السرعة والسياسة وانعدام قيمة الجغرافيا

ليست السياسة سوى "علبة السرعة"، وهذا يطال كل وسائط النقل والاتصال ووسائط نقل السلاح وأدوات التدمير، حيث فقدت الجغرافيا أو المسافة أي قيمة لها.

لم تحصل هناك "ثورة الصناعة" بل "ثورة السرعة"، ولم تكن هناك سلطة الشعب بل سلطة السرعة

تمثل التقنية مدخلاً لفهم الكثير من التفاعلات والمدارك والسياسات في عالم اليوم، وقد يكون من المناسب تركيز الحديث عن السرعة، أو التقنية الخاصة بالسرعة، سرعة الاتصال والنقل، سرعة الإنجاز والعبور، وسرعة المحركات والطائرات والصواريخ، وسرعة معالجة المعلومات، إلى السرعة في الحشد والتجييش، والمعارك والمواجهات. والواقع أن السرعة أخذت تطال جوانب الحياة بالكلية تقريباً، حتى أمكن الحديث عن "الدولة الناقلة" مثلاً، بمعنى الدولة القادرة على نقل المعلومات والصورة والأفكار والبضائع والأسلحة ومصادر التهديد أو مصادر الدفاع في الجغرافيا أو الفضاء العالمي.

تتناول هذه القراءة كتاب "السرعة والسياسة: من ثورة الشارع الى الحق في الدولة"، لمؤلفه الكاتب والفيلسوف الفرنسي بول فيريليو، المعروف باسم "فيلسوف السرعة"، والكتاب من ترجمة: محمد الرحموني، وصدر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2017.

يتألف الكتاب من مقدمة وثمانية فصول، الفصل الأول: من الحق في الشارع إلى الحق في الدولة، الفصل الثاني: من الحق في الطريق إلى الحق في الدولة، الفصل الثالث: من الحق في الفضاء إلى الحق في الدولة، الفصل الرابع: الحرب العملية، والفصل الخامس: الأجساد العاجزة، والفصل السادس: عقلنة الأجساد الحية، والفصل السابع: نهاية البروليتاريا، والفصل الثامن: الأمن بضاعة مستهلكة، والفصل الأخير: حالة الطوارئ.

يبدو العنوان غريباً بعض الشيء، إلا أن منطقه مفهوم بالعموم، وليس من الصعب على المتلقي الفطن والمتابع التنبه إلى مقولته وهدفه الرئيس وهو البحث في "علم السرعة". ويتوصل المترجم إلى تقدير عن لفحوى الكتاب، يقول: "لم يعرف الغرب ثورة صناعية كما هو شائع بل ثورة درومولوجية، ولم يعرف الغرب الديمقراطية (سلطة الشعب) بل الدروموقراطية (سلطة السرعة). ص 10.

شهد العالم تطوراً من القدرة على الحركة والتحشد في شوارع المدن الكبرى مثل باريس وبرلين، حيث برزت إمكانات الحركة والتأثير على الدولة والسياسة، واصبح الحديث يدور عن "حركة" وطنية، ص 20، و"حركة" العمال والفلاحين، و"تحرك" الجماهير، حيث أمست "الحركة" قُل السرعة فعلاً سياسياً.

و"إذا كانت الثورة هي الحركة فالحركة ليست ثورة، إذ ليست السياسة سوى علبة السرعة، وليست الثورة سوى مضاعفة لهذه السرعة"، ص 37.

"أما الحرب التي هي وفق كلاوزفيتز "متابعة للسياسة بوسائل أخرى"، فهي في الحقيقة متابعة "بوليسية" وبأقصى سرعة وعبر وسائل نقل أخرى، ص 37.

عندما استولى النازيون على السلطة "أغووا" الناس بالرياضة والتنقل وركوب الشارع، أعني ركوب السيارات، و"جعل الطرق هبة للجميع"، ص 43، ومتنفساً وفضاء للحركة والحشود والتجمعات التي كان من المطلوب أن تتم بسرعة، كما كان المطلوب "إفراغها" بسرعة أيضاً. لكن في الولايات المتحدة الأميركية كان المطلوب أيضاً هو "ضبط السرعة"، وخاصةً من تزايد حوادث السير والسرقة واستخدام المافيات للسيارات والسرعات.

الحركة والتنقل وتأثيرها، صناعة السيارات والدراجات والسكك الحديدية، والقدرة على التجمع والاحتجاج للعمال والمتظاهرين، ومثل ذلك لقدرة الدولة على تحريك القوات والجيوش داخل المجال الدولتي وكذلك الأمر عبر الحدود.

يقول فيريليو: في عام 1792 عملت هيئة الإمداد للجيش الفرنسي على تأمين 200 زوج من الأحذية لكتيبة "الحفاة" في وقت كانت تحتاج الى 80 الفاً، ص 46. لكن الأمور تطورت كثيراً فصار ثمة أنماط من الحركة في البر والبحر، ونوع من التقسيم للسيطرة، جزء لفرنسا وآخر لبريطانيا، ص55. كما تطورت الأمور للتفكير بالسيطرة على الفضاء، قال المارشال الألماني غورينغ "ينبغي على كل ألماني أن يتعلم الطيران"، ص 55. و"مع انطلاق أولى الصواريخ الباليستية قال هتلر وقد أحس بقرب هزيمته العسكرية، مخاطباً القائد العسكري دورنبرغ وهو المسؤول عن برنامج الصواريخ: "لو وثقت في جهدكم لم نكن لنحتاج إلى الحرب أصلاً"، ص 56.

ركزت بريطانيا على إمكانات النقل والحركة للأسطول البحري وإمداده بسفن ومعدات سريعة، "ففي الحقيقة لم تحصل هناك "ثورة الصناعة" بل "ثورة السرعة"، ولم تكن هناك سلطة الشعب بل سلطة السرعة. وانتهى علم الاستراتيجيا ليحل محله علم السرعة"، ص 63.

طائرات أسرع من الصوت، واستنزاف السرعات، "إن كل مركبة جديدة تصنع تدفع العدو إلى إنتاج مركبة أسرع"، وما يحدث هو أن المنتج يفسد حتى قبل أن يُستخدم، ص64. والغربي قليل العدد إلا أنه متفوق "لأنه الأسرع"، ص 64.

ويتحدث الكتاب عن أن البشرية تتجه لأن تنشطر إلى شطرين: الشعوب المتفائلة والسريعة، والشعوب المحبَطة والبطيئة، ص 64-65. كما أن "المنطق الذي يربط السلطة بالمعرفة قد استبعد ليحل محلّه منطق آخر يربط السلطة بالحركة"، ص 65.

كانت قيادات أركان الجيوش خلال الحرب العالمية الأولى "أسيرة نظريتي كلاوزفيتز ونابليون في الحرب، فقد كان شغلها الشاغل إثبات مقدرتها في الحب البرية على "سرعة اختراق [صفوف العدو] وعلى أن تكون معاركها فاصلة وخاطفة"، ص 67.

يقول الكتاب إن "السرعة هي أمل الغرب فهي التي ترفع معنويات الجيوش"، ص 72، و"إن سرعة التنقل العسكري لم تعد مجرد "استعارة للتعبير عن سيلان الزمن الوجودي الحثيث"، بل إن عداد السرعة في آلة الهجوم هو بالنسبة إلى ركابها "محدد كمية وجودهم"، أي مقياس بقائهم على قيد الحياة"، ص 73.

"إن سرعة اتخاذ القرار السياسي مرهونة بمدى استحكام وسائل النقل العسكري: كيف ننقل القنبلة الذرية؟ وبأية سرعة؟ إنها بالتأكيد قنبلة سياسية كما يحلو لهم القول، ولكن ليس لأنها لن تنفجر أبداً، بل لكونها أقصى تمظهرات إدارة المراقبة المرورية العسكرية"، ص 113.

يذهب فيريليو إلى أن الفشل الأميركي في منع هجوم بيرل هاربر الشهير خلال الحرب العالمية الثانية كان بسبب تأخر وصول رسالة لاسلكي، ص 120. ثم إن الولايات المتحدة كان لديها أسطول متطور لنقل البضائع والسلاح والأفراد بما مكّنها من اكتساب ميزة تحرك واختراق وتحكّم عالية مقارنة بأوروبا المنهكة جراء الحرب، وذلك أن "السرعة هي جوهر الحرب"، كما يقول سان تسي، ص 143.

أمام التقنيات المتزايدة والمهولة السرعة في النقل والتوصيل فقدت الأرض أو المسافة أي قيمة، وتمت الاستعاضة عن امتلاك الأرض والجغرافيا بامتلاك الوقت، ص 148، حتى أن اتفاقات الحد من التسلح أخذت معنى الاتفاق حول الحد من  السرعة، ص 146. وليس الحد من القدرة على التدمير، وتركز منظومات الدفاع على الوقت الكافي لصد أو تقويض الهجمات، والوقع اللازم للرد، أو الوقت اللازم للهجوم.

ومع التطور الفائق لتقانات السلاح فقد "أدركنا اليوم مرحلة تكون فيها احتمالات حصول حادث أثناء اللحظات الحرجة التي تحط فيها طائرة مسيّرة آلياً أقل مما لو كانت مسيّرة بشرياً"، ص 149. ذلك أن "السلطة النهائية لن تكون سلطة الفكر بقدر ما ستكون سلطة التوقع"، ص 150. ومع تأثير السرعة والنقل على المجال السياسي والتفاعلات بين الدول أمكن للكاتب أن يصف الدولة في عالم اليوم بـ"الدولة الناقلة"، ص 150. وسرعان ما تتحول السرعة إلى قدر.

الفكرة العامة للكتاب ومقولته الرئيسة هي نوع من التفكيك لطبيعة الدور الذي تمارسه التقنية والسرعة في عالم اليوم، والمخاطر الملازمة لذلك، إذ أن الخطر هو المعنى الملازم للسرعة، وهذا يطال كل أنماط السرعة في وسائط النقل والاتصال المعتادة والخاصة بحركة البشر، وصولاً إلى وسائط نقل السلاح وأدوات التدمير، حيث أخذت التكنولوجيا تحل محل الإنسان.

وعلى الرغم من أهمية وحداثة وعمق و"سرعة" الفكرة المركزية للكتاب، إلا أن تقنيات الكتابة والسرد ربما لم تكن منسجمة على الدوام مع ما يخدم الفكرة، إذ ثمة ترحال واستطرادات كثيرة يشعر معها القارئ بأن الكتاب خرج عن السياق، ويتشتت ذهنه عن الخط المطلوب متابعته، وهذا ما تنبه له المترجم، وكان محقاً في ذلك.


التعليقات