مئوية جمال عبد الناصر وثورة 23 يوليو

لقد أصاب جمال عبد الناصر، وأخطأ أيضاً، لكن الإيجابي في تجربته يرجّح السلبي بكثير، وتكفي نظرة على خريطة المنطقة السياسية والاجتماعية، وموازين القوى فيها، قبل عبد الناصر وبعده، لتبدو الحقيقة ظاهرة وناصعة.

 كتاب "مئوية جمال عبد الناصر وثورة 23 يوليو" للباحث مجدي حماد
كتاب "مئوية جمال عبد الناصر وثورة 23 يوليو" للباحث مجدي حماد

يقدم الدكتور مجدي حماد في كتابه (مئوية جمال عبد الناصر وثورة 23 يوليو) صورة متكاملة وموضوعية، ونقدية إلى حد ما عن ثورة الثالث والعشرين من ثورة تموز/يوليو عام 1952، الثورة التي اقترنت باسم الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.

ينطلق حماد في دراسته من أن ثورة تموو - يوليو 1952، لا تزال تمثل تياراً سياسياً وفكرياً فاعلاً، في الحياة السياسية ليس في مصر وحسب، وإنما في مختلف الأقطار العربية، فالأفكار التي تبنتها والأحداث التي حركتها، وتحركت بها، لا تزال تسهم في الجدال السياسي والفكري الذي يحرك الأحزاب السياسية، والتيارات الفكرية على اختلافها في الوطن العربي. والسبب في ذلك -بحسب حماد- أن الثورة لم تكن مجرد وسيلة للنمو غير الرأسمالي، ولا مجرد طريق وسط بين المعسكرين المتصارعين، وبين الأيديولوجيتين المتناقضتين آنذاك (الإسلامية- الاشتراكية)، وإنما كانت مشروعاً أصيلاً متكاملاً لتحقيق نهضة عربية قومية مستقلة. وكان إصرارها على الاستقلال الوطني والقومي، ومحاربة التبعية ورفض التجزئة، من أهم الأفكار التي طرحتها، وهي وإن كانت معروفة من قبل، ومتداولة بين الأحزاب والقوى السياسية بدرجة من الدرجات، لكن فضل الثورة، أنها قامت بمهمة التركيب بينها، وتأطيرها وجمعها في منظومة واحدة من ناحية، ثم نقلها من عالم النظريات والأفكار إلى عالم الممارسة والتطبيق من ناحية ثانية.

وفي هذا العام (عام 2018) يكون قد مرَّ قرن كامل على ميلاد الراحل جمال عبد الناصر، قرن مليء بالثورات والانتفاضات والحروب والإحباطات والأحلام، وهنا يطرح المؤلف في كتابه ثلاثة تساؤلات:

الأول: ماذا جرى في حرب المائة سنة على مصير أكبر دولة عربية؟ الجواب في التاريخ ووثائقه.

الثاني: لماذا كان التراجع سمة عامة بعد فورة البدايات المبشّرة؟ الجواب في الحاضر وأزماته.

الثالث: لماذا حفلت ملفات التاريخ بالمغالطة في الحقائق والثأر بالتهجم؟ الجواب في الواقع.

قسّم حماد كتابه إلى ثمانية فصول، اشتركت جميعها في الكلمة الأولى من العنوان وهي (معيار) ابتدأت بمعيار الثورة، وانتهت بمعيار الشرعية، وما بين الثورة والشرعية مجموعة معايير تحدد ثورة 23 تموز/يوليو، ودور جمال عبد الناصر في الثورة على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي في مصر، وعلى صعيد الصراع العربي-الإسرائيلي، بشكل عام.

 

معيار الثورة...إدارة الدولة وبناء نظام جديد

بداية، تحدث المؤلف عن الثورة كمفهوم وممارسة،  فأي ثورة لا بد لها أن تمرَّ عادة بخمس مراحل أساسية، وهي: الثورة السلبية، أو المرحلة الانتقالية، وهي مرحلة هدم النظام السابق. وفي سياق ثورة تموز/يوليو شاع ملمحان، الأول: إحساس المصريين بالفخر لأنهم أنجزوا عملاً لم يستطع عليه أحد من قبل. والثاني: الإحساس بالقلق لأنهم لم يحلوا محلّه من يريدونه حاكماً ومشرّعاً.

أما المرحلة الثانية، فهي مرحلة المثالية الثورية، والتخلّص من رموز النظام السابق. والمرحلة الثالثة، هي المثالية النظامية، أي مرحلة تصميم النظام الجديد دستورياً ومؤسساتياً.

