الاتحاد العام التونسي للشغل حزباً معارضاً

يرى الباحث توفيق المديني أن تأسيس حزب جديد في تونس يتبنّى فلسفة الاشتراكية الديمقراطية ضرورة تاريخية، حتى لا يظلّ الشعب التونسي سجين الليبرالية الاقتصادية.

  • الاتحاد العام التونسي للشغل حزباً معارضاً

تقدّم دراسة الباحث التونسي توفيق المديني المعنونة "الاتحاد العام التونسي للشغل حزباً معارضاً"مقاربة جديدة في فهم الترابط القوي بين الدور النقابي الذي يقوم به الاتحاد العام التونسي للشغل، باعتباره الهيئة النقابية الأبرز في تونس، وبين الدور السياسي الذي يقوم به هذا الاتحاد منذ تأسيسه في سنة 1946، بوصفه قوّة حقيقية، سواء في معركة التحرير الوطني من الاستعمار الفرنسي، أو في بناء الدولة الوطنية الحديثة؛ وكذلك في الصراع الاجتماعي مع نظام الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة، فيما كان للاتحاد الدور الحاسم في الإطاحة بنظام الرئيس زين العابدين بن علي.

في الفصل الأوّل من الكتاب (ظروف نشأة الحركة النقابية التونسية)، يختصر المؤلّف الظروف التي ولِدت فيها الحركة العمالية في تونس، حيث تشكّل أول تنظيم نقابي على يد الزعيم النقابي محمد علي الحامي، سنة 1924. وفي العام التالي تكوّنت جامعة عموم العمالة التونسيين، والتي لقيت مساندة من نقابة الكونفدرالية العامة للشغل الموحّدة، ذات النزعة الشيوعية.

وقد عزّز الشيوعيون مواقعهم النقابية في مرحلة الثلاثينيات من القرن العشرين، على خلفية تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية (1929)، في تونس تحديداً، حيث انخفضت أسعار المواد الزراعية التي مسّت صغار الفلاّحين، وانتهجت سلطات الاحتلال الفرنسية سياسة توطين الفرنسيين في تونس، وتجنيس التونسيين بالجنسية الفرنسية.

لكن، ومع انتهاج الاتحاد السوفياتي سياسة مهادنة للاستعمار الإنجليزي والفرنسي، ورفع شعار «الفاشية هي الخطر الأكبر»، أصبح الحزب الشيوعي التونسي يعتبر أن العدوّ الرئيسي للشعب التونسي ليس الإمبريالية الفرنسية «الليبرالية» بل الفاشية العالمية. وكان هذا الموقف يعني من الناحية السياسية العملية، مهادنة الحزب الشيوعي التونسي للاستعمار الفرنسي، والوقوف ضدّ استمرار الكفاح التحرّري الذي يخوضه الشعب ضد سيطرته؛ وهذا ما جعل الحزب الشيوعي التونسي يرتكب خطأ كبيراً، حين اعتبر الحزب الدستوري الجديد الذي كان على رأس الحركة الوطنية عميلاً للفاشيّة، لأنه لم يجمّد نضاله السياسي ضدّ فرنسا، كما كانت تريد ذلك الجبهة الشعبية الحاكمة في فرنسا، ومصلحة الاتحاد السوفياتي.

في الفصل الثاني (تشكيل الاتحاد العام التونسي للشغل)، يتحدث المؤلف عن الظروف والعوامل التي أدّت إلى نشوء الاتحادات النقابية في تونس، ومن أبرزها تداعيات الأزمة الرأسمالية العالمية في العام 1929، وتغلغل الرأسمالية الكولونيالية الفرنسية في البنى الاقتصادية الاجتماعية التقليدية للبلاد.

وفي 20 كانون الثاني / يناير 1946 عقد الاتحاد العام التونسي للشغل مؤتمره التأسيسي بقاعة الخلدونية في تونس العاصمة؛ وانتخبت الـ52 نقابة الحاضرة في المؤتمر فرحات حشاد أميناً عاماً لها، وهو الذي استطاع أن يقف قوياً على رأس الاتحاد في وجه الأحزاب السياسية ويهاجمها ويفضح مؤامراتها المحبوكة في بيوتات الاستعمار.

