الكتابة بالدم على هوامش الوطن: قراءة في رواية "إيميسا"

رواية وجودية مطبوعة بطابع نفسي حاد، يراكم مخزوناً عاطفياً ثيمته الماضي بعطبه، يهيم بفرديته في مهب عماء تولد معظم شخوصه من الموت كفعل ناقص، لتروى بلسانه وشحمه ولحمه منتسبة شرعياً لأدب الحرب.

الكتابة بالدم على هوامش الوطن: قراءة في رواية "إيميسا"
الكتابة بالدم على هوامش الوطن: قراءة في رواية "إيميسا"

 هناك مساران دائماً لقراءة أي نص روائي، الأول يوهم القارئ بأن هذه التجربة هي الكاتب نفسه، والثاني يقول إن النص ليس له علاقة بكاتبه. بين هاتين المساحتين يتحرك التوهيم في الرواية مما يجعلها مثيرة، ومفتوحة على الاحتمالات والتوقعات وابنة عصرها الراهن.

الرواية الموسومة بـ"إيميسا"للكاتبة هلا أحمد علي وهو الإسم اليوناني لمدينة حمص التي تقع في قلب سوريا تتقاطع بين زمنها المفترض بين عامي2012 و2018 ومكانها الجغرافي بين حمص وغوطة دمشق، تتسع لتشكل ملامح البلد عامة التي تحترق كقشة في لهب الحرب.

    رواية وجودية مطبوعة بطابع نفسي حاد، يراكم مخزوناً عاطفياً ثيمته الماضي بعطبه، يهيم بفرديته في مهب عماء تولد معظم شخوصه من الموت كفعل ناقص، لتروى بلسانه وشحمه ولحمه منتسبة شرعياً لأدب الحرب. لكنها، أي الشخوص، تتجاوز عتبة الألم الجمعي الذي يضع المطلق والموروث الفكري أمام امتحان الحاضر.

محاطاً بقشرة سميكة من اللاإيمان وشاعراً بفوبيا الخواتيم، أكرس هذه القراءة الانطباعية السريعة محاولاً فهم "ميتافيزيقيا الكاتب" التي تجاوزت البعد الأيديولوجي لتلتصق باليومي الإنساني.

ولأن النص الابداعيّ بعد وفاة مؤلفه مجازاً، بحسب الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، وخروجه المادي منه كباعث للحدث زمانياً مؤرخاً لحقبة تحترف الحرب تزكية تناقضاتها ومتفاعل دينامياً حيث يتداخل في جغرافيا مزقها الصراع العبثي، سياسياً واجتماعياً لتأخذ حيزها المنطقي كخطيئة قاتلة وممتعة أدبياً، بحسب فولتير تفضي إلى سلام هو "آفة الحرب"، كما يقول رينيه جيرار في سردية متقنة تفلت دائماً من لعنة التوتر الدرامي.

 

  1. البنية والعود الشخصي:

"الحرب تساوي بين أبناء جيل مسروق، أبناء الدم والدمع، والحرب لا تغير الأشخاص وتبدلهم فحسب بل تطحنهم طحناً، ومن الدقيق الناتج تعيد تشكيلهم عجائن وجبلات أخرى".

تبدو هنا المأساة جلّية، تدور رحى الموت يبعث الشخوص في سيرورة واحدة هدفها النجاة متخذة من فكرة "العود الأبدي" نيتشوياً صيرورة متكاملة الشكل ملاذاً فيتداخل الكل في الكل، ثم يتقلص إلى جماعة طائفياً وعرقياً، تختزل بفعل التناظر حتمياً إلى فرد مريض مستعيد حالته الجنينية طالبا الحمائية وهو يعاني العزلة.

ينطبق هذا على مجمل شخوص الرواية ويتضح بشكل أعمق لدى (أكري) الشخصية الكردية الهائمة غير الثابتة وغير المنطقية ذات الرغبة الانفصالية. "لمَ لا يقسّمون سوريا ويريحوننا؟ لم لا يعيش كلٌ حيث يريد، مع الذين يريدهم، بالأفكار والقناعات التي يريدها".

 تبدو الثكنة أو أيّة قطعة عسكرية أو فصيلة تشبه سوريا تماماً، تنحو ما بين الخلاف والاختلاف، فيها من الصراع ما فيها من التوافق، لكن الحرب وحدت هذا الكل المنقسم ذاتياً و"تبدل مفهوم الانتماء إلى النجاة"، على حد تعبير الكاتبة.

 كذالك تتجلى هذه الحمائية في شخصية (سهر) التي تسقط صريعة في النهاية بعد أن فقدت زوجها وعاشت مستكينة في ظلال كل شيء، لا تنشد سوى الحب.

"والرجل يا أمي متى يحب؟ سألت سهر، "يحبك عندما تنجبين له أطفالا ذكوراً، كلما حملهم بين يديه مرة، أحبك ألف مرة".

