رياح التغيير في الشرق الوسط وشمال أفريقيا

يتناول الكتاب الأحداث التي طغت على الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 حتى نشوب "الربيع العربي".

رياح التغيير في الشرق الوسط وشمال أفريقيا
رياح التغيير في الشرق الوسط وشمال أفريقيا

يهدف كتاب (رياح التغيير في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) إلى تقديم مقتطفات من أبحاث متعددة بأقلام باحثين وأخصائيين، تتناول الأحداث التي طغت على الساحة في الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا منذ قيام الثورة الإسلامية الإيرانية في العام 1979 حتى نشوب الثورات والانتفاضات التي شهدها العقدان الأول والثاني من القرن الحادي والعشرين والتي عرفت بـ"الربيع العربي".

ويشير محررا الكتاب سيروس روحاني وبهروز ثابت أن الأسباب التي قلبت مقدرات الشرق الأوسط بشكل لا رجعة فيه، هو سلسلة متسارعة من الاضطرابات الاجتماعية زاد من حدتها ثلاثة أحداث جسيمة، كان أولها قيام الثورة الإيرانية، وثانيها الهجوم الإرهابي في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، وهو هجوم تسبب في إشعال شرارة غزو الغرب لكل من أفغانستان والعراق.

أما الحدث الثالث فكان تلك الانتفاضات التي أدت إلى ما سمّي بـ"الربيع العربي"، فقد أخلّت هذه الأحداث الثلاثة باستقرار المنطقة بصورة جذرية، وزادت من حدة التوترات الداخلية فيها بشكل كبير. كما أوغلت من عمق الشقوق التي تباعد بين الحضارات، وأيضاً، بين أبناء مجتمعات الشرق الأوسط نفسه، ذلك أن هذه المجتمعات ليست كياناً متجانساً، وتبرز فيها شواهد مختلفة من التغير الثقافي والاجتماعي، أولها، ما يجري من تناقض في التوجهات الدينية متمثلاً في الخلاف الناشب بين الأصوليين من جهة، وأولئك الذين يريدون الإتيان بالإسلام إلى العصر الحديث من جهة أخرى، وثانيها، تفاقم الانفصام بين العقل والإيمان، الأمر الذي أفرغ توابع تماثل التصدع الاجتماعي إبان عصر التنوير الأوروبي حيث ظهرت الفلسفات العقلانية الحديثة في أوروبا والتي أسفرت عن قيام الشعوب بثورات تطالب بالحرية مثل الثورة الفرنسية.

أما ثالث هذه الشواهد، فهو معضلة نيل الحريات في ظل أنظمة الحكم المتسلطة بالكيفية التي تعيد إلى الأذهان معاناة العالم في العصر الحديث في سبيل التعرف على قيم الديمقراطية السياسية وصيانتها.

وتضم أبحاث الكتاب طيفاً عريضاً من المواضيع والمسائل، مثل: مستقبل الإقليم، الإقليم والعولمة، حالة البيئة والاستدامة فيه، وكذلك التعليم ومعضلات الالتزام بالوسائل السلمية وغيرها، كقضية حقوق الإنسان، والتعايش الديني، والبحث في الأطر التي تساهم في تحقيق التجديد والإصلاح المنشودين في الإسلام، وإدارة حوار يساهم بنصيب وافر في هذا التجديد والإصلاح بين التقليديين والإصلاحيين، ولم تغفل الأبحاث مبادئ الإسلام في الحوكمة الجيدة والأخلاقيات والفضائل وما يتصل بها من مسائل.

 

