الانتخابات الرئاسية الروسية... تتويج 18 عاماً من البوتينية

كيف كانت نتيجة حكم "البوتينية السياسية" لروسيا خلال الأعوام الماضية على المستويين الداخلي والخارجي؟ وما هي أبرز التحولات التي حدثت في هذا السياق من العام 2000 وحتى اليوم؟ وكيف تمكن بوتين من كسب معاركه الانتخابية السابقة؟ وكيف كانت موسكو تؤثر وتتأثر انتخابياً؟ والأهم من ذلك كله، من هم منافسو بوتين اليوم؟ وما هي سيناريوهات فوز أي من المرشحين، والضوابط التي تضعها الإدارة الروسية لمنع التدخل الأجنبي في انتخاباتها الرئاسية؟ وكيف ستنعكس الانتخابات هذه على قوة روسيا وسياستها الخارجية؟

لمع نجم بوتين في فضاء السياسة الروسية، مستفيداً من ارتفاع أسعار مصادر الطاقة

لا تشبه الانتخابات الرئاسية الروسية المنتظرة في 18 آذار-مارس المقبل أياً من مثيلاتها التي مكّنت فلاديمير بوتين من حكم الكرملين لثلاث دورات مضت، تفصل بينها ولاية واحدة لرئيس الوزراء ديميتري ميدفيديف. فعلى الرغم من وجود أوجه تشابه كثيرة بين كل المحطات الانتخابية السابقة، إلا ان التطورات التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة تجعل من الانتخابات المقبلة محطةً فائقة الأهمية بالنسبة لروسيا، ولمستقبل "البوتينية" في البلاد.

ولعل أبرز تلك التطورات اندلاع فوضى ما سمي بـ"الربيع العربي" وعودة روسيا مجدداً من بوابته إلى لعب دورها المؤثر عالمياً، خصوصاً من خلال الأزمة السورية. بالإضافة إلى انعكاسات كثيرة سببتها الأزمة الأوكرانية على العلاقات الروسية الغربية من جهة، ومن جهةٍ ثانية على الواقع الداخلي في روسيا الذي تزيد العقوبات الغربية من أكلافه المتعبة.

وفي حين تتسارع جهود الحملات الانتخابية في الداخل، تنشط ماكينات التشويش الخارجية على الاستحقاق، فقد انطلقت حملة تشكيكٍ مسبقة بنزاهة الانتخابات، اضطرت المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف للرد مراراً على اتهاماتٍ إعلامية غربية بـ"نيّة" السلطات الروسية "التزوير والاحتيال في الانتخابات المقبلة"، واصفاً هذه الحملة بـ"الهجمات الجماعية التي يتم تحضيرها، وتنظيمها بعناية" قبل وقت طويل من الانتخابات.

حتى أن هذه الجهود طالت صحة بوتين تحديداً، من خلال بث أخبار تتحدث عن إصابته بأمراض خطرة، نفاها بيسكوف نفسه الذي فاخر بقدرة رئيسه على "التفوق على الكثيرين بدنياً"، مؤكداً أنه في صحة ممتازة.

ولا شك بأن الزج بهذه القضايا في سياق الانتخابات الرئاسية الروسية يدل على أهميتها بالنسبة للعالم كما بالنسبة للروس أنفسهم، ويرفع من أهمية دراسة تأثيراتها الداخلية والخارجية.

فكيف كانت نتيجة حكم "البوتينية السياسية" لروسيا خلال الأعوام الماضية على المستويين الداخلي والخارجي؟ وما هي أبرز التحولات التي حدثت في هذا السياق من العام 2000 وحتى اليوم؟ وكيف تمكن بوتين من كسب معاركه الانتخابية السابقة؟ وكيف كانت موسكو تؤثر وتتأثر انتخابياً؟ والأهم من ذلك كله، من هم منافسو بوتين اليوم؟ وما هي سيناريوهات فوز أي من المرشحين، والضوابط التي تضعها الإدارة الروسية لمنع التدخل الأجنبي في انتخاباتها الرئاسية؟ وكيف ستنعكس الانتخابات هذه على قوة روسيا وسياستها الخارجية؟

 


18 عاماً من "البوتينية"

صعد بوتين إلى السلطة في نهاية التسعينيات من القرن المنصرم، وفي فوضى سياسية واقتصادية كانت تعاني منها بلاده. فأزمة 1998 الاقتصادية كانت تقض مضاجع الروس الخارجين قبل سنوات قليلة من الاتحاد السوفياتي المنهار، وزاد من صعوبة أوضاعهم إقفال الرئيس الأميركي بيل كلينتون ولايته على خيبة أمل من الرأسمالية المنتصرة التي صبغت عقد التسعينيات بصباغها، حتى ارتد عنها أبرز مساعديه الاقتصاديين جوزيف ستيغلتز واصفاً العقد بـ"التسعينيات الهادرة" (عنوان كتاب شهير له).

ففي روسيا درج تشبيه حالة الحكم حينها بحالة بوريس يلتسين الصحية التي تأرجحت بين العصبية والسُكْر، حتى جاء وصول القيادي الشاب فلاديمير بوتين إلى الكرملين كبارقةِ أملٍ للروس الذين تعبوا من آمال التسعينيات المهدورة، ومُست وطنيتهم بالاستسلام السياسي للإرادة الأميركية.

وبسرعة، وضع بوتين المتحمس أسس حكمه على ثلاثة قوائم:

  • استعادة الأمن الداخلي المفقود التي ترجمها بحملته العسكرية لقمع التمرد الشيشاني عام 2003.
  • النهوض بالاقتصاد الوطني.
  • إعادة الاعتبار للقوة العسكرية الروسية، فاتخذ قراره في عام 2003 أيضاً بزيادة موازنة الدفاع وإعادة التصنيع العسكري الذي كان يعتبر مصدراً أساسياً للدخل القومي.

وعلى هذه القوائم الثلاث، بدأ نجم بوتين يلمع في فضاء السياسة الروسية، مستفيداً من ارتفاع أسعار مصادر الطاقة، ومنها الغاز الطبيعي الذي تعتبر روسيا أكبر منتج له في العالم، وسريعاً بدأت الأرقام تعود عليه بمردودٍ وافر من السمعة الإيجابية.

وبموازاة هذا التعافي المتدرج لروسيا، كان منسوب التنافسية بينها وبين القوى الكبرى يرتفع، خصوصاً مع الولايات المتحدة التي كانت تنشر قواعدها حول العالم، وترسل جنودها إلى أقاصي الأرض لمحاربة الأعداء ومد النفوذ وحصد الثروات في الوقت نفسه، مدفوعةً بنظريات تثبيت الأحادية القطبية المنبثقة من كل صراعات القرن العشرين التي أنهكت القوى العالمية الاخرى.

وشكّل مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007 منعطفاً مهماً بالنسبة لعودة روسيا للمقارعة في الساحة الدولية، فقد كان خطاب بوتين فيه حاداً تجاه الغرب، وطموحاً في تصوره لدور بلاده واستعدادها للدفاع عن هذا الدور، وفيه أعلن الرئيس الروسي أن بلاده تعمل على إنتاج نظام عالمي متعدد الأقطاب.

ثم ساهمت الأزمة المالية العالمية عام 2008 في إضعاف الهيمنة الأميركية، وأضرّت بقدرة واشنطن الاقتصادية عالمياً، من ناحية نفوذها العالمي. ومع أن الأضرار امتدت لتطال روسيا وغيرها من الدول، غير انها شكّلت بالمقابل فرصة لرفع الصوت في مواجهة السيطرة الأميركية على النظام الاقتصادي الدولي، واستتبع ذلك جرأة عاملية أكبر في معارضة السياسات الأميركية الأخرى.

واستكمل هذا المسار مع الأزمات الدولية التالية، التي كانت من جهة تسبب توتراً في العلاقات الدولية، ولكنها من جهة أخرى كانت تعطي فرصاً لمزيد من النزوع نحو التعددية القطبية. لكن ذلك كله كان يسير بموازاة المزيد من إمساك بوتين بالسلطة في بلاده.


لعبة كراسٍ موسيقية.. مؤيدة شعبياً

مع نهاية ولاية بوتين الرئاسية الثانية عام 2008، واجهت الرئيس عقبة دستورية منعته من الحصول على ولاية رئاسية جديدة واستكمال مشروع لروسيا. فكان أن دعم ترشيح ديميتري ميدفيديف للرئاسة، وتسلم رئاسة الحكومة حتى عام 2012. لكن ولاية ميدفيديف التي تابعت خلالها روسيا صعودها، لم تكن إلا مرآة لحكم بوتين الذي أدار البلاد من موقع رئاسة الوزراء، حتى كان واضحاً لدى العالم أن الحاكم الفعلي للبلاد هو بوتين نفسه وليس أي أحدٍ آخر.

لكن بوتين كان يشعر أن واشنطن لا تريده رئيساً، من ضمن رؤية أوسع لدورها العالمي ولأدوار القوى الأخرى. ليتهمها في 16 حزيران-مايو 2012 بالتدخل في الانتخابات ضد إعادة انتخابه، وأن هذا التدخل كان "عدوانياً جداً" ليس ضده فحسب، بل ضد دول أخرى اتهمها أنها فعلت معها الشيء نفسه. علماً أن مجلس الدوما الروسي عدّل عام 2010 الولاية الرئاسية لتصبح ست سنوات بدلاً من أربع.

ولم يكتف بذلك، بل أكد خلال مقابلة مع المخرج الأميركي أوليفر ستون لقناة NBC، أن "واشنطن تدخلت دوماً في الانتخابات الرئاسية الروسية، سواء عام 2000 أو عام 2012 حين كان تدخلها عدوانياً وشرساً جداً على نحو خاص، وإنها فعلت الشيء نفسه مع دول الاتحاد السوفيتي السابق وبلدان أخرى"، مضيفاً  إن ذلك تم من خلال الدبلوماسيين الأميركيين، الذين نظّموا وشاركوا في الاجتماعات مع قوى المعارضة الموالية للغرب حتى داخل السفارة الأميركية، وقاموا بتمويلها، كما شاركوا بقوة وفعالية في كل أنواع أنشطة المعارضة ومسيراتها، بحسب قوله.

وخلال المقابلة نفسها تساءل بوتين عن كيفية تحديد المنشأ الوطني للمنظمات غير الحكومية، على اعتبار أن هذه المنظمات غالباً ما يتم تمويلها من خلال سلسلة من "المنصات" والهياكل السرية المشبوهة والمرتبطة - سواء بوزارة الخارجية الأميركية، أو من بعض المصادر الأخرى شبه العامة. وعلى غرار ما كان واشنطن نفسها تتهم به موسكو، نفى بوتين الاتهامات لبلاده بالتدخل في الانتخابات الأميركية، معتبراً أن الأميركيين يعيشون "داخل عالمهم الخاص، وغالبا ما لا يفهمون العمليات الفعلية التي تجري في بلدان أخرى، بما في ذلك داخل روسيا ".

وعلى ضوء الاتهامات الأميركية لروسيا بالتدخل في انتخابات الرئاسة التي أوصلت دونالد ترامب إلى البيت الأبيض التي اعتبرتها موسكو "مسيسة"، تتوقع روسيا تدخل الولايات المتحدة في انتخابات آذار المقبل. وتحذر وزارة الخارجية الروسية واشنطن من هذا التدخل. وقد حذرت موسكو مما أسمتها "محاولات للتدخل المنافق" في سير الانتخابات الرئاسية الروسية، معتبرةً "الاتهامات الصادرة عن مسؤولين أمريكيين لموسكو برفض قبول ترشح بعض الطامحين لخوض الانتخابات الرئاسية الروسية، باطلة ومسيّسة، وأن التشكيك الأميركي بمدى ديمقراطية الانتخابات الروسية المنتظرة، تشكيك واهٍ."

وبالفعل، فإنه من المرجح أن ترتفع حدة الاتهامات الأميركية تجاه روسيا خلال الفترة الفاصلة عن الانتخابات، حيث يحتاج ترامب -وهو المهدد بالتحقيق معه بمسألة التدخل الروسي لإيصاله إلى البيت الأبيض- إلى نفي هذه الاتهامات عبر التشكيك بالانتخابات الرئاسية الروسية، كخطوة دفاعية أمام متهميه في أميركا.