المرحلة الرابعة: هي مرحلة الواقعية الثورية، أي مرحلة الوصول إلى حلول وسط، والاستجابة لمطالب الثائرين والانطلاق نحو بناء مجتمع ما بعد الثورة.

المرحلة الخامسة والأخيرة، هي مرحلة الممارسة الثورية، أي مرحلة الانضباط المؤسسي، من خلال الاتفاق الصريح بين القوى السياسية الأساسية.

 وفي كل مرحلة من هذه المراحل تواجه الثورة فيضاً من الخيارات والبدائل، لكن مجرد نجاح المرحلة الأولى، يعني أن أمام قادة الثورة ثلاثة أنواع من المهمات المتداخلة والمتناقضة في آن، وهي مهمة إدارة الدولة، ومواجهة الثورة المضادة، وبناء النظام الجديد.

وفي هذا الإطار تندرج ثورة 23 تموز/ يوليو كونها ثورة متعددة الجوانب والأبعاد:

هي ثورة سياسية، غيّرت نظام الحكم في مصر من ملكي إلى جمهوري، فضلاً عن ذلك، حرص عبد الناصر على الدفاع عن كرامة الوطن والاستقلال العربي، ومكافحة النفوذ الأجنبي، والدعوة إلى سياسة خارجية مستقلة نابعة من الداخل.

هي ثورة اجتماعية، نقلت سلطة الحكم من طبقة كبار ملاك الأراضي الزراعية والبرجوازية الكبيرة إلى الطبقة الوسطى، واتبعت سياسة العدالة الاجتماعية، وتبنى فيها عبد الناصر منهج التنمية المستقلة، وحق الشعوب في السيطرة على مواردها الطبيعية، وطرح شعار بترول العرب للعرب، وكان تأميم شركة قناة السويس في العام 1956 أول ممارسة ناجحة من العالم الثالث للسيطرة على مواردها.

هي ثورة وطنية، ضد الاستعمار والاحتلال، ولم تقبل سياسة الإملاءات الخارجية.

هي ثورة قومية، أدركت مبكراً حقيقة أن مصر جزء من الأمة العربية، فأكدت على عروبتها فكراً وممارسة، وكانت كلمتا العزة والكرامة، من أكثر الكلمات تداولاً في خطابات عبد الناصر، حتى أن الصحافي الأميركي (ويلتون وين)، ألف كتاباً بعنوان ( ناصر...البحث عن الكرامة).

هي ثورة تحررية على مستوى العالم الثالث، امتد دورها لدعم حركات التحرر في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.

 

 معيارا الزمان والمكان في نجاح الثورة

في الفصلين الثاني والثالث يعرض المؤلف معياري الزمان والمكان وأثرهما في نجاح الثورة، فمعيار الزمان، هو تحليل الثورة، ودراسة الظروف التي نشأت بها، أو التي أدت إليها، وموقع هذه الثورة من الاتجاه العام لحركة التاريخ، من هذه الناحية أشار المؤلف إلى أن قيادة عبد الناصر للثورة أولاً، ولرئاسة مصر ثانياً، ارتبطت بأحداث كبيرة، منها: كسر احتكار السلاح، وتأميم قناة السويس، ومحاربة الأحلاف والمشروعات الاستعمارية، والوحدة مع سوريا وإن لم يُكتب لها الاستمرار، وثورة اليمن، وليس آخرها هزيمة عام 1967. وكل حدث من هذه الأحداث قد يكون موضع جدال حول الزعيم، لكن ليس هناك أي جدال في أن الزعيم ساهم في تمصير الاقتصاد، وبناء القطاع العام، وتقديم خطط التنمية الشاملة وفق المنهج الاشتراكي، وحسم القضية الاجتماعية لصالح العمال والفلاحين. وبذلك استطاع أن يحقق التلاحم الحقيقي بينه وبين الشعب، وفي هذا يشير المؤلف إلى أن لحظة وفاة عبد الناصر في 28 أيلول/ سبتمبر من العام 1970، كشفت عن عمق التلاحم الوجداني والعضوي، بين الشعب المصري وعبد الناصر، وبرز ذلك في أنشودة (يا جمال...يا حبيب الملايين).

