أدب المراسلات: من ديكارت وإليزابيث إلى غوركي وتشيخوف

ليست هذه الرسائل إلا مثالاً على الكثير من الكتب الإبداعية التي لا تزال تمثل جزءًا مهمًا في حياتنا الأدبية، ويخطئ من يظن أن زمن كتابة هذه الرسائل قد انتهى بسبب وسائل الاتصال الحديثة.

أدب المراسلات: من ديكارت وإليزابيث إلى غوركي وتشيخوف
أدب المراسلات: من ديكارت وإليزابيث إلى غوركي وتشيخوف

يرى الروائي عبد العال الحمامصي أن الرسائل الأدبية كانت بمثابة حالة فريدة من الإبداع يؤمن بها كبار الأدباء من حيث كونها قادرة على الاحتفاء بالمشاعر وتوصيلها الى الآخر في أبهى صورها. وفي الشرق العربي عرفت المراسلات في القرن التاسع الميلادي تحت اسم أدب المكاتبات، وكانت تقسّم إلى ثلاثة أقسام، المراسلات الأدبية، والمراسلات الأهلية التي تعرف برسائل الأشواق التي تدور بين الأصدقاء والأقارب، والمراسلات العلمية. وقد انتقل هذا الفن من  الشرق إلى الغرب عن طريق إسبانيا –الأندلس- بعد القرن الثاني عشر الميلادي، وحظي في الأندلس بكتاب معظم فرسان السياسة والأدب مثل ابن شهيد وابن برد الأصغر وابن حزم وابن طاهر وغيرهم، ومن الأندلس انتقل هذا الفن إلى أوروبا.

وفي أوروبا استخدم أدب المراسلات منذ القرن السابع عشر بشكل واسع في المعارك التحررية ضد الظلم والاضطهاد، وخاصة في الثورات البرجوازية الهولندية والإنكليزية والفرنسية، وأيضاً في الحركات الفلاحية، وكذلك مراسلات ماركس وأنجلز ولينين.

ونظرأ لأهمية هذا الفن وندرته في العصر الحديث أرادت دار الرافدين على إعادة إحيائه، والاهتمام به من خلال إصدار أهم المراسلات الأدبية والسياسية والفكرية، منها مراسلات غوركي وتشيخوف في السياسة، ومراسلات ديكارت وإليزابيث في العلوم والفلسفة.

 

مراسلات غوركي وتشيخوف

مكسيم غوركي وأنطون تشيخوف، كاتبان ساهمت كتبهما في تكوين الفكر العربي الاشتراكي، فقد تأثر بهما عدد كبير من طلائع الكتاب والمفكرين العرب منذ النصف الأول من القرن العشرين. وتأتي أهمية ترجمة المكاتبات بين الرجلين في كونها لم تكتب لتنشر، أي أنها بعيدة كل البعد عن مقتضيات العمل الأدبي، وهذا هو سرّ قيمتها الفنية والأدبية، وغوركي في رسائله إلى تشيخوف يكشف عن ذاته ونفسه، فهو يثق بـه ويحسن فهمه، ولذلك يكتب له بصراحة عن معاناته وآلامه، (إني لا أتحدث إليك لأني أحبك فحسب، بل لأني أعلم بأنك رجل تكفيه كلمة واحدة كي ينشىء صورة ويؤلف جملاً ويكتب قصة، قصة رائعة تنبش أعماق الحياة وجوهرها كما تفعل أداة السبر بالأرض).

ومن خلال هذه المراسلات تحولت العلاقة بينهما إلى صداقة متينة، ولم يعد الموقف بينهما موقفاً بين تلميذ وأستاذ، الأمر الذي شجع غوركي على توجيه النقد لتشيخوف فكان نقداً رصيناً وبناء قدم صورة حقيقية عن أدب تشيخوف.

 

الرسائل الأدبية والسياسية بين غوركي وتشيخوف...

في رسائل غوركي الأدبية، ورغم مسحة التفاؤل التي تخيّم على أبطال قصصه، وفي قلب حماستهم للحياة وإقبالهم عليها، نجد تياراً قوياً من التشاؤم يسري في هذه الرسائل، هذا التشاؤم الذي دفعه في أحد الأيام إلى أن يطلق الرصاص على صدره، (أنظر إلى ما وصل إليه حالي، إني كسير خائر العزيمة).

