سامي خليفة

كاتب وباحث لبناني

حلف الناتو أسير الخلافات الأميركية ــ الأوروبية

يشهد حلف الناتو الذي تأسّس عام 1949 تحدّيات كبيرة حالياً تتعلّق بالتمويل والاستعداد لأية مواجهة محتملة مع روسيا، لكن الاستحقاق الأبرز يبقى في علاقة الحلف مع الولايات المتحدة والتي ستحدّد دوره في المستقبل، مع ظهور دعوات لكي يعود إلى حلف دفاعي جماعي عن أوروبا.

يشهد حلف الناتو تحدّيات كبيرة تتعلّق بالتمويل والاستعداد لأية مواجهة محتملة مع روسيا

يشير باحثون أوروبيون إلى أن منظمة حلف شمال الأطلسي التي تأسّست بسبب توحّد القوات السوفياتية في دول شرق أوروبا، تكيّفت دائماً مع الأدوار الجديدة منذ سقوط الاتحاد السوفياتي ما أطال من العمر المتوقّع للحلف وجعل مستقبله قاتماً، بما يتناسق مع ما قاله  الفيلسوف والباحث الفرنسي بول فاليري في عام 1937، "إن المشاكل في عصرنا هي أن المستقبل ليس كما كنا نتوقّعه" وبالتالي فإنه يجب على أوروبا أن تستعدّ الآن للاعتماد على نفسها.

تسبّبت الأوهام السياسية غير الواقعية عبر التاريخ بسقوط امبراطوريات وأيديولوجيات كان لها أثرها الكبير على المسرح العالمي، ومن البديهي القول أن بحث الأوروبيين الغربيين والولايات المتحدة بعد انهيار عدوّهم اللدود  (الاتحاد السوفياتي) عن حجج لإطالة العمر الافتراضي للحلف ارتكز على حسابات سياسية برهن الزمن أن معظمها كانت خاطئة وأدخلت مستقبل الناتو في لُغز استراتيجي كبير.


كيف استمرّ الحلف بعد الحرب الباردة

توقّع المحلّلون الواقعيّون بعد انهيار الاتحاد السوفياتي زوال حلف الناتو الوشيك. غير أنه نجا من هذه المرحلة كهيئة سياسية رفيعة المستوى لإدارة العلاقات عبر الأطلسي، وكان من أوائل مهامه المصالحة بين فرنسا وألمانيا، فالهدف كان أن يصبح الحلف محفلاً للتغلّب على تقسيم أوروبا، وخلق أوروبا حرّة وموحّدة، وإدماج أوروبا الشرقية تحت سقف أوروبي مشترك.


خلال أول قمّتين للناتو بعد الحرب الباردة في لندن عام 1990 وفي روما عام 1991 حاول التحالف وضع مفهوم استراتيجي جديد وتم التشديد على أن دور الناتو يقوم على القِيَم والثقة المتبادلة، ويهدف إلى تحسين السلام والتعاون. وقد تم تقليص أهمية الأسلحة النووية. وركّز على نهج أكثر مرونة لإدارة الأزمات؛ فخلال قمّة لندن تم إنشاء فيلق الناتو السريع . وكان من المُسلّم به أنه لم يعد يتعيّن على الحلف أن يرّكز على التصدّي لغزو سوفياتي كاسِح للبرّ الرئيسي الأوروبي، ولكن عليه أن يركّز على حالات طوارئ أقل نطاقاً بكثير. وهكذا، تم إيجاد دور أوسع لمنظمة حلف شمال الأطلسي من شأنه أن يضمن أن التحالف لا يزال وثيق الصلة بأزمات عالم ما بعد الحرب الباردة.


وقد توسّع هذا المفهوم في قمّة روما. وأعرب الناتو عن رغبته في أن يكون مركز جميع المؤسّسات الأوروبية الكبرى كاتحاد أوروبا الغربية، ومؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا، ومجلس أوروبا لضمان الوحدة عبْر الأطلسي وكذلك التعاون في ما بين بلدان أوروبا. وهكذا، وبحلول أواخر عام 1991، تحوّل الحلف إلى أداة عالمية لإدارة الأزمات في فترة ما بعد الحرب الباردة. وفي الوقت نفسه، واصل التأكيد على دوره الرئيسي في حل الصِراعات بين أعضاء الحلف وفي ما يتعلّق بالعلاقات عبْر الأطلسي بمفهوم أوسع.


عمل حلف شمال الأطلسي خلال مرحلة الصراعات في البلقان التي بدأت عام 1991 كوكالة إقليمية لإدارة الأزمات وهي كانت صورة مشمولة في "المفهوم الاستراتيجي الجديد" الذي تم تبنّيه في قمّة الذكرى الخمسين لتأسيس الحلف في واشنطن ووُصفت بشكل أفضل في خطاب طوني بلير في شيكاغو حول ضرورة التدخّل الإنساني. وقد أجرى الحلف أول عملياته العسكرية في البوسنة (1995) وفي كوسوفو (1999)، مما أشار على أنه يمكن أن يخرج من المنطقة ويضع حداً للتطهير العرقي. 


اتّسم تدخّل الناتو  في حرب البوسنة بالتردّد والحذر المبالغ به. ولكن بين عامي 1995-1996 بدأ الحلف في أكبر عملية عسكرية له، وكان اتفاق دايتون للسلام في فترة  تشرين الثاني/ نوفمبر إلى كانون الأول/ ديسمبر 1995 يُعزى إلى حد كبير إلى حملة الناتو المتأخّرة التي كانت ناجحة في نهاية المطاف ضدّ الصرب.  وفي غياب أيّ جهد عسكري أوروبي موحّد وأمم متحدة فعّالة حينها، كان الناتو هو المنظمة الوحيدة المتاحة لتحقيق هذه المهمة. وعلاوة على ذلك، فإن الولايات المتحدة هي التي ساهمت بأغلبية ساحقة في الجهد العسكري للتحالف ووفّرت له قيادة قوية.


 وكانت هذه هي الحال أيضاً في حرب كوسوفو عام 1999. فبعد استراتيجية متردّدة ضدّ التطهير العرقي الذي قام به سلوبودان ميلوسيفيتش للمقاطعة الصربية، فإن توظيف موارد الناتو والقصف المفرط الذي شنّته الولايات المتحدة ضدّ الزعيم الصربي. هو ما أقنعه في نهاية المطاف للانسحاب. وتسبّبت حملة القصف بتدهور العلاقات مع روسيا والصين كما أن دولاً في الناتو مثل اليونان كانت غير متحمّسة لحرب كوسوفو التي لم تصادق عليها الأمم المتحدة.


في منتصف التسعينات أُجريت عملية لتوسيع عضوية الحلف لتشمل الأعضاء السابقين في حلف وارسو. تمت تسمية العملية بأوروبا "كاملة وحرة"، وتقدّم التحالف تدريجاً إلى حدود روسيا. هذه الخطوة لاقت بعض الانتقادات وكان أبرزها ما قاله المؤرّخ والدبلوماسي الأميركي جورج كينان صاحب نظرية الاحتواء، عن توسّع الناتو بأنه "أخطر خطأ في السياسة الأميركية في حقبة ما بعد الحرب الباردة". وكما توقّع كينان، فإن قبول أعضاء حلف وارسو السابقين كبولندا، وهنغاريا، وتشيكيا في نيسان/ أبريل 1999، أدّى إلى استياء كبير في موسكو. حيث اعتُبرت النيّة لمنح عضويّة الناتو لأجزاء سابقة من الاتحاد السوفياتي مثل دول البلطيق بأنها إهانة وتهديد محتمل للأمن القومي الروسي.  


 وفّرت هجمات 11 أيلول/ سبتمبر  2001 فرصة لإعادة إحياء التحالف. وللمرة الأولى، بعد يوم واحد من سقوط البرجين التوأمين في نيويورك، استند الناتو إلى "المادة 5" من ميثاقه والتي تُفيد بأن أيّ هجوم على دولة عضو هو هجوم على جميع الأعضاء. لكن الولايات المتحدة رفضت اشتراك الناتو بسبب خلاف سابق مع القادة الأوروبيين حول استخدامهم الفيتو ضدّ عمليات قصف محدّدة خلال حرب كوسوفو في التسعينات، واقتصرت المشاركة على المملكة المتحدة وفرنسا. وبمجرّد أن حوّلت إدارة بوش انتباهها من أفغانستان إلى العراق، تم استدعاء الحلف ككل إلى الخدمة،  تبنّى حلف الناتو في تللك المرحلة فكرة " الانتشار عالمياً"، وانطلقت حينها حملة بين عامي 2004 إلى 2008 لإنشاء تحالف عالمي يضمّ دولاً مثل اليابان، والهند، وأستراليا، وحتى إسرائيل. لكن هذه الفكرة تلاشت بعد فترة قصيرة.


الخلافات مع الولايات المتحدة تدفع الحلف نحو الأوربنة

تعود الخلافات بين الدول الأوروبية في حلف الناتو والولايات المتحدة إلى بداية التسعينات من خلال التطلّعات الأوروبية للعب دور أكبر عالمياً والضغط الأميركي على الاتحاد الأوروبي لتحمّل مسؤولية تحقيق الاستقرار في منطقتيه الشرقية والجنوبية، حيث يريد الأميركيون أن يعودوا إلى مبدأ فترة الحرب الباردة بتقاسُم الأعباء. فالشكوى الأميركية تتلخّص بأن الأوروبيين يعتمدون اعتماداً مطلقاً على الضمانات الأمنية الأميركية، وينبغي أن يحشدوا المزيد من الموارد للدفاع عن أنفسهم.


 كشف إعلان جورج دبليو بوش بعد وصوله للرئاسة عن تطوير درع الدفاع الصاروخي لحماية الولايات المتحدة (وربما حلفائها) من الهجمات النووية من قِبل ما يُسمّى الدول المارقة، وهو مخطّط مماثل لبرنامج ريغان عن انقسامات كبيرة داخل الناتو. وكان معظم أعضاء الحلف الأوروبيين يعارضون بشدّة مخطّط بوش. فقد اعتبروه لا يحمل ضمانات من الناحية التكنولوجية وباهظ التكلفة. كما بدا لهم أن مخطّط الدفاع الصاروخي يزعزع الاستقرار سياسياً حيث يهدّد بتقويض العلاقات مع دول مثل روسيا والصين، ويؤدّي إلى سباق تسلّح جديد.


وبعد عقد من الزمن شارك حلف الناتو في منتصف آذار/ مارس عام 2011 في تجربة متجدّدة حين أطلق "عملية الحامي الموّحد" في ليبيا. كانت هذه الحملة شرارة لخلاف كبير بين أميركا وعدد من الدول الأوروبية حيث عارضها نصف الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، وشارك عدد قليل منها في الضربات الجوية التي بحسب المزاعم كانت تهدف إلى حماية السكان الليبيين من الزعيم الليبي معمّر القذافي. في منتصف نيسان/ أبريل، تحوّلت المهمة من حماية السكّان إلى تغيير النظام، وامتدت لمدة ستة أشهر حتى مقتل القذافي في تشرين الأول/ أكتوبر. تسبّبت هذه المهمة بزعزعة الاستقرار في  شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، وإشعال الإسلاميين المتطرفّين من نيجيريا إلى سوريا، وإدخال ليبيا في حرب أهلية طاحنة. ولعلّ أبرز جانب من جوانب العملية الليبية هو الموقف الجديد الصريح للولايات المتحدة - وهو سمة أساسية لما أصبح يُعرف باسم "عقيدة أوباما" للقيادة الأميركية من الخلف.


دأب العديد من الأكاديميين الأميركيين البارزين في العلاقات الدولية في السنوات الأخيرة على طرح قضية فصل القوات الأميركية تدريجاً عن الناتو وتولّي الأعضاء الأوروبيين مسؤوليات قيادية في التحالف. في السياق الذي ترى فيه الولايات المتحدة تحدّياتها الأمنية الأساسية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ والشرق الأوسط، وحيث تواجه أوروبا تحديات أساساً في حيّها الخاص. ونتيجة للضغوطات الأميركية نشر الاتحاد الأوروبي في حزيران/ يونيو 2016 وثيقة تحدّد الاستراتيجية العالمية الأوروبية. والهدف هو أن يحقّق الاتحاد "استقلالاً استراتيجياً"، بينما يشارك في الوقت نفسه في تعاون أوثق مع الناتو. في حين أن الوثيقة تقول القليل عن تنفيذ هذه المشاريع التي تبدو مُتناقضة، فإن نشرها يعني أن الطريق إلى الأمام قد يبدو واضحاً لأنها تعني أن أوروبا لا تحتاج إلى كيانين أمنيين متنافسين في حيزّها الجغرافي المحدود نسبياً. 

وبالتالي وحسب ما يطمح إليه عدد كبير من المفكّرين الأوروبيين فإن التعاون بين الاتحاد الأوروبي ومنظمة حلف شمال الأطلسي، ينبغي أن يؤدّي، خلال العقد المقبل، إلى أوربة منظمة الناتو. وبموجب هذا المخطّط، ستحقّق أوروبا استقلالاً استراتيجياً من خلال سيطرتها التدريجية على قيادة حلف الناتو، وانحصار نفوذ الولايات المتحدة في الحلف، وتركيز الأخيرة على التحدّيات الاستراتيجية في أماكن أخرى.

السيطرة  الأوروبية على قيادة حلف الناتو بدأ التحضير لها عسكرياً من قِبل ألمانيا وهولندا، ففي حزيران/ يونيو 2014 دشّنت وزيرتا الدفاع، الألمانية أورسولا فون در لَين، والهولندية جيني بلاسشرت، في مدينة ستالندورف في ألمانيا مراسم اندماج اللواء الحادي العشر الهولندي لأول مرة تحت قيادة فرقة التدخّل السريع الألمانية، ثم تبع هذه الخطوة دمج اللواء الهولندي43 بالكامل تحت قيادة الفرقة الأولى الأكبر في الجيش الألماني، الذي بدأ أول تدريب عسكري له قبل بضعة أيام من بدء ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مقاطعة  "درافسكوا بومورسكي" البولندية.


تريد ألمانيا اليوم أن تضع أجندة جديدة للناتو وأن تضطلع بدور عسكري أكبر داخل أوروبا، وتعزيز التداخل بين الجيش الألماني والجيوش المجاورة له، لخلق قوة عسكرية أوروبية مشتركة لا تعتمد بشكل مطلق على الولايات المتحدة، وهي تحذّر من الخطر الروسي المتصاعد في أوروبا ولا سيما بحر البلطيق، ما يجذب اهتمام دول بولندا والسويد والدانمارك وفنلندا، ودول البلطيق الثلاث إستونيا ولاتفيا وليتوانيا.

لكن هذه الأجندة الجديدة ستحتاج لسنوات طويلة لتصل إلى سياسة أوروبية موحّدة، فالوضع مع الانسحاب الأميركي سيكون غامضاً وأكثر تشرذماً واعتماداً على تحالفات إقليمية ثنائية محدّدة، لتلبية الحاجات الأمنية لمناطق بعينها، كتأسيس بولندا للواء عسكري مُشتَرك مع أوكرانيا وليتوانيا في مدينة لوبلين البولندية، وتحالف تركيا مع أذربيجان وجورجيا لحماية خطوط الغاز بينها، والاهتمام البريطاني بأمن البحرين الأسود والمتوسّط.


الناتو عفا عليه الزمن

بعد ضمّ روسيا لمنطقة القرم، كان الناتو بطيئاً جداً في القيام بمسؤولياته الدفاعية والرّدع. وأصبح الوضع مأساوياً لدرجة أن بعص الأعضاء كان عليهم أن يعلنوا علناً عن عدم رضاهم عن الدعم الذي تلقّوه من حلفائهم الأقلّ تعرّضاً للتهديد. وفي هذه المناسبة، عُقد اجتماع قمّة استثنائي لـ"أعضاء الجناح الشرقي في الحلف" للحصول على موافقة أعضاء في الجناخ الغربي والقيام بمناورات عسكرية وإرسال قوات بشكل دائم إلى دول خط المواجهة.


لكن الاستجابة لهذه القمّة لم تكن قوية وأثارت امتعاض الولايات المتحدة حيث أن هذه القوات التي كان يجب أن تتمركز في دول بحر البلطيق وبولندا اقتصرت على البريطانيين والألمان. ومرة أخرى، كانت الولايات المتحدة هي التي اضطرت إلى سدّ هذه الفجوة إلى جانب كندا بشكل ملحوظ.


على مدى ستة عقود، كان هناك نقاش في الولايات المتحدة حول قيمة وضرورة التحالف عبر الأطلسي، وكانت الحرب الباردة سبباً يمكن للحكومات الأميركية تبرير الاستثمارات الدفاعية والقواعد الأمامية المُكلِفة التي شكّلت ما يقرب من 50 في المائة من الإنفاق العسكري للناتو. ولكن بعد حوالى عقدين من انهيار حائط برلين، ارتفعت حصّة الولايات المتحدة من الإنفاق الدفاعي للناتو الآن إلى أكثر من 75 في المائة.


طلب وزير الدفاع الأميركي الأسبق روبرت غيتس في عام 2011 من الحلفاء الأوروبيين أن يسهموا أكثر في الدفاع المشترك لكن عبثاً حاول، لذللك ترى إدارة ترامب اليوم أن هذا الحلف عفا عليه الزمن ويجب وقف إنفاق أموال ثمينة بشكل متزايد نيابة عن الدول التي يبدو أنها غير راغبة في تخصيص الموارد اللازمة أو إجراء التغييرات التي تمكنها من الدفاع عن نفسها، خصوصاً مع بلوغ الدّين الأميركي حاجز ال 20 تريليون دولار.


وبناءً على ما تقدّم فإن العودة بالناتو إلى حلف دفاعي جماعي عن أوروبا يبدو حتميّاً مع غموض بالصورة حول المستقبل، ولمنع الانهيار الداخلي السريع ترى إدارة ترامب أنه يتعيّن على الحلف أن يرّكز على ثلاث مهام أساسية ويُنظّم نفسه من أجلها للبقاء على قيد الحياة في السنوات القليلة المقبلة، وهي: القتال والفوز في المعركة ضدّ المتشدّدين سياسياً وكذلك عسكرياً، الدفاع والرّدع في أوروبا مع وجود عسكري أكثر قوة في دول البلطيق وبولندا، التفاوض على طريقة جديدة  لتسوية مؤقّتة مع روسيا على أساس المصالح المشتركة.


التعليقات

 
}