وفي معيار المكان يرى المؤلف أن ثورة تموز/يوليو ليست إلا حلقة من حلقات الحركة الوطنية المصرية، وهي استمرار لروح الثورة في العصر الحديث، التي بدأت مع أحمد عرابي، وثورة سعد زغلول التي لم يكتب لها الاستمرار، ثم كانت ثورة 23 تموز/يوليو التي كشفت عن ضخامة وعمق التطور الذي أصاب الثورة المصرية، سواء في ما يتعلق بمضمونها أو قيادتها أو تحالفاتها أو أعدائها. فقد حرص عبد الناصر على الجمع بين ثورتين، الأولى: ثورة سياسية تواصل مسعى ثورة سعد زغلول عام 1919، لإنجاز الاستقلال، والثانية: ثورة اجتماعية تواصل ثورة عرابي، فأعلن منذ البداية وفي بيانه الأول أن الثورة تسعى إلى تحقيق نهضة بشرية- اقتصادية. وهو بذلك يستبق الأمم المتحدة التي دعت في التسعينيات من القرن العشرين إلى التنمية البشرية تكون التنمية الاقتصادية عمادها. كما كان الإصلاح الزراعي من أهم أدوات إنهاء استعباد الأغلبية الساحقة من المصريين، وإشعارهم بانسانيتهم، وإنهاء النظام البرلماني المزيف القائم على استيلاء الأعيان على الثروة الاقتصادية، والأصوات الانتخابية معاً، استباقاً لما أطلق عليه مؤخراً (زواج السلطة بالمال)، ضمن منظومة حزبية كاريكاتورية- بحسب المؤلف.

 وعلى الصعيد العربي، الذي كان يعاني سلسلة من المتناقضات القطرية، وكانت التجزئة أخطرها، حرص على إنجاز الوحدة مع سوريا، وطرح شعار القومية العربية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، التي تبناها العديد من المثقفين والمفكرين العرب على امتداد الوطن العربي.

 

معيار الحركة والنتائج

بعد النجاح الذي حققه عبد الناصر على الصعيد الداخلي، اتجه نجو تحديد دوائر الحركة الدولية للسياسة الخارجية التي انتهجتها الثورة على المستويات الإقليمية والعالمية، كما حددها الميثاق، وصاغها النضال القومي والوطني والعالمي للثورة، في مستويات عدة: أولها دوائر الانتماء الدولية، وثانيها: الدوائر الدولية العامة، وثالثها: محاربة الهيمنة الدولية والإقليمية. وفي ضوء هذا ركز عبد الناصر على ثلاثة مبادئ أساسية، هي: تكامل الوطنية المصرية مع القومية العربية، والتأكيد على مركزية القضية الفلسطينية، والتلازم بين العروبة والإسلام.

وفي معيار النتائج يرى المؤلف أن إنجازات الثورة المؤكدة تفوق ما وعدت بتحقيقه، أو ما هدفت إلى تحقيقه، والأهداف الستة التي أعلنتها عند قيامها كانت قد حصرت أهدافها في الإطار المصري فقط. لكن وبعد عام على قيامها تقدمت فلسفة الثورة باتجاه خطوات ثلاث: أولاها، باتجاه الدائرة العربية، ثانيها، باتجاه الدائرة الإفريقية، وثالثها، باتجاه الدائرة الإسلامية. وكان ذلك تعبيراً عن مدى الإدراك المبكر لدى قائد الثورة لحقائق الزمان والمكان، وضرورات ومقتضيات التفاعل بينهما. وهذا ما أدى إلى حملات انتقامية من الثورة وقائدها، ولم تكن هذه الحملات عفوية، بل خطط لها عربياً ودولياً. وفي ذلك يقول عبد الناصر: (لا بد أن نتحقق من أن الأعداء لا يتكالبون علينا إلا لأنهم يشعرون أننا نتقدم، وأننا نحقق، وأننا ننجز، لو كنا في مكاننا قابعين لما اهتم بنا أحد، الحرب ضدنا دليل على سلامة طريقنا).

 

الناصرية..انتشارها.. مستقبلها

انتشرت الناصرية وترسخت في جميع أنحاء الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، بل تجاوزت ذلك إلى المحيط العالمي، وخاصة، في دول العالم الثالث. ولهذا فإن السؤال عن مستقبل الناصرية يكتسب أهمية مضاعفة، نظراً للدور الذي لعبته الثورة، وكذلك القيادة الرائدة لعبد الناصر، وقد شهدت ثورتا عامي 2011 و2013، عودة جريئة لعبد الناصر وثورته، فقد حضرت صوره وشعارات ثورته وتجربته في الساحات وفوق المنابر.

ولعل أبرز ما تحلّت به شخصيته كقائد سياسي كما يشير المؤلف: جسارة الاختيار، وأصالة التطور، والقدرة على الممارسة، وإرادة التحدي.