وثمة ناحية أخرى جديرة بالاهتمام في رسائل غوركي، هي ذلك الحوار الذي يدور حول فن كتابة القصة القصيرة، فحينها كان تشيخوف في أوج مجده الأدبي عندما اتصل به غوركي الكاتب الناشئ الذي كان يكتب أقاصيصه الأولى، وأخذ يلتمس منه النقد الموجه والنصح والإرشاد، فكان لتشيخوف الأثر الأكبر في توجيه غوركي الأدبي القصصي والمسرحي، (قرأت مسرحيتك. إنها دون ريب جديدة وجيدة، الفصل الثاني جيد جداٍ، وهو أفضل الفصول وأقراها، وعندما قرأته وخصوصاً نهايته، كدت أقفز من الفرح، الجو فيها قاتم ثقيل، وسيفاجأ الجمهور بهذا وسيغادر القاعة. وبوسعك، على كل حال أن تودع السمعة التي تتمتع بها كمتفائل).

أما السأم والملل فكثيراً ما يترددان في رسائل غوركي، (إن رسائلك تحدث في نفسي انطباعاً غريباً، ليس في هذه اللحظة التي أحس فيها بأني فاقد لتوازني على نحو مريع، وإنما على وجه العموم، إني بليد أحمق كالقاطرة). هذه العبارات من النادر أن يتحدث عنها كاتب في سيرته الذاتية، أو يكاشف نفسه أمام القراء ومن هنا تأتي أهميتها، وفي غمرة هذه الانفعالات القوية والحساسية المتألقة تسمو إرادة غوركي وتدفعه للنضال مع المناضلين، نضالاً مباشراً في سبيل الحرية، وبناء حياة جديدة لشعبه، ويسير في الطليعة متعرضاً للسجن والنفي والرقابة التي فرضت عليه عشرين عاماً ولم تزل إلا بزوال العهد القيصري.

ويجد القارئ في الرسالة (57) وصفاً مثيراً لإحدى التظاهرات التي اشترك فيها وسالت فيها الدماء على قارعة الطريق، (إن الطلاب يستحقون الإعجاب، إنهم أفضل الجميع في هذه الأيام التي نعيشها، لأنهم يسيرون إلى النصر أو الموت دون وجل، سيان النصر أو الموت، فلا أهمية لهما، المهم هو النضال، لأن النضال هو الحياة، وإنهم ليحييون حياة رائعة). وهذا ما جعله ينتزع إعجاب النقاد، إذ اعتبروه مؤسس المدرسة الواقعية الاشتراكية التي تجسّد النظرة الماركسية للأدب.

وفي المقابل، كشف غوركي عن روح تشيخوف التي التقت مع روحه في الازدراء المطلق للوضاعة والانحطاط اللذين نفذا إلى الحياة الروسية في سني رجعية الحكم الفردي، وكان يلمع تحت ستار تشاؤمه الظاهري، محبة الإنسان التي يشعر بها هو نفسه. ورغم أن الإثنين أي –غوركي وتشيخوف- كانا في سن واحدة تقريباً، ومصابين بمرض واحد هو السل، فإن الموت الذي اختار تشيخوف في العام 1904، تاركاً أعمالاً أدبية وفنية ترجمت إلى لغات عدة، منها: في المسرح(أغنية البجعة، الزفاف، غابة الشيطان وهي كوميديا من أربعة فصول وغيرها)، وفي القصة (وفاة موظف، المحار، والصيادون....) وفي القصة القصيرة (إلى جدي العزيز، ثلاث سنوات..)، قد أبقى – أي الموت- على غوركي حتى العام 1936، فنضجت عبقريته وقدم للأدب في العالم تراثاً إنسانياً رفيعاً، ومن أعماله الشهيرة رواية الأم، التي ترجمت بدورها إلى اللغات العالمية. وبوفاته أسدل الستار على آخر حلقة في سلسلة الأدب الروسي الكلاسيكي الذي بدأ مع بوشكين. 