غير أن هذا الرفض للتبعية لأيّ حزب سياسي لا يعني غياب العلاقات مع الأحزاب السياسية، لا سيّما أن الاتحاد يضمّ عمّالاً من بينهم من كان منظّماً سياسياً. وقد شهدت علاقة الاتحاد بالحزب الشيوعي التونسي تحديداً مداً وجزراً؛ وهو كان تنظيماً سياسياً ناشطاً في تلك المرحلة، وكانت لديه علاقات وثيقة مع الحزب الشيوعي الفرنسي، الذي تمتّع بنفوذ سياسي كبير في بلاده بفضل مشاركته الفعالة في مقاومة النازية أثناء الحرب العالمية الثانية.

في الفصل الثالث (الاتحاد والتحالف مع جناح بورقيبة في معركة الاستقلال) يعرض المؤلّف للتأثير الذي أحدثته اتفاقيات الحكم الذاتي، التي تمّ توقيعها في تونس، في 3 حزيران - يونيو 1955، والتي منحت تونس بموجبها استقلالاً داخلياً، في تاريخ الحركة الوطنية التونسية التي كان يقودها الحزب الدستوري الجديد بزعامة الحبيب بورقيبة.

فقد نشأ صراع بين جناح بورقيبة، الذي كان من أشدّ المدافعين عن التسوية السياسية مع الاستعمار الفرنسي، وبين جناح صالح بن يوسف، الأمين العام للحزب، والذي كان من أشدّ المعارضين لهذه التسوية.

ومنذ ذلك الوقت ولِدت الحركة اليوسفية، التي كان صالح بن يوسف أحد عناصرها ومكوّناتها، ولكنها كانت تضم تيارات فكرية وأحزاباً سياسية ومنظمات نقابية وعناصر ثورية تؤمن بالكفاح المسلّح؛ إضافة إلى قطاعات شعبية عريضة، متناقضة مع نهج بورقيبة المساوم مع الاستعمار.

وكان لموقف الاتحاد العام التونسي للشغل الأثر الكبير في ترجيح كفّة بورقيبة، بقبول قيادة الاتحاد لاتفاقيات الاستقلال الداخلي، وقد تمكن بورقيبة من شق الاتحاد والطبقة العاملة، عندما طلب من الحبيب عاشور الانشقاق وإنشاء اتحاد عمّالي (الاتحاد التونسي للشغل)، الذي حظِي بدعم من الحزب الدستوري الجديد.

في الفصل الرابع (الاتحاد وجدليّة الصراع مع السلطة 1956/2010)، يعرض المؤلف لتطوّر العلاقة بين الاتحاد العام التونسي للشغل والسلطة السياسية التي تأسست بعد حصول البلاد على استقلالها السياسي من فرنسا؛ وهي التي مثّلت الطبقة المتوسطة ذي النزعة العلمانية، والتي أبقت على روابط قوية لها مع الفرنسيين.

ومع تحقيق نظام الحبيب بورقيبة لإنجازات اقتصادية واجتماعية خلال عقدين من الزمن، فإن الاقتصاد التونسي التابع والمندمج بالسوق الرأسمالية العالمية، دخل في أزمة عميقة منذ العام 1975، من جرّاء انعكاس أزمة الاقتصاد الرأسمالي العالمي، الذي دخل بدوره في أزمة بنيوية منذ بداية الصدمة البترولية الأولى (74/75) على مجموع اقتصاديات بلدان العالم الثالث، ومنها تونس.

وفي الجانب النقابي، وعلى الرغم من أن الحبيب عاشور هو الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، فإنه كان من أقطاب الطبقة الحاكمة، وهو لم يُبدِ معارضة للاختيارات الجوهرية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للنظام، آنذاك، بحكم معاداته للاشتراكية.