 

  1. البطل الإشكالي وديالكتيك (جدل) الصراع:

هنا ليس أشد وقعاً من موقف ماهر أحد أبطال الرواية كمثال لذلك: "رحمٌ آخر لا يلد إلا الخوف والذعر والموت" وأيضاً في: "تأمل في بشرتها، أحسّ أن أمه شاخت، انتابه الذعر حين رأى ملامح السنين: أرجوكِ لا تشيخي")البطل الأوديبي) بإمتياز الحامل لعقدة الذنب والذي نشاهده على امتداد الرواية يطارد قدره الأعنف كأضحية ليتلمس في نهاية النفق المظلم الأنثى الأم محاطة بالموت السريري، أمه المعنّفة التي وجدت نفسها هي الأخرى مذنبة ومسترجلة ومقيّدة طوال حياتها بمقولة "أخت الرجال"، طالباً مجدداً الحمائية كسواه ليتطابق تماماً مع موقفها ليكون ناطقاً بالأنا الداخلي بصدى والده: "أنت من يستحق الشفقة، امرأة شقية تهوى تعذيب نفسها والآخرين من حولها! اعترفي ولو مرة واحدة أنك مخطئة، قولي إنك أسات التقدير! اعترفي أنك أنانية!".

قابله عنصر فرويدي مركب يتمثل في شخصية (ثائر) لتعود الرواية في صيرورتها للأصل فتتصاعد الرغبات وتصد بعنف العدوانية: "أخٌ يقاتل أخاه الذي يتجرّع الحزن ذاته والقهر ذاته! تعالي يا أميركا تعالي وصبّي لعناتك علينا فنحن حمقى نستحق السحق، الحياة لا تليق بنا".

يعود بنا زمن الرواية، الذي هو زمن الحرب المشوّه والمبهم والعصيّ على التحديد، وتأخذ شكلها الملحمي إلى زمن سابق هو المقابل الضديّ للحاضر المنفصم، حيث تحضر طبيعة إنسانية لاحقة قوامها الغربة والانحطاط ويردد الإنسان في داخله صدى الموت الأعظم". ولتقول الكاتبة على لسان ثائر:  "هكذا ببساطة تحين لحظة تجبر فيها عقلاً بشرياً بحجم قبضة اليد، أن يحمل همّاً بثقل الجبال، لحظة واحدة تعينها رصاصة طائشة، أو قذيفة، أو شلل دماغي، أو طفرة وراثية، أو مصادفة سخيفة، أو قدرية غيبية، تطفئ نجماً".

 

  1. النسوية وتجاوزها الدلالي:

تقول الكاتبة: "الأقسى من اليأس هو إحياء الأمل بعد قتله".

هنا سأقدم لجانب آخر من النص وهو الحضور الأنثوي الانهزامي بمواضع، المنتصر بأخرى، الذي يمشي حذراً لئلا يقع في مطب الخطاب النسوي الحكّائي المكرس لعقدة شرقية، وذلك عبر قائمة تترواح في الصعود إلى الأسفل في دونيّة قاتلة، وبالأعلى باتجاه تحطيم القيد للولوج إلى النور.

تبدو شخصية (حياة) كحاضر خاسر مهمش، مثالاً جيداً لذلك وهي تتخفى خلف ستائر نفسها المثقلة بالحسرات، ويبدو الحب إشعاعاً أو "وخزة" في خطوة تتجاوز العطب. "هل خطر ببالكما أن تكونا آلة؟ ماذا لو كنا آلات؟ هل تخيلتما ذلك لمرة واحدة؟!" .

 ومن جهة أخرى يبدو صوت الواحد حاكماً بين ثنائية الجلاد والضحية يجمعها الذنب جمعياً. "كمذنب يبحث لنفسه عن دليل يبرؤه مما ارتكب، وعندما لا يجد يبدأ باتهام الجميع كي لا يكون المتورط الوحيد".

 وأيضاً: "نتحدث عن الظلم ونحن من يمارسه، ونحارب الجلاد ونحن الجلاد، ونقول إنه المجتمع ونحن المجتمع".

تبدو شخصية (سلاف) محورية وتركز نتاجاً ضدياً تجاه والدتها كشخصية شبه ميتة، ونموذجاً متطوراً عن أم هشام المتغلبة والقادرة، متأثرةً، أي سلاف ببطلة (ذهب مع الريح) سكارليت اوهارا، خارجة من فناء مجازي، مصابة بعقدة (إلكترا) مهيضة الجناح كضلع قاصر، كارهة لمحيطها، خالعة نظارة الحب السوداء في مقابلتها (سماح) التي تمثل حالة من الكذبة الرومنتيكية، ومطارَدةً بصفة "ابنة المخطوفة".

يشتد الصراع هنا حين تبدو المفارقة في عداء المرأة للمرأة ذاتها. ومتجهة بثبات نحو الحياة كقوة خالقة كخياطة حيث يبدو "المجتمع عبارة عن محكمة تفتيش رهيبة، كل منا تهمته جاهزة وكأننا عبوة نفطية أينما ذهبنا وكيفما تحركنا، وأيّة حركة غير محسوبة، ستكون عود الثقاب الذي يشعل سمعتنا، وقد يتطلب الأمر عمراً كاملاً ليطفئها".

 لتجد في (هشام) -ريت بتلر زير النساء فاقد الأبوة ووارث للفجيعة، لتكون دلالة المقص وفعله المادي، أداة القطيعة مع الماضي ورسالة أم هشام كمصدر عزاء ليبدو الآخرين كتباً، نتجاوز تجاربهم المحبطة نحو غد أجمل.

تشن الكاتبة هجومها العادل عبر شخوصها التي نالت قسطاً كبيراً من اللاعدالة: الاغتصاب، التنكيل، العزلة، التعنيف اللفظي، لكنها لا تقود هذه الحملة فقط بوجهها السلبي الرفضي بل تفرض منطق المواجهة فتقول على لسان أم هشام: "الأنثى عندما تبكي رجلاً أحبته، فإنها تكون قد أخرجته من قلبها على هيئة دمعة، أي أنها قتلته" حيث يتوالد النصر هنا طالما أن "هاجس الروح هو الخلود". تتألم حين يفاجئها نقيض ما تنشد، وتكرس للتعبير الواضح أم هشام- زينة التي اغتصبت في سن مبكرة:

"ذلك هو الشرف، تلك مجتمعاتنا يا سلاف، مجتمعات الفضيحة والعار والإشهار، والرياء.... أما أنا فالبعض قال: لا يوجد شاب يقبل الارتباط بمن كانت مخطوفة" .

وفي موضع آخر على لسان (أم سلاف) تقول: "لو كنت أعلم أني سأفقد زوجي وابني في اليوم نفسه، وأن ابنتي سيكسر قلبها من أحبته كما لم تحب فتاة من قبل، لو علمت أن الحرب قدرنا الدائم، وأني سأمضي بقية عمري كما ترين، لو علمت هذا كله، لانتحرت".

 تحقيقاً لفعل الموت -مجدداً- كفعل حر. وتتويجاً لما أرى، فقد أبدعت الكاتبة في توزيع  مقولاتها حول الحوار بالمعنى العميق ليس بالكلمات وحسب، بل بالخطاب الذي يتجاوز نسقه الإشاري (عناصر الحكي) مخترقاً الأيديولوجيا وهو المكتوب من الداخل في استعارات مغلقة على نفسها لتبدأ بإنسانها السعيد، داعية الى التجاوز والثورة محمولة على عاتق  أبطالها الإشكاليين الذين يتوقون للقيم، ولتجمع هذا الشتات في لحظة الحدث - الانفجار.

 

الختام:

يتسع الانفجار-الحيز المكاني، الأفكار والرؤى و الايحالات الثقافية وغيرها، عبر زمان هو تاريخ خاص بالرواية داخل سياقها الذاتي وغير ذلك من الأصول والوصايا كما يسمّيها كونديرا.

 وتسأل الكاتبة: "كيف يمكن للإنسان أن يتحول من مفكر وكاتب إلى إرهابي، ومن شاعر إلى قاتل ومن ليبرالي إلى تكفيري" من خلال شخصية وليد. وتعود بالرواية نحو أصلها الملحمي في جذورها البرجوازية كما ينحو لوكاتش في تفسيره لفن الرواية. كما تعود بوجهها اللا واعي مطبوعاً بالحنين عبر القتل بالآخر للحياة، قتل الخطيئة ليحيا تماماً، مستعيدة التاريخ الذي يمشي في نومه بأناسه المنوّمين مغناطيسياً مدفوعين بالعنف والدموية.

ورغم هذه السوداوية التي تعصر قلب القارئ وتحيله أمام مرآته طفلا متوحشاً، إلا أنّ الشعاع ينبثق من ظلامية المشهد وغبار الحرب، فبعد هذه المطاردة السردية الماتعة تضع أبطالها ببقاياهم تحت الشمس مباشرة ليحمل الأبناء وطنهم المريض وليتداخل الضوء رويداً رويداً في ضفيرة أنثى منتصرة على ذاكرتها قابضة على الريح في مشهد جنائزي للموت نفسه. .

تقول: "بعد دقائق خرج ماهر حاملاً أباه على كتفيه وفي عينيه بسمة رضا والكثير من الحسرات...خطت سلاف بعينين براقتين، وتبعهما الجميع".

(إيميسا) رواية استطاعت عبرها الكاتبة هلا أحمد علي، أن تقدم شخوصها كأبطال جماعيين بواقعية جميلة وبكامل الهزيمة والقمع من دون إيحاءات ايروتيكية، وخرجت من خصوصيتها المحلية كلغة لتحاكي الكوني، معبرةً عن إنسان هذا العالم أجمع، بين الموت بشكله العدمي ومواجهة الخلود، لأن الموت والخلود كما يقول الروائي التشيكي ميلان كونديرا عما "عاشقان لا ينفصمان"، فمن امتزج وجهه بوجه الموتى هو خالد في حياته.