ولكن موسكو تشعر بأن للولايات المتحدة "مرشحون" في الانتخابات الروسية، فمن هم المرشحون لهذه الانتخابات، ومن هم المدعومون أميركياً؟ وما هي فرص فوز كلٍ منهم؟


المرشحون

أقرت لجنة الانتخابات المركزية الروسية حتى اليوم ترشح ثماني شخصيات حزبية ومستقلة لانتخابات الرئاسة المقبلة. وتضم قائمة المرشحين الرئيس الحالي فلاديمير بوتين كمستقل فيما يمثل بقية المرشحين أحزاباً سياسية برلمانية وغير برلمانية.

وإلى جانب بوتين، ترشح عن الحزب الشيوعي بافل غرودينين، وعن الحزب الليبيرالي الديموقراطي فلاديمير جيرينوفسكي، وغريغوري يافلينسكي عن "حركة يابلاكا"، وسيرغي بابورين عن "الاتحاد الشعبي الروسي"، وعن حزب "المبادرة المدنية" الإعلامية المعروفة كسينيا سوبتشاك، وعن "حزب النمو" بوريس تيتوف، وعن حزب "شيوعيو روسيا" مكسيم سورايكن.

 

  • فلاديمير بوتين:

وهو الرئيس الروسي الحالي (65 عاماً)، يترشح مستقلاً، يخوض الحملة الرئاسية الرابعة له، بعد أن فاز بانتخابات عام 2000 و2004، وحصد في الانتخابات السابقة عام 2012 أصوات أكثر من 63% من الناخبين. ويدخل الانتخابات الحالية بعد تصاعد مستمر في نفوذ بلاده العالمي، ولأول مرة بعد تدخلها عسكرياً في سوريا.

وبما أنه لم يترشح باسم حزب "روسيا الموحدة"، حصل بوتين على أكثر من 300 ألف توكيل انتخابي، في حين يلزم القانون الانتخابي المرشحين المستقلين والمرشحين عن الأحزاب غير البرلمانية بالحصول على 100 ألف توكيل لقبول ترشيحهم. بينما أعفي المرشحون الآخرون من هذه المهمة لترشّحهم عن أحزاب برلمانية.

وقد أعلن حزب "روسيا الموحدة" في البرلمان الروسي، أندريه إيساييف، عن دعم الحزب ترشيح  بوتين، الذي أسس الحزب بنفسه، معتبراً ان الأغلبية المطلقة من مواطني البلاد ستدعمه، لأنها ترى فيه "زعيما وطنياً".

 

  • بافل غرودينين:

لم يكن بافل غرودينين ترشيح الحزب الشيوعي له للانتخابات الرئاسية، كما يقول هو نفسه، وهو مدير مزرعة لينين الحكومية بموسكو. ولكن الحزب كلفه بهذه المهمة بدلاً من رئيسه غينادي زيوغانوف (73 عاماً)، الذي ترشح في كل الدورات السابقة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، باستثناء انتخابات 2004، وحصد في الانتخابات الأخيرة عام 2012 أصوات 17% من الناخبين. ويخوض الحزب الشيوعي الانتخابات تحت شعار: "عشر خطوات نحو العيش الكريم".

وقد أعلن زيوغانوف أنه سيترأس الحملة الانتخابية لغرودينين، بعد ان أيدت اللجنة المركزية بالحزب الشيوعي الروسي بالإجماع ترشيحه، وانتخب رئيس الحزب رئيساً للحملة الانتخابية ومكلفاً بإعداد البرنامج الانتخابي.

 

  • فلاديمير جيرينوفسكي:

كان فلاديمير جيرينوفسكي (71 عاماً) أول المرشحين الذين سجلتهم لجنة الانتخابات المركزية رسمياً، وهو زعيم الحزب الديمقراطي الليبرالي الروسي. وهو بهذه المشاركة السادسة له في الانتخابات الرئاسية سيكون صاحب أكبر عددٍ من المشاركات. وقد حصل في الانتخابات الأخيرة على حوالى 6% من الأصوات، محتلاً المرتبة الرابعة بين المرشحين يومها.

من اللافت للنظر في مشروعه للرئاسة اقتراحه تقليص الفترة الرئاسية من ست سنوات إلى خمس، مع عدم جواز انتخاب الرئيس لولاية ثانية.

 

  • غريغوري يافلينسكي

كان غريغوري يافلينسكي (65 عاماً) أحد أبرز مؤسسي حزب "يابلاكا" الديمقراطي (يسار الوسط). ومثل زملائه الآخرين، فإن هذه الانتخابات ليست الأولى التي يخوضها، حيث شارك في ثلاث دورات سابقة. فقد احتل في عامي 1996 و2000 المركزين الرابع والثالث على التوالي، أما في عام 2012 فلم تسمح له لجنة الانتخابات المركزية بالمشاركة في الانتخابات بعد إبطال 26% من التوقيعات المطلوبة التي حصل عليها لتسجيله كمرشح.

من المهم جداً الإضاءة على نقطتين في برنامجه الانتخابي، الأولى هي وعوده بسحب القوات الروسية من سوريا في حال فوزه بالرئاسة: والثانية هي نيته "التوقف عن جميع أنواع الدعم للانفصاليين في أوكرانيا"، وتطبيع العلاقات مع الغرب، حيث لا يعترف يافلينسكي بشرعية ضم شبه جزيرة القرم لبلاده. وهو يرفع في حملته شعار: "تثق بالمستقبل، تثق بنفسك".

 

  • سيرغي بابورين:

يترأس سيرغي بابورين السياسي العتيق (59 عاماً) حزب "الاتحاد الشعبي الروسي" المحافظ الذي يتمثل في مجلس الدوما في الدورات الخمس السابقة، ويرفع في حملته الانتخابية شعار "تعزيز دور روسيا في منظمة شنغهاي للتعاون والبريكس".

 

وكان من النواب السوفييت المعارضين لانهيار الاتحاد السوفياتي، وهو من المؤيدين بشدة لسياسة روسيا الحالية خارجياً، ويعتبر من الداعمين لعلاقات بلاده المميزة مع سوريا، التي زارها وأكد منها ضرورة استعادتها لأراضيها المحتلة، ورفض العدوان الإسرائيلي عليها وعلى الشعب الفلسطيني، حيث يؤيد إقامة الدولة الفسطينية المستقلة. وتربط "الاتحاد الشعبي الروسي" علاقات متينة بحزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا، حيث يرى بابورين تقارباً عقائدياً بين الحزبين، ويعتبر أن الفترة التي تلت انهيار الاتحاد السوفياتي كانت "أياماً مظلمة" في تاريخ روسيا حيث أدت إلى "هدم للقيم وللهوية الثقافية لروسيا" تحت شعار العولمة.

ويطرج بابورين ضرورة حماية الجيل الجديد من الغزو الثقافي الغربي، والمحافظة على القيم والعادات والتراث والتقاليد الموروثة.

 

  • بوريس تيتوف:

ترشح بوريس تيتوف عن حزب النمو "روست" ("القضية العادلة" سابقاً) الذي يتزعمه، بعد منافسة على هذا الترشيح خاضها مع أوكسانا دميتروفا عضو الجمعية التشريعية لمدينة سانت بطرسبورغ والرئيسة السابقة لحزب "اتحاد القوى اليمينية" (إيرينا خاكامادا). ويمثل حزب النمو اجتماعياً طبقة رجال الأعمال الروس كحزبٍ ليبرالي محافظ.

يعتبر تيتوف أن المهمة الرئيسة لحزبه تكمن في الترويج للبرنامج الاقتصادي "استراتيجية النمو"، الذي تم إعداده من قبل "نادي ستوليبين".

 

  • كسينيا سوبتشاك:

ترفض الإعلامية الروسية المعروفة كسينيا سوبتشاك (36 عاماً) النظام السياسي القائم، وهي إبنة العمدة الأسبق لمدينة سانت بطرسبورغ أناتولي سوبتشاك،

ترفع شعار "مرشح ضد الجميع" في حملتها للانتخابات الرئاسية. وهي وإن كانت لا تنتمي إلى أي من الأحزاب السياسية، غير أنها مسجلة كمرشحة عن حزب "المبادرة المدنية" الليبرالية. ولكنها تعرضت لحملة شعواء من قبل جرينوفسكي وزيوغانوف الذي وصف ترشيحها بـ"مجرد سخرية."

وكما يافلينسكي، ترفض سويتشاك الاعتراف بشرعية ضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا، واتهمت من قبل نافالني بتزوير التوقيعات التي حصلت عليها لتسجيل ترشيحها، مشيراً إلى أنها حصلت على تواقيع 10 ألاف شخص خلال ساعة واحدة.