ديناميكيات التحول الاجتماعي في الشرق الأوسط

يرى روحاني وثابت في مقدمة الكتاب أن ديناميكيات التحول الاجتماعي في الشرق الأوسط خلقت شروخاً من التوترات وخطوط شدّ وجذب بين القوى الاجتماعية المتعارضة، واضعة كل منها في موضع الترصد بالآخر، ويمكن استبانة هذه الشروخ أو المعاداة الثنائية الحادثة بين كثير من المعسكرات والتيارات والاتجاهات المتضادة، كالدين مقابل العلمانية، والقدامة مقابل الحداثة، والاستكانة مقابل الابتكار، والاعتقاد بالمطلق مقابل الاعتقاد بالنسبية، والقيم المحلية مقابل العالمية، وغيرها كثير... وهي ذات الشواهد المتنافرة أو المتناقضة لخطوط الصدع الثقافية والدينية التي يمكن ملاحظتها في عديد من البيئات الاجتماعية- الثقافية في مناطق أخرى من العالم. لكن خطوط التصدع في الشرق الأوسط أصبحت تتجه في انحدار حاد نحو الاضطراب الاجتماعي- الثقافي والعنف والتطرف. ورغم أنها بقيت سنوات طويلة بعيدة عن المتغيرات التاريخية الجذرية التي اجتاحت العالم، ولاسيما في النصف الثاني من القرن العشرين إذ بشّرت التغييرات بقدوم الحرية السياسية والتعددية وظهور المجتمع المدني ومنظماته كقوة فاعلة، واحترام حقوق الإنسان، فضلاً عن إزالة التعصبات ضد النساء والأقليات العرقية والدينية. ولكنه كان من الواضح أن هذه البلدان لن تبقى خارج نطاق هذه التحولات، فالتجارة العالمية ووسائل الاتصال الدولية قربت بين الشعوب والبلدان، كما أن شبكة الإنترنت قد أوجدت منظومة جديدة من الابتكار شملت العالم، ولم يعد من الممكن كبتها بفرض الرقابة أو القمع.

وفي السياق يتساءل محررا الكتاب عن الأسباب التي أدت إلى "الربيع العربي"، ويجملانها بالفقر والبطالة والأزمات الاقتصادية المتلاحقة، التي سببت الإهانات وامتهان كرامة الشعوب، كما كان غياب الحريات السياسية الأساسية، والخلاف الثقافي بين ما هو قديم وما هو حديث، وأزمة الهوية، عوامل أخرى ساهمت في هذه الانتفاضات. وهذا ما يقضي على الحجج التي أوردها البعض في إلقاء اللوم على الغرب أو أي أطراف خارجية في إشعالها في أكثر من بلد عربي.

كما يتساءل الكاتبان عن دور الإسلام في الحياة الاجتماعية العربية، فهل هو المأزق- أي الإسلام؟ أم هو الوسيلة للخروج من المأزق؟ وفي الإجابة عن ذلك يقولان: بأن التوجهات السياسية القومية والاشتراكية عبرت في الحياة العامة للشرق الأوسط، وترك نهوض هاتين الحركتين ثم سقوطهما فراغاً أيديولوجياً. وفي غيبة من المؤسسات الديمقراطية واكب ذلك الفراغ الأيديولوجي صعود الإسلام الأصولي إلى الواجهة، والانتقال من أطراف الحياة السياسية إلى قلبها. وساهم في ذلك النسيج الاجتماعي والثقافي للمنطقة المرتبط بشدة مع كل تعاليم الإسلام، فالقول إن الإسلام يمكن تنحيته جانباً فيما يتعلق بمستقبل الشرق الأوسط، هو قول ينقصه النضج والحكمة ومن شأنه أن يأتي بنتائج عكسية، ويتنافى مع ديناميكيات التغيير الاجتماعي.

 

حوار دائم رغم تحديات ثلاثة

يشير المحرران إلى تحديات ثلاثة واجهت الديانات الموروثة في المجتمعات، والتي ظلت عاجزة عن استيعاب التغيرات الاجتماعية والتقدم العلمي، وقد نشأ التحدي الأول –بحسب روحاني وثابت- من جراء الاكتشافات العلمية والاستنباطات الجديدة عن حقائق الأشياء، إذ أحدثت نظرية النشوء والارتقاء، والمناهج التجريبية لدراسة السلوك الإنساني، والنظريات الحديثة في العلة والمعلول والحركة والمادة، ومبدأ التكاملية في خواص الأشياء، أحدثت جميعها ثورة في المفاهيم التقليدية عن الخلق، وطبيعة الإنسان، وديناميكيات التحول الفردي والجماعي، وقد دفع هذا التحدي العلمي أهل العقائد لبدء حوار بين الدين والعلم.

أما التحدي الثاني الذي جلبته الحداثة، فقد استهدف بعضاً من القيم الاجتماعية في الدين وأنزلها إلى مصاف عقائد الماضي، ولكن هذا التحدي أعدَّ الساحة من أجل قيام أنظمة الأديان الموروثة بتبنّي بعضاً من القيم الاجتماعية الحديثة، ورغم قيام مجتمعات الشرق الأوسط ببعض التحسينات، لكنها ظلت عاجزة عن الجمع الكامل بين معتقداتها وأنماط الحياة الاجتماعية والثقافية التي صارت من مستلزمات الحياة في العصر الحديث.

