النابعين من الدين الإسلامي، أديا إلى ركون المجتمع العثماني إلى استخدام الطبق الواحد لتناول الوجبة، وكان الرجل إذا مرّ برجلٍ يأكل، لا يجد حرجاً في مشاركته طعامه، وبينما كان هذا الأمر يعني الإخوة بالنسبة للمجتمع العثماني، كان يرى السيّاح الغربيون هذا الأمر بمثابة الطمع غير المؤدب في وجبة الآخر.

أيضاً، يظهر الاصطدام الحضاري بين المجتمعين الغربي والعثماني فيما يتعلق بثقافة الطعام، إذ تناول العثمانيون الطعام بأيديهم، فيما يتناولوه الغربيون بالملعقة، وهذا ما دفع الغربيين إلى وصف وضع اليد في الطعام بالعادة "غير اللائقة".

ووفقاً للكاتب، فإن التحوّل الثقافي لبعض المواطنين العثمانيين في آلية تناول الطعام بدأ في ذلك الوقت، إذ بدأ بعضهم يحاول أن يأكل بالسكين والشوكة، ولكن كثيراً منهم كان معرضاً للسخرية، حيث كان من الصعب عليهم استخدام الشوكة والسكين ببراعة في تقطيع اللحم، لذا كانوا يقطعون اللحم بأيديهم، ومن ثم يستخدموا الشوكة في تناوله.

ويذكر الكاتب أن القصر وطبقة النخبة كانا يأكلان بطريقة مختلفة قليلاً عن عامة الشعب، حيث كانوا يجلسون أمام طاولة مرتفعة قليلاً، ويأكلون بالملعقة، ويستخدمون ثاثة أصابع بدون غرسها بشكلٍ مباشر في الطعام. لكن حتى هذا الأسلوب كان مستهجناً من قبل السياح الغربيين.

ويخصص الكاتب المحور الثالث للحديث عن فترة السبعينيات من القرن العشرين في تاريخ الجمهورية التركية الحديثة تحت عنوان "الأزمة الاقتصادية عام 1978 وأخبار المطبخ: المشكلة الكبيرة لشيشكو؛ تعريفات أكل بأسعارٍ طفيفةٍ وبدون غم"، موضحاً أن الأزمة الاقتصادية التي أصابت تركيا عام 1978، كانت نتجية لتراكم مصاعب اقتصادية بدأت مع أزمة النفط التي اندلعت عام 1973، والتي أوقفت الإنتاجية العالمية، مما أصاب الطلب والعرض العالميين بخلل اقتصادي عميق، انعكس بشكلٍ سلبي على تركيا.

وإلى جانب هذه الأزمة التي رفعت التضخم إلى ما نسبته 53%، وقعت أحداث 1 أيار/مايو 1977 الدموية التي تسببت في ارتفاع حدة الاشتباكات المُسلحة بين اليساريين واليمينيين. ولا شك، بحسب الكاتب، فإن هذه الأزمات ستفسد المزاج في المطبخ.

وحول تلك الحقبة، يُشير الكاتب إلى أن المجلات الثقافية كانت تحتوي تعريفات معظمها يستحيل على المواطن العادي أن يوفّر مستلزماتها، مضيفاً أن هذه المجلات كانت وكأنها تستهزء بحالة الفقر بل العدم التي كان يمر بها المواطن التركي حينذاك.

وفي تلك الفترة، كان انقطاع الغاز على رأس المشاكل التي يعاني منها المطبخ التركي. وقد أدى ذلك إلى حالة من القحط في المطبخ التركي، فالحصول على أنبوبة الغاز في ذلك الوقت، كان بحاجة إلى الوقوف في طابورٍ طويل قد ينتهي في يوم، ولا يأتي الدور على المنتظر ليأخذ نصيبه. وإن أتى النصيب، فيأتي بأسعارٍ باهظةٍ تُجبر المستهلك على تخفيف استهلاكه للطاقة.