تعارض سوبتشاك نفوذ الكنيسة الأورثوذكسية في المجتمع، وتؤيد تشريع التحول الجنسي مجدداً، وهي من المرشحين الذين يعتبرون موالين للغرب، حيث تدعو إلى إقامة علاقات شراكة مع الولايات المتحدة وأوكرانيا، كما تدعو إلى سحب القوات الروسية من سوريا والإفراج عن "المعتقلين السياسيين".

 

  • ماكسيم سورايكن:

يخوض سورايكن الانتخابات عن حزب "شيوعيي روسيا" الذي قررت لجنته المركزية اختياره للمنافسة في السباق الرئاسي، ويحظى بدعم الجبهة اليسارية المعارضة، ويتكون برنامجه الانتخابي من أربع نقاط أساسية:

  • دعم الطبقة العاملة في لكسب الحرب الطبقية.
  • إعادة توزيع الثروة.
  • إعادة توحيد الأحزاب الشيوعية في الدول السوفياتية السابقة.
  • إعادة بناء الاتحاد السوفييتي والنظام الاشتراكي.


نافالني أبرز المبعدين

أبعدت لجنة الانتخابات المركزية المرشح أليكسي نافالني (41 عاماً) زعيم "حزب التقدم" المعارض (غير المسجل)، الذي كان يرفع شعار "مكافحة الفساد بدلاً من التسامح مع السرقة، وذلك بسبب إدانته سابقاً في ارتكاب جرائم ذات طابعٍ مالي، وهو ما يفرض بحسب المحكمة الدستورية منعه من الترشح حتى عام 2028.

ويعتبر نافالني من أبرز المرشحين المبعدين عن الانتخابات، بسبب نشاطه المعارض وأنشطته الاجتماعية المكثفة والجدل الذي أحدثه منعه من الترشح، وقد تم حبسه أكثر من مرة بتهمة مخالفة قانون التظاهر.

ورافق منع نافالني من الترشح حملةً إعلامية ورسمية غربية ضد بوتين، الذي علق على ارتدادات عدم مشاركة نافالني قائلاً: يبدو أنهم يراهنون على مرشحيهم.

وفي معرض حديثه عن الأميركيين، قال بوتين: "لا أحد يحب التدخل في شؤونه، ولكنهم بكل سرور يتدخلون في (أمور) الغرباء". اعتبر أن نافالني لم يكن هو الوحيد الذي لم يسمح له المشاركة في الانتخابات الرئاسية، ولكن لسبب ما لا يسمون الآخرين، وهذا يخبرنا عن تفضيلات الإدارة الأمريكية، وقيادة البلدان الأخرى، حول من يرغبون في تقدمه في الحياة السياسية في روسيا، من يرغبون في رؤيته في قيادة البلاد، على ما يبدو، هم الناس الذين يراهنون عليهم الذين يعتمدون عليها، وبهذا المعنى فشلوا وكشف أمرهم كان الأفضل لهم أن يصمتوا".

وإلى جانب نافالني، انسحبت المغنية يكاتيرينا غوردون التي تدافع عن حقوق النساء والأطفال. فيما بقيت غير مؤكدة مشاركة  كل من: سيدة الأعمال لاريسا رينار، ورئيس مركز التكنولوجيات الاجتماعية أندريه بوغدانوف، ورجل الأعمال سيرغي بولونسكي.


فرص المرشحين

من المستبعد إلى حدٍ كبير أن يتمكن أي من المرشحين السبعة من منافسة بوتين على رئاسة البلاد، خصوصاً في ظل النتيجة التي حصل عليها في الدورة الأخيرة عام 2012، وهي 63% من الأصوات، والتي ستوقع أن يحافظ عليها بعد تزايد نفوذ بلاده الخارجي منذ تلك الانتخابات، مواجهته المستمرة مع الغرب، التي ينظر إليها أغلبية الروس على أنها تعيد الاعتبار لبلادهم ولدورها العالمي.

