المنطقة إلى أين؟

الموقف الهشّ الذي تمخّضت عنه قمّة منظمّة التعاون الإسلامي الطارئة في اسطنبول ليست إلا ورقة قوّة لدى المشروع الصهيو ـ أميركي، تقابلها ورقة ضعف تمثّلت في رفع السقف من قِبَل محور المقاومة والتلويح بالذهاب إلى أبعد مما قد يخطر على أذهان أصحاب الرؤوس الحامية، وهذا يعني استمرارية الصراع بدرجات أشدّ ضراوة وعلى شتّى الجبهات في حرب يسعى الجميع إلى تقليل خسائره الإجمالية قبل الإعلان عن نهايتها التي لا تبدو قريبة، لأنه على ضوء نتائجها النهائية يُعاد رسم خارطة توازن القوى اقليمياً ودولياً، كما يُعاد صوغ النظام العالمي برمّته.

هل يستطيع محور المقاومة تحويل التهديد الأخطر بعد قرار ترامب إلى فرصة؟

من حق كل مهتم بتطوّر الأحداث وتداعياتها أن يتساءل: أيّ مستقبل ينتظر منطقة الشرق الأوسط في ظلّ استمرارية الصراع المُزمن بين قوى فاعِلة على المستويين الاقليمي والدولي؟ وهل يشهد المستقبل القريب دخول المفاصل الأخطر في الحرب المُركّبة على امتداد جغرافية المنطقة؟ أم أن مُعطيات الواقع تؤكّد بألا إمكانية لدى أية قوّة بتحمّل تداعيات الاشتعال المُحتمَل ما لم يتم الضبط الدقيق والمُحكَم لبوابات الهواء اللازم للاشتعال المطلوب؟.

وأمام هكذا تساؤلات موضوعية من الطبيعي أن يكون لدى كل فرد من أبناء المنطقة هواجسه تجاه المستقبل الضبابي الخارج عن سيطرة الجميع، في ما لو تدحرجت الأحداث بتسارُعات تفوق قدرات المتحكّمين بميادين المواجهة المركّبة والمفتوحة، فالتجريب على خط النار انتحار، والرقص على حافة الهاوية وبين حقول الألغام يترك جميع السيناريوهات المحتملة والممكنة مفتوحة على الطاولة التي لا تتّسع إلا لبعضها، وهذا يعني حتميّة إقصاء ما لا تتّسع له بيادر التكلفة المجهولة طالما أن الصراع لمّا يبلغ الذروة بعد، فالقضاء على داعش لا يعني انتهاء الحرب المُركّبة المفروضة على دول المنطقة، لأن داعش  ليس إلا أحد مكوّنات الإرهاب المُمنهَج ضمن استراتيجيات دقيقة تستهدف المنطقة دولاً وشعوباً وهويةً، ويتم إدخال التعديلات المطلوبة عليها من وقت إلى آخر، فتارة يرتفع سقف العربدات الأميركية أو الصهيونية أو التركية، وتارة يتم الالتفاف لتدوير الزوايا عندما يتبيّن أن الأمور قد تخرج عن السيطرة إلى ما لا تُحمَد عُقباه.

وما بين هذا وذاك تستمر طاحونة القتل والتدمير وتوتير الأجواء عبر توزيع مُتقَن للأدوار، وإسناد مُحدّد للمهام على جميع الأطراف الدائرة في الفلك الصهيو ـ أميركي سرّاً وعلانية، ومن الأخطاء الاستراتيجية القاتِلة أن يظنّن أحدٌ أن أصحاب المشروع التفتيتي سيُسلّمون بسهولة ويسر بفشلهم، وسينتقلون إلى الضفة الأخرى لركوب الموجة قبل فوات الأوان، كما أنه من الخطأ الركون إلى أن جميع الأوراق التي يمتلكها أنصار التشظية وهدم البنى السياسية القائمة قد أصبحت محروقة، ولم تعد صالحة للاستخدام، وبخاصة أن لدى أولئك مهارات ذاتية في إعادة تدوير ما انتهت صلاحيته، والزجّ به من جديد في فرن الصهر المطلوب كرافعة لتحقيق استراتيجيتين أميركيتين أُعلن عنهما رسمياً منذ عقود، وهما: "الفوضى الخلاّقة" و"الشرق الأوسط الجديد، ولاحقاً الموسّع" وتم دمجهما وتسويقهما تحت عنوان "الربيع العربي" الذي عصف بدول المنطقة منذ عام 2011م، وما تزال ألسنة لهبه تأكل الأخضر واليابس، ويتم استبدال الأوراق المُتآكِلة وفق خطط مُتدرّجة وبشكل مدروس ومحسوب بدقّة ودهاء.