ولا يقف الأمر على نضوب الغاز، بل يمتد إلى نقصان المواد الغذائية الأخرى التي كانت يُحظر استيراد جزء كبير منها بسياسةٍ من الدولة، في سبيل دعم المنتج الوطني الذي كان لا يلبّي حجم الطلب المحلي، أو كان يُحتكر من قبل التجار لبيعه بأسعارٍ باهظة في السوق السوداء. وهنا، يمكن ملامسة الآثر السلبي للأزمة الاقتصادية المذكورة من خلال النظر إلى موائد الطعام الفقيرة التي كانت تسود أغلب بيوت المواطنين الأتراك.

ويرى الكاتب أن الطعام الذي كانت تحويه المجلات في حينها، كان ليس من أجل إعداد الوجبات الشهية في المطبخ، بل من أجل تخيّل هذه الوجبات. ربما كان هدف هذه المجلات، مواكبة التقدم العالمي في هذا المجال، ولكن لن يستطيع المطبخ التركي تحقيق ذلك، إلا في ثمانينات من القرن الماذي، إذ أصبح هناك انفتاح اقتصادي حر قضى على الآثار السلبية لتطبيق آلية "دعم المنتج المحلي" سلبية النتائج. لكن على الرغم من ذلك، إلا أن الخيال الذي أحدثته الأزمتان السياسية والاقتصادية، أدى إلى اتساع المخزون الثقافي النظري للمطبخ التركي، إلا أنه بقي نظرياً حتى نعمت تركيا بالأمن والاستقرار.

وبالوصول إلى المحور الرابع، يتحدث المؤلف عن "كيفية تطوّر ثقافة الكتابة حول المطبخ"، مستشهداً بمقال للكاتب برهان فلك، الذي أشار في مقاله لصحيفة "ميلييت" في عام 1975، إلى أن تلفزيون الدولة الذي يعرض تعريفات عن الطعام، يوم الأحد، يجب أن يخاطب دولاً أو عالماً آخر، مضيفاً أن "الطهاة المحترفين هم من يبحثون عن هذه التعريفات، وليس المواطن العادي".

إلا أن هذه التعريفات التي أوجدها الخيال الواسع الناتج عن العدم، دفعت عدداً كبيراً من الكتاب إلى التخصص في الكتابة حول الطعام، على حد وصف الكاتب الذي يوضح أن بداية كتابة تعريفات الطعام في المجتمع التركي، لم تأتِ بعد تأسيس الجمهورية التركية، بل بدأت في سبعينيات القرن السابع عشر، أي في عهد الدولة العثمانية، حيث كانت تظهر في زاوية "مكاتيب المدينة" للصحف والمجلات، ومن أبرز الكُتاب في ذاك الوقت علي أفندي، وأحمد راسم.

وقد تطوّرت هذه الكتابات بالتوازي مع التطوّر السياسي والاقتصادي والثقافي الذي شهدته الدولة العثمانية بعد القرن السابع عشر، حتى أصبح وصف المطاعم، والتعليق على طريقة تقديم الطعام، ونشر بعض التعريفات، كتابة تستهوي الكثير من كُتاب الصحف.

وقد اتسع مجال هذه الكتابة، بعد تأسيس الجمهورية التركية، جراء عملية "التغريب" التي أطلقها مؤسس الجمهورية، مصطفى كمال أتاتورك، والتي دفعت طبقات المُثقفين إلى متابعة الثقافة الغربية، ومنها المطبخ، ونقل تفاصيله عبر الصحف والمجلات ووسائل الإعلام الأخرى. وبذلك تطوّرت شكليات المطعم التركي بحسب تطوّر الخواطر والتطورات السياسية.

 

تقييم الكتاب:

يتميز الكتاب بنمطٍ جديدٍ يكمن في رصد التغيّرات السياسية والاقتصادية بالنظر إلى ثقافة المطبخ. وقد نجح الكاتب في توظيف هذا النمط في عكس التطوّرات السياسية لتركيا خلال العصر الحديث، حيث أدخل القارئ في أحد أهم الأماكن المُفضلة له، ألا وهو المبطخ، ومن خلال هذا المكان "المغري" أوصل الكاتب رسائله المنشودة. وقد تمتع الكتاب بالموضوعية، حيث لم يُظهر الكاتب ميوله الشخصية ضد أو مع أي حدث أو شخص.