ولكن لا بد لهذا التوقع أن يكون معززاً بأرقام واقعية تترجم الجو العام السائد الذي يحتاج إلى معجزة ليتبدل ضد مصلحة بوتين. فبحسب غالبية استطلاعات الرأي في روسيا يحظى بوتين بشعبية كبيرة تسمح له بحسم السباق الانتخابي من الجولة الاولى، منها استطلاع  للرأي أجراه مركز "ليفادا"، أظهر أن نحو ثلثي الروس يؤيدون إعادة انتخاب بوتين للرئاسة.

وبحسب هذا الاستطلاع فإن نسبة تأييد بوتين ارتفعت 3% منذ الانتخابات الأخيرة، ليتوقع حصوله على 66% من إجمالي أصوات الناخبين اليوم، كما أظهر الاستطلاع أن 18% من الروس يؤيدون وصول شخصيات أخرى، في حين لم يتمكن 16% من المستطلعين إعطاء إجابة. ويشير هذا الاستطلاع إلى نسبة 12% فقط ممن يؤيدون السير نحو الليبرالية. وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية يرى نحو 56% من الروس أن سياسة رئيسهم صحيحة كما هي، بينما يرى 19% منهم ضرورة التشدد اكثر مع الغرب، في حين يؤيد 13% التخفيف من حدة المواجهة.

وتتطابق نسب استطلاع آخر للرأي العام الروسي، أجراه صندوق "الرأي العام"، مع استطلاع مركز "ليفادا"، حيث يشير إلى أن حوالى ثلثي مواطني روسيا بنسبة 66% تقريباً سيصوتون لصالح بوتين، في حال جرت هذا الأسبوع (الأسبوع الأخير من كانون الثاني-يناير)، وبالتالي يكون بوتين قد تقدم بنقطة مئويةٍ واحدة عن نسب تأييده في العام الماضي، بحسب الصندوق نفسه.

وضم هذا استطلاع صندوق "الرأي العام" 53 كياناً فيدرالياً لروسيا الاتحادية من أصل 89 كياناً، حيث تم استطلاع آراء 1500 شخص في 104 مركز سكني. ولم تتجاوز نسبة الخطأ الإحصائي 3.6 %.

وبحسب الاستطلاع نفسه احتل كل من المرشح عن الحزب الليبيرالي الديموقراطي فلاديمير جيرونوفسكي والمرشح عن الحزب الشيوعي بافل غرودينين، المرتبة الثانية. وذلك بحصول كل منهما على نسبة 6 في المائة. فيما حصلت سويتشاك على نسبة 2% من المستطلعة آراءهم. يليها المرشح عن حزب "يابلوكو" (تفاحة) غريغوري يافلينسكي الذي حصل علي نسبة 1% فقط.

وفي المقابل، وفي حين تشير أكثر استطلاعات الرأي تفاؤلاً بالنسبة لمؤيدي بوتين إلى توقع حصوله على نسبة 75% من الأصوات، يظهر استطلاع رأي آخر أجراه مركز دراسة الرأي العام لعموم روسيا، أن نسبة 8% من المواطنين أعربوا عن استعدادهم للتصويت لصالح مقدمة البرامج التلفزيونية كسينيا سوبتشاك، فيما نسبة الدعم المحتمل في موسكو وسان-بطرسبورغ تزداد بمقدار الضعفين عن المستوى العام. في حين بلغت نسبة المواطنين الذين أكدوا أن اسم كسينيا سوبتشاك يعد معروفا بالنسبة لهم 98%.

وربما يكون تصريح المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديميتري بيسكوف معبراً جداً حين قال: "برأيي، ليس هناك من نضج لينافس بوتين، أو حتى يقترب من أن يكون منافسا له".


ضوابط من أجل شفافية العملية الانتخابية

تتوجس موسكو كثيراً من نوايا التدخل الغربي في انتخاباتها المقبلة، لا سيما بعد الجدل الذي أحدثته الاتهامات الأميركية لها بالتدخل في الانتخابات الرئاسية التي أوصلت ترامب إلى البيت الأبيض، وبدء توفر معطيات ملموسة على تدخل للولايات المتحدة بدعم مرشحين، الأمر الذي دفع ببوتين إلى الغمز من قناة الدعم الأميركي في معرض دفاعه عن استبعاد نافالني.

