"ناتو" عربي عنوانه إيراني وهدفه سوري وتعقيداته روسية –إسرائيلية

يرى حسين موسويان؛ أحد الأعضاء السابقين في الوفد النووي الإيراني المفاوِض، أنه في حال إغلاق "مضيق هرمز" لن تكون الصين وروسيا في موقف الداعِم لطهران، بل أنهما "ستقفان إلى جانب فرض عقوبات على إيران". في الإعلام الإيراني نقاش دائم حول العلاقة مع روسيا. المراقب لهذه النقاشات يخرج بخلاصةٍ مفادها أن العلاقة بين الطرفين تتأرجح ما بين "الحليف" و "الشريك". وما بين هاتين المرتبتين تباين يبدو أحياناً "غير مفهوم" في الملفات الدقيقة، ما يدفع المراقبين لطرح التساؤلات.

تحاول واشنطن تفعيل "الناتو العربي" لحصار طهران

في الواقع، يمكن اعتبار العبارات التي استخدمها أمين عام حزب الله السيّد حسن نصر الله أكثر العبارات دقّة في وصفِ علاقةِ المحور ككلٍ بروسيا. اختصر نصرالله هذه العلاقة ذات مرة بالقول إنه "يوجد تلاقٍ بين روسيا ومحور المقاومة" في سوريا وساحات عديدة، ويوجد اختلاف في ساحات وملفات أخرى، مشيراً بطبيعة الحال إلى أن روسيا دولة كبيرة ولها علاقاتها واتصالاتها ومن بينها "إسرائيل".

لكن عاملاً هاماً يحضر بقوّة عند مُقاربة موقع روسيا من الملف السوري والمنطقة عموماً، ألا وهو حال زوال القطبية الأحادية التي كانت تقودها الولايات المتحدة بفعل صعود دول البريكس والتوتّر الذي تخلّفه سياسات ترامب مع الحلفاء في أوروبا مؤخراً.

إن استحضار هذا العامل، إضافة إلى المُقاربة التاريخية والسياسية لعلاقة إيران وروسيا تحديداً يقود حُكماً إلى فَهْمٍ أفضل لما يمكن أن تؤول إليه المواجهة "الإيرانية – الإسرائيلية" باعتبار أن العامل الروسي يحظى باحترامٍ لدى كل من الطرفين.

كما أن هذا العامل معني بطريقةٍ أو بأخرى بـ"الناتو" العربي الذي تحاول واشنطن تفعيله لحصار طهران.


ناتو عربي يُقلق روسيا لا إيران!

قبل أيام، نقلت صحيفة "سفوبودنايا بريسا" الروسية عن مُحلّل روسي قوله إن "العقدة" الإسرائيلية – الإيرانية في سوريا تهدّد بشكلٍ مباشر مصلحة روسيا في سوريا.

ويتوقّع المُحلّل أن تقوم موسكو بتقديم عرضٍ "مغرٍ"، بحسب تعبيره، لطهران كـ"أنبوب نفط أو غاز عبر العراق وسوريا إلى البحر المتوسّط"، مشيراً إلى أنه "لا يمكن لطهران أن ترفض مُقترحات روسيا الوسطية، فروسيا بالنسبة لإيران نافذة على العالم. البقاء من دون مثل هذا الرفيق المؤثّر يشكّل خسارة كبيرة لإيران؛ اقتصادياً وسياسياً على حدٍ سواء. حتى في سوريا، لن تكون لديها آفاق واسعة. فإذا ما تنازعت مع موسكو، فلن يكون لدى إيران مَن يدعمها في سوريا. ستكون روسيا من بين أولئك الذين يريدون إخراجها من هناك. إذن، إسرائيل، على الأرجح، ستحقّق هدفها".

لا يمكن بالتأكيد الاكتفاء بهذا التحليل لرسم حدود العلاقة الروسية – الإيرانية في سوريا، لكن استعراض الجانب الآخر المقابل من العلاقة الروسية – الإسرائيلية في سوريا قد يكمل المشهد.

تعتبر إسرائيل في نقاشاتها الأكاديمية أن روسيا "سمحت" في النهاية "بشكلٍ ما" في تعزيز النفوذ العسكري الإيراني في سوريا، كونها تشترك مع طهران في هدف حماية -الأسد.

معهد بيغن - السادات يذهب بعيداً في اقتراح الحلول والتوصيات، فيعتبر في ورقة بحثية أن "إسرائيل يمكن أن تكون لاعباً قيّماً في تحقيق رؤية روسيا بإنشاء حلف للأقليات في المنطقة في مقابل الأغلبية السنّية، بشرط أن تتخلّص موسكو من الوجود الإيراني في سوريا".

