أوس أبو عطا

شاعر وكاتب فلسطيني

جدار الفصل الصهيوني وتداعياته على الفلسطينيين

بعد أن حقّق الكيان الصهيوني سيطرته على الضفة الغربية وقطاع غزّة إثر حرب 67 بدأ النقاش في الأوساط السياسة والأمنية داخل الكيان في كيفية التعامل مع هذه الأراضي وسكانها، فقد تبنّى حزب الليكود ما يُسمّى بالحل الوظيفي، في حين تبنّى حزب العمل الحل الاقليمي، الذي تمثّل بمشروع آلون.

يتراوح عرضه بين 60-150 م في بعض المواقع والمقاطع التي سيمر منها وبارتفاع يصل إلى 8 أمتار

وفي خضمّ هذا النقاش بدأت تُطرَح بعض الأفكار حول كيفية الاستفادة من هذا الانتصار، حيث طُرح في حينه كيفية ترسيم حدود الدولة العبرية، وطغى على السطح ما يُعرَف بالحدود الآمنة والقابلة للدفاع عنها، وفي نفس الوقت التخلّص من المخاطر الكامِنة في البُعد الديموغرافي، الذي قد يهدّد ما يُسمّى بالنقاء اليهودي ( للدولة). ظلّت هذه الأفكار مجرّد آراء للتنافُس بين الأحزاب الصهيونية إلى أن جاء اتفاق أوسلو. وعليه ظهرت ثلاث رؤى لكل من إسحاق رابين وإيهود باراك وأرئيل شارون لجدار الفصل العنصري.

فبعد سلسلة العمليات التفجيرية التي قامت بها تنظيمات فلسطينية اتّخذت حكومة الاحتلال قراراً بتشكيل لجنة وزارية لبحث إمكانية وضع خطة للفصل، وبحث إمكانية تطبيق هذه الخطة، وفي خطابه المُتلفَز يوم 24/1/1995م، عبّر إسحاق رابين عن تصوّره للخطوط العريضة لهذا الفصل بقوله "إن الدرب الذي تسير عليه الحكومة هو الدرب الذي يؤدّي إلى إنهاء السيطرة على شعب آخر، يجب أن يؤدّي إلى الفصل، ولكن ليس على أساس حدود عام 1967 فالقدس ستبقى موحّدة إلى الأبد، والحدود الآمنة ستكون على نهر الأردن". أما باراك فعبّر عن رؤيته من خلال اجتماعه مع لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست في مطلع شهر تشرين الأول 2000 م، أشار باراك إلى أنه في حال استمرار الانتفاضة فإنه سيتوجّه إلى الفصل أحادي الجانب، وقال: هدفنا هو أن نعمل على الفصل، وإذا لم ينجح هذا من خلال المفاوضات، فإننا سنفعل ذلك بصورة أحادية الجانب. ولكن قبل الحديث عن جدار الفصل الذي أقرّته حكومة شارون ضمن مخطط عزل الأراضي الفلسطينية، لابدّ من الإشارة إلى أن موضوع الفصل استقطب الكثير من المؤيّدين في الأحزاب الصهيونية المختلفة، وخاصةً حزبي العمل والليكود بدءاً من حاييم رامون الذي يروّج للفكرة منذ سنوات، ورئيس لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست دان مريدور وميخائيل إيتان الذي تبنّى الفكرة في أوساط الليكود.

الفصل في عهد شارون

عندما شغل منصب وزير الزراعة عام 1977 ركّز شارون في خطّته الاستيطانية على منطقة الضفة الغربية وتحديداً شرقي الخط الأخضر، فقد خطّط شارون لأن تُشكّل المستوطنات في هذه المنطقة وسيلة لإذابة الخط الأخضر والحيلولة دون تشكيل ( كتلة عربية صلبة ) على جانبي الخط الأخضر. وفي نفس العام أعدّ شارون خارطة تُبقي أجزاء كبيرة من الضفة الغربية تحت سيادة الاحتلال، وفي عهد حكومته العنصرية شرح شارون خطّته للفصل أثناء عملية ( الدرع الواقي) العسكرية التي بدأت في آذار 2002 بقوله : إن المنحدرات الجبلية وموارد المياه ستظل بأيدينا، وإن مستوطنات أمنية على غرار مستوطنتي كدوميم و الكانا ستقام في السنوات القادمة على امتداد المنحدرات الجبلية. وبسبب التصعيد الكبير للعمليات داخل الخط الأخضر إبان انتفاضة الأقصى، بدأ شارون ببناء جدار الفصل، بتشجيع من الأوساط السياسية والشعبية.

