صالح محروس محمد

باحث وكاتب مصري

في ذكرى حرب أكتوبر.. المقاومة الشعبية والجيش في حرب السويس كما رواها حافظ سلامة

في كتاب ملحمة السويس في حرب العاشر من رمضان (6 أكتوبر)، حقائق ووثائق للعبرة والتاريخ لمؤلّفه الشيخ حافظ علي أحمد سلامة، قائد المقاومة الشعبية في السويس، بمثابة وثيقة هامة للتعاون والتلاحُم الذي تمّ بين المقاومة الشعبية بزعامة الشيخ حافظ سلامة والقوات المُسلّحة أثناء ملحمة السويس في حرب العاشر من رمضان 1393هـ الموافق السادس من أكتوبر 1973 م، في الدفاع عن المدينة الباسلة (السويس)، ضد محاولات إسرائيل احتلالها في 23 و24 من أكتوبر 1973م.

السبب الرئيس للنصر في الحرب بعد الإعداد الجيّد للمعركة، الإرادة القويّة للمُقاتِل المصري المُصمِّمة على التضحية في سبيل الله

وضَّح الشيخ حافظ سلامة في هذا الكتاب عوامل النصر الذي تحقَّق بفضل الله، ثم بجهود القوى العربية والإسلامية  والمصرية في حرب رمضان المعظّم سنه 1393 هجرية، وأنه لم يأتي من فراغٍ أو عن طريق أسباب ميدانية ومجالات استراتيجية وتكتيكية، أو الاعتماد على السلاح الحديث التدريب العنيف للقوات المسلّحة وتشكيلاتها في الأرض والجوّ والبحر لسنواتٍ طويلة فقط، أو القوّة المادية الضارِبة لجنودنا البواسِل مهما بلغت من الكمّ والكَيْف أو قوَّة في الأداء من خلال المعركة الهائلة، ذلك كله مجرّد أسباب شكلية حتى تصل إلى أمر الله تبارك وتعالى (واعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوّكم) سورة الأنفال الأية 60. وذلك للقاء عدوٍ شرسٍ يمتلك من صنوف الأسلحة المُدمِّرة الهجومية وخبرة علماء الحرب في عصرنا الحديث، وعنده من الإمكانيات الكبيرة وتدعمه الولايات المتحدة الأميركية.

فكان السبب الرئيس للنصر في حرب العاشر من رمضان في تقديره بعد الإعداد الجيّد للمعركة، إن النصر من عند الله حيث الإرادة القويّة للمُقاتِل المصري المُصمِّمة على التضحية في سبيل الله، فالمقاتل يكون أهلاً لنصر الله أو الشهادة في سبيل الله، وبين هاتين المنزلتين لمَن يريد رضوان الله في هذه الحياة مصداقاً لقوله تعالى (ومَن يُقاتِل في سبيلِ الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً ) سوره النساء الآية 74. ويحكي الشيخ حافظ سلامة عن بطولاتٍ رائعةٍ لمُقاتلين مصريين منذ اليوم الأول للمعركة بعد العبور العظيم، الذي يُعيد إلى الأذهان موقف السلف العظيم في مُقدّمهم أصحاب الرسول الأعظم صلّى الله عليه وسلّم في الجهاد والثبات في المعركة، بقوَّة الإيمان بنصرِ الله عزّ وجلّ.

ووضّح الفريق سعد الدين الشاذلي في تقديمه لهذا الكتاب أهمية معركة السويس بين مصر وإسرائيل، والتي أوضحت مدى الترابُط بين الشعب المصري وقوّاته المُسلّحة في الدفاع عن أرضه وشرفه العسكري. ففي أعقاب نكسة 1967م كانت القوات الإسرائيلية تتمركز شرق القناة، حيث كانت المدن المصرية غرب القناة تقع في مرمى مدفعيتهم، ورغم أن القوانين الدولية تُحرِّم قصف الأهداف المدنية، إلا أن إسرائيل كانت تلجأ إلى قصف تلك الأهداف وكانت مدن القناة ومنها مدينة السويس تتحمَّل خسائر بشرية كبيرة نتيجة هذا القصف.

وكان هدف إسرائيل من ذلك هو قَهْر إرادة القتال لدى الشعب المصري وإرغامه على قبول السلام معها بالشروط الإسرائيلية، ولكن إصرار مصر على مواصلةِ القتال إلى أن يتّم تحرير جميع الأراضى المصرية من العدو المُغتَصِب، ما دفع القيادة السياسية إلى تهجير سكان تلك المدن والقرى لكي تسحب من إسرائيل تلك الورقة التي تضغط بها على مصر، وهكذا تمّ تهجير سكان السويس وكان عددهم حوالى ربع مليون نسمة. ويقول الشاذلي: "ولم يبقَ سوى بضعة آلاف كان منهم الشيخ حافظ سلامة رئيس جمعية الهداية الإسلامية، وكان إمام وخطيب مسجد الشهداء في السويس وكأن الله قد اختاره ليؤدِّي دوراً رئيساً خلال الفترة من 23- 28 أكتوبر عندما نجحت قوات المقاومة الشعبية بالتعاون مع عناصر من القوات المُسلّحة في صدّ هجمات العدو الإسرائيلي وإفشال خططه في احتلال المدينة الباسلة، فإن ملحمة السويس لم تأتِ من فراغٍ كانت نتيجة جهود بذلها الشيخ حافظ سلامة في إقامة علاقات وطيدة وأخوّة بينه وبين ضباط وجنود القوات المسلحة، حتى أصبح مسجد الشهداء مركز إشعاع ديني يلجأ إليه الضباط والجنود قبل خروجهم إلى العمليات القتالية خلال حرب الاستنزاف التي استمرت حتى أغسطس 1970".

ويواصل الشاذلي توضيح دور الشيخ سلامة في ملحمة السويس قائلاً: (عندما نجحت قوّاتنا المُسلحة في عبورها العظيم في السادس من أكتوبر، كان الشيخ حافظ سلامة ورجاله يقومون بنقل الجرحى وخدمتهم في المستشفيات، كما كانوا يقومون بدفنِ الشهداء. وعندما قام العدو بمُحاصرة مدينة السويس 23 أكتوبر ، هنا ظهرت شجاعة وقوّة الشيخ حافظ سلامة، حيث أعلن تصميمه على القتال وأيده في ذلك المؤمنون من عسكريين ومدنين، وزاد من عزمهم قرار العميد يوسف عفيفي قائد الفرقة 19 مشاة التي كانت تتمركز شرق القناة، والذي كان يقضي بدفع عناصر من أطقم الدفاع ضدّ الدبابات وعناصر الصاعقة من شرق القناة إلى مدينة السويس، وهكذا تمّ دمج العناصر العسكرية مع المدنية في نسيجٍ واحدٍ ونجحوا في الدفاع عن المدينة عندما هاجمها الإسرائيليون يوم 24 أكتوبر 1973م).

ونشر الشيخ حافظ سلامة في هذا الكتاب العديد من الصوَر والوثائق الهامّة منها خطاب اللواء عبد المنعم واصل له حيث لقّبه بالأب الروحي للقوات المسلحة، وإنه الرجل الذي له الفضل الأول في رفع الروح المعنوية الدينية للقوّات المُسلّحة، وقد وعده بإنشاء مسجد بكل وحدة عسكرية. وكتب الشيخ سلامة أن "العميد يوسف عفيفي كان من روّاد مسجد الشهداء في السويس. كما نشر سلامة في هذا الكتاب صوَر زيارات علماء الأزهر للقوات المُسلّحة وهم يلقون الدروس لحثِّ الجنود على الجهاد ومُقاتلة العدو الإسرائيلي.  منهم الإمام الأكبر شيخ الأزهر حسن مأمون والإمام الأكبر شيخ الأزهر محمّد محمّد الفحّام، وكذلك الإمام الأكبر عبدالحليم محمود ودكتور محمّد أبو زهرة ودكتور عبد الله شحاتة، وخطبهم للجنود المصريين وحثّهم على الجهاد لتحرير أرض سيناء الحبيبة من اليهود".

يحكي الشيخ حافظ سلامة في هذا الكتاب أن قصّة المقاومة الشعبية بدأت من اليوم التالي للعبور العظيم في السادس في مجال الخدمات الطبية والمعنوية. ويجمع الكتاب شهادات العديد من الشخصيات العسكرية والمدنية الذين يشهدون فيها بدور الشيخ حافظ سلامة في الدعم المعنوي والوَعْظِ الديني للقوات المُسلّحة، وكذلك مُعالجة الجرحى وتقديم المساعدات العينيّة للقوات المُسلّحة، وأصبح مسجد الشهداء في السويس رمزاً للكفاح الوطني والتلاحُم بين القوات الشعبية والقوات المُسلّحة من أجل تحرير الوطن، وظهر بشكلٍ واضحٍ في الدفاع عن المدينة الباسِلة ضدّ محاولات إسرائيل احتلالها أثناء حرب العاشر من رمضان السادس من أكتوبر.

وأكّد الشيخ حافظ سلامة في أكثر من موضعٍ في الكتاب، أهمية إعداد الجنود دينياً وجعلهم يتطلّعون لإحدى الحسنيين إمّا النصر وإمّا الشهادة، إنّ هذا النصر الذي تحقَّق هو نصرٌ من الله للمؤمنين الصادقين، فكان شعار الجنود (الله أكبر) يُزلزِل أركان العدو الإسرائيلي. وحكى في كتابه عن قصصٍ توضح وقوف الله عزّ وجلّ إلى جانب المؤمنين... وفي نهاية الكتاب نشر الشيخ حافظ سلامة قائمة الشرف بأسماءِ عددٍ من الشهداء الذين استشهدوا في هذه الحرب.