المواجهة تقترب في بحر الصين الجنوبي

مواجهة تقترب بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، والصين من جهةٍ ثانية، في بحر الصين الجنوبي. حركةٌ عسكرية أميركية نَشِطة في الأسابيع الأخيرة، تتزامن مع نشاطٍ دعائي لافت، وسط استجابة صينية ضعيفة، الأمر الذي يُثير تساؤلاتٍ جدّية حول مستقبل الصِراع في المنطقة التي تتنازعها دول عديدة.

  • تبدو الولايات المتحدة الآن مُنخرِطةً بشكلٍ أكبر في تعقيدات بحر الصين الجنوبي

 

لا تزال تعقيدات بحر الصين الجنوبي تتزايد شدةً وخطورة. المنطقة المُتنازَع على النفوذ فيها بين دول إقليمية وقوى كبرى، ليست مساحةً استراتيجية مهمة فحسب، بل مركز ثرواتٍ تطمع فيها الدول، القريبة منها والبعيدة.

تنقيب ماليزيا عن النفط في المنطقة زاد من حركة المواجهة بين الدول المهتمّة هناك. القوات البحرية لكلٍ من ماليزيا والصين وفييتنام وأستراليا والولايات المتحدة تبحر يومياً في مسافات غير مُتباعِدة. التباعُد الاجتماعي الرائِج اليوم في مواجهة كورونا لا ينطبق على السفن الحربية للدول الخمس المُتنافِسة في بحر الصين الجنوبي. 

غادرت مجموعة بحرية أميركية بعد أيام من تجوّلها في المنطقة، وهذا سلوك غير جديد، فالقوات الأميركية في منطقة المحيط الهندي لم تكن في السابق مُسيطرة استراتيجياً إلى حدٍ بات يُعرّضها لانتقاداتٍ من قِبَل المُتابعين الاستراتيجيين الأميركيين، على الرغم من كل الجولات الدائمة للسفن والطائرات الأميركية في المنطقة. وهؤلاء يعتبرون أن واشنطن بنهجها الأمني الضعيف هناك إنما كانت تُشجّع الصين على التمادي ومدّ سيطرتها على مناطق النفوذ المُتنازَع عليها.

ومع أن الصين تبدو أكثر ثباتاً في منطقة البحر الجنوبي، فإن الولايات المتحدة تسعى إلى إبقاء قواتٍ جاهزة بصورةٍ مستمرةٍ هناك. فمن ناحيةٍ أولى تريد واشنطن الإبقاء على حضور مباشر لها، يترافق مع استراتيجيّتها الإعلامية وخطابها السياسي والدبلوماسي بخصوص القضية، بينما ترسل من ناحيةٍ ثانية رسالة دعمٍ لشركائها في جنوب شرق آسيا بأنها حاضرة إلى جانبهم، في مواجهة الحضور الصيني الطاغي.

 

عروض قوَّة

على وَقْعِ المواجهة الجيوسياسية هناك بوسائل عسكرية لكنها باردة حتى الآن، تدور رحى مواجهة من نوعٍ آخر بين القوى نفسها وفي المنطقة نفسها، لكن بوسائل طاقوية وتجارية هذه المرة. ففي حين تعاقدت شركة النفط والغاز الوطنية الماليزية "بتروناس" مع سفينة الحفر والتنقيب "ويست كابيلا" للتنقيب في منطقة مُتنازَع عليها بين ماليزيا وفييتنام، ردّت الصين بإرسال سفينة المسوحات "هاييانغ ديزي 8" بمُرافقة قافلةٍ من حرس السواحل والسفن شبه العسكرية، إلى المنطقة. 

الولايات المتحدة أبقت قوات لها بالقرب من "ويست كابيلا" على مدى شهر تقريباً، وقامت سفن حربية أميركية بدورياتٍ مُتعدّدةٍ بين 26 و29 نيسان-أبريل (السفينة القتالية "يو أس أس غابرييل جيفوردز" التي أُرسِلت إلى المحيط الهندي منذ سبتمبر-أيلول 2019، ثم أجرت بعدها سفن أخرى دوريات عبر المنطقة نفسها).

في 29 نيسان-أبريل، انطلقت قاذفتان من طراز" B-1B لانسر" من القوات الجوية الأميركية من قاعدة إلسورث الجوية في داكوتا الجنوبية، وأجرتا مهمة استمرت 32 ساعة جالتا فيها فوق بحر الصين الجنوبي. بعد أكثر من أسبوع بقليل، أجرت السفينتان "يو أس أس مونتغمري" و"يو أس أس سيزار تشافيز" دوريات في المنطقة أيضاً. 

ثم انتشرت بعد ذلك سفينتان قتاليتان في سنغافورة، وقامت قاذفات من نوعي B52 وB2 بمهام ردع استراتيجية امتدّت إلى مناطق مسؤولية القيادة الأوروبية والقيادة الهندية في المحيط الهادىء. وحلّقت طائرات أخرى من جزيرة غوام لتحوم فوق منطقة تواجُد سفينة الحفر "ويست كابيلا".

هذه الجولات للطائرات والسفن، أُضيف إليها إعلان قوَّة الغوَّاصات الأميركية في الباسيفيك أن جميع غوّاصاتها المُنتشرة كانت تشارك بجهوزيّتها في عمليات الاستجابة للطوارئ. ونظراً لأن الغوّاصات، بحُكم طبيعة عملياتها تحت سطح البحر، قد تفتقر إلى المصداقية كآلية إشارة، أصدر الأسطول السابع الأميركي صورة لإحدى الغوّاصات العامِلة على السطح، ورافق هذه الصورة إعلان أن ثلاث غوّاصات، إلى جانب السفن والطائرات، أجرت تمريناً قتالياً مُتقدّماً في بحر الفيلبين في 9 أبريل-نيسان الماضي. كما أجرت البحرية الأميركية أيضاً عمليتين مُنفصلتين لحفظ "حرية الملاحة"، عبرتا خلالها مضيق تايوان خلال هذه الفترة نفسها. 

لقد حشدت القوات الأميركية ثقلاً كبيراً من قُدرات القتال في جميع أنحاء جنوب وشرق بحر الصين من خلال الاستفادة من مجموعة قوية من القوات الكبيرة المنتشرة، مُترافِقة مع عمليات انتشار سريعة انطلاقاً من الولايات المتحدة. وعلى الرغم من ذلك، فإن استتباب الأمر في المنطقة لصالح واشنطن لايزال يبدو بعيد المنال.

 

ماليزيا مُتردِّدة

لكن واشنطن تبدو وحيدةً في جهودها الآسيوية، فالشركاء الآسيويون يبدون أكثر خوفاً من مواجهة الصين بصورةٍ مباشرة. وهم يفضّلون على ذلك –بطبيعة الحال- أن تواجه الولايات المتحدة الصين بمفردها. 

فماليزيا مثلاً، لم تتمكّن طوال السنوات الفائتة من مواجهة الصين حول المسائل المُتنازَع عليها. رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمّد كان يعتبر على الدوام أن منطقة بحر الصين الجنوبي يجب أن تكون "خاليةً من السفن الحربية الكبيرة"، وهذا يؤشّر إلى عدم حسم ماليزيا لموقفها لناحية مواجهة الصين، وهو ما يُزعِج بوضوح الولايات المتحدة الأميركية التي عادةً ما تفضّل أن تلعب هي دور مدير العمليات من بعيد، بينما تترك حلفاءها ليواجهوا بأنفسهم وعلى نفقتهم الخاصة الأعداء المُشتركين. 

وما من شكٍ في هذه الحال تحديداً من أن قُدرات ماليزيا لا يمكن مُقارنتها مع القُدرات الصينية، خصوصاً في مجال القوات البحرية العسكرية. لكن ذلك ليس هو السبب الأوحد للتردّد الماليزي في مواجهة الصين -على الرغم من وجود مصالح مُتنازَع عليها وتعتقد ماليزيا بأن لها الحق في الاستفادة منها في بحر الصين الجنوبي- إنما وجود مصالح اقتصادية لماليزيا مع الصين نفسها، فماليزيا تعتمد في اقتصادها إلى حدٍ بعيد على السوق الصينية.

ثم إن ماليزيا، وساستها المُخَضْرَمين، لا يثقون تمام الثقة بأن القطع والطائرات الحربية الأميركية تجول في المنطقة من أجل حمايتهم هم فقط. بل إنهم يدركون وجود أطماع جيوسياسية قد لا تتوافق مع مصالحهم بصورةٍ كافية. 

وعلى الرغم من تزوّد ماليزيا بشبكات اتصالات آمِنة من الولايات المتحدة، بموجب مبادرة الأمن البحري في منطقتيّ المحيط الهندي والمحيط الهادىء، فإنها تفضّل ألا تذهب بعيداً في مواجهتها مع الصين. وهي تريد خَفْض منسوب التوتّر الذي لا يمكنها تحمّل تبعاته فيما لو استمر بالتصاعُد، في الوقت الذي تبحث فيه "ويست كابيلا" عن الخيرات في عمق البحر.

لكن الولايات المتحدة من جهتها تُدرِك ذلك أيضاً، وتعرف أن ماليزيا لا يمكنها الذهاب بعيداً في المواجهة بمفردها، وأن ذلك يلزمها بأن تضخّ مقداراً من قوَّتها في معنويات حلفائها، وفي المنطقة أيضاً، لتحدث توازناً معنوياً على الأقل مع الصين، قبل الوصول إلى لحظة المواجهة التي لا يعلم أحدٌ توقيتها، لكن تكثر التحليلات هذه الأيام التي تتوقّع اندلاع المواجهة في الأشهر القليلة المقبلة. وفي الوقت عينه، أقدمت الولايات المتحدة على اتخاذ إجراءاتها العسكرية والأمنية في المنطقة المُتنازَع عليها، وفي محيط سفينة التنقيب الماليزية، من دون انتظار موافقة من ماليزيا نفسها.

وتبدو الولايات المتحدة الآن مُنخرِطةً بشكلٍ أكبر في تعقيدات بحر الصين الجنوبي، وعلى الرغم من أن ذلك لم يحفّز ماليزيا إلى الدرجة المرغوب فيها، فإنه حفّز على ما يبدو الشركاء الآخرين لواشنطن هناك.

فقد أظهرت فييتنام وإندونيسيا مقداراً لافتاً من الثقة بالنفس في مواجهة الضغوط الصينية على الأنشطة البحرية في المنطقة المتوتّرة، وبينما تنتشر الشائعات بأن فييتنام قد تتّخذ إجراءً قانونياً ضد الصين في نزاعها بشأن المُطالبات البحرية المُتنافَس عليها، فإن الولايات المتحدة تجد التوقيت مناسباً تماماً لإظهار المزيد من الدعم، وتقديم نفسها على أنها الضامِن الأمني الاستراتيجي لدول المنطقة في مواجهة ضخامة المشروع الصيني، المُتمثّل بالنسبة إليهم بخطر على المواد وحرية الحركة في جوار عملاقٍ اقتصادي وعسكري عالمي، بل في مواجهة القوّة التي تتّجه لتتصدّر قمّة العالم على المستوى الاقتصادي.

 

توجّه استراتيجي لا مُهمّات تكتيكية

لم تكن الاستجابة الصينية لجولات القاذفات الأميركية والسفن الحربية في بحر الصين الجنوبي على القَدْرِ الذي يمكن تخيّله، فقد كانت ردود الفعل الصينية ضعيفة بشكلٍ ملحوظ حتى الآن، أو ربما يكون ذلك قد أتى في سياقٍ سياسي مقصود منه عدم الرد بالمستوى نفسه من المُخاطَرة في هذا التوقيت. حيث أتى الرد الصيني من خلال إعلان الخارجية الصينية أنه لا توجد مواجهة على الإطلاق بالقرب من "ويست كابيلا"، وأن الوضع في بحر الصين الجنوبي "مستقر في الأساس".

أما من الجانب الأميركي فيبدو التصعيد أكثر وضوحاً، حيث ازداد النشاط السياسي الأميركي حول المسألة،  وأصدرت الخارجية الأميركية بياناً يُقدّم دعماً قوياً للشركاء الآسيويين، بالإضافة إلى إدانة ما وصفته بـ"العدوان البحري الصيني" في 22 أبريل-نيسان.

وعلى النسق نفسه، بدأ البنتاغون حملته الدعائية، من خلال تغطية كل نشاط عسكري مرتبط بالمسألة، وتعزّزت هذه الحملة في أوائل شهر أيار-مايو حيث كثرت الإصدارات التفصيلية التي تغطّي مهام القاذفات الاستراتيجية وعمليات الانتشار في البحر والغوّاصات، وعمليات الأنظمة الجوية من دون طيّار في غضون أيام مُتقارِبة من بعضها البعض. وأعلنت القوات البحرية في المحيط الهادئ في 6 أيار-مايو أن وجودها في أستراليا، الذي تم تعليقه بسبب جائِحة كورونا، سيتم استئنافه قريباً.

كل ذلك يؤشّر إلى تنسيق حكومي على مستوى استراتيجي بين أجنحة الإدارة الأميركية المختلفة، ويشير أيضاً إلى مُقاربة أميركية شاملة وجادّة تجاه قضية بحر الصين الجنوبي.

في السابق، أتاح نهج وزارة الدفاع الأميركية تجاه بحر الصين الجنوبي مجالاً واسعاً للجَدَل، لكنها تحاول اليوم تقديم نهج جديد أكثر استجابة للقوّة الصينية، ما يُتيح للقادة العسكريين وللإدارة الأميركية الظهور بمظهر أكثر قابليّة للثقة أمام الحلفاء الآسيويين، وربما يُتيح لواشنطن التقدّم خطوة في مواجهة بكين، في خاصرتها المُعتلّة منذ مدّة بفعل التنافُس مع جيرانها من جهة، ومع القوَّة الأميركية الآتية من بعيد لحصارها من جهةٍ أخرى.

لكن الموقف الصيني الصبور حيال هذه المسألة لا يزال مُلتبساً ويخفي الكثير من الأوراق، خصوصاً مع انشغال العالم كله في الحرب القاسية في مواجهة فايروس "كورونا" المُستجد. وتمتلك الصين في مواجهة تعقيدات البحر الجنوبي قُدراتٍ هائلة قد تدفع بها قريباً في سياق المواجهة. بعض هذه القُدرات تستمده من موقعها على شاطئ النزاع، في مواجهة دول أضعف منها، وفي مواجهة الولايات المتحدة التي تبدو مُتحمّسةً لرفع التحدّي، لكن أميركا في الوقت نفسه قوَّة مُتحرّكة جداً، وغير ثابتة في المواجهات الكبرى. فالتغيّر الذي قد يطرأ على الإدارة بفعل الشكوك المتوقّعة منذ الآن حول نتائج الانتخابات الرئاسية المقبلة قد يحدث أمراً لم يكن بالحسبان، حول طريقة التصرّف مع الصين.

فنهج ترامب الهجومي ضد الصين قد يتضعضع فيما لو فاز في اقتراعٍ إلكتروني يحدث للمرة الأولى في أميركا، وفي بيئةٍ من الشكّ المُتعاظِم حيال الرئيس ونزاهته. أما في حال انفلات بجعةٍ سوداء من قفص التوقّعات، فإن كامل المقاربة الأميركية للمواجهة مع الصين قد تنقلب.

 

إقرأ أيضاً

خرائط المنطقة المتغيرة وحدود التطبيع