العلاقات المصرية – الفلسطينية بين المسارين الشعبي والرسمي

مرت العلاقات المصرية - الفلسطينية بمراحل تراوحت بين التعاون وقيام الطرف المصري بأداء دور هو أقرب الى دور الوسيط مع الطرف الإسرائيلي من دون مواجهة له ولسياساته. ثم حدث توتر ومشاحنات سياسية مع الجانب الفلسطيني وصلت أحياناً الى حد القطيعة.

كتاب "العلاقات المصرية – الفلسطينية: آفاق القضية ما بين المسار الشعبي والرسمي" الذي حرره الباحثان تحرير الاعرج ومحمد العجاتي

يتناول كتاب "العلاقات المصرية – الفلسطينية: آفاق القضية ما بين المسار الشعبي والرسمي" الذي حرره الباحثان تحرير الاعرج ومحمد العجاتي، والصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطنية فيبيروت، هذه العلاقات المتوترة والملتبسة بين عامي 2005 و2016.

يقول الكاتبان إن الموقف المصري من القضية الفلسطينية يعبّر تعبيراً دقيقاً الى حد كبير، عن فترات التمدد والانكماش لدور مصر على المستويين الإقليمي والدولي، فمنطقة الشام عامة كانت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمصر عبر فترات ممتدة وضاربة في جذور التاريخ، بل الى عصور ما قبل التاريخ في أوائل الألفية الثالثة قبل الميلاد، حيث كانت هناك علاقات قوية  بين المصريين والفينيقيين والكنعانيين، مروراً بمراحل العزو المتبادل للإمبراطوريات المسيطرة على المنطقتين، إذ بقي الفراعنة يحكمون بلاد الشام أربعة قرون، بينما حكم الهكسوس الذين كانوا يسيطرون على بلاد الشام مصر قرابة 150 عاماً، وانتهاء بغزوات اليونانية والرومانية للمنطقة باعتبارها منطقة واحدة، ثم إسناد مهمة فتح فلسطين الى القيادة نفسها (عمرو بن العاص) الأمر الذي يثبت إدراكاً تاريخياً متبادلاً بالأهمية الجيوسياسية لمنطقة الشام عامة، وفلسطين خاصة.

تركز الدراسة على الفترة بين عامي 2005 و2016 مع العودة قليلاً الى التطور التاريخي للعلاقات لأهمية أحداثه وتأثيره فيما بعد.

وتتناول الدراسة ع التطورات منذ الانسحاب الإسرائيلي الأحادي من قطاع غزة في سنة 2005 وحتى 2016، مستعينة في ذلك بالمنهج التحليلي المقارن بين المواقف الشعبية والرسمية المصرية عن طريق تتبع تطور الموقفين خلال الأحداث والمحطات التاريخية، وتتبع التفاعل الفلسطيني الشعبي والرسمي مع هذا الحراك وتلك المواقف.

وقام الباحثان بالدراسة عبر تتبع مواقف السلطة والفصائل والإعلام الفلسطينية من بحث مكتبي في الأدبيات والدراسات السابقة والوسائل المرئية والمسموعة والأفلام التسجلية والوثائقية، وإجراء مقابلات معمقة مع أكاديمين وإعلاميين وناشطين سياسين ونقابيين في مختلف الأحزاب (المحاماة- نقابة الصحافة). فقد أجريا 27 مقابلة مع شخصيات مصرية و13 مقابلة مع شخصيات فلسطينية على رأسهم نبيل شعث.

وتنبع أهمية الدراسة كما يؤكد محرراها "من كونها من الدراسات النادرة التي تربط بين المسارين الشعبي والرسمي فلا تنفرد بأحدهما دون الآخر".

المقدمة اتبعت منهج التتبع التاريخي المقارن للعلاقات منذ سنة 1948 حتى سنة 2005.

أولاً: الفترة بين عامي 1948 -1952 .

ثانياً: الفترة من ثورة 1952 وحتى سنة 1967 ونشأة منظمة التحرير الفلسطنية في سنة 1964 وعدوان 1967.

ثالثاً: اتفاقات كامب ديفيد والتحول الكبير في العلاقات المصرية – الفلسطنية.

رابعاً: الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.

خامساً: الانتفاضة الفلسطنية الأولى في سنة 1987.

سادساً: الانتفاضة الفلسطينية الثانية سنة 2000.

تنقسم الدراسة الى فصلين: الأول يقوم على تغطية وتحليل نقاط الالتقاء والاختلاف بين الموقفين الرسمي والشعبي المصريين خلال فترة (2005- 2016). ويتطرق هذا الفصل الى العلاقات الرسمية المصرية- الفلسطينية، من خلال رؤى المبحوثين في منحنى الصعود والهبوط، والى الإجراءات المصرية تجاه الشعب الفلسطيني، وكيف تؤثر السياسة في حياة الفلسطينيين، ودور الأمن في العلاقات الثنائية.

مرّت العلاقات المصرية - الفلسطينية بمراحل تراوحت بين التعاون وقيام الطرف المصري بأداء دور هو أقرب الى دور الوسيط مع الطرف الإسرائيلي من دون مواجهة له ولسياساته. ثم حدث توتر ومشاحنات سياسية مع الجانب الفلسطيني وصلت أحياناً الى حد القطيعة، وخصوصا في عهد الرئيس أنور السادات بعد توقيعه اتفاقية كامب ديفيد وتعليق عضوية مصر في جامعة الدول العربية. وقد كان لذلك أثر كبير في صناعة السياسة الخارجية في مصر.

إن مستقبل العلاقات المصرية – الفلسطينية سواء في اتجاه مزيد من التعاون أو في الاتجاه المعاكس يتوقف على مقدرتنا على تحديد العوامل المؤثرة في هذه العلاقة.

ويرى الباحث المصري الدكتور حسن نافعة أنه يمكن حصر هذه العوامل في ثلاثة: أسلوب إدارة الصراع مع إسرائيل، الدور الإقليمي، الطبيعة الخاصة والسمات المميزة للسلطة الفلسطنية وللدولة والسلطة في مصر.

    في التاسع من كانون الثاتي /يناير 2005 فاز محمود عباس برئاسة السلطة الفلسطنية بعد رحيل الرئيس ياسر عرفات. وكان من المفترض أن تنتهي ولاية عباس في مطلع عام 2009. لكنه لا يزال على رأس السلطة الفلسطينية الى الآن دون قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة حماس وتديره منذ عام 2007 بعد أن قامت بالعملية التي أطلق عليها اسم "الحسم العسكري" كإحدى حلقات سلسلة الاقتتال بين حركتي فتح وحماس. ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن تقوم أطراف عربية، مصرية أحياناً وخليجية في أحيان أخرى ببذل جهود للمصالحة بين الطرفين. إلا أن الأمور لا تزال عالقة الى وقتنا الحاضر.

وقد أدت التبدلات والتحولات على الساحتين الفلسطينية والمصرية دوراً كبيراً في العلاقات بين الطرفين. وشكّلت التغيّرات الإقليمية والدولية ودخول لاعبين جدد يزاحمون مصر على دورها في القضية الفلسطنية عاملاً آخر أثّر بشكل كبير في العلاقة بين الطرفين.

يقول الأمين العام لحزب الشعب الفلسطيني بسام الصالحي: "تقوم العلاقة الرسمية الفلسطينية – المصرية على أساس إدراك متبادل بين الطرفين، فمصر تدرك أهمية جارتها فلسطين لأمنها القومي، والسلطة الفلسطنية تدرك أهمية ثقل مصر الإقليمي باعتبارها الدولة العربية الأكبر".

