محمود ريا

كاتب متخصّص بشؤون الصين وشرق آسيا ومدير موقع الصين بعيون عربية

سياسة الصين في المنطقة العربية

يتكرر اسم الصين مؤخّراً بشكل دائم في منطقتنا، ويظهر على الساحة سفراء ومبعوثون، وأحياناً يظهر مسؤولون أعلى رتبة كالوزراء ورئيسهم، وصولاً إلى الرئيس شي جين بينغ نفسه الذي زار مصر والسعودية وإيران العامَ الماضي. فهل قرّرت الصين أن تحضر بقوة في هذه المنطقة؟ وما هي أولويات وغايات الصين من هذا الحضور؟

الدور الجديد في العالم

تعزّز الصين علاقاتها مع الدول العربية بشكل كبير

مرّت فترة على الصين كانت قيادتها تعمل على البقاء متخفّية وراء الدور الاقتصادي البحت، بعيداً عن لعب أي دور سياسي على مستوى العالم. كانت الصين حريصة دائماً على عدم إغضاب أحد، وعلى رأس من كانت حريصة على إرضائهم الولايات المتحدة، التي تفرض هيمنتها في مختلف أنحاء العالم، ولا ترضى بأية منافسة لها في أية قارة من قارات الأرض.
كانت الصين في مرحلة نهضة اقتصادية، وكانت تعمل على تعزيز بنيتها الصناعية والزراعية والتكنولوجية، وكانت بحاجة إلى الانتشار في الأسواق بهدوء، ومن دون أية مواجهة مع الدول الفاعلة على مستوى العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ولذلك كانت القيادات الصينية المتعاقبة، بعد مرحلة الانفتاح والإصلاح، تصنّف البلاد على أن دولة على طريق النمو. وكان القياديون الصينيون يعترضون بشدّة عندما يصف أحد ما دولتهم بأنها دولة عظمى، لأن هذا الوصف يضعهم في موقع هام لا يرغبون في أن يكونوا فيه. وقد عبّر الكثير من الباحثين والسياسيين عن هذا الاعتراض، خلال لقاءات معهم، معتبرين أن من يصف الصين بأنها "دولة عظمى" يورّط الصينيين في مواقف تضرّهم.
استمر الأمر على هذه الحال حتى الفترة الأخيرة، حيث بدأت تظهر ملامح حضور صيني في مختلف أنحاء الكرة الأرضية.
وإذا كان هذا الحضور هو أكثر وضوحاً في قضايا تهم الصين بكل مباشر وحيوي، كالوضع المتأزّم في شبه الجزيرة الكورية، وموضوع بحر الصين الجنوبي، وكذلك بالنسبة لبروز التأثير الصيني في العديد من المنظمة الاقليمية كالآسيان ومنظمة شانغهاي، فإن الصين حضرت خلال السنوات الماضية بقوّة في منطقتنا، وكان لهذا الحضور عدّة أوجه، لا تقتصر على نمو التبادل الاقتصادي مع دول المنطقة، وإنما برز في السياسة وحتى في الأمن والعسكر في بعض المواضع.

 


الصين والمنطقة

العلاقات الصينية مع المنطقة قديمة جداً، وقد تعزّزت هذه العلاقات مع قيام الجمهورية الجديدة في العام 1949، حيث كان للصين حضور ثوري كبير، وكانت الصين معروفة بأنها داعم رئيس للقوى اليسارية، وللمنظمات الفدائية الفلسطينية التي تدرّب العديد من أعضائها في الصين في بدايات قيام هذه المنظمات، كما حصلت على كميات كبيرة من الأسلحة من القيادة الصينية المتمثّلة بالزعيم ماو تسي تونغ.

كذلك كانت العلاقات الصينية مع الأنظمة العربية المناهِضة للهيمنة الأميركية قوية جداً، ولا سيما مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي جعل من مصر أول دولة عربية تعترف بجمهورية الصين الشعبية عام 1956.
وكانت الصين تقف بحزم إلى جانب الحقوق العربية، وكان لها موقف متميّز من القضية الفلسطينية، وصل إلى حد عدم الاعتراف بإسرائيل، بالرغم من كون الدولة الإسرائيلية من أولى الدول التي اعترفت بالجمهورية الصينية الناشئة في بدايات قيامها عام 1950.
وقد بقي الموقف الصيني على هذه الحال طيلة فترة حُكم الزعيم ماو، مع ظهور ملامح ضعف في دعم الصين للمواقف العربية خلال فترة الفوضى التي تحكّمت بالصين أوائل السبعينات، ليطلّ عصر الانفتاح مع تغييرات سياسية كبيرة باتجاه مختلف القضايا الخارجية، ومن ضمنها العلاقات مع المنطقة العربية، فانسحبت بكين من معظم الملفات الموجودة على الساحة وباتت مواقفها من القضايا العربية، ولا سيما القضية الفلسطينية، مواقف باهتة، تراعي المصلحة الصينية أولاً. ولعبت حاجة الصين إلى السلاح، وتعطّشها للتكنولوجيا العالية، والضغط الأميركي العالي المستوى لدفع الصين باتجاه الحصول على هذه التكنولوجيا من إسرائيل، لعبت دوراً كبيراً في فتح باب العلاقات الصينية الإسرائيلية على مصراعيه، وإن بقي في إطار سرّي وغير رسمي إلى حين انهيار الجبهة العربية الرسمية المُعادية لإسرائيل وقيام علاقات بين عدد من الدول العربية والدولة الإسرائيلية بعد عام 1990، فسارت الصين في طريق هذه العلاقات، كما غيرها من دول العالم، وقامت علاقات دبلوماسية بين الطرفين لأول مرة عام 1992.
لم تحد الصين عن موقف رسمي واضح وصريح يؤكّد دعم حقوق الشعب الفلسطيني وعلى رأسها حقه في قيام دولته المستقلّة على الأراضي المحتلة عام 1967، كما أنها لم تتوقّف عن تقديم الدعم بمختلف أشكاله المدنية للسلطة الفلسطينية، ولكن الصين لم تجد حرجاً أيضاً في تعزيز علاقاتها مع إسرائيل في مختلف المجالات، ولا سيما على صعيد التكنولوجيا العالية (هاي تيك) وتصنيع الأسلحة والأبحاث الزراعية والمجالات المتعلّقة بالابتكار والاختراعات الجديدة.
وبذلك رسمت القيادات الصينية المُتعاقبة ـ بعد حقبة ماو ـ مساراً متوازياً يقوم على تطوير العلاقات مع الدول العربية ومع إسرائيل في الوقت نفسه.
كل هذه الخطوات أبرزت وجوداً صينياً حيوياً ومهماً في المنطقة. هذا الوجود كان له في المرحلة الأخيرة تجليات لافتة جداً، لعلّ أبرزها التعامل الصيني مع الأزمة السورية. واللافت في هذا المجال معاكسة المواقف الصينية من هذه الأزمة لمصالح الصين الاقتصادية في المنطقة، ولمقتضيات تطوير علاقات الصين مع إسرائيل ومع الولايات المتحدة، ومع معظم الدول العربية التي وقفت موقفاً معادياً للدولة السورية خلال هذه الأزمة. فما هي أسباب هذا الموقف الصيني الصلب تجاه الأزمة السورية.


الأزمة في سوريا

لم تستخدم الصين حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي في تاريخها كما استخدمته في مواجهة قرارات تتعلّق بالأزمة في سوريا، وفي كل مرة كانت بكين تقف إلى جانب موسكو في التصدي لمشاريع قرارات تمثل إرادة معظم الأنظمة في العالم العربي والعالم ككل، ما أثار نقمة كبيرة على هذه المواقف الصينية الثابتة، وبالرغم من ذلك، لم تتراجع بكين ولم تضع الأمر في ميزان مصالحها الاقتصادية وعلاقاتها الدولية الاعتيادية، وإنما وضعته في ميزان جيو استراتيجي دقيق، يتوافق حتماً مع المبادئ التي تحكم تعامل الصين مع القضايا الدولية.

الموقف الصيني الرسمي من الأزمة في سوريا واضح، تعبّر عنه تصريحات العديد من المسؤولين الصينيين بشكل متواصل، وأحياناً بشكل يومي.
هي وصفة من أربعة بنود: وقف إطلاق النار، استئناف العملية السياسية، مكافحة الإرهاب بشكل جماعي، وتسهيل تقديم المساعدات الإنسانية.
هذه المبادئ الأربعة تنطلق بدورها من "المبادئ الخمسة للتعايش السلمي" التي تحكم السياسة الخارجية الصينية: الاحترام المتبادل للسيادة، وسلامة الأراضي، وعدم الاعتداء والتدخّل في شؤون الغير، والمساواة والمنفعة المتبادلة والتعايش السلمي.
ولكن ما يلفت اهتمام العالم ليس هذا الموقف الرسمي، فهو واضح، ولكن ما يقف وراءه، وما يغطيه من أهداف تسعى بكين إلى تحقيقها من وراء ثباتها في موقفها إلى جانب الدولة السورية، وفيتواتها الصاعقة على مدى سنوات الأزمة التي ألمّت بسوريا.
فهل تسعى الصين من خلال هذه المواقف إلى الإعلان عن نفسها، وحجز موقع لها في خارطة السياسة العالمية من خلال البوابة السورية؟ أم أن بكين تكيد للولايات المتحدة الأميركية، وتحاربها في ساحة من ساحات نفوذها ـ أي الشرق الأوسط ـ مقابل اللعب الأميركي في "الباحة الخلفية" للصين في شرق آسيا وجنوب شرقها؟
إن فيتوات الصين لافتة للنظر، ومن حق العالم أن يتساءل عن مغازيها، ومعها حديث الصين عن دعم الحكومة السورية في الكثير من المجالات، ومنها المجال العسكري، ولو من باب التدريب واللوجستيات، كما حصل خلال زيارة مسؤول عسكري صيني كبير إلى دمشق العام الماضي.

 


العلاقات مع العرب..

تعزّز الصين علاقاتها مع الدول العربية بشكل كبير، ويأخذ نمو العلاقات بين الأمّتين مسارين متزامنين: تنمية العلاقات مع الدول العربية ككل، وتنمية العلاقات الثنائية، بين الصين وكل دولة عربية على حدة.

وفي كلا المسارين هناك خطوات مهمة تحقّقت وتتحقّق، ولعلّ تصاعد التبادل التجاري بين الطرفين خلال السنوات العشر المنصرمة يشكّل دليلاً على هذا التقدّم.
تفيد الأرقام أن حجم التبادل التجاري بين الصين والدول العربية بلغ حوالى 230 مليار دولار في العام الماضي، وأن هذا الرقم مرشّح للارتفاع إلى 600 مليار دولار سنوياً خلال بضعة أعوام. وهذا الرقم مهم جداً بالنسبة للصين وللدول العربية على السواء، خصوصاً أنه يعني في تفاصيله أن الصين هي الشريك التجاري الأول لأغلب الدول العربية.
ومن أجل ذلك نجد أن الصين تولي عناية بالغة لعلاقاتها مع الدول العربية، فلا تنقطع الوفود المتبادلة على مختلف المستويات، وتتعدّد الزيارات الرسمية عالية المستوى، ولعلّ أهمها جولة الرئيس الصيني شي جينبينغ في المنطقة أوائل العام 2016، وزيارته إلى دولتين عربيتين هما مصر والسعودية، فضلاً عن إيران، في حين لم تنقطع زيارات الزعماء العرب عن الصين خلال الأشهر الماضية.
على أرض الواقع، تضع الصين علاقاتها مع مصر على رأس أوليّاتها العربية، وهذا الأمر مفهوم، كون مصر أكبر الدول العربية على مستوى عدد السكان، وأيضاً على مستوى الدور التاريخي في سياسة المنطقة.
أما على المستوى الاقتصادي، فإن الاهتمام الصيني ينحرف قليلاً باتجاه منطقة الخليج، حيث تتربّع السعودية والإمارات العربية المتحدة على عرش اهتمامات الصين الاقتصادية، وهذا يعود إلى عاملين أساسيين: امتلاكهما البترول الذي يعتبر مطلباً صينياً دائماً من أجل تحريك عجلة الصناعة الجبّارة في الصين، وكونهما سوقاً استهلاكية واسعة جداً ومتطلّبة جداً، وهذا ما يشكّل جنّة للمُنتجين الصينيين.

 


.. ومع غير العرب

إن الاهتمام الصيني بالمنطقة العربية لا يمنعها من الاهتمام بالمنطقة المحيطة أيضاً، ويبرز على رأس الدول المقصودة بهذا الاهتمام إيران وتركيا.

بالنسبة لإيران فإن العلاقات مع الصين حيوية لكلا البلدين. وإذا كان العامل الاقتصادي يلعب دوره بقوة في تعزيز هذه العلاقات، فإن العوامل السياسية والجيواستراتيجية أساسية في هذا المجال.
فالصين ترى في إيران شريكاً ثابتاً، يمكن الاعتماد عليه، يتمتّع باستقلالية القرار، ولا يخضع لإملاءات أطراف ثالثة في تحديد مسار علاقاته مع بكين.
هذه الاستقلالية ليست موجودة عند معظم الشركاء الآخرين في المنطقة، ولذلك فإن الصين التي تحسب حساب الصِدام مع الولايات المتحدة في أي وقت، ترى في علاقاتها مع إيران ضمانة لاستمرار تدفّق النفط عند أي قرار أميركي بالضغط على الصين من هذا الباب، في حين أن الدول الأخرى في المنطقة ستكون مُحرَجة جداً في التعامل مع الصين، لا بل ستكون خاضعة للإرادة الأميركية، نظراً لتشابك علاقاتها مع الولايات المتحدة وارتباط أمن الأنظمة بالحماية الأميركية.
ولعلّ أفضل توصيف للعلاقات الصينية الإيرانية في الماضي والحاضر والمستقبل هو ذلك الذي
أورده الكاتب الأميركي جون جارفر في كتابه: "الصين وإيران: شريكان قديمان في عالم ما بعد الامبريالية" والصادر مُعرّباً عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
يقول الكاتب في آخر عبارة من كتابه الذي يحوي أكثر من 500 صفحة: "بالرغم من أن سبل التعاون بين الصين وإيران وقنواته ستتغيّر بتغيّر المصالح المُتبادَلة، إلا أن الحوافز التي تقف وراءه ستظل ثابتة على الدوام".
وبقدر ما ترغب الصين وإيران في تعزيز علاقاتهما، بقدر ما ترمي الولايات المتحدة بظلّها على هذه العلاقات، بما يدفع الصين إلى الحَذَر من الانسياق بعيداً في تطوير التعاون في مختلف المجالات مع إيران، من دون أن يمنعها ذلك من القيام بخطوات مدروسة ومتقدّمة على هذا الطريق.
أما بالنسبة إلى تركيا فإن الوضع أكثر تعقيداً، نظراً لدخول العديد من العوامل المهمة على خط العلاقات بين البلدين. فطموح تركيا لمدّ نفوذها إلى العالم التركي في وسط آسيا يجعلها على تماس مباشر مع الصين، لا بل في موضع احتكاك دائم يُظهر نفسه في الكثير من المواقف. وما يجعل العلاقات خاضعة لضغوط الحماية المعنوية التي تحاول تركيا تقديمها لبعض الأقليات المسلمة في غرب الصين، والتي تعود لأصول تركية، كقومية الإيغور.
إن الدور الذي تلعبه تركيا في دعم الحزب الإسلامي التركستاني، في مقاطعة سينكيانغ غرب الصين، وفي المناطق التي تسيطر عليها المجموعات المسلّحة في سوريا، يثير الكثير من القلق لدى الصينيين الذين يصنّفون هذا الحزب بأنه مجموعة إرهابية، وذلك لتبنّيه فكر تنظيم القاعدة من جهة، ولنشاطاته الانفصالية الهادفة إلى عزْل منطقة سينكيانغ عن الصين من جهة أخرى.
إلا أن هذه الحساسية لم تمنع من تحقيق تطوّر مهم في العلاقات بين الصين وتركيا، ولا سيما أن تركيا تشكّل جزءاً أساسياً من طريق الحرير القديم الذي تعمل بكين على إحيائه من خلال المبادرة التي طرحها الزعيم الصيني شي جينبينغ تحت عنوان "مبادرة الحزام والطريق" والتي تعلّق الصين آمالاً كبيرة عليها، كي تكون نافذتها البرية والبحرية على الغرب الآسيوي والأوروبي، بما يحميها من أيّ حصار أميركي ترصد الصين ملامحه من خلال السيطرة على المضائق البحرية الأساسية في الطريق التجارية إلى الصين، ولا سيما مضيق ملقة الاستراتيجي.


سياسة متوارية؟

لا ترى الصين أنها غائبة عن منطقة الشرق الأوسط، ويكرّر مسؤولوها الحديث عن حضور في الكثير من الملفات والقضايا، وعلى رأسها الملف السوري، ولكنها تحمّل الإعلام الغربي إلى حد كبير مسؤولية تغييب الدور الصيني، حيث أن هذا الإعلام يهمّش كل التحرّكات الصينية، ويغلّب عليها الحركة السياسية والدبلوماسية الغربية، بما يجعل الدور الصيني ثانوياً على مستوى الحركة الإعلامية الدولية، وفي ما يتعلق بالمنطقة.

ولكن هذا التوصيف الذي أطلقه كاتب صيني هو جين لين سيانغ عبر موقع "شبكة الصين" شبه الرسمية ليس هو السبب الوحيد لتواري دور الصين في منطقتنا، وفي العالم بشكل عام.
يقول جين في مقاله المنشور أواخر العام الماضي: "يمكننا أيضاً أن نعزو غياب الدور الصيني في المنطقة عن الأنظار لسياساتها المتوارية عن الأضواء بشكل متعمّد وغير متعمّد. فالسياسات المتوارية عن الأضواء دائماً ما كانت جزءاً من ثقافة الصين السياسية".
ويضيف: "الشعار الأكثر شهرة في هذا الصدد هو بلا شك تحذير الزعيم الصينى الراحل دنغ شياو بينغ في أوائل التسعينات حول وجوب أن تكون الصين متواضعة وحكيمة، وأن تبتعد عن الأضواء وألا تسعى إلى الهيمنة أبداً".
ويتابع الكاتب الصيني قائلاً: "لقد مر بالفعل ربع قرن منذ إصدار دنغ لهذا التحذير، لكنه لا يزال أحد المبادئ الرئيسية التي تحكم السياسات الصينية بشكل إجمالي، ولا ينبغي أن تكون سياسة الصين في منطقة الشرق الأوسط استثناءً. وعلى الرغم من اعتقاد بعض الباحثين أنه يتعيّن على الصين اتخاذ سياسة أكثر استباقية نتيجة لازدياد قوّتها، تجادل قلّة في أنه على الصين التخلّي عن سياسة التواري عن الأنظار في الشرق الأوسط".
ويختم: "إلا أن الخلاصة أنه ينبغي أن يكون التواري عن الأضواء أيضاً خيار السياسة الصينية في إطار نوع جديد من العلاقات بين الدول الكبرى. وهذا النوع الجديد من العلاقات بين الدول الكبرى الذي اقترحه الرئيس شي جينبينغ يؤيّد عدم المواجهة بين الدول الكبرى على المستوى الاستراتيجي، سيما بين الصين والولايات المتحدة".


فخ ثيوسيديديس

في تعاملها مع المنطقة، ومع العالم ككل، تسعى الصين إلى التفلّت من الفخ التاريخي المعروف بـ "فخ ثيوسيديديس" الذي يُعبَّر من خلاله عن الصِدام الحتمي المفترض وقوعه بين القوة المهيمنة في العالم والقوة الصاعدة، والذي يتجسّد طرفاه اليوم بالولايات المتحدة والصين. إن الهرب من هذا الفخ يسكن في عُمق فكر القيادة الصينية، وقد تم التعبير عن الخوف من الوقوع في هذا الفخ في أكثر من وثيقة صينية رسمية.

ومن أجل التخلّص من هذا الفخ تعمل الصين بحكمة وهدوء وبعيداً عن استفزاز الطرف الآخر، ولكنها تعمل أيضاً بحزم وقوة ومن دون تنازل عن الحقوق الأساسية. ومن أجل ذلك نرى الحضور الصيني واضحاً وصريحاً في منطقتنا العربية، ولكننا نراه أيضاً حضوراً هادئاً وغير مستفز، يعمل على مبدأ المنفعة المشتركة وفقاً لمعادلة "رابح ـ رابح"، وهذا ما سنرى آثاره بشكل أكثر بروزاً خلال السنوات المقبلة.