وفي الموازاة، فقد شقّت الحركة النقابية التونسية لنفسها طريق النضال في سبيل الاستقلالية عن هيمنة الحزب الاشتراكي الدستوري والحكومة. وبعد سلسلة من الانتفاضات الشعبية والنقابية، ظهرت محاولات لتحويل الاتحاد العام التونسي للشغل إلى حزب سياسي، مع بروز اتجاهات عدّة داخله، لتصل الأمور إلى دخول الاتحاد في هدنة غير معلنة مع نظام زين العابدين بن علي الاستبدادي (1987/2011)، حفاظاً على وجوده وهياكله، في ظل احتضان الاتحاد للتيارات السياسية ومنظمات المجتمع المدني غير المعترف بها والمعارضة للنظام، حيث انطلقت من مقرّات فروع الاتحاد الاحتجاجات الاجتماعية منذ يوم 17 كانون الأول/ ديسمبر 2010، والتي تمكنت من الإطاحة بنظام بن علي في وقت لاحق.

في الفصل الخامس (الاتحاد يجسّد المعارضة التونسية في زمن الترويكا)، يتحدث المؤلف عن دور الاتحاد العام التونسي للشغل في مواجهة حكومة «الترويكا» التي تشكل في كانون الأول / ديسمبر 2011، من قِبل حركة النهضة (الإسلامية)، وبهدف تأمين المسار الديموقراطي وقطع كل صلة مع الماضي.

ويذكر المؤلّف محطات عدة في المواجهة بين الاتحاد وحركة النهضة، مثل انتفاضة سليانة في نهاية شهر تشرين الثاني / نوفمبر 2012، والإضراب العام الذي دعا إليه الاتحاد يوم 13 كانون الأول/ ديسمبر 2012، وذلك على خلفية رفض الاتحاد لسياسات النهضة الاجتماعية والاقتصادية، ولتوجهاتها الإيديولوجية.

كما شكّلت «رابطات حماية الثورة»، التي أنشأتها حركة النهضة، محور نزاع كبير بين الاتحاد العام التونسي للشغل وحركة النهضة، على خلفية اتهام الاتحاد لهذه الرابطات بأنها بمنزلة «ميليشيات» لقمع تكوينات المجتمع المدني من أحزاب سياسية ونقابات معارضة لحكومة «النهضة».

في الفصل السادس (الاتحاد التونسي للشغل في مواجهة تغوّل النهضة)، يحلّل المؤلّف المسار السياسي العام الذي سلكته القوى والهيئات النقابية والأحزاب السياسية المعارضة لـ«تغوّل» حركة النهضة، والتي مارست حكماً دينياً استبدادياً في مجتمع يتسم بالاعتدال، والوسطية، والتنوّع الثقافي، في ظلّ حكومتين خاضعتين لنفوذها (برئاسة حمادي الجبالي وعلي العريض على التوالي).

وبعد جولات من الحوار الوطني للخروج من الأزمة التي دخلت فيها تونس في مرحلة ما بعد إسقاط نظام بن علي، تم الاتفاق على تشكيل حكومة جديدة برئاسة مهدي جمعة، تسعى لمعالجة مشاكل البلاد المتفاقمة، وتتعهد بحلّ الميليشيات المعروفة باسم «رابطات حماية الثورة»، المرتبطة بحركة النهضة، باعتبارها جماعات تمارس العنف السياسي ضد المجتمع، وتطبّق سياسات إدارية وتنظيمية وتعيينات غير خاضعة للولاءات السياسية.

ورغم تواصل أعمال العنف، فقد تمكنت حكومة مهدي جمعة من إنجاز انتخابات تشريعية، يوم 26 تشرين الأول / أكتوبر 2014، فاز فيها حزب «نداء تونس»، وانتخابات رئاسية في دورتين، فاز في الدور الثاني منها الباجي قائد السبسي – رئيس حزب «نداء تونس» - على منافسه الرئيس الموقت السابق منصف المرزوقي.

وتوقف المؤلّف عند فوز المنظمات التونسية الأربع (الاتحاد العام التونسي للشغل، الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة، الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، الهيئة الوطنية للمحامين التونسيين)، الراعية للحوار الوطني في تونس، بجائزة نوبل للسلام لسنة 2015؛ حيث رأى الشعب في هذا الفوز اعترافاً دولياً صريحاً بدور المجتمع التونسي في إنقاذ مسار الانتقال الديمقراطي في مرحلة دقيقة مرّت بها تونس.

وبحسب المؤلف، فقد نظرت النخب العربية إلى هذا التتويج الدولي لتونس بمنحها جائزة نوبل للسلام، بأنه تتويج طبيعي لمسار طويل من الحركة الإصلاحية التونسية بمدوّنتها التنويرية والتحديثية العميقة والعريقة.

في الفصل السابع (الاتحاد في ظل نظام الحكم المعولم «والديمقراطية التوافقية»)، يجري المؤلف مراجعة نقدية لمقولة الثورة التونسية، والتي أسقطت رأس النظام السابق من دون أن تتمكن من إرساء نظام ديمقراطي حقيقي في البلاد، لأن القائمين على قيادة الحركة الاجتماعية الاحتجاجية لم تكن لديهم برامج واضحة أو رؤى موحّدة.

ويتوقف المؤلف عند ما سمّاه (الحكم المعولم في ظلّ تحالف «الشيخين»)، حيث حصل «لقاء باريس» في 13 آب /أغسطس 2013، الذي جمع زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي وزعيم حركة نداء تونس الباجي قائد السبسي؛ وقد أكد هذا اللقاء أن تونس لا يمكن لها أن تُحكم خارج سياق المعادلات الإقليمية والدولية؛ بل إنها تُحكم بقرار دولي، هو ما يمكن تسميته بالحكم المعولم، بين أهم مكوّنين سياسيين في تونس: التيار الديني، متمثلاً بالإسلام السياسي المتحالف مع الولايات المتحدة الأميركية، والمستند إلى مركز إقليمي يتمثل في النظام التركي الأردوغاني ومعه دولة قطر، والتيار العلماني، المتمثل بحزب «نداء تونس» وزعيمه التاريخي الباجي قائد السبسي.

وفي السياق، فقد شبّه العديد من التونسيين «الديمقراطية التوافقية» التي نجمت عن توافق حزبي «النهضة» و«نداء تونس»، بالمولود الجديد الناجم عن زواج غير شرعي، بين اليمين الديني واليمين الليبرالي، والذي أفرز تشكيل حكومة الحبيب الصيد في شهر آذار/مارس 2015.

لكن، وكسابقاتها، فشلت هذه الحكومة في إنجاز إصلاحات جذرية تلبّي طموحات الشعب، ما اضطرّ رئيس البلاد، الباجي قائد السبسي، للدعوة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، بهدف إشراك الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة، في تحمّل أعباء الأزمة، ولاستجلاب دعم دولي للحكومة الجديدة التي ستقرّر إجراء إصلاحات «مؤلمة» قد تواجه اعتراضات شعبية كبيرة.

في الفصل الثامن (صراع الاتحاد مع صندوق النقد لطرح المسألة الاجتماعية)، يتابع المؤلّف نقده للحكومة التي يترأسها يوسف الشاهد، لأنها تشكلت من دون برنامج محدّد لمواجهة التحديات، برغم ضمّها للمكوّنات الأساسية في البلاد، وذلك بموازاة محاولات المؤسسات الدولية المالية المانحة لخنق تونس عن طريق الديون، بذريعة خفض مديونية البلاد ووقف التضخم وتحريك العجلة الاقتصادية.

ويكشف المؤلّف عن تزايد كبير في عدد الموظفين في الوظيفة العمومية في زمن «الترويكا» الجديدة، حسب جداول مقارنة أوردها في هذا الفصل، والذي فاقمت من تأثيره مطالبة صندوق النقد الدولي لحكومة الشاهد بتخفيض كتلة الأجور في القطاع الحكومي.

وفي المقابل، أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل عن إضراب عام، لرفض تملّص الحكومة من التزاماتها الاجتماعية «خضوعاً لإملاءات صندوق النقد الدولي»، ولخيارات الدولة الليبرالية المعادية لكلّ نفس اجتماعي ونقابي.

وقد تصاعد التوتر بين الاتحاد والحكومة بعد قرار البنك المركزي التونسي المتعلق بالترفيع من نسبة الفائدة، والذي فاجأ جميع التونسيين، مع ادعاء رئيس الحكومة يوسف الشاهد أن البنك المركزي يتخذ قراراته بشكل مستقل، في مقابل وصف قيادة الاتحاد لهذا القرار بعملية «تحايل» على الشعب التونسي.

في الفصل التاسع (الاتحاد التونسي للشغل والمآزق السياسية والديمقراطية المتعثرة)، يعرض المؤلف لوثيقة قرطاج، التي نتجت عن حوار شامل شاركت فيه أبرز الأحزاب والمنظمات الوطنية والاتحادات النقابية، ومن بينها الاتحاد العام التونسي للشغل.

وقد تضمنت «وثيقة قرطاج» الأولويات التي يجب على حكومة الوحدة الوطنية الجديدة الالتزام بها، والتي ترأسها يوسف الشاهد، ومن أهمها:

1 – كسب الحرب على الإرهاب.

2 – تسريع نسق النموّ والتشغيل.

3 – مقاومة الفساد وإرساء مقوّمات الحوكمة الرشيدة.

4 – التحكم في التوازنات المالية وتنفيذ سياسات اجتماعية ناجعة.

5 – إرساء سياسة خاصة بالمدن والجماعات المحليّة.

6 – دعم نجاعة العمل الحكومي واستكمال تركيز المؤسسات.

لكن سرعان ما انتهى مصير هذه الوثيقة إلى الفشل، ليعيش بعدها المشهد السياسي التونسي حرباً حقيقية بين الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي، ورئيس الحكومة يوسف الشاهد، حين وصف الطبوبي الذين يجرّمون الاتحاد بـ«المراهقين السياسيين»؛ فالاتحاد منظمة وطنية قدّمت شهداء من أجل هذا الوطن».

ومن وجهة نظر الاتحاد، فإن تونس باتت تحتاج إلى عقد اجتماعي جديد، أساسه التحرّر من التبعية للمؤسسات الدولية المانحة ولشركاء تونس من الدول الغربية، والسعي لتحقيق آمال الشعب التونسي، عبر حكومة وطنية تلتزم بخيار إعادة بناء الدولة التنموية في البلاد.

في الفصل العاشر (الاتحاد التونسي للشغل في مواجهة «ديمقراطية» الفساد)، يكشف المؤلّف عمق وخطورة الفساد الذي ينخر الديمقراطية الناشئة في تونس، ليُفشل التغيير الراديكالي المنشود الذي كان شعاراً للثورة التونسية، التي أسقطت رأس النظام السابق ولم تسقط جسمه الفاسد، حسب قول لرئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في تونس، العميد شوقي الطيب.

ويدين المؤلّف الأحزاب التي سيطرت على حكومات «الترويكا» في مرحلة ما بعد الثورة، والتي كانت متعطشة للسلطة بعد فترة طويلة من الإقصاء، لا سيّما حزب النهضة الإسلامي؛ فضلاً عن قلة خبرتها في إدارة الحكم والاستجابة لمتطلبات المرحلة.

وما زاد الطين بِلّة مصادقة البرلمان التونسي، في شهر أيلول/سبتمبر من العام 2017، على «قانون المصالحة الاقتصادية والمالية»، الذي ينصّ على وقف الملاحقة القضائية بحق مئات مسؤولين سابقين ورجال أعمال متورّطين في قضايا فساد خلال حكم بن علي.

وقد جاء في تقرير لـ«مجموعة الأزمات الدولية» أن الديمقراطية اليوم أصبحت تحت كماشة السبسي والغنوشي، اللذين يمرّران تقريباً كلّ ما يتفقون عليه في «الغرف المغلقة»، وتأتي مؤسسات أحزابهم لتصادق عليه؛ وبالمحصّلة، باتت تمارس ديكتاتورية مقيتة باسم «الأغلبية» وباسم «التصويت»، وكلمة «الانضباط» الحزبي في التصويت تعلو فوق كل شيء.

كما برزت في المجتمع التونسي طبقة جديدة ظهر عليها ثراء فاحش وغير مبرّر، حيث أجمع عدد من المختصّين على أن أثرياء الثورة هم في الأساس تجّار التهريب وتبييض الأموال.

في الفصل الحادي عشر (أزمة النظام السياسي التونسي ونهاية التوافق)، يحمّل المؤلّف الأحزاب السياسية الحاكمة مسؤولية أزمة نظام الحكم المستمرّة في تونس منذ العام 2011، وبالتحديد منها حزب «نداء تونس» و«حزب النهضة»، واللذان أصبحا لا يجيدان من الحكم سوى الفوز بالانتخابات نظراً لقدرتهما على الحشد وجمع الأصوات.

لذا، يُعدّ النظام السياسي التونسي، الذي تأسس في ضوء دستور 2014، نظاماً شاذاً وهجيناً، لأن الفكر السياسي الذي تبنّته الأحزاب الفائزة في الانتخابات (2011 و2014)، سواء الإسلامية التي ارتبطت بالهوية، أو العلمانية التي نادت بالمساواة في الميراث، كان فكراً تقليدياً، وغير متطابق مع انتظارات (طموحات) الثورة.

ويضيف المؤلف: النظام السياسي الذي أسّسه السبسي والغنوشي، وكرّسه دستور 2014، شاذٌ وهجين، حيث تتوزع فيه السلطة التنفيذية بين طرفين، رئيسي الجمهورية والحكومة، مع صلاحيات أوسع للثاني؛ وهو المتسبّب الرئيس في الأزمة التي تعيشها تونس في الوقت الحاضر.

ويتوقف المؤلّف هنا عند عزوف الشباب التونسي، الذي شارك مشاركة فعّالة في ثورة الحرية والكرامة مع بداية سنة 2011، عن المشاركة السياسية في الانتخابات العامة، أو في أنشطة الأحزاب السياسية، أو التمثيل النيابي.

كما يعرض لحدث تأسيس حزب «تحيا تونس» على «المفاهيم والقيم الحضارية التونسية الوسطية الحداثية، والمنفتحة على الثقافة الإنسانية الكونية التقدمية»، والذي تشكّل من قياديين منسحبين من حزب «نداء تونس»، مع دعم من رئيس الحكومة يوسف الشاهد لهذا الحزب الجديد.

ويوضح سليم العزابي، المنسّق العام لحركة «تحيا تونس» أن حركته تلتقي مع حركة النهضة في لقطتين أساسيتين هما: الحفاظ على الاستقرار الحكومي واستكمال بناء المؤسسات الدستورية.

في الفصل الثاني عشر (الدولة الفاشلة والاستقطاب الثنائي بين النهضة واتحاد الشغل)، يتساءل المؤلف في البداية: هل تحوّلت تونس إلى دولة فاشلة؟ وذلك على خلفية الصراع الدائر منذ ثماني سنوات بين حركة «النهضة» والأحزاب المؤمنة ببناء دولة ديمقراطية تعددية؛ هذا الصراع الذي لا يتمحور حول برامج سياسية بين هذين الطرفين، بل هو في حقيقة الأمر صراع على المشروع المجتمعي لتونس خلال المرحلة المقبلة. فلا يمكن أن تتعايش مرجعية فكرية وسياسية ديمقراطية تؤسس لدولة القانون، وسيادة الشعب، مع مرجعية حركة «النهضة» التي تؤسّس موضوعياً لدولة دينية تقوم بالتدرّج.

ويلفت المؤلّف إلى أن تونس تحتوي على العوامل الداخلية المشجعة لظهور حالة الدولة الفاشلة بالمعنى المتعارف عليه (العجز عن أداء وظائفها وتحمّل مسؤولياتها)، مع العلم بأنها لم تشهد صراعات داخلية كالتي حصلت في سوريا وليبيا واليمن والعراق.

ومن ثمّ ينتقل المؤلف لتحليل محطات فشل حركة النهضة خلال الأعوام الأخيرة، على الصعد السياسية والفكرية والاجتماعية، متوقفاً عند قضية الجهاز السرّي للحركة، والذي اتهم بتنفيذ اغتيالات لمعارضين سياسيين، وقضية الفصل بين الدين ومؤسسات الدولة، والتي لم تخرج عن سياق الفصل الإجرائي الشكلي والقانوني فحسب.

كما يتحدث في هذا السياق عن تأزّم العلاقة بين الاتحاد العام التونسي للشغل وحركة النهضة، حول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، والتي زاد من حدّتها قرار الاتحاد، بشخص أمينه العام نور الدين الطبوبي، بالمشاركة الكاملة في المحطات الانتخابية في العام الجاري (2019)، مع الإشارة إلى تنامي الثقل السياسي للاتحاد في ظل تشتت القوى اليسارية والقومية والديمقراطية، وعزها عن خوض معركة السيادة الوطنية.

في الفصل الثالث عشر والأخير (مستقبل اتحاد الشغل أمام تحدّي العولمة الليبرالية)، يعدّد المؤلف الأسباب التي تقود الاتحاد العام التونسي للشغل إلى البحث عن تمثيل سياسي، ومنها تحديات وإشكاليات أفرزتها العولمة والتغيّرات الاقتصادية المتسارعة، إضافة إلى توجيهات المؤسسات الدولية المانحة، ومنها صندوق النقد الدولي، بضرورة تبنّي الحكومات التونسية المتعاقبة في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق في بداية سنة 2011، لسياسات تقشفية عبر التحكم في النفقات، والحفاظ على التوازنات الماكرو- اقتصادية، ورفع يد الدولة التونسية عن الاقتصاد.

وفي مواجهة النموذج الاقتصادي التونسي الهجين، والخاضع لقانون المافيا الاقتصادية المهيمنة، سواء في عهد سيطرة بن علي وزوجته من آل الطرابلسي، أو في عهد سيطرة حزبي «النهضة» و«النداء»، فإن قوّة الاتحاد العام التونسي للشغل تُعدّ القوة الاجتماعية الأساسية التي تقف نداً للدولة الحالية وللمشروع الإخواني لـ«النهضة»، إذا ما قرّر الاتحاد خوض الانتخابات التي ستجرى في خريف 2019.

وفي السياق، يرى الباحث المديني أن تأسيس حزب جديد في تونس "يتبنّى فلسفة الاشتراكية الديمقراطية ضرورة تاريخية، حتى لا يظلّ الشعب التونسي سجين الليبرالية الاقتصادية، بعد أن ارتهنت الحكومات التونسية المتعاقبة لإملاءات المؤسسات المالية الدولية المانحة، وبعد أن تخلّت الدولة عن دورها الاجتماعي".

وبعدما يعدّد المؤلّف خصائص الحزب العمالي الجديد المزمع إنشاؤه في تونس، يشير إلى القوى الاجتماعية المؤهّلة لحمل المشروع السياسي الديمقراطي في تونس، والمتمثلة في الطبقة المتوسطة المطرودة من السلطة بصفتها الاجتماعية، والفئات الشبابية المهمّشة، والعمال والفلاّحين، مؤكداً أن الطبقة المتوسطة هي محرّك رئيسي لأيّ تنمية ناجحة في البلاد.

وأخيراً، يحلّل المؤلف سياسة الاتحاد العام التونسي للشغل تجاه بعض القضايا القومية والإقليمية، مثل موقفه الرافض لأي تطبيع عربي مع الكيان الصهيوني؛ وكذلك مواقفه الرافضة للمؤامرة على سوريا وعلى الشعب السوري، والداعية لإعادة علاقات تونس مع الدولة السورية.

 

*حسن صعب كاتب لبناني.