حوار الفيلسوف ديكارت والأميرة إليزابيث

أدب المراسلات: من ديكارت وإليزابيث إلى غوركي وتشيخوف
أدب المراسلات: من ديكارت وإليزابيث إلى غوركي وتشيخوف

بداية، السؤال الذي يطرح نفسه قبل الدخول في المتاهات الفلسفية بين أبي الفلسفة الحديثة رينيه ديكارت والأميرة إليزابيث، هو أي نوع من الفلسفة يمكن التعبير عنه في المراسلات الشخصية؟

قد يأتي الجواب مطابقاً لواقع الفلسفة الغربية بشكل عام، وقد يكون مناقضاً لها. وفي الحديث عن المراسلات بين الفيلسوف ديكارت (1596-1650) صاحب كتاب (تأملات في الفلسفة الأولى) الذي لا يزال يشكل النص القياسي لمعظم كليات الفلسفة، والأميرة إليزابيث (1618-1688)، نجد إجابة شافية عن أهمية المراسلات الفلسفية في التأكيد على صور عدة للفيلسوف، لا صورة واحدة كما عُرف في الأدبيات، فضلاً عن التحيّز البسيط لأهمية الأفكار الفلسفية للمرأة.

الملكة إليزابيث ملكة من ملكات القرن السابع عشر، وكانت تسعى لدراسة الفلسفة، ومثّلت رسائلها إلى ديكارت شغفها بالبحث عن الحقيقة، ومحاججات فكرية، وجدلاً عميقاً، وملاحظات دقيقة، فكانت مزيجاً مثيراً للاهتمام، يتضمن تاريخاً اجتماعياً، وسيرة ذاتية. كما أنها أفضت إلى تطوير العلاقة بينهما، وإغنائها، وهي تتحول من الجاذبية إلى التعارف، إلى الإعجاب المتبادل، وأخيراً إلى الصداقة، رغم أنها جاءت متأخرة في حياة ديكارت، وفي وقت مبكر من حياة إليزابيث، (كنت دائماً أعيش وضعاً جعل حياتي من دون فائدة للأشخاص الذين أحبّهم لكنني أسعى إلى الحفاظ على هذه الحياة بمزيد من الحرص بما أني نعمت بحظ سعيد جعلني أتعرف عليك، لأنك أوضحت لي الوسائل الكفيلة بجعلي أعيش بسعادة لم أعِشها سابقاً، ولا ينقصني سوى مشاعر الرضا المتأتية عن قدرتي على التعبير عن مدى الامتنان الذي تشعر به صديقتك المحبة لخدمتك).

وربما يحسب للأميرة سعيها لتحقيق النجاح النسوي على المستوى السياسي والفلسفي المتمثل في تأكيد الذات كآخر، ذلك أن ثقافة العصر سمحت بتعزيز الاعتراف، وبالنتيجة شكّلت ثقافة فلسفية جديدة، تمثلت باعتراف الفيلسوف ديكارت بدقة أفكار الأميرة وعمقها.

بدأت المراسلات بين الأميرة والفيلسوف عام 1643، طرحت فيها الأميرة العديد من الإشكاليات والتساؤلات حول فلسفة ديكارت، وخاصة، المتعلقة بعلاقة النفس والجسد، بالإضافة إلى إشكاليات هندسية ورياضية. وفي إحدى رسائل ديكارت عام 1645 يقترح على الأميرة قراءة كتاب سينيكا عن الحياة السعيدة، وذلك لمناقشة موضوع السعادة، ويوضح لها في رسالة أسباب اختياره هذا الكتاب لقراءته. وفي رسالة أخرى يكتب لها عن كتاب الأمير لمكيافيلي من دون أن يشير إلى ذلك، وربما أراد لها أن تدرك أهمية الأخلاق في السياسة، (على الأمير أن يتجنب كراهية رعاياه وازدراءهم، وحب الشعب يستحق أهمية أكثر من القلاع، لكنه احتوى على أشياء أخرى لا أتفق معه فيها، وأعتقد أن المؤلف لم يلتفت إلى قضية مهمة وهي أنه لم يقم حدوداً للتمييز بين من حازوا على الدولة بالوسائل العادلة، وأولئك الذين اغتصبوا السلطة بطرق غير مشروعة).

وعلى الرغم من التقارب الفكري بينهما، إلا أن آراءهما كانت تتقاطع أحياناً، وتتعارض أحياناً أخرى، فأسلوب الأميرة الفلسفي مختلف تماماً عن أسلوب ديكارت، وخاصة، في معالجة الأمور العقلانية. من هنا تبدو أن المعيارية –إعادة الاعتبار للعقل المعياري، وتحقيق هيمنته على الفعل الإنساني- هي السمة الغالبة على مراسلاتهما.

وبعيداً عن علاقة الصداقة التي جمعت الأميرة بالفيلسوف، فإن أهم ما يميّز المراسلات بينهما، أنها تقدم وثيقة فلسفية يمكن من خلالها معرفة بداية تشكّل الاهتمام الفلسفي عند الأميرة، التي لم يُعرف لها أي كتابات منشورة سوى الرسائل التي كانت سبباً في التعرف على مراسلة موهوبة تنسج بين المخاوف الشخصية والسيرة الذاتية، والنظرية عندما كانت تبحث في العلاقة بين متطلبات الحياة العملية والفلسفة العلمية الجديدة.

أما اللغة التي كتبت فيها المراسلات فكانت لغة راقية عززها حوار رشيق، والتزم كلا الطرفين بأخلاقيات الحوار. فالفيلسوف كان يستعمل دوماً عبارات تليق بالملكة فيقول (الخاص بك)، أو (سموك)، وكذلك الأميرة فكان توقيعها دائماً بالمتواضعة والمطيعة والمحبة، صديقتك الحنون، ما خلق بينهما حالة من الاندماج الحسي والذوقي. أما العقل الناقد فكان من التقارب في ما بينهما حد الاتفاق، الأمر الذي جعل فارق العمر بينهما لا يكاد يذكر. ويبدو أن الأميرة الشابة قد حصلت على تعليم في الرياضيات والكلاسيكيات واللاهوت ما جعلها أقرب إلى ديكارت في تعليمه.

وتأتي أهمية مراسلاتها للفيلسوف من أن أسئلتها دارت حول مسائل مهمة في الانفعالات والأخلاق، وظهر فيها تأثير الأخلاق الرواقية (مدرسة تأسست من قبل زينون السيتيومي نحو 300 ق.م، ووضع نهجها كريسيب نحو 250 ق.م) بشكل واضح.

والقاسم المشترك الذي يجمع بين المراسلات موضوع المقال هو أن غوركي تلميذ، وكذلك إليزابيث، بينما تشيخوف هو أستاذ وكذلك ديكارت. وقلما نقرأ في الأدب مثل هذا النوع من أدب المراسلات بين تلميذ وأستاذ.

وليست هذه الرسائل إلا مثالاً على الكثير من الكتب الإبداعية التي لا تزال تمثل جزءًا مهمًا في حياتنا الأدبية، ويخطئ من يظن أن زمن كتابة هذه الرسائل قد انتهى بسبب وسائل الاتصال الحديثة، أو أن العامل المادي أصبح هو المسيطر على فكر أدباء هذه الأيام. لذلك تجدهم بدلاً من أن يضيّعوا وقتهم في كتابة رسالة يفضلون كتابة مقالة يستفيدون من ورائها بعائد مادي على رغم إدراكهم لقيمة هذه الرسائل في البحث النقدي. لكن الزمن الذي شهد رسائل مي زيادة وجبران خليل جبران، وغادة السمان التي فتحت أوراقها الخاصة ونفضت الغبار عن رسائل غسان كنفاني إليها ودفعت بها للنشر من دون حذف او تعديل في أواخر القرن الماضي، سيشهد أيضاً على رسائل أخرى بمعانٍ جديدة، وأسلوب جديد تحتوي على مفاهيم الحب والجمال.

وينظر الناقد إيهاب الدريني الى الرسائل الأدبية بأنها أكبر من أن ترسل من شخص الى آخر، فقيمتها الحقيقية أنها كانت دائما نواة لكتاب رائع، ولعل فقدان هذا النوع الإبداعي هو ما دفع بعض الكتاب في كتابة رسائل إلى أنفسهم ثم يضعونها في كتاب ومن هؤلاء الروائي يوسف الشاروني في كتابه (المساء الأخير).

 

*عزيزة السبيني كاتبة سورية