مرة أخرى، اعتراف إسرائيلي صريح وواضح ومباشر بأن مصلحة تل أبيب تقوم فقط على حماية أمنها، و أنها تقيم تحالفاتها بناءً على هذا الهدف.

تنطلق هذه الرؤية من مُقاربة واكبت الدخول الروسي على خط الحرب السورية، وأرجعت جزءاً من الأسباب إلى أبعادٍ ديموغرافية.

في جامعة "حيفا"مؤخراً، محاضرة حول "الأسلَمة" قارنت بين نِسَب الولادات في روسيا و الدول الإسلامية (وخاصة تركيا)، كما أدرجت النمو الاقتصادي والعسكري لجيران روسيا في قائمة المعايير التي ترسم سياسة موسكو في المنطقة.

المقاربة نفسها امتداد لقراءة تاريخية تتناول العلاقات الروسية مع جيرانها المسلمين وتفترض وجود قلق روسي من تحوّل دول كتركيا وإيران إلى مصاف الندّ، في حين أن إسرائيل لا تشكّل هكذا قلقاً خاصة لأسباب تتعلّق بالإنتشار اليهودي في روسيا و بُعدها جغرافياً نسبياً عن المجال الحيوي الروسي المباشر.

لكن إسرائيل أيضاً رأس حربة المحور الغربي في الشرق الأوسط. المحور نفسه الذي يخوض حرباً باردة ضد روسيا ويبُدي انزعاجاً من صعودها.

ومع عودة الحديث عن رغبة إدارة ترامب في إنشاء "ناتو" عربي في المنطقة تكون إحدى نشاطاته إقامة درع صاروخية، فإن موسكو ستجد نفسها عاجلًا أم آجلًا مضطرة للنظر إلى هكذا حلف بعين الريبة، ولو كان الهدف المباشر منه احتواء إيران.

وبالتالي فإن العلاقة الروسية – الإسرائيلية ستكون أكثر تحفّظاً بفعل معطىً جديد مرتبط بموقع تل أبيب من حلف "الناتو" العربي و تأثير أهدافه على المصالح الروسية البعيدة المدى في الشرق الأوسط.

واللافت أن المصادر الأميركية التي سرّبت خبر "الناتو" العربي جميعها تحدّثت عن "نسخة عربية لحلف شمال الأطلسي بنسخةٍ من الحلفاء المسلمين السنّة". هذه مقاربة غير مريحة لموسكو.

الكلام عن هذا الحلف ليس جديداً، وقد أشارت إليه واشنطن منذ مطلع العام 2017، وهو يبدو استمراراً لسياسة أميركية متراكمة، لم تبدأ في عهد ترامب.

وزير خارجية أميركا الأسبق جيمس بيكر تناول هذا الحلف في مقابلة في بدايات العام 2017، واعتبره أحد الحلول لمواجهة إيران في سوريا تحديداً، حيث أن "أي اتفاق سيتطلّب قوات دولية، ويجب أن يؤدّي عرب الخليج وتركيا دوراً أكبر في أيى مهمة لحفظ السلام، فلا تستطيع الولايات المتحدة تحمّل العبء بمفردها".

وإذا ما استرجعنا كلام ترامب في أحد لقاءاته في ولاية أوهايو في آذار مارس 2017، حين طلب صراحة من العرب "أفعالاً لا أقوالاً" حيال تغطية كلفة الحرب الأميركية في سوريا، فإن حديثه يومها وضع "الناتو" العربي في إطار الحاجة العملياتية للحرب في سوريا لا مواجهة إيران. وبالتالي فإن معاودة استحضار هذه الفكرة وربطها بإيران تبدو حاجة "تسويقية" أكثر منها "عملانية"، كون إيران هي "التهديد" الذي يقلق السعودية والإمارات حالياً.

بأية حال، فإن موقع روسيا، ومعها لاعبين آخرين كقطر الخارجة عن الطاعة الخليجية وتركيا المنزعجة من واشنطن، سيخضع لحسابات دقيقة على ضوء "الناتو" العربي – الأميركي . كذلك إسرائيل ستكون حذرة في مقاربة هذا الحلف، حتى وإن كان عنوانه العام يصبّ في حربها ضد إيران.

بناءً على ما تقدّم، فإن كل البحث حول موقع روسيا بين إسرائيل وإيران يجب أن يتركّز هنا. إن حسابات موسكو الإقليمية والدولية تفرض عليها الحفاظ على خيط توازن رفيع في علاقتها مع طهران وتل أبيب. وما يُنشر في إعلام الأطراف الثلاثة هو جزء من إرهاصات هذا التوازن المنشود، الذي ينحو بمسار تضيق جوانبه أكثر فأكثر.