أما ثالث هذه التحديات، فهو ظهور نموذج جديد من السلوكيات مستمد من فلسفات عصر النهضة أمثال توماس هوبز، وإيمانويل كانط، وركز تطبيق هذه السلوكيات الجديدة على ديناميكيات العقد الاجتماعي من أجل خلق مجتمع مسالم، ونبذ العنف والاستغلال، والقيمة الجوهرية الإنسانية، وكذلك ضرورة التعامل مع هذه الإنسانية بوصفها غاية في حد ذاتها. ومن هذا المنطلق رأى المحرران أنه ومنذ القرن العشرين بدأت المحاولات لفصل السلوكيات عن الدين، لكن في السنوات الأخيرة صارت تشهد اتجاهاً معاكساً، اتجاهاً لإعادة ربط الدين بالمفاهيم الحديثة في السلوكيات، واتخذت عملية إعادة الربط هذه مظاهر ثلاثة: أولها، اعتبار الأخلاق كتعبير اجتماعي عن الروحانية، ثانيها، تعريف السلوكيات من منظور عالمي، والثالث هو تفسير فكرة الوفاء بما ينفع الإنسان في الآخرة على أنها تتمثل في التحلّي بالأخلاق الجامعة العمومية وخلق نظام عدالة عالمي، واحترام حقوق الإنسان، والرعاية الفاعلة للبيئة وحمايتها.

وفي المنحى ذاته يقدم كريستوفر باك وهو باحث أميركي، تعريفاً عاماً للمبادئ الاجتماعية في الإسلام، مستشهداً بمجمل الآيات القرآنية التي تدل على الفضائل الإسلامية الحقة التي يقوم وينهض بها المجتمع كالعدل والرحمة، ويبيّن أن للإسلام قيمه الجوهرية التي يتعين الحفاظ عليها، وفي الوقت نفسه، يتعين على الشريعة أن تفسح مكاناً لنهج آخر يكون –حسب كريستوفر- أكثر إنسانية وعقلانية. ومع تغير الزمان وجب على كل من الشرق والغرب أن يتغير أيضاً، وكلما اتسعت الأرضية المشتركة بينهما، كلما زادت المنفعة المتبادلة هي الأخرى.

 

ثقافة الانفتاح والعيش المشترك

تحت عنوان ثقافة الانفتاح والعيش المشترك، كيف نُفَعّلها؟ كتب عبد الحميد الأنصاري (كاتب قطري)، عن كيفية ترسيخ ثقافة الانفتاح الإنساني، وغرس التسامح وفكرة العيش المشترك في مجتمعاتنا، ويرى أن ذلك مرهون بالقدرة على تفكيك المنظومة الثقافية التي تشكّل الفكر والسلوك المجتمعي الحالي، وذلك تربية وتعليماً وخطاباً دينياً وإعلامياً وثقافياً وتشريعياً، وإعادة بنائها وترتيبها وفق رؤية شاملة.

في حين دعا سعد سلوم (من مؤسسي المجلس العراقي لحوار الأديان، ومبادرة الحوار الإسلامي المسيحي في العراق)، إلى أهمية تكامل الأطر الرسمية وغير الرسمية للحوار، وتشجيع الأطر غير الرسمية للحوار الديني بين أتباع الديانات المختلفة عبر استراتيجية شاملة تتضمن إشراك فئات عدة من الحوار، ولاسيما الشباب الذين يمثلون الفئة الأهم من حيث الاستهداف في الحوار الديني. في مقابل ذلك، وعلى مستوى الأطر الرسمية للحوار، ينبغي حث الجانب الرسمي على دعم خطة للحوار من خلال ثلاثة عناصر تقوم على دعم أطر الحوار المجتمعي، وإجراء عملية مصالحة مجتمعية، والقيام بإصلاحات سياسية، ويكون العمل الفعّال من خلال إطلاق حوار مجتمعي من أسفل إلى أعلى، وتعزيز الحوار بين رجال الدين السنة والشيعة من جهة، وبين المسلمين وغيرهم من المكوّنات الدينية غير المسلمة من جهة ثانية، حينها -كما يرى المؤلف- سيكون الطريق مفتوحاً لتأسيس مواطنة حاضنة للتنوع الديني تعزز التنوع الذي يمثل ثروة المنطقة الدائمة وأساس وحدتها التاريخية.

وفي إطار ما كتبه الأنصاري وسلوم حمّل سيروس روحاني المؤسسات والهيئات مسؤولية إدراك الفرق ما بين النظام والتحكم، فالنظام وليد ظاهرة الانتظام، بينما يكون التحكم أمراً مفروضاً بشكل مصطنع غير تلقائي من خلال تعليمات فوقية، ومن شأن فهم هذا الفرق أن يساهم مساهمة كبيرة في إيفاء دور الديمقراطية في القيادة التنظيمية قدره وإعطاءه وزنه وقيمته.

أما بالنسبة إلى القادة فهم مدعوون للموازنة ما بين التغيير من جهة والاستقرار من جهة أخرى، أي ما بين الحداثة والاستمرارية، وأن يكونوا على علم بما يطرأ على المجتمع من تغير وتحوّل أولاً بأول، وأن يكونوا متفهمين لحقيقة أن العالم ماض على درب التقدم.

 

الابتعاد عن العنف وتحديات الشرق الأوسط

يرى رامين جهان بيقلو (فيلسوف إيراني) في البحث المقدم تحت عنوان (الابتعاد عن العنف وتحديات الشرق الأوسط) أن الشرق الأوسط شهد تغيراً بدد بالكلية كل الآمال والأماني في حدوث التغيير والإصلاح في المنطقة، وكذلك في الديمقراطية التي أتى بها ما يسمى بـ"الربيع العربي"، وأصبح الشرق الأوسط طريداً لهاجس تفشي العنف في ربوعه، إذ دخلت القوى الممثلة للأفكار الطائفية مع الجهات السلطوية في المنطقة في تحالف غير مقدس من أجل تحقيق هذا الهاجس. لذلك فإن مسألة تجنب اللجوء إلى العنف هي مسألة مصيرية، ذلك لأن العنف- وكما تظهره الأحداث الجارية في العراق وسوريا وليبيا مرة تلو المرة- يجب ترويضه والترفع عنه من أجل أن تبلغ المجتمعات مرحلة نضوجها الديمقراطي.

وبينما تطرح حركة نزوح الشعوب والصراعات المذهبية في طول الشرق الأوسط وعرضه مسألتي اللجوء إلى العنف أو التخلي عنه على طاولة البحث، يقع على عاتق المفكرين القيام بدور جديد لإحداث التغيير الذي ينشدوه، وهو دور يجب أن يكون في هذه المرة متحرراً من أغلال الماضي، ويستشهد المؤلف بقول مارتن لوثر كينغ بأن "العنف لا يجلب أبداً أي سلام دائم، ولا يحل أي مشكلة اجتماعية، فهو بكل بساطة يخلق الجديد والمزيد من أشد المشكلات تعقيداً".

ويختم الكاتب مقاله بالإشارة إلى أن المستقبل في الشرق الأوسط هو للسلمية، لكن أكبر المشكلات التي يعاني منها مجتمعه –مجتمع الشرق الأوسط- تكمن في عجز من لهم دور في المجتمع المدني في التوصل إلى تعريف واحد لذاتهم ودورهم.   

 

التعليم في الشرق الأوسط

يستعرض بهروز ثابت (باحث في علم الاجتماع)، في بحث مستقل نظام التعليم الرسمي في الشرق الأوسط باعتباره جزءاً من مكوّنات الهيكل الحكومي، لذلك فمن الطبيعي أن تكون له روابط سياسية واقتصادية عريضة مع مراكز السلطة. وهو جزء من عمليات تربوية تجري في نسيج الحياة الاجتماعية، وهي تعنى بشكل أو بآخر بتشكيل طباع النفس البشرية من كل النواحي. كما أن الغرض الأشمل للتربية والتعليم هو حفظ التراث الثقافي وتقويته ونقله إلى الجيل التالي، ويتم أحد فصول هذه العملية التربوية داخل نطاق الأسرة، بينما تجري باقي فصولها خارجها من خلال التفاعلات الاجتماعية. وأيضاً، هناك المؤسسات الدينية كالمساجد والكنائس، والمؤسسات المجتمعية مثل أجهزة الحكم فهي شريك أساسي في تشكيل العملية التربوية الشاملة. من هنا يرى المؤلف أن مهمة تجديد التعليم في الشرق الأوسط هي عملية تتشابك وتترابط مع عمليات تغيير المجتمع الأكبر، بوصفه مؤسسة اجتماعية، يتأثر النظام التربوي تأثراً عميقاً بالتغيرات الاجتماعية. كما يهتز من جراء انعدام الأمن والأمان والانقلابات، ويبدو أن التحديات والمشكلات التربوية تستعصي على الفهم المعتاد، فهي تبرهن على احتضار أساليب إيجاد الحلول الجزئية المؤقتة لها، إذ تستلزم تعديلاً جذرياً في القيم والمفاهيم الثقافية. وبالنظر إلى التنازع القائم في المجتمعات الشرق أوسطية ما بين التقليدي والحديث من هذه القيم والمفاهيم، فمن الطبيعي أن نخلص إلى أن المؤسسات التربوية تمر الآن بفترة انتقالية. وما يشهد على ذلك هو ما يحدث الآن من أفول النمط الثقافي والاجتماعي التقليدي الموروث، وبزوغ نمط حداثة جديد بدلاً منه، بمعنى أن التربية والتعليم في الشرق الأوسط تخضع لعملية تجديد تجري طبقاً لجدال دائر ما بين قوى تسعى إلى التفتيت والتقسيم وأخرى تريد الجمع والتأليف، وبمعنى أدق ما بين مطرقة انهيار النظام وسندان تحويله وتجديده.

