إبراهيم عبد الله العلو

كاتب وباحث سوري مختص بترجمة الدراسات والأبحاث

مصاعب الصحافة اليوم وجذورها التاريخية

تشترك اليوم بيئة الأخبار ببعض المقارنات مع عالم الأخبار في القرن الـ19. غيّرت وسائل الإعلام الرقمية سرعة ومصداقية كتابة الخبر وتدقيقه. ولدت الدوائر الإخبارية ونقص كوادر غرف الأخبار والطلب المُتعدّد والمُتزامن على المحتوى ما يُسمّيه الكاتب في صحيفة "الواشنطن بوست" بول فارهي "عصر الخطأ".

صورة تعود لعام 1899 لغرفة الأخبار في صحيفة "بلانيت" في ريشموند فرجينيا

حطم الإنترنيت اليوم حرفة الصحافة بطريقةٍ مريعة. وفي الولايