اعتراف أميركي بفشل منظومة "الشيطنة" الإعلامية؟!

تمكنت منظومة إعلام محور المقاومة في السنوات الفائتة من نشر وقائع الميدان كما هي، وواكبتها لحظةً بلحظة، لكشف أساليب التضليل الأميركي، وواكبتها بالتحليل والتمحيص والدراسة ونشر الدراية عن الأرض والتاريخ والناس وكيفية لقائها مع التطورات الآنية، على الرغم من الفوارق الهائلة في الإمكانات المادية بين المنظومتين.

اعتراف أميركي بفشل منظومة "الشيطنة" الإعلامية؟!
اعتراف أميركي بفشل منظومة "الشيطنة" الإعلامية؟!

معركة من نوعٍ آخر تدور بين واشنطن وطهران بالتوازي مع التوتر العسكري والسياسي في الخليج وحملات العقوبات الاقتصادية المتتالية. إنها معركة تثبيت الإرادة وإقناع العالم بأحقية الموقف، وسلاحها الأساس وسائل الإعلام ومنصّاته، والديبلوماسية الإعلامية التي لطالما غيّرت مساراتٍ وختمت حروب بغير مجريات ميادينها.

في الثامن من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2017 كتبت صحيفة "فورين بوليسي" مقالاً قالت فيه إن قادة من الولايات المتحدة والسعودية وإسرائيل يخططون لأمر ما، ورجحت أنهم يعتزمون الضغط على طهران ومواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة. وأكدت المجلّة يومها إن كلا من جاريد كوشنر كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وولي العهد السعودي محمد بن سلمان يجمعهم العداء لإيران، وأنهم يتقاطعون حول ضرورة تقليص نفوذها ومواجهته في الشرق الأوسط متحدثةً عن العلاقة الوثيقة بين إبن سلمان وكوشنر والتي تتوطد مع الوقت.

ومنذ ذلك الوقت تنشط الماكينة الدعائية للثلاثي المذكور في شيطنة الدور الإيراني في الدول العربية، وخصوصاً في دول التماس مع الاحتلال الإسرائيلي، حيث تضخ مواد شيطنة المقاومة في لبنان وفلسطين، والنظام السوري، بالإضافة إلى نثر الغبار الإعلامي حول دور القادة الإيرانيين خصوصاً أولئك الذين يلعبون أدواراً ميدانية فاعلة في محور المقاومة كالجنرال قاسم سليماني.

وخلال المرحلة الفائتة كلها شنّت الولايات المتحدة ومعها إسرائيل حرباً سيبرانية ضد إيران ومنشآتها الحيوية، حيث حاولتا تعطيل منشآت نووية سلمية، وأخرى علمية غير مرتبطة بالأنشطة النووية، وصلت إلى حد استهداف مؤسسات أكاديمية وتجارية عادية.

وعلى الرغم من أن إيران تواجه بفاعلية أيضاً في هذا المضمار الجديد والمتطور، فإن الحرب السيبرانية للحليفين الأميركي والإسرائيلي مستمرة ومركّزة على مكامن القوة الإيرانية، سعياً إلى تدمير هذه المكامن وإضعاف الدولة التي لاتزال حتى اليوم ترفع لواء مقاومة الاحتلال الإسرائيلي وتدعم حركات المقاومة من جهة، وتواجه الغطرسة الأميركية في المنطقة ووقاحتها التي وصلت إلى حد إذلال الحلفاء وإهانتهم وابتزازهم، كما هي حال العلاقات الأميركية-السعودية منذ عام 2016، بهذا الوضوح على الأقل.

واليوم يبتكر كوشنر فكرةً جديدة تلاقي التشكي الذي يدفع به بومبيو من الدعاية الإيرانية، مضمونها أن تُنشأ منظومة إعلامية جديدة لمواجهة المنظومة الإعلامية لإيران ومحور المقاومة، والتي يبدو من طريقة التعاطي الأميركي معها أنها تحقق نجاحاتٍ واسعة لإقناع الرأي العام بأحقية الموقف الذي يقف فيه أطراف هذا المحور، في مواجهة تحالفٍ واسع ترأسه أميركا وتنشط فيه إسرائيل، وتتلاقى معها لأول مرة بصورةٍ علنية فجّة دولٌ عربية تدّعي مواجهة إيران حفاظاً على المصالح العربية، فيما تساهم مدركةً وعن سبق إصرارٍ في تصفية القضية الفلسطينية، وهي العنوان الأول والأبرز الذي يعبّر عن ضمائر مواطني العالم العربي عموماً.

وقد تمكنت منظومة إعلام محور المقاومة في السنوات الفائتة من نشر وقائع الميدان كما هي، وواكبتها لحظةً بلحظة، لكشف أساليب التضليل الأميركي، وواكبتها بالتحليل والتمحيص والدراسة ونشر الدراية عن الأرض والتاريخ والناس وكيفية لقائها مع التطورات الآنية، على الرغم من الفوارق الهائلة في الإمكانات المادية بين المنظومتين.

واليوم، يحاول كوشنر ومعه بومبيو شيطنة هذه الماكينة الإعلامية، وتغيير نمط مواجهتها للحد من فاعليتها التي تلمس في كل يوم ليس في الشارع العربي فحسب، بل حتى في داخل أميركا وإسرائيل، حتى بات الأميركيون والإسرائيليون يثقون بما تبثه المنظومة المعادية لهم أكثر مما يثقون بما تبثه منظومتهم الإعلامية.

لكن نجاح هذه الفكرة الجديدة لا يتوقف فقط على الإمكانات التي توضع في سياقها، خصوصاً إذا ما قسنا ذلك على ما دفع لتبييض صورة السعودية في حرب اليمن، أو ما بُذل لتسويق صورةٍ إصلاحية عن ابن سلمان، سرعان ما انهارت في قنصلية إسطنبول، أو غيرها المئات من الأمثلة...

لكنه بالتأكيد من دواعي الأمل في المنطقة أن تصدر إشارات من هذا النوع، بكل ما تختزنه من اعترافٍ بفشل المنظومة الإعلامية السابقة في شيطنة محور المقاومة وتشويه صورته في أعين الناس. دواعي قد تنذر بفشل مشروع أميركي جديد يضاف إلى تلة الخردة المتراكمة من المشروعات الأميركية الفاشلة، وأشخاصها الذين لم يعد أحدٌ يتذكرهم.

ربما هي سابقة نادرة أن يشكو وزير خارجية الولايات المتحدة من فاعلية الدعاية السياسية التي يديرها نظيرٌ له في العقود الأخيرة، وأن يعتبر مجرّد تجوّل خصمة حول العالم مستخدماً لسانا وحضوره والمنطق السياسي الخاص بدولته فقط كسلاح للدفاع عمن بلاده، خطراً على مصالح أميركا، الدولة الأكثر تسليحاً، والأقوى قبضةً، والأثبت اقتصاداً، والتي تخيف دول العالم الكبرى.

هذه الدولة باتت تخيفها جولات وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف (بحسب معنى تصريح وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو)، وباتت تحتاج إلى استخدام الأسلوب نفسه لإقامة التوازن الإعلامي في لحظة حساسة كاللحظة التي تمر بها المنطقة والعلاقات الإقليمية فيها، وعلاقاتها مع القوى العالمية.

فقد أشار بومبيو في حديثه لوكالة بلومبيرغ إلى أن نظيره الإيراني ظريف يتمتع بفرصة زيارة نيويورك "ويتنقل في إحدى أبرز مدن الولايات المتحدة ويتحدث لوسائل الإعلام ويخاطب الرأي العام الأميركي وينشر الدعاية الإيرانية". مطالباً بفرصةٍ مماثلة للذهاب إلى إيران، ليمارس دعاية بلاده ضدها كما جرت عادة المسؤولين الأميركيين، الذين يزورون الدول ليحرّضوا شعبها ضد دولته وضد نفسه. وهي ليست المرة الأولى التي يعرب فيها بومبيو عن هذه الرغبة، ما يشير إلى اقتناعه التام بفاعلية الخطاب الإيراني الموجّه إلى الداخل الأميركي في إقناع الأميركيين بعبثية السياسة الخارجية التي تديرها بلادهم ضد دول الشرق الأوسط وشعوبها، والتي باتت مكشوفةً بالنسبة للكثير من الأميركيين، وهذا ما كشفته خيارات الناخبين الأميركيين في شقها المبني على التأثر بالشؤون الخارجية.

وبالمناسبة فإن بومبيو نفسه، الشاكي اليوم من عدم قدرته على الذهاب إلى طهران للتحرض ضدها، هو نفسه الذي رفض مراراً طلبات من الصحافيين الإيرانيين لإجراء مقابلات معه. وهذا ما أكّده ظريف في رده على تصريحات بومبيو حين قال إن الأخير سيجد ما يكفي من الدعوات للظهور في وسائل الإعلام الإيرانية "إذا وافق على إجراء هذه المقابلات بالشروط نفسها التي يجري بها ظريف مقابلاته مع القنوات الأميركية". وبالتالي فإن منطق الوزير الأميركي بأن نظيره الإيراني يستغل تواجده في نيويورك (بهدف حضور اجتماعات الأمم المتحدة) لنشر "الدعاية الإيرانية" عبر وسائل الإعلام الأميركية، بينما تفرض وسائل الإعلان الإيرانية حظراً على تصريحاته، يبدو ضعيفا. خصوصاً وأن الولايات المتحدة تفرض قيوداً على تحركات الدبلوماسيين الإيرانيين في الأمم المتحدة، وتحاول إعاقة عملهم بكافة الوسائل التي تتوفر لها، حيث أشار ظريف إلى أن هؤلاء الديبلوماسيون عالقون في منطقة غير مخصصة لإقامة الدبلوماسيين ولا يستطيع أطفالهم الذهاب إلى مدارسهم.

وهي بحسب وصفه "قيود غير مقبولة ولاإنسانية ومخالفة لمعايير الأمم المتحدة".

لكن هذه المفارقة التي وضعت واشنطن اليوم في خانة المتضرر من النشاط الديبلوماسي والإعلامي للخصم، استغلتها إيران لتظهر انقلاب المنطق الأميركي وانحرافه. وذلك في اقتراحها اللمّاح على بومبيو بلقاء مراسلة قناة "برس تي في" الإيرانية الناطقة باللغة الإنجليزية (قناة تمتلك تأثيراً متصاعداً في الداخل الأميركي) مرضية هاشمي، والتي اعتقلتها السلطات الأميركية لعشرة أيام في كانون الثاني/ يناير الماضي، وهي مواطنة أميركية الأصل والمولد والجنسية وتعيش اليوم في إيران، واسمها الأصلي ميلاني فرانكلين، وقد عانت من التمييز حيال المسلمين والسود، بحسب ما أعلنته مراراً. فهل يصدق بومبيو في طلبه لقاء الإعلام الإيراني؟


منطق الدعاية الأميركية وفاعليتها

تفتح شكوى بومبيو مما وصفها "بالدعاية الإيرانية" الذهن على مراجعة الدعاية الأميركية نفسها، والتي من خلالها تغيرت عوالم وقُسّمت دول وقتلت شعوب من خلال منظومة إعلامية وسياسية استخدمت سلاحاً فتاكّاً موحداً في كل الحالات وهو: شيطنة الخصوم.

وليس خافياً على المتابعين لمسار الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي على امتداد النصف الثاني من القرن المنصرم، إدراك فاعلية المنظومة الإعلامية الأميركية في شيطنة الاتحاد السوفياتي، وتظهيره على أنه مركز الشر في العالم، وأن كل الأفكار التي يختزنها في أدبياته عن العدالة الاجتماعية ما هي إلا وسيلةٌ للسيطرة والحكم الديكتاتوري ودعم الأنظمة المقتنعة بهذه الأيديولوجية حول العالم. وقد وُضعت هذه الشيطنة للخصم في مقابل دعاية معاكسة من المنظومة نفسها، ارتكزت على وعود بالحياة الوردية في نعيم الديموقراطية الغربية المحبّة للحياة، والكارهة للقتل، والنابذة للمشاعر القومية والوطنية. في حين أن هذه المنظومة الأميركية كانت تستبطن من خلفها أهدافاً جيوسياسية منتهى آمالها السيطرة على العالم بدوله وشعوبه واقتصاده، وهو ما أثبتته الأيام بعد انهيار المنظومة السوفياتية، وبعد انفراط عقد الاتحاد، ومسير الكثير من دوله خلف وهم الجنّة الغربية التي لم تخرج تلك البلاد من أزماتها، بل عمّقتها وأضافت إلى أعبائها القابلة للتحمل في أيام الاتحاد، أعباءً جديدة ليس أقلّها المديونية العالية التي أصبحت تشكّل سمةً من سمات الاقتصادات الاشتراكية السابقة، و"الديموقراطية" حديثاً.

وبعد السوفيات، جاء دور الإسلام السياسي كشيطانٍ لا بد من وجوده للتعبئة ضده، وحشد الناس خلف مشاريع المحافظين الجدد لمواجهته، بالاستناد إلى ممارسات جماعاتٍ لبست لبوس الإسلام بدعمٍ أميركيٍ أساسا. ثم استخدمت هي نفسها كذريعةٍ لمهاجمة خصوم الولايات المتحدة. وعلى أساس هذه الدعاية احتلت الولايات المتحدة أفغانستان.

وتحت ذريعة "دعاية أميركية" أخرى احتُل العراق، ومن ينسى انتشار تلك الدعاية كالنار في الهشيم حول العالم بعبارةٍ موحدة: العراق يمتلك أسلحة دمار شامل تهدد الاستقرار الإقليمي والاستقرار الدولي؟

ثم تابعت الدعاية الأميركية ضخها للمواد المشيطنة للخصوم، حين وصفت إيران وكوريا الشمالية وسوريا بوصف "محور الشر". حيث أن من أساليب هذه الدعاية إعطاء أوصافٍ متطرفة ترسخ في أذهان الناس حول العالم، فيتم تثبيتها بمواد مصورة ومكتوبة ومسموعة تضخ يومياً عبر الماكينة الإعلامية الهائلة عالمياً، وبجودةٍ عالية لآخر ما توصلت إليه ابتكارات التضليل والتمويه تسليط الأضواء وإزاحتها وقت لزوم الأمر.

والجميع يتذكر ابتداع الدعاية الأميركية والغربية عموماً لـ"الربيع العربي" كتسميةٍ جامعة لكل الدماء العربية التي أريقت في سياق تحولات جيواستراتيجية مطلوبة أميركياً، ركبت مطالب الناس وطموحاتهم واستثمرت أوجاعهم ومآخذهم على حكامهم، لتأخذ بيدهم ليس إلى مصلحتهم ومستقبلهم، بل إلى مصلحتها ومستقبل نفوذها وتطلعاتها لكيفية السيطرة على بلادهم.

وفي هذا السياق سيقت دعاية قتل الرؤساء لشعوبهم في مقابل حرص أميركا عليهم، ووضعت عوائق الفتنة بين أبناء الشعب الواحد، حتى سالت الدماء من عيون الكاميرات الإعلامية التي غطّت الحروب الطاحنة التي فجرّها اختراع هذا الربيع الجديد.

ومما لا ينسى أيضاً، ويسهل تذكره بمناسبة هذا التظلّم الأميركي من الدعاية الإيرانية، يسترجع المراقبون ما كشفته وثائق "ويكيليكس" عن تخصيص واشنطن لمئات ملايين الدولارات لبث الدعاية ضد المقاومة اللبنانية وتشويه صورتها، وهو أمر أُثبت بالدليل وبالوثائق في تلك التسريبات، وجرى حوله جدلٌ واسع في لبنان. فكيف تتظلمُ دولةً مما تصفه بـ"الدعاية" في حين أنها تمارس أفظع أنواع الدعاية ضد الدول والشعوب؟ والآن تلمع في ذهن صهر الرئيس الأميركي ومستشاره الأقرب جاريد كوشنر فكرةً جديدة، وهي تشكيل منظومة إعلامية جديدة لمواجهة الدعاية الإيرانية.