وفي الإجابة عن مستقبل الناصرية، وتحديداً المشروع القومي الذي جسّده عبد الناصر، يرى المؤلف أن المشروع القومي الذي طرحه عبد الناصر قابل للاستمرار والتجديد. ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟ كيف يمكن حشد الجماهير وراء مشروع ناصري جديد؟ وكيف يمكن الوصول إلى الجماهير في مواقعها؟ وكيف يمكن جمع المدخرات الضرورية للتنمية؟ وكيف يمكن تدعيم الوحدة الوطنية في الدول العربية التي تعيش انقسامات طائفية ومذهبية؟ وكيف يمكن للأمة أن تحمي نفسها وهي لا تعرف من عدوها؟ وكيف... وكيف.. هذه التساؤلات هي التي قادت الوطن العربي إلى فقدان الإحساس بهويته، بعد أن ضاع منه جامعه المشترك، وهدفه المشترك، ومواقفه المشتركة. وهذا ما أدى إلى تفاقم الوضع في الوطن العربي، وأوقع نفسه في شراك نصبها له الآخرون بوعي، ونصبها لنفسه بغير وعي، ووقع بسبب ذلك أسيراً لمجموعة من التناقضات لا يظهر لها حل في المدى القريب، منها: التناقض بين العلم والدين، والتناقض بين العروبة والإسلام، والتناقض بين الوطنية والقومية، والتناقض بين الأصالة والمعاصرة، والتناقض بين الماضي والحاضر، وأخيراً، التناقض إلى حد أن الأمة أصبحت مولعة بالبحث عمّا يفرقها أكثر من بحثها عمّا يجمعها.

 

الديمقراطية والشرعية..

يشير الكاتب إلى أن موقف ثورة تموز/ يناير من قضية الديمقراطية، ومسؤوليتها، يتحدد بالنظام الذي كان سائداً في مصر، ابتداءً من المرحلة اللاحقة على عام 1957 (جلاء القوات الأجنبية)، والسابقة على عام 1967 (الاحتلال الإسرائيلي). فقبل العام 1957، وبعد العام 1967، كانت الممارسات الديمقراطية تدور فكراً وممارسة في ضوء ذلك الهامش الذي تتركه معارك التحرير الوطني، وإرادة النصر ذات الأولوية المطلقة التي تعلو على أية إرادة. وفي الثورة جرت ممارسة الديمقراطية على نسق واحد بين الدولة وأجهزتها، وأفراد الشعب، من هنا طرح شعار ضرورة الانتقال من ديمقراطية الموافقة إلى ديمقراطية المشاركة، وتحديداً بعد هزيمة 1967.

وبعيداً عن كل الأفكار والانتقادات لتجربة عبد الناصر الديمقراطية، فقد كانت ثورة 23 تموز/ يوليو ثورة ديمقراطية، محدودة بظروفها الموضوعية والذاتية. ويؤكد الكاتب أنه لا يمكن إنكار المضمون الديمقراطي لهذه التجربة إذا أدركنا الديمقراطية بمعناها السياسي والاجتماعي معاً، لا بمعناها الليبرالي السياسي الخالص، الذي تجاوزه الزمن. فالنظر إلى ثورة تموز/يوليو بهذا المنظور الشامل يؤكد أن معاداة هذه الثورة للإمبريالية والصهيونية لم يكن مجرد موقف وطني تحرري فحسب، بل كان موقفاً معادياً للإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية، وهي بهذا تحمل مضموناً ديمقراطياً متقدماً، فضلاً عن مضمونه الوطني التحرري.

وفي خاتمة الكتاب، يرى المؤلف أن ثورة 23 تموز/يوليو كانت تجربة هائلة ليس في حياة الشعب المصري وحسب، بل في حياة الأمة العربية، في العصر الحديث، وهي مثل أي تجربة، وبخاصة إذا كانت ثورة وفي ظروف عالم متغير، فإن التجربة تصبح حافلة، وذلك أنه بالثورة تواجه بدايات جديدة، ثم إنها تعطي للتحديات التي تطرح نفسها عليها إجابات مختلفة، وهذا مجال الصواب والخطأ. لقد أصاب جمال عبد الناصر، وأخطأ أيضاً، لكن الإيجابي في تجربته يرجّح السلبي بكثير، وتكفي نظرة على خريطة المنطقة السياسية والاجتماعية، وموازين القوى فيها، قبل عبد الناصر وبعده، لتبدو الحقيقة ظاهرة وناصعة.

 

عزيزة السبيني كاتبة سورية