ورغم أن اغلب من أجريت معهم المقابلات لهذه الدراسة اعترفوا بأن العلاقة على المستوى الرسمي بين فلسطين ومصر كانت في أفضل حالاتها في عهد الرئيس حسني مبارك، حيث كان لمصر دور واضح ذو طابع قيادي، فإنها كانت في بدايتها علاقة غير واضحة يشوبها الحذر، وخصوصاً مع صعود أبو مازن الى رأس السلطة الفلسطينية، إذ لم يكن النظام المصري على وفاق كامل مع الرئيس الجديد. فعلاوة على أنه لا يعرفه تماماً، كانت لمحمود عباس علاقات قوية مع دول خليجية، وتحديداً قطر.

ويشير الباحث الأكاديمي عماد غياظة الى التوتر أو الغموض أو التوجس المصري تجاه الفلسطينيين بعد سيطرة حركة حماس على أغلبية مقاعد البرلمان الفلسطيني قائلاً إن ذلك قد "دفع العلاقات في اتجاه آخر إذ تحولت مصر من الشقيقة الكبرى الى مجرد لاعب إقليمي مهم ومؤثر، وتحركت من خندق الدفاع عن القضية الفلسطينية الى أن تصبح ضاغطاً عليها". ويضيف أنه "في آخر فترة مبارك كانت مصر عبارة عن مراسل وليس وسيطاً، بل كانت أحياناً ضاغطاً، وقد ظهر ذلك في اجتماعات شرم الشيخ وما شابه".

اما الفصل الثاني للدراسة فإنه يبحت في تعرض العلاقات المصرية – الفلسطينية لاختبارات عدة خلال الأعوام العشرة التي تركز عليها الدراسة، وذلك أن الانسحاب الأحادي من غزة عام 2005 جاء تصرفاً منفرداً من طرف إسرائيل، وتنصلاً من جميع مشروعات التسوية المتعددة الأطراف للقضية الفلسطينية، وكان إعلاناً واضحاً لفشل "خريطة الطريق" التي دافعت عنها مصر والولايات المتحدة ربما أكثر من مبادرة السلام العربية لسنة 2002.

ومن ناحية أخرى كانت المنطقة تمر بأزمات بعد الغزو الأميركي للعراق. ومن ناحية ثانية كان الداخل الفلسطيني يشهد تغيرات كبرى بوفاة ياسر عرفات، ثم بروز بوادر قوية لانقسامات داخلية بشأن الخيارات الفلسطينية، وجدوى المضي قدماً في عملية السلام أو مقاطعتها في ظل أعوام من تعنت إسرائيلي غير مسبوق لتعطيل هذه العملية باستهلاك مزيد من الوقت في مفاوضات شكلية لا تفضي الى أي تقدم.

يرى البعض أن هناك طرفاً أساسياً في العلاقات المصرية – الفلسطينية تمر عبره هذه العلاقات أو يكون عاملاً أساسياً فيه، وهو إسرائيل، إذ تنظر السياسة المصرية في موقف إسرائيل قبل أن تتخذ أي خطوة تجاه الشعب الفلسطيني أو القضية الفلسطينية. علاوة على ذلك هناك التشكك المصري الرسمي في نشأة "حماس" ذاتها ودوافعها، وقد رفضت السلطات المصرية والفلسطينية والإسرائيلية فوز "حماس" في الانتخابات الفلسطينية، وطوال فترة سيطرة "حماس" على غزة كان هناك توتر في العلاقات المصرية الرسمية معها، ما جعل وزارة الخارجية المصرية تتنازل منذ صعود "حماس" الى السلطة، عن الملف الفلسطيني إلى الأجهزة الأمنية بشكل كامل.       

لا شك أن كتاب "العلاقات المصرية – الفلسطينية: آفاق القضية ما بين المسار الشعبي والرسمي" هو دراسة تلفت نظر الباحثين الى تعقيدات العلاقة بين مصر وفلسطين، فهي تتناول هذه العلاقة من نواحي عديدة لم تبحث من قبل بشكل عميق  ولم يكتب عنها بهذه الصراحة.


التعليقات