لكن هذا لا يقلّل قط من أهمية ما تم إنجازه، ولا يمكنه التغطية على الإخفاقات النوعية والمركّبة التي استطاع حلف المقاومة أن يلحقها بالمشروع العدواني وتحطيم الكثير من حلقاته في مفاصل رئيسة وجوهرية، لكن الرأس القاطر للمشروع ما يزال يعمل وبطاقة لا يجوز الاستهانة بها قط، وإلا لما أقدم ترامب على ما أقدم عليه من اعتراف بالقدس عاصمة ل "إسرائيل"، وما كان له أن يُعربد بمثل هذه الصفاقة لولا اطمئنانه إلى أن المُتحكّمين بالبلاد ورقِاب العباد في العديد من العواصم مستعدّون لإنفاق المزيد من المليارات لضمان احتراق دول المنطقة وفق مشيئة المايسترو الصهيو أميركي، وهذا ما أشار إليه الصحافي البريطاني/ ديفيد هرست / في مقالة نشرتها صحيفة/ميدل إيست / البريطانية مؤكّداً أن الدعم الغريب والطارئ الذي تلقّاه ترامب لاتّخاذ قرار الاعتراف بالقدس عاصمة ل"إسرائيل" لم يأت من نتنياهو والمُتديّنين اليهود، بل جاء من طرف عرب الخليج الذين توجد بصماتهم في كل انقلاب يجري في المنطقة، مُضيفاً أن المحور الذي يقف وراء ترامب هم أولياء العهد والحكّام الفعليون للسعودية والإمارات العربية ومصر، وهذا يعني أن القرار محطة في مشروع مُتكامِل ومُترابِط الحلقات، وليس طفرة أملتها عبثيّة ترامب كما يُخيَّل للبعض، وهذا ما بيّنه سماحة الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله في خطابه الأخير عندما أشار إلى أن "القرار الأميركي جاء في سياق، ليس معزولاً ولا مفصولاً، له ما قبله، وله ما بعده".

وبيَّن سماحته أن الهدف منذ 2011 م هو تدمير مجتمعاتنا، وتصفية القضية الفلسطينية ... وفي ضوء ذلك يجد الباحِث نفسه أمام كمٍ كبير من التساؤلات التي تتطلّب إجابات علمية بعيداً عن واقع الأحلام والأمنيات، فهل يشهد المستقبل القريب مزيداً من العربدة الصهيو ـ أميركية ويدفع بالأحداث إلى الانفجار؟ ومَن الذي يستطيع تحمّل تداعيات انفجار الصاعِق في هذه المنطقة الجيوستراتيجية من العالم؟ وإذا كان الانفجار ممنوعاً فإلى متى يبقى محور المقاومة مُلزماً بالتفرّغ لصدّ العدوان المستمر والمتواصل بأشكال مُتجدّدة ومُتعدّدة تستنزف عوامل القوى الشاملة في نهاية المطاف؟ وهل يساهم سحب القوات الروسية من سوريا في تهدئة الأوضاع وتهيئة البيئة المطلوبة لمنع الانفجار، وتقديم كأس من العصير للأميركي ليقوم هو الآخر بسحب وجوده العسكري المباشر من الجغرافيا السورية، أم أن واشنطن قد تستغل ذلك لزيادة عدوانيّتها وفرض إرادتها، وبخاصة أن الخطاب الأميركي أعلن وبصفاقة غير مسبوقة أنه ليس في وارد سحب قواته من الجغرافيا السورية حتى بعد القضاء على داعش؟ والأهم من هذا وذاك هل يستطيع محور المقاومة تحويل التهديد الأخطر بعد قرار ترامب إلى فرصة؟ وكيف؟


مواقف أردوغان المُعلنَة لا يجوز أن يكون عامل اطمئنان تام

الإجابة على التساؤلات المشروعة السابقة وما شابهها، ولو بشكل مُختصَر تتطلّب الوقوف عند مجموعة من النقاط المهمة، ومنها:

  • تحديد المستقبل وهندسة معالمه العامة لم يعد رجماً بالغيب، ولا شكلاً من أشكال التنجيم وقراءة الكفّ أو الفنجان بل هو عِلم مستقل له نظريته ومقولاته ومبادئه، ومن لا يرسم مستقبله وفق مصالحه العُليا سيجد أن الآخرين رسموه له وفق مصالحهم المُتناقِضة بالضرورة مع مصالحه، وأكثر ما يُزعج أصحاب المشروع الآخر يقينهم بأن محور المقاومة أثبت مهنية عالية في رسم الاستراتيجيات وتحديد الأهداف المطلوبة بدقّة، مع تبيان أساليب الوصول إليها بصبر استراتيجي وإرادة تستند إلى اليقين بالنصر الحتمي اعتماداً على القدرات الذاتية المُتاحة وليس المُحتملَة، وواهمٌ مَن يظن أن إرادة أنصار القوّة والجبروت العسكري قدرٌ لا يمكن ردّه ولا مواجهته، فالقوّة العسكرية شيء، وتحويلها إلى قدرة فاعلة شيء آخر، وشتّان بين عوامل القوّة والقدرة.

 

  • أحد الأهداف الرئيسة لكل ما عانته دول المنطقة منذ عام 2011 هو ضمان أمن الكيان الصهيوني، واستبعاد احتمال امتداد ألسنة اللّهب لتطال ذاك الكيان، وهذا يعني أن العربدات التي أُطْلِقَت على امتداد الفترة السابقة، والتهديد والوعيد والتهويل بحرب أميركية ـ إسرائيلية ـ خليجية ضد محور المقاومة وكل ما شابه ذلك، هو شكل من أشكال الحرب النفسية ومحاولة مفضوحة لذرّ الرماد في العيون عبر امبراطوريات إعلامية استنفرت جيوشاً من أصحاب الأقلام الصفراء والشاشات المأجورة، لتحقيق هزيمة افتراضية تعطيهم بالكلام والتصريحات وخشبات المسارح الحديثة ما عجزوا عن أخذه في ساحات الميدان والحرب المُركّبة بعد مرور قرابة سبع سنوات، وهذا لم يحدث، ولن يحدث، بل في الكثير من المحطات جاءت حسابات البيدر مُتناقِضة مع حسابات الحقل.

 

  • جبهات المعارك وميادين المواجهة أصبحت مُتواصلة ومُترابطة من صنعاء إلى القدس إلى لبنان المقاوِم فسوريا والعراق وإيران، والتقدّم في جبهة ينعكس إيجاباً على بقية الجبهات والعكس صحيح، ولا يمكن النظر إلى ما نَشرَه الإعلام الصهيوني من اتصال الجنرال قاسم سليماني بقادة المقاومة في فلسطين المحتلة على أنه حدث عادي، بل مفصل جوهري في تاريخ الصراع في المنطقة، وعندما نقول الجبهات أصبحت مُترابطة فهذا يعني أن خطوط النفط والغاز وممرّات عبوره من المنبع إلى المصب أصبحت ضمن معادلة الصراع المفتوح، وإذا أضفنا إلى ذلك أن القواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة كما أنها عامل قوة لأصحاب المشروع العدواني، هي عامل ضعف في الوقت ذاته لأنها ليست خارج مرمى نيران حلف المقاومة عندما تنزلق الأمور إلى المواجهة الحتمية والمفتوحة، والقدرة على إلحاق الأذى والدمار ليست حكراً على أصحاب المشروع الآخر الذي لا يقيم وزناً للخسائر البشرية التي تُمنى بها أدواته التنفيذية على الأرض، لكنه يحسب ألف حساب إذا بدأت توابيت جنوده تعبر الأطلسي.

 

  • المكانة الجديدة التي احتلتها روسيا بعد مساهمتها المباشرة في الحرب ضد الإرهاب على الجغرافيا السورية ما كان لها أن تصلها في عقود، وليس من مصلحة روسيا الفيدرالية التراجُع قيد أنملة عما أصبح واقعاً يثبت أنها قطب مُكافئ وندٌّ يتحكّم بالكثير من المفاصل المهمّة والجوهرية في الصراع الدائر في المنطقة، كما أنه ليس من مصلحة الولايات المتحدة الأميركية خسارة أية ورقة جديدة تُبعدها عن الدور الفاعِل في كل ما تشهده المنطقة من أحداث، وهذا يعني أن مصلحة القوّتين العُظميين المحافظة على الواقع القائم، الأمر الذي يُبقي أطراف محور المقاومة في حال دفاع سلبي، وما تتضمّنه هذه الحال من خسائر لأنها مسرح عمليات، ومسرح العمليات بالضرورة سيتحمّل خسائر نوعيّة حتى في حال تحقيق إنجازات ميدانية في مثل هذه الحرب المركّبة والمُزمِنة والمفتوحة.