لذلك فقد وضعت موسكو مجموعة من الضوابط لحماية العملية الانتخابية، وضمان جريانها بأفضل ما يمكن. فقد حددت نفقات العملية الانتخابية بنحو 17.7 مليار روبل. وخصصت لجنة الانتخابات المركزية التي ترؤسها إيلا بامفيلوفا، زهاء 109.077 مليون روبل لتنفيذ صلاحياتها خلال فترة الانتخابات، كما سيذهب 17.176 مليار روبل إلى اللجان الانتخابية الأدنى.

وكذلك يخصص مبلغ 123 مليون روبل من المبلغ الإجمالي للهيئات الحكومية المسؤولة عن تسجيل الناخبين في مراكز الاقتراع خارج الاتحاد الروسي، وكذلك في الوحدات العسكرية الموجودة بمناطق بعيدة عن المناطق المأهولة بالسكان.

ومن الضوابط التي تعتمدها روسيا حظر تمويل الأحزاب السياسية من الجهات الأجنبية، بعد أن أدخل مجلس الدوما هذا البند ضمن القانون المتعلق بالمسؤولية عن التمويل غير الشرعي للأحزاب السياسية. ويمنع هذا التعديل الأحزاب الروسية من تلقي التمويل الأجنبي, ويحظر تلقي أي حزب سياسي أو فروعه في المناطق الروسية تبرعات من جانب منظمات غير ربحية تقوم بمهام الوكيل الأجنبي. وفي تعديلٍ آخر وافق مجلس الدوما أيضا على فرض غرامة قد تصل إلى 22 ألف دولار أميركي على كل من ينتهك قواعد تمويل الأحزاب السياسية خلال الانتخابات. بعد أن ألزم القانون المنظمات غير الربحية التي تتلقى تمويلاً من الخارج بتسجيل نفسها كـ"وكلاء أجانب".

وإلى جانب ذلك، ومنذ اليوم الأول من العام الحالي، بدأ سريان مفعول يلزم الأحزاب السياسية بالكشف عن مصادر تمويلها، ينص على تحديد حجم مبلغ رسوم العضوية، بحدٍ أعلى مسموح لا يجوز أن يفوق الـ 4 ملايين و330 ألف روبل (ما يعادل أكثر 74.8 ألف دولار). ويشمل القانون الجديد تعديلات بشأن قواعد الكشف عن الأشخاص الذين يقومون بدفع رسوم العضوية أو التبرعات المخصصة لنشاط حزب. وفي حال تجاوزت هذه المبالغ سقفاً معيناً، تحدده لجنة الانتخابات المركزية، فيتعين على الحزب في هذه الحالة، الكشف عن هذه الأموال ومن قام بدفعها، وذلك في تقريرٍ شامل.

ووأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا أن بلادها ستتخذ تدابير استباقية وستواجه بشدة محاولات التدخل في انتخاباتها، كاشفةً عن وجود معلومات حول خطط "للتدخل المدمر" لبعض الدول في الشؤون الداخلية لروسيا في سياق حملة الانتخابات الرئاسية. وأكدت أنها ستكشف هذه المعلومات للرأي العام إن اضطرت لذلك.

وبالمحصلة، فإن فوز بوتين بالرئاسة يبدو أمراً واقعاً لا بد للغرب من التعامل معه على هذا الأساس، مع تركيز النظر عن المؤيدين والمعارضين على النسبة التي سيفوز بها في محطه الرابعة من نوعها، لما لذلك من دلالات حول نسبة تأييد سياساته داخلياً وخارجياً. وقد تحدد هذه النسبة الكيفية التي سيتصرف بها الغرب مستقبلاً تجاه روسيا ورئيسها. لكن اللافت للمراقبين هو تكرار بوتين أسفه على انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، فبعد أن اعتبر انهياره أسوأ كارثة في القرن العشرين، عاد في خطابه التاريخي عن حال الاتحاد أول آذار الحالي ليؤكد أن الحدث التاريخي الرئيسي الذي ود لو كان بإمكانه تغييره هو انهيار الاتحاد السوفيتي.

لا يعتبر هذا الرأي جديداً لمن يتابع مواقف بوتين، لكن المفاجئ هنا بالنسبة للغرب، هو أن يأتي هذا الخطاب في سياق الحملة الرئاسية، ومعنى ذلك أن خطاب عودة الاتحاد السوفياتي مربح انتخابياً. وهذا عنصر جديد في الصورة.


المعرض

التعليقات