يتراوح عرضه بين 60-150 م في بعض المواقع والمقاطع التي سيمر منها وبارتفاع يصل إلى 8 أمتار. ويضاف إليه ما يلي:

1- أسلاك شائكة لولبية وهي أول عائق في الجدار.

2- خندق يصل عمقه إلى أربعة أمتار وعرضه أيضاً نفس الحجم ( وهو يهدف لمنع مرور المركبات والمشاة ) يأتي مباشرة عقب الأسلاك الشائكة.

3- شارع إسفلتي بعرض 12 متراً، وهو شارع عسكري لدوريات المراقبة والاستطلاع.

4- ثم شارع مغطّى بالتراب والرمل الناعم بعرض 4 أمتار، لكشف آثار المُتسلّلين، ويُمشَّط هذا المقطع مرتين يومياً صباحاً ومساءً.

5- جدار إسمنتي بارتفاع متر، يعلوه سياج معدني إلكتروني بارتفاع 3 أمتار، رُكّبت عليه معدات إنذار إلكترونية وأضواء كاشفة، وغيرها من عناصر البنية التحتية الأمنية.

ويتم تركيب آلات تصوير خاصة على طول الجدار تستطيع تمشيط الجدار من الجهة الفلسطينية 3 مرات في الثانية و 50 متراً من الشمال إلى اليمين، وتفصل بين الواحدة والأخرى عشرات الأمتار، الأمر الذي يوفّر تغطية كاملة للمنطقة، وهي تعمل بالليزر وتستطيع اكتشاف فراشة في المنطقة المعيّنة، وزيادة على ذلك تمّ بناء أبراج وأعمدة مراقبة تبعد عن بعضها مسافة كيلو متر واحد، وقد تم ربط الكاميرات معاً عبر غرفة عمليات تابعة للاحتلال، ويشرف عليها من خلال شاشة تلفزيونية، حيث تغطّي هذه الطريقة مساحة 6 كم تكون المسؤولية الأمنية تابعة لكتيبة عسكرية واحدة.

6- بعد ذلك يأتي الجدار الذي يحتوي على أبراج مراقبة. يلي الجدار من الجهة الأخرى طريق معبّد مزدوج لتسيير دوريات المراقبة، وطريق ترابي وأسلاك شائكة لولبية، وخندق وهي مشابهة لما أقيم في الجهة المقابلة الأخرى من الجدار.

أثر جدار الفصل على المواطنين الفلسطينيين:

 مصادرة الأراضي

رافق جريمة بناء الجدار، تدمير مساحات واسعة من الأراضي الزراعية الفلسطينية، ومصادرة 164780 دونماً من الأراضي الفلسطينية، امتدت من قرية زبوبا في شمال الضفة الغربية إلى قرية مسحة جنوب مدينة قلقيلية، وقدّرت مساحة الأراضي التي ستتم مصادرتها لصالح الجدار 1.61 مليون دونم عند اكتمال الجدار الشرقي.. أشارت نتائج المسح الذي أجراه الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، إلى أن نسبة الأُسَر التي تمت مصادرة أراضيها كلياً بلغت 9.1% من الأسر التي تقيم غرب الجدار، التي تمت مصادرة جزء من أراضيها 19.9% و 20.3% من الأسر التي تقيم شرق الجدار. ويلاحظ من خلال النتائج أن معظم الأراضي التي تمت مصادرتها في التجمّعات التي تأثّرت بالجدار، كانت تستخدم لأغراض زراعية، وبلغت نسبتها 86%.

تُحظّر المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة تدابير العقاب الجماعي التي تتخذها دولة الاحتلال، كما تكفل المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الحق في حرية التنقّل وتجدر الإشارة إلى أن لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة (وهي هيئة الخبراء التي تراقب تنفيذ الواجبات المترتّبة على الدول بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية)_ أوضحت أنّ ( القيود المسموح بها والتي يمكن فرضها على الحق الذي تحميه المادة12 لا يجوز أن تلغي مبدأ حرية التنقّل ).