وفي محور آخر تناولت شهرزاد ثابت (دكتوراه في الفلسفة)، ظاهرة العولمة في الشرق الأوسط، كونها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأساليب التجديد والتحديث، متناولة مسألتين أساسيتين تتعلقان بأهم نقاط الشدّ والجذب حول العولمة، وهما التشاحن بين ما هو مادي وما هو روحي أولاً، ثم بين ما هو عمومي وخصوصي ثانياً. وتشير إلى أن ما يمكن تسميته بحماية الهوية وبعث الحيوية في الثقافات، وإذكاء روح الاعتزاز السليم قد يتحقق بصورة أكبر عن طريق زيادة الانخراط في جهود العولمة، أي أن ما يلزم لتحقيق هذه الأهداف هو توجّه منفتح تجاه الآخرين، بدلاً من أن يكون موجّهاً إلى الداخل.

 

حقوق الإنسان في الشرق الأوسط

ترى نازيلا قانع (أستاذ معاون لقانون حقوق الإنسان الدولي في جامعة أكسفورد) أن المجهودات التي بذلت حتى اليوم من أجل ترقية حقوق الإنسان بشكل عام، وحقوق المرأة بشكل خاص، في الشرق الأوسط هي مجهودات محدودة، ومهما خلصت نيات الفاعلين الدوليين ودوافع المنظمات غير الحكومية العاملة على المستوى العالمي، فضلاً عن مشاريع بناء الأوطان والسياسات التي يساندها النخبة. لكنها قد جُرّدت من فعاليتها على يد الاتهامات الجارفة بأن المعايير والمبادئ الحقوقية التي يجري الترويج لها، هي أفكار غريبة عن المجتمعات المحلية، وأنها مستوردة من جهات ودول أجنبية رغماً عن إرادة الناس وثقافتهم.

وبالتوازي مع ما ذكرته قانع في بحثها، يكتب آرثر ليون دال (رئيس منتدى البيئة العالمي)، في البحث المعنون (البيئة والاستدامة في الشرق الأوسط)، أنه وبوجه عام المجتمع في الشرق الأوسط فاقد السلامة والاستدامة، ومحتاج إلى تغيّر في أنظمته، وهو ما لا يمكن فرضه من الخارج، وإنما يتأتى من حوار عام يشارك فيه الجميع سواء أكانوا من أهل الريف أم من ساكني الحضر، من الشباب أم المسنين، ويكون موضوع الحوار التوصل إلى الأسس السلوكية التي سيعتمد عليها هذا التغيير. فإذا ما حدث هذا الحوار في الشرق الأوسط، فمن شأنه مناقشة المعضلات الكامنة وراء العنف، مع ملاحظة أن خلق نظام مجتمعي مستدامٍ يجب أن ينضوي على التجاوب والتوازن على جميع مستويات التنظيم الإنساني، وإذا ما قصدنا تحقيق العدل والإنصاف في المجتمع، فإنهما يكمنان في الاعتراف بأن مصلحة الفرد تتشابك بغير انفصال مع مصلحة المجتمع المحلي، وأن كلتا المصلحتين من شأنه إرشاد عملية اتخاذ القرار الجماعي، وتحقيق الوحدة في الفكر والعمل.

 

*عزيزة السبيني كاتبة سورية