الصين تكشف عن مخالبها

تُبدي جمهورية الصين الشعبية ميلاً مُتزايداً إلى إظهار ملامِح قوَّتها ليس على المستوى الاقتصادي فحسب، إنما على المستوى العسكري والأمني. وهي بعكس سياستها المُتَكتِّمة والمُتحَفِّظة في الملفات الأمنية والسياسية خلال عقود خلَت، تتقصَّد اليوم الظهور بمظهر الدولة القوية القادِرة على الدفاع عن أمنها ودورها ومصالحها إقليمياً وعالمياً.

التحديات في العقود الماضية أبرزت دوراً أكبر للصين في الساحة الدولية
التحديات في العقود الماضية أبرزت دوراً أكبر للصين في الساحة الدولية

بقيت الصين بعيدة لسنواتٍ طويلةٍ عن مُشكلات العلاقات الدولية وتعقيداتها. وهي لم تتَّخذ مواقف مُنحازَة في السياسة الدولية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، على الرغم من أن أحداثاً بالِغة الضَخامة حدثت خلال العقود التي مرَّت، أبرزت أدواراً لدولٍ وطَمَسَت أدواراً لدولٍ أخرى.

وعلى الرغم من الانتقادات التي يُمكن أن توجَّه إلى مثل تلك السياسة على أنها تمثّل هَدْراً  للفُرَص، ومجالاً لقوى أخرى لتغطية الفراغ، غير أن بكين كانت تنظّر على الدوام إلى الأمر على أنه ترتيبٌ وطني للأولويات على قاعدة الالتفات إلى الداخل وبناء المنظومة الاقتصادية والسياسية القوية والناجِحة قبل التطلّع لمُمارسة نفوذٍ خارجي، غالباً ما يعود بانعكاساتٍ مُتوتِّرة.


على طريق النمو

تجربة ماو ركَّزت كثيراً على البناء الداخلي
تجربة ماو ركَّزت كثيراً على البناء الداخلي

ولكن التجربة الصينية لم تتحوَّل فجأة إلى هذا المستوى من العَظَمَة الاقتصادية ومُعدَّلات النمو المُرتفِعة، بل إنها مرَّت بمُنعَرجاتٍ شديدة الخطورة، عانت الكثير قبل أن تتمكَّن من تثبيت نموذجها الاقتصادي وتنميته وصولاً إلى ما هي عليه اليوم. فمنذ  مواجهة الغزو الياباني في ثلاثينات القرن الماضي، والحرب الأهلية التي تلتها في الصين، تمكَّن ماو تسي تونغ (مؤسِّس جمهورية الصين الحديثة) من وضع حجر الأساس لنظامٍ شيوعيٍ صيني مُختلفٍ عن نظام الشيوعية السوفياتية، واضِعاً أمامه هدفاً كبيراً هو تحويل الدولة الزراعية الفقيرة والمُختَنِقة بسكانها إلى دولةٍ صناعيةٍ قويةٍ قادِرةٍ على تحويل الطاقة البشرية الهائِلة التي تمتلكها إلى طاقةٍ مُنتِجة ومُحَفِّزةٍ للنمو بدلاً من بقائها عبئاً على الدولة، وسبباً أساسياً من أسباب فقرها.

 لقد أضفى ماو على النظام الذي قاده في الصين طابع السياسات الشعبية الثورية، فأطلق على البلاد تسمية "جمهورية العمال والفلاحين"، وقادها بحماسٍ ثوري في ما عُرِفَ بإسم "المسيرة الكُبرى" بدءاً من عام 1949، ونفَّذ منذ ذلك الوقت وخلال مسيرته في الحُكم مشروعه على مراحل، سُمِّيَت المرحلة الأولى "القفزة الكُبرى إلى الأمام" (1958- 1962)، وهدفت إلى تحويل البلاد من دولةٍ زراعيةٍ مُستهلِكةٍ إلى دولةٍ صناعية. لكن هذه المرحلة شهِدت فشلاً اقتصادياً كبيراً أودى بحياة الكثيرين. ثم خاض مرحلة "الثورة الثقافية" (1966- 1976) التي شهِدت صِراعاً عقائدياً محموماً داخل البلاد، لم ينجُ منه ملايين الصينيين.

ومع أن تجربة ماو ركَّزت كثيراً على البناء الداخلي، غير أنها لم تتورَّع عن الانخراط في سياسةٍ إقليميةٍ فاعِلة، ترجمت عملياً من خلال الاشتراك في أتون الحرب الأهلية الكورية في بداية خمسينات القرن العشرين، ودعم نظامٍ شيوعي فيها، في مقابل خسارة تايوان.


الانكفاء إلى الداخل مع سياسة الإصلاح والانفتاح

نسجت الصين علاقاتٍ سياسية وتجارية وديَّة على نطاقٍ واسعٍ مع الغالبية الساحِقة من دول العالم
نسجت الصين علاقاتٍ سياسية وتجارية وديَّة على نطاقٍ واسعٍ مع الغالبية الساحِقة من دول العالم

انقسم الصينيون حول سياسات ماو، لكنه بقيَ حتى اليوم رَمْزاً صينياً كبيراً يميل الكثير من الصينيين إلى تقديس ذِكره، وإحاطته بهالةٍ من الاحترام والتبجيل. لكن المرحلة اللاحِقة لحُكمه، شهدت التحوّل الأبرز في مسار جمهورية الصين الشعبية نحو الازدهار الاقتصادي الكبير.

لقد أحدثت مرحلة الإصلاح والانفتاح بدايةً من عام 1978 تغييرات ضخمة في البلاد، وعلى مستوى علاقاتها الخارجية. فقد تحوَّل جُهد الدولة من التركيز على البُعد العقائدي إلى البُعد التنموي الصَرْف. وساهمت في هذه الانعطافة الرغبة الشديدة في الخروج من المسار الصعب الذي خاضته البلاد مع سياسات ماو من جهة، والنموذج الصناعي والتكنولوجي الناجِح الذي قدَّمته جارتها اليابان، خصوصاً خلال مرحلة السبعينات من القرن العشرين من جهةٍ ثانية.

وسريعاً بعد بدء تطبيق سياسة الانفتاح والإصلاح، تخلَّت بكين عن أثقالها المُتأتّية من الأزمات الخارجية، والأجواء المحمومة في العلاقات الدولية، خصوصاً الحرب البارِدة التي كانت تؤرِق قادة العالم وشعوبه. وبذلك، أسَّست الصين لسياستها التي ستستمر لعقودٍ أربعةٍ لاحِقةٍ والمُرتَكِزة على تحفيز النمو الداخلي، وبناء المنظومة الاقتصادية القائمة على التجارة مع دول العالم كافة، والبُعد عن المشكلات السياسية والأيديولوجية، وإخفاء كل ملامِح الطموح السياسي العالمي، وعدم التباهي بمُقدَّرات القوَّة الاقتصادية أو العسكرية.

لقد نسجت الصين علاقاتٍ سياسية وتجارية وديَّة على نطاقٍ واسعٍ مع الغالبية الساحِقة من دول العالم، وتحوَّلت إلى المُصدِّر الأول للبضائع إلى عددٍ كبير من الدول، من دون أن يُسمَع من قادتها أيّ موقف سياسي مُتحيِّز بوضوحٍ في أية مسألة دولية. لقد حملت الصين لواء السلام والنمو وحاولت تسويقه عالمياً كبديلٍ للصراع ودعوات الحرب.


البقاء خارج التوتّرات

خلال العقود القليلة الماضية، شهد العالم أحداثاً بالغة التأثير والأهمية. انهار الاتحاد السوفياتي، واجتاحت الولايات المتحدة الأميركية أفغانستان والعراق، وخاضت حرباً على الإرهاب حول العالم، وتوحَّدت أوروبا ضمن منظومة الاتحاد الأوروبي، وانفجرت في العالم العربي سلسلة توتّرات هائِلة، وانقسمت دول، وبرزت دول أخرى، وصارت ثوراتٌ قلبت أنظمة حكمت لسنوات. لكن الصين لم تتدخَّل في هذه الأحداث بصورةٍ مباشرة، ولم تبدِ تحيّزاً واضحاً طوال تلك الأحداث.

بدلاً من ذلك اخترقت إفريقيا من خلال مشروعات التنمية والاستثمار، وتحوَّلت إلى المُستثمر الأبرز هناك في السنوات الأخيرة، واستفادت من الأزمة المالية العالمية في العام 2008 وتداعياتها العالمية لتُعزِّز من استثمارها بالمخاطر الناجِمة عن تلك الأزمة. فمارست دوراً جديداً في استثمار مرافق أساسية في قبرص واليونان وإيطاليا، ووقَّعت معاهدات تاريخية مع دولٍ أخرى أبرزها روسيا ودول بريكس. وأعادت إحياء مشروع الحِزام والطريق، الذي تمّ تخصيص مئات مليارات الدولارات من خلاله لمدّ الجسور البرية والبحرية مُجدَّداً بين آسيا وأوروبا في ما بات يُعرَف بخط "بكين-برلين".

لقد استفادت الصين من آليات العَوْلَمة لترسم صعودها نحو قمّة الاقتصاد العالمي، وتستفزّ بذلك القوى التقليدية الموجودة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، التي تحوَّلت مع قيادة الرئيس دونالد ترامب إلى صوتٍ مُناهضٍ للعولَمة وهي التي كانت القوَّة الدافِعة الرئيسية لها في الماضي. وفي الوقت نفسه باتت الصين تؤكِّد بلسان رئيسها شي جين بينغ أنها "مُستفيدة من العولَمة الاقتصادية ومساهِمة أيضاً فيها".


الحرب التجارية وإظهار المخالب

نظمت الصين عروضاً عسكريةً لافِتة تستعرض خلالها أسلحة لم يتخيَّل أحد أن تمتلكها بكين
نظمت الصين عروضاً عسكريةً لافِتة تستعرض خلالها أسلحة لم يتخيَّل أحد أن تمتلكها بكين

بدءاً من تطوّرات الأزمة السورية المُشتعِلة منذ عام 2012، تحوَّلت السياسة الخارجية الصينية إلى التعبير عن نفسها بصورةٍ أكثر وضوحاً، وبصوتٍ أكثر حدَّة من ذي قبل. فخلال تلك الأزمة رفع مندوب الصين الدائِم لدى الأمم المتحدة الفيتو مِراراً وتكراراً إلى جانب السفير الروسي في المنظمة في وجه الإدارة الأميركية.

وشكَّل هذا الموقف المُتكرِّر انعطافةً بالِغة الدلالة على اتجاهات العلاقات الدولية وتوازُنات القوى الجديدة التي تتغيَّر بتغيّر توازُنات النظام الاقتصادي الدولي، وبتغيّر موازين القوى العسكرية والتنكولوجية والمعرفية.

لقد وجدت الصين نفسها إلى جانب حلفائها، في مواجهة نهجٍ أميركيٍ ليس أحادياً وإقصائياً فحسب، إنما عدائي أيضاً. وهو نهج لم يبدأ مع الرئيس ترامب، إنما له أُسُسه في سياسة أسلافه و"الإيستابليشمنت" الأميركية التي وضعت مواجهة صعود الصين على رأس أولويّاتها. فقد حوَّلت واشنطن تركيز استراتيجيتها من الشرق الأوسط إلى الشرق الأقصى وتحديداً الصين، منذ بداية العام 2012.

ومع أن التنمية والسلام يمثّلان اتجاهاً أصيلاً للسياسة الصينية، إلا أن الحرب التجارية التي يخوضها ترامب على بكين منذ وصوله إلى البيت الأبيض، ومُفاخَرته الدائمة بهذه الحرب وخطوات وضع رسوم جمركية على البضائع الصينية، جعل الصين تضع حداً لتحفّظها، وللتكتّم عن طموحها الخارجي، ودفعها إلى التعبير عن قوَّتها العسكرية والاقتصادية، لتبدأ في السنوات الأخيرة بتنظيم عروضٍ عسكريةٍ لافِتةٍ تستعرض خلالها أسلحة لم يتخيَّل أحد أن تمتلكها بكين، أو أن تُعلِن عن امتلاكها لها.


الاستعراض العسكري الأكبر في تاريخ الصين

في الأول من أكتوبر/تشرين الأول الحالي شهدت بكين العَرض العسكري الأكبر في تاريخها الحديث. كانت تلك رسالة غير مسبوقة ومختلفة عن كل ما روَّجته الصين عن سياستها الخارجية خلال السنوات الماضية. لكنها تبدو مُضطرَّة لفِعل ذلك اليوم مع تزايُد التهديدات لأمنها ودورها ونفوذها، والأهم صعودها العالمي.

فمهما أخفت الصين طموحاتها، كان لا بدّ لصعودها الاقتصادي الثابِت من أن يكون مسهدفاً، ويستبطن مصالح سياسية وسيادية للدولة. وبالتالي فإن أية قوَّة اقتصادية تفيض إلى الخارج لا بدّ من أن يكون لها تأثير سياسي، وتالياً فإن أيّ تأثير سياسي واقتصادي خارجي لا بدّ من أن يجلب العَداوات.

هذه العَداوات التي يُعبِّر عنها ترامب يومياً من خلال حربه التجارية مع الصين، تلمسها الصين بوضوح.

وفي سياق تحصين نفسها في مواجهة هذه العَداوات والتهديدات التي تنجم عنها، استعرضت الصين قوَّتها في العَرض العسكري الأكبر بتاريخها بمناسبة الذكرى السبعين لقيام النظام الشيوعي في قلب العاصمة بكين، والذي ضمَّ 15 ألف عسكري ومئات الدبّابات والطائرات الحربية. وبحضور الرئيس شي جين بينغ الذي ظهر مُرتدياً زيّ ماو، مُعلِناً أن "لا شيء يُمكن أن يُزَعْزِعَ أُسُس أمَّتنا العظيمة، لا شيء يُمكن أن يمنع الأمَّة والشعب الصينيين من المضيّ قُدُماً".

لقد استعرضت الصين أهمّ التقنيات العسكرية خصوصاً الصاروخ النووي العابِر للقارّات "دي إف–41"، الذي يُعرَض للمرَّة الأولى، والذي يُمكِن نظرياً أن يصل إلى الولايات المتحدة.

الخطوة الصينية اللافِتة تحمل معانٍ عديدة بالِغة الدلالة، فهي من جهةٍ تركِّز على تحريك المشاعر الوطنية وتحفيزها خلف القيادة السياسية، تحضيراً لمواجهة المخاطر المقبلة على البلاد. ومن جهةٍ أخرى توجِّه رسالة خارجية مفادها أن بكين قادِرة على الدفاع عن نفسها في مواجهة تلك المخاطر الخارجية وحَفْظ وحدتها الداخلية التي ترى تهديدات مُتنوِّعة تلوح في الأفق. وهذا ما يُمكن فَهْمه من عبارة الرئيس الصيني التي قال فيها: "الوحدة، هي الحديد والصلب، هي مصدر القوَّة".

الحديد والصلب لم تكن لغة الصين المُفضَّلة خلال السنوات الماضية، لكنها تبدو اليوم لغةً ضرورية أمام تنامي المخاطر، وها هي الصين تقول اليوم، نحن نمتلك المخالِب الضرورية للدفاع عن أنفسنا، وبها سنستمر صعوداً نحو قمَّة العالم.