تشير التقديرات إلى أن نحو مليون فلسطيني في الأراضي المحتلة، سينتهك الجدار حقوقهم الأساسية، حيث أن الآلاف منهم سيضطرون إلى استصدار تصاريح خاصة من جيش الاحتلال، للسماح لهم بمواصلة العيش والتنقّل بين منازلهم من جهة، وأراضيهم من جهة ثانية، وأن أبسط حقوقهم في الحياة اليومية ستتعرّض للمصادرة، مثل التوجّه إلى العمل، والمدرسة، والحصول على الرعاية الطبية اللازمة، أو زيارة عائلاتهم وأصدقائهم. ونتيجة لهذا، اضطر نحو 2.8% من الأفراد المُقيمين غرب الجدار، إلى تغيير مكان إقامتهم، وترك منازلهم وأراضيهم الزراعية.

خلّف الجدار آثاراً سلبية عميقة على العملية التعليمية، فقد حرم الكثير من الطلبة والمدرسين الوصول إلى مدارسهم، ما أربك العملية التعليمية في العديد من المدارس، منها: مدرسة برطعة الشرقية، أم الريحان، مدرسة الفاروق/ جنين، ومدرسة نزلة عيسى، باقة الشرقية/ طولكرم، ومدرسة رأس طيرة في قلقيلية.

وقد بيّنت نتائج مسح أجراه الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، أن 3.4% من الأفراد الفلسطينيين في التجمّعات التي تأثّرت بالجدار تركوا التعليم بسبب انعدام الأمن وجدار الضمّ والتوسّع، فيما يلاحظ أن 26% من الأفراد الفلسطينيين في التجمّعات التي تأثّرت بالجدار، قد تركوا التعليم، بسبب الوضع الاقتصادي المُتردّي لأسرهم، وقد أفادت نتائج المسح أيضاً أن 81.5% من الأسر الفلسطينية في التجمّعات التي تأثرت بالجدار، والتي لديها أفراد ملتحقون بالتعليم العالي، سلكوا طرقاً بديلة للوصول إلى الجامعة/الكلية، في محاولة للتغلّب على الصعوبات التي تواجههم، وأن 81.6% من الأسر اضطر أفرادها للتغيّب عن الجامعة لعدّة أيام بسبب إغلاق المنطقة.

لقد أثّر الجدار بشكل كبير على الحياة الصحية للسكان الفلسطينيين الذين يعيشون غرب الجدار، إذ أصبح من المستحيل الوصول إلى المراكز الصحية والمستشفيات الواقعة شرق الجدار، فالقرى الفلسطينية الواقعة غرب الجدار، لا تتمتّع بأية خدمات طبية، وقد أظهر مسح أجراه الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، أن 43% من الأسر المبحوثة، تفيد أن هناك عرقلة لحركة سيارات الإسعاف تمارسها الحواجز المقامة على الجدار الفاصل، أن 69% من الأسر المبحوثة لا تستطيع دفع نفقات العلاج، بسبب الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها.

إن المنطقة المعزولة خلف الجدار الغربي، تقع فوق الحوضين الجوفيين الغربي والشمال الشرقي، اللذين تقدر طاقتهما التصريفية ب507 ملايين متر مكعب سنوياً، أما المنطقة الشرقية المعزولة، فتقع بكاملها فوق الحوض الشرقي، ذو الطاقة التصريفية التي تقدّر بنحو 172 مليون متر مكعب سنوياً.

يقدّر عدد الآبار الجوفية في هاتين المنطقتين ب165 بئراً، بطاقة ضخّ تقدّر ب من 33 مليون متر مكعب سنوياً، أما بالنسبة لعدد الينابيع فيقدّر ب 53 ينبوعاً بطاقة تصريفية 22 مليون متر مكعب سنوياً.

إن مياه الآبار والينابيع، الواقعة في المنطقة المعزولة والمصادرَة، تستخدم لأغراض الاستهلاك البشري والزراعي والصناعي والسياحي، وهي لا تخدم التجمّعات السكانية داخل المنطقة المعزولة وحسب، بل لا تنقل لاستخدام أبناء المناطق والتجمّعات الموجودة خلف الجدار، هذا يعني نهب وسرقة الاحتلال لنسبة هائلة من الموارد المائية، وحرمان المواطنين الفلسطينيين منها. وتشكّل سرقة المياه تهديداً لحياة الفلسطينيين وحقوقهم، ما يجرّ عليهم جرائم التهجير والترانسفير، التي تنادي بها بعض أحزاب اليمين الصهيونية. أصبحت حال التفكّك والعزلة الاجتماعية، سمة مفروضة على أبناء المناطق الواقعة غرب الجدار الفاصل، نتيجة الإجراءات العنصرية المعقّدة التي يفرضها الاحتلال، عبر حواجز العذاب، فتبقى زيارة قريب أو مريض أو المشاركة في جنازة، رهن أمزجة جنود الحواجز، وقد لا تتحقّق أبداً.

وتشير النتائج إلى أن 90.7% من الأسر التي تقيم غرب الجدار حُرِمت من زيارة الأهل والأقارب، مقابل 70.6% من الأسر التي تقيم شرق الجدار. وحرم الجدار 89.5% من الأسر المقيمة غرب الجدار من زيارة الأماكن المقدّسة، مقابل 81.8% من الأسر المقيمة شرق الجدار. كما أن 30.6% من الأسر، أو أحد أفرادها في التجمّعات التي تأثّرت بالجدار انفصلت عن الأقارب، كما بيّنت النتائج أن 2.6% من الأسر الفلسطينية التي تأثّرت بفعل الجدار، قد انفصل عنها الأب.

ولعلّ تأثيرات الجدار ومُضاعفاته المأساوية على حياة الفلسطينيين تمتد إلى أبعاد أخرى لم تطلها بعد أرقام الدراسات، مثل: الآثار الاقتصادية، والسيكولوجية، الأمر الذي يضع جريمة الجدار تلك، في عداد كبرى النكبات التي تعرّض لها الشعب الفلسطيني. ألحق جدار الفصل العنصري، أضراراً بالغةً بقطاع السياحة والآثار منها ما لحق بالمواقع الأثرية، ومنها ما لحق بالحركة السياحية، فتشير التقارير إلى أن الجدار سيبتلع الكثير من المواقع الأثرية التاريخية الفلسطينية، خاصة في مدن: بيت لحم، القدس والخليل.

وقعت أيضاً عشرات المواقع الأثرية ضحية الضمّ، نتيجة التفاف الجدار حول مدينة القدس، بشكل سمح لفرق التنقيب التابعة لسلطات الاحتلال، بإجراء تنقيبات عاجلة، لا تتّفق مع التقاليد العلمية للعمل الأثري، فقد تعرّض موقع (صوانة صلاح)، الواقع إلى الشرق من بلدة أبوديس، ومحيط مسجد بلال بن رباح، والمقبرة الإسلامية إلى هذه الإجراءات.

كما فصل الجدار مدينتي بيت لحم والقدس عن باقي المدن، وهما المدينتان اللتان تشكّلان أحد أبرز المقاصد السياحية الرئيسة في فلسطين. ومن المواقع الأثرية التي وقعت في نطاق الجدار، ( موقع الذهب ) الواقع شمال مدينة جنين، الذي يحوي آثاراً تعود للفترة الرومانية و البيزنطية.

كذلك تسبّب الجدار في تعثّر الحركة السياحية بين المدن الواقعة في الشمال والواقعة في الجنوب، خاصة مدن الناصرة ورام الله ونابلس وجنين، إضافة إلى عزل منطقة أريحا والبحر الميت، وإلحاق الدمار بعشرات المواقع الأثرية، وأهمها عيون الماء القديمة، والخرب الأثرية في منطقة حوسان، غرب مدينة بيت لحم ومنها: خربة حمود وخربة قديس، وخربة الكنيسة وخربة دير نعل. كما أن الإغلاق لمدن القدس، وبيت لحم، حدَّ من الحركة السياحية في مدينة بيت لحم، ففقدت الآلاف من الأسر الفلسطينية دخلها الاقتصادي، وخاصة وأن 65% من العائلات في مدينة بيت لحم تعتمد على دخلها من السياحة. ومن شأن مرور جدار الفصل العنصري ببلدة العيزرية في القدس الشرقية أن يدمّر مقبرة الشهداء، وهي مقبرة تاريخية، تضم رفات مقاتلين مسلمين، منذ عهد صلاح الدين الأيوبي.