 

  • بالنظر للأطراف الأخرى الفاعِلة في الصراع الدائِر منذ عقود، ومدى القدرة على تغيير معالم المستقبل نجد الصورة اليوم أكثر اتّضاحاً، فالكيان الصهيوني المدعوم من معظم القوى الفاعِلة في صنع القرار الدولي يعتمد على ثلاثة فوائض جوهرية لاستمرار أية حرب، وهي: فائض مال، فكل عائدات النفط الخليجي مُكرّسة لقرار الأُسَر الأوليغارشية المُتسابقة لخطب ود "إسرائيل" ورضاها، وفائض تسليح، وهذا يضمن استمرار عجلة المجمّع الصناعي الحربي الأميركي بخاصة والأطلسي بعامة، وقد تحوّلت المنطقة إلى ترسانات أسلحة كفيلة بتدمير المنطقة عدّة مرات، وفائض في المقاتلين "المسلّحين الإرهابيين" فكل مفرّخات الفكر التكفيري الوهّابي عبر عقود يمثّلون الجيش الإسرائيلي البديل في هذه الحرب الأقذر في تاريخ البشرية، وتوقّف الحرب مرهون بتحطيم إحدى هذه الروافِع الثلاث، وإذا أضفنا إلى ذلك أن الدول التي أسقطت الأقنعة دفعة واحدة وتبيّن أنها لا تعمل إلا وفق المشيئة الصهيونية تدرك أن نهاية الحرب على الدولة السورية ومحور المقاومة يعني انتهاء دورها الوظيفي، وهذا يعني فقدان العروش ومن دون مقدّمات، ولذلك ستستميت لتأخير حسم هذه الحرب أطول فترة ممكنة.

 

  • بالمقابل أطراف المقاومة تمتلك الكثير من أوراق القوّة، فبالإضافة إلى حقّها المشروع واستنادها إلى القانون الدولي وميثاق هيئة الأمم المتحدة، لديها العامل الأهم في عوامل القوة الشاملة لدى أية دولة، وهو عامل الإرادة والاستعداد للتضحية، يقيناً منها أن القانون الدولي عملة فاقِدة للصلاحية ما لم تكن مقرونة بالقوّة التقليدية التي تُرغم أصحاب الرؤوس الحامية على إعادة الحسابات قبل أيّ تهوّر غير مضبوط الإيقاع، ولا يمكن مقارنة قدرة أقطاب المقاومة على تحمّل تكاليف الحرب وتداعيات استمرارها وتوسّع مدى ألسنة لهبها بقدرة الكيان الصهيوني ومَن معه، وكل مُعطيات الواقع تؤكّد أن الروافع الثلاث للإستراتيجية العسكرية الصهيونية قوّضت وتم تجاوزها بفعل نهج المقاومة، فلا حرب خاطفة يمكن الحديث عنها، ولا نقل الحرب إلى أرض العدو حصراً مضمونة، وكذلك الأمر بما يتعلّق بضمان أمن ما يُسمّى "البطن الرخو" أي الداخل الصهيوني، وهذا يعني أن الفوائض الثلاثة المذكورة سابقاً لاستمرارية الحرب تصبح خارج الفعل والتأثير عندما تخرج قواعد الصراع عن السيطرة.

 

  • قد يقول قائلٌ: طالما أن اللوحة التي تحكم الصراع وفق ما تم ذكره، فلماذا لا يتم استهداف الكيان الصهيوني بشكل مباشر، والجميع يدرك أنه رأس الأفعى والمحرّك الرئيس لكل الكوارث التي شهدتها دول المنطقة، وهنا نعود لإحدى القواعد الأساسية في أية استراتيجية وهي / التكلفة والمردودية/، فتحمّل مسؤولية اتّخاذ قرار بحرب شاملة ليس ترفاً فكرياً، ولا هو مجرّد رغبة شخصية لدى هذا المسؤول أو ذاك، فما يتحكّم بهذا الصراع المُزمِن بين مشروعين مُتناقضين قوى كونية، ولا أحد يستطيع أن يقول إنه سيخوض الحرب وحيداً، كما أن كلا المحورين عاجزان عن تحمّل تكاليف الحرب المفتوحة، لأنها تعني باختصار دمار المنطقة برمّتها، فما الذي يمكن كسبه من تدمير العدو أو الانتصار عليه إذا كان التدمير سيطال الجهتين بآن معاً؟ وهل ثمة عاقل يعرف ألف باء السياسة والاستراتيجيا يدعو للتدمير الكلّي للذات وللعدو إلا كخيار أخير يمكن اللجوء إليه عندما تُفرَض الحرب فرضاً، وتصبح واقعاً لا مفرّ منه.

 

  • تبقى تركيا الحال الأكثر ضبابية، وهذا يعطي أردوغان أهميّة إضافية، إذ تحوّل إلى ضرورة استراتيجية لكلا المحورين المتصارعين، فبقاء تركيا في المعسكر الأطلسي يزيد من التحدّيات والتهديدات والأخطار التي تواجه محور المقاومة، وانتقال تركيا إلى المقلب الآخر يُفقِد واشنطن ومن يدور في فلكها أحد أهم أوراق الحرب التي استهدفت سوريا والعراق بآن معاً، وطالما أن الثابت الوحيد في السياسة أنها مُتغيّرة فمن المفيد العمل على تحييد تركيا على الأقل إن لم يكن بالإمكان ضمّها بشكل كلّي، وهذا ما يعمل عليه كلا الطرفين: واشنطن وأتباعها من جهة، والمقاومة بأطرافها المُتكامِلة ومَن يدعمهم من جهة أخرى، وإذا كانت مواقف أردوغان المُعلنَة تشير إلى إمكانية استقطاب تركيا فهذا لا يجوز أن يكون عامل اطمئنان تام، لأن من وضع تفاصيل " الفوضى الخلاّقة" و"الشرق الأوسط الموسّع" و"نهاية التاريخ" و"الربيع العربي" لا يستبعد أن يكون دَرَسَ مختلف السيناريوهات المُحتملَة، وأسند لتركيا هذا الدور الذي تقوم به لضمان تحقيق مفاجئة استراتيجية لأطراف المقاومة ومن معهم في الوقت المناسب، وإذا كانت الورقة الكردية تهديداً مشتركاً يواجه الوحدة الجغرافية لدول المنطقة ومن ضمنها تركيا، فمثل هذا التهديد قد يتحوّل إلى فرصة إذا ضمن أصحاب المشروع العدوان حتميّة النصر في هذه الحرب، لأنه عندها يمكنهم إعادة رسم الخرائط الجيوسياسية للدول وفق مشيئتهم، وتاريخ أردوغان حافل بالشواهِد التي تُثبت مهاراته الفائِقة في التمثيل سواء في قضية سفينة مرمرة أو في مؤتمر دافوس، وليس من الحكمة اليوم دفع تركيا لإعلان العودة الكلية والعلنية إلى المحور الآخر قط، وهنا تظهر أهمية التكامل بين الأداء الميداني في مواجهة جحافل الإرهاب المتهاوي وبين الدبلوماسية الروسية والإيرانية اللتين ترتبطان بعلاقات مميّزة مع تركيا.


استناداً إلى كل ما تقدّم يمكن القول: إنه من العبث التنبّؤ بنهاية قريبة لهذه الحرب المركّبة والمزمنة، لا بل يمكن القول: إن الفصول الأخطر في هذه الحرب لمّا تظهر بعد، ولا أحد يستطيع التنبّؤ بنصر تام وناجِز ومضمون وفق ما يريده، إلا أن قدرة أطراف محور المقاومة على تحمّل التكاليف وإن اتّسع نطاق الحرب هي أكبر بكثير من قدرة التحمّل لدى أصحاب المشروع التفتيتي، وهذا يترك المجال مفتوحاً لجولات إضافية، وأوراق جديدة، وما قرار ترامب الأخير، والموقف الهشّ الذي تمخّضت عنه قمّة منظمّة التعاون الإسلامي الطارئة في اسطنبول، إلا ورقة قوّة لدى المشروع الصهيو ـ أميركي تقابلها ورقة ضعف تمثّلت في رفع السقف من قِبَل محور المقاومة والتلويح بالذهاب إلى أبعد مما قد يخطر على أذهان أصحاب الرؤوس الحامية، وهذا يعني استمرارية الصراع بدرجات أشدّ ضراوة وعلى شتّى الجبهات في حرب يسعى الجميع إلى تقليل خسائره الإجمالية قبل الإعلان عن نهايتها التي لا تبدو قريبة، لأنه على ضوء نتائجها النهائية يُعاد رسم خارطة توازن القوى اقليمياً ودولياً، كما يُعاد صوغ النظام العالمي برمّته.