مايكل عادل

صحفي وكاتب مصري، عمل في صحف مصرية عدة كجريدة البديل وجريدة التحرير ومؤسسة الأهرام (مجلة الأهرام العربي)، وصحف عربية كالأخبار والسفير.

ثورة يناير.. الطريق إلى الميدان

عام بدأ بانفجار ضخم يهزّ عروس البحر الأبيض المتوسّط ورأس مصر المُطلّة على الشمال، الإسكندريّة، ويدمي قلب سائر الجسد المصري في ليلة رأس السنة الميلادية 2010/2011، وأثناء احتفالات كنيسة القدّيسين في مركز الكرازة الأرثوذكسية لتتناثر أشلاء أبناء الوطن هنا وهناك. حدث ذلك كله بالتزامن مع وصول الغضب إلى ذروته فتكاد الرؤوس تنفجر هي الأخرى في وجه حاكم طال بقاؤه ليختتم عقده الثالث في الحُكم بتلك الكارثة، الكارثة التي رأى الكثيرون أنها إن لم تكن نتيجة تواطؤ مباشر فهي بالتأكيد نتيجة تخاذل وفشل ذريع وسيتم استثمارها في ما بعد لتمرير المزيد من السياسات نفسها.

تفجير كنيسة القدّيسين في مركز الكرازة الأرثوذكسية بمصر

تظاهرات في كل مكان، وجوه جديدة على عناصر الأمن التي كانت قد حفظت الوجوه التي لازمت الشوارع خلال السنوات الأخيرة سواء من الشباب أو الكبار. أجيال انتفاضة الخبز 1977 وأجيال تنظيمات التسعينات وانضمت إليها وجوه حركة "كفاية" و"شباب 6 أبريل" و"شباب من أجل العدالة والحريّة" في مشهد ملحميّ يرفع شعارات الرفض للجريمة التي تمّت في حق وطن ظل لعصور طويلة يقبل ويهضم كافة الثقافات ويصهرها في لوحة متنوعة الألوان، ينتهي به الأمر يومذاك بتفجير أحدهم لدار عبادة لمجرّد أن أولئك يمارسون شعائر ويعتقدون في أمور مختلفة. وكل ذلك في ظل حكم نظام وجدوا أنه يهوى التشدّق بعبارات الوحدة الوطنية بينما يفتح أبواب التطرّف على مصراعيها أمام كافة الثقافات المشبوهة وغير الوطنية.

كانت صفحات التواصل الاجتماعي قد بدأت منذ شهور في تنظيم دعوات احتجاج ضد ممارسات الشرطة والتي كان أشهرها مقتل الشهيد خالد سعيد بنفس المدينة "الإسكندرية" على يد أفراد أمن. ومن هنا تأسست حملة "كلنا خالد سعيد" والتي دعت إلى الاحتجاج متّهمة الأمن بالتسبّب في الكارثة سواء بالتواطؤ أو الفشل في أحداث الكنيسة. وبالتزامن مع انتشار خبر رحيل "زين العابدين بن علي" بعد احتدام المواجهات بين المحتجين وقوات الأمن بعد موت بائع الخضروات "بوعزيزي" والذي اعتبره المحتجّون بمثابة "شرارة الثورة التونسية".

"ماذا لو نزل إلى شوارع القاهرة أكثر من مائة ألف متظاهر؟"، كان هذا السؤال هو البداية التي جمح معها الخيال الجمعي لشباب أكثره لم يعرف عن الحراك الشعبي شيئاً ولم يعاصر ثورة واحدة أطاحت بحاكم بضغط شعبي. كيف سيكون المشهد؟ وكيف سنديره؟ ما هي الاحتمالات المطروحة سواء في حال الفشل أو النجاح؟ حول من سنلتف؟ ومن الذي سننفضه عن عباءاتنا كالغبار منذ اللحظة الأولى؟ لا زعيم إلا الشعب ولا أمر إلا للثورة؟ ولكن أين الثورة وإلى من تنتسب؟ ما هي المطالب المُحددة التي لو تمّت لأصبحنا منتصرين؟ لم تخطر كل تلك الأسئلة في رأس مئات الآلاف، بل الملايين من الشباب ذوي الخبرة السياسية المقتربة من الصِفر. "سنعبّر عن غضبنا، سنطيح بهم جميعاً، سنحاكمك يا مبارك أنت وحاشيتك، كل السياسيين فسدة وإن عارضوا أحياناً" عبارات بدأ بها الحراك لينتهي الأمر إلى "الميدان يتّسع إلى الجميع". ليستهِلّ القُطر المصريّ سلسلة زمنيّة لم تبدأ بالخامس والعشرين من يناير، وإنما قبل ذلك بساعات معدودة.

25 يناير/ك 2 هو اليوم الذي اختاره الشباب لانتفاضتهم. وهو يوم عيد الشرطة الذي يؤرّخ لأكبر حدث بطولي في تاريخ الشرطة المصرية، ففي ذات التاريخ من عام 1952 كانت موقعة الإسماعيلية. الموقعة التي رفضت فيها قوات الشرطة المتواجدة بمحافظة الإسماعيلية إخلاء مقر المحافظة الإداري ومقار أقسام الشرطة لقوات الاحتلال البريطاني حتى بعد حصارهم ووعدهم بالخروج بسلام بعد تسليم أسلحتهم ولكنهم أبوا أن تتسلّم قوات الاحتلال المبنى إلا بعد أن نفدت الذخيرة واستشهد وأصيب كل المتواجدين من قوات الشرطة المصرية داخل القسم. شرطة باسلة وموقعة بطولية ضمن قصص البطولة الكثيرة في التاريخ المصري. تاريخ اختاره الشباب للتظاهر أمام شرطة تعتقل وتعذّب وهي المنتسبة إلى ذات الجهاز الذي قاوم الاحتلال بالدم والرصاص.


مساء الإثنين 24 يناير/ كانون الثاني 2011

العناوين الرئيسية لصحف الغد تحتفل بعيد الشرطة. بعض الجرائد الخاصة تتحدّث عن احتمالية خروج أعداد محدودة للتظاهر. صحف أخرى تتحدث عن استعدادات أمنية لمواجهة أعمال الشغب المُحتملة. بينما تخرج مجموعات من الشباب إلى محطات مترو الأنفاق والمواصلات العامة للحديث عما وصل إليه الحال من ظلم وغلاء وتعذيب وفساد لاستقطاب أكبر عدد من المؤيدين لتظاهرات الغد. بالإضافة إلى مسيرات محدودة تجوب مناطق شعبية مثل "ناهيا"، "شبرا"، "العمرانية"، "بولاق أبو العلا" و"إمبابة" لدعوة المواطنين للنزول والالتحام في اليوم التالي بجموع المحتجّين. وتمت تلك المسيرات بتنسيق بين حركة شباب السادس من أبريل وتنظيم الاشتراكيين الثوريين وعدد كبير من الشباب غير المنتمي لحركات سياسية.


الثلاثاء 25 يناير/ كاون الثاني 2011

المصريون يتظاهرون في ميدان التحرير بالقاهرة

أشارت صفحات التواصل الاجتماعي إلى نقاط تجمّع محدودة بمحافظات القاهرة والجيزة والإسكندرية والسويس والغربية "مدينة المحلّة الكبرى"، لتخرج منها المسيرات بأكبر حشد ممكن لتقليل فرص الاعتقال ولجوء الأمن للعنف تجاه مجموعات صغيرة لتقليص نسبة الخطر على المتظاهرين.

أعلنت وزارة الداخلية التزامها بضبط النفس طالما التزمت التظاهرات بالسلمية وهو ما حدث بالفعل في الساعات الأولى من اليوم. فقد خرجت التظاهرات من المناطق المحدّدة والمتفّق عليها واتجهت في خطوط مرسومة باتجاه ميدان التحرير بالقاهرة وميدان القائد إبراهيم بالإسكندرية وميدان الأربعين بالسويس. وبمجرّد التقاء المسيرات المختلفة في الميادين ومفاجأة الجميع –وأولهم المتظاهرين أنفسهم- بالأعداد التي فاقت حتّى تقديرات الأجهزة الأمنية وهو الأمر الذي أربك تشكيلات الشرطة التي كادت تختفي إلى جوار المسيرات الضخمة القادمة خاصة تلك المسيرة التي سلكت طريق كورنيش النيل من ناحية مقر الأمانة العامة للحزب الوطني الديمقراطي والتي لم تستطع الشرطة أن توجّه نحوها أيّة تنبيهات أثناء توقفها أمام مقر الحزب الحاكم قبل دخولها إلى الميدان، ما أدى إلى إطلاق أحد المتواجدين بمقر الحزب لطلقات تحذيرية في الهواء. الأمر الذي استفز المتظاهرين الذين استكملوا طريقهم إلى الميدان بعد فاصل من الهتافات المتوعّدة بهدم ذلك الصرح الحاكم.

سارت الأمور على هذا النحو إلى أن انتهت صلاة العصر وبدأت قوات الشرطة بالتزامن مع بعضها البعض في ساحات الاحتشاد المختلفة في إصدار تنبيهات بمكبرات الصوت تحث المتظاهرين على العودة إلى منازلهم، الأمر الذي قوبل بالرفض التام والسخرية لتبدأ الأوضاع في الانقلاب بعد قيام قوات الأمن في ميدان التحرير باستخدام قنابل الغاز المسيلة للدموع وبعض عيارات الخرطوش والتي واجهها المتظاهرون بإلقاء الحجارة بعد أن قاموا بتكسير أرصفة الميدان وتفتيتها إلى أحجار صغيرة لتبدأ حملة الاعتقالات في القاهرة بمجموعة من الشباب الذين تمت محاصرتهم أمام مقر البرلمان في نهاية شارع قصر العيني باتجاه ميدان التحرير، وكان من هؤلاء الشباب الشاعر "مصطفى إبراهيم" الذي أصبح في ما بعد أحد أبرز أصوات الثورة المصرية وهذا الجيل.

بدأت الأوضاع في الاستقرار بالقاهرة في حين احتدمت المواجهات بمحافظة السويس لتُسجَّل أول حال وفاة في الثورة المصرية للشهيد "مصطفى رجب" بميدان الأربعين. الخبر الذي انتقل إلى متظاهري القاهرة والإسكندرية لتعود المواجهات مرة أخرى لتتجدّد بمنتصف الليل وتستمر إلى أن تفرّقت الجموع إلى المناطق المجاورة لميادين الاحتشاد. بعد أن سجّلت وزارة الصحة سقوط ثلاثة قتلى خلال أحداث اليوم جميعهم في محافظة السويس وأخفت وزارة الداخلية عدد المعتقلين الذي قُدِّر وفقاً لتقارير منظمات حقوقية إلى أكثر من مائة معتقل تم توجهيهم إلى أماكن غير معلومة.


26 و27 يناير/ كانون الثاني 2011

أغلب الصحف تتجاهل الأحداث، وبعضها تحدّث عن شباب خرج إلى الشوارع لتقديم الزهور لقوات الشرطة في عيدها. ميدان التحرير وشوارع وسط المدينة بالقاهرة تتحوّل إلى ثكنة عسكرية تملأها قوات الأمن المركزي. وشوارع السويس تدور بها حرب شوارع بين المواطنين وقوات الشرطة.

محاولات متكرّرة من متظاهري القاهرة للعودة إلى الميدان تنتهي بالفشل وانتشار التظاهرات في شوارع التوفيقية وبولاق أبو العلا ومطاردات في الطرق الضيقة بالمدينة واقتحام الشرطة لمقاهي وسط المدينة. مواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر تم حجبها من قِبَل الحكومة، ومواقع وزارة الداخلية ومجلس الوزراء تم اختراقها من قِبَل المحتجّين. وترتفع أعداد القتلى إلى عشرة ومئات المعتقلين. وبنهاية يوم الخميس 27 يناير كانت خدمة الإنترنت قد انقطعت نهائياً بكافة أنحاء الجمهورية ولحقت بها شبكات المحمول مع بداية اليوم التالي الذي كانت الدعوة له آخر نشاط إلكتروني على مواقع التواصل بعنوان "جمعة الغضب".


جمعة الغضب 28 يناير/ كانون الثاني

المتظاهرون يشتبكون مع الشرطة المصرية

جموع فاقدة لكافة وسائل الاتصال ببعضها البعض، هرعت إلى الشوارع والميادين لتقابل بعضها البعض. جموع أخرى تتجه نحو أقسام الشرطة ومديريات الأمن. اشتباكات تحتدم في كل مكان وسماء تظللها سحب الغاز المسيل للدموع. مشهد ضبابي الشكل والمضمون وقتلى يسقطون هنا وهناك. رصاص ينهال من فوق الأسطح ليطول الرقاب والقلوب بشكل دقيق مما يرجّح وجود قنّاصة فوق مبانٍ متفرّقة في العاصمة ومدن السويس والإسكندرية والدقهلية (تحديداً مدينة المنصورة). المسيرات التي تحرّكت من أطراف القاهرة الكبرى كان مقرراً أن تلتقي في نقاط متفرقة حول مركز المدينة، ميدان التحرير، فتضخّمت الحشود عند ميدان طلعت حرب وشارع رمسيس من جهة، على كوبري شيراتون وقصر النيل من جهة، وشارع قصر العيني من جهة ثالثة لتواجه الحصن الأخير لقوات الأمن المركزي بالهتاف والتقدم.

كانت مجموعة كوبري شيراتون وقصر النيل هي آخر المجموعات المتبقية قبل انسحاب قوات الشرطة وقد سقط منها عدد كبير من القتلى في صفوف المتظاهرين وقوات الأمن قبل أن تصل مسيرة أخيرة في مشهد ملحمي قادمة من منطقة "ناهيا" الشعبية بعد أن نفدت طاقة المتظاهرين على كوبري قصر النيل والذين ظلوا في اشتباكات متواصلة لمدة خمس ساعات على الأقل. كان اندفاع المسيرة الأخيرة كفيلاً بكسر آخر طوق أمني على حافة كوبري قصر النيل لتدخل الجموع إلى ميدان التحرير من كافة الاتجاهات. وفي حركة تلقائية جلس الجميع على أرض الميدان الذي قُتل نحو664 شخصاً في سبيل الوصول له منذ بداية اليوم.


وبدأت أيام الميدان

حركة كفاية عام 2005

منذ إشراق شمس يوم التاسع والعشرين من يناير بدأت "دولة الميدان" في دخول حيّز الواقع. أمن على المداخل، مسؤولو الإعاشة، ساحات فنيّة، ومستشفى ميداني. هجمات لم تتوقف من أنصار النظام بداية من موقعة الجمل إلى الأيام السابقة لتنحّي حسني مبارك. مجموعات تجتمع بعمر سليمان نائب رئيس الجمهورية، وأخرى تُرفض. مطالب تُرفع ومطالب تُرفض بالإجماع. بطولات وقصص لا تنتهي تُحكى من قلب الميدان الذي قيل أن الطريق له بدأ من بداية العام، وقال آخرون أنه بدأ منذ مقتل خالد سعيد في العام السابق أو أنه بدأ منذ تأسيس حركة كفاية 2005 بل قيل أن الطريق إلى ميدان التحرير قد بدأ منذ انتفاضة الخبز 1977. ولكن المؤكد أن هناك 1075 قتيلاً بين مدني وشرطي وجندي كانوا خطوات في الطريق إلى الميدان وغيرهم آخرين بعد تنحي مبارك إلى يومنا هذا، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من المقبوض عليهم بقضايا مختلفة من أجل مطالب ضاع منها ما ضاع وتحقق منها القليل. والمؤكد أيضاً أن هناك انتفاضة شعبيّة اكتسبت لقب "ثورة" استكمالاً لسقف الطموح والحلم. طريق كان مقرراً له أن يأتي بدولة "العيش والحريّة والعدالة الاجتماعية" التي نادى بها أهل الميدان، ولكن الأرقام والإحصائيات تقول غير ذلك. ومازال هناك من ينتظرون اليوم الذي تتحدّث فيه الأرقام وفقاً لمعادلات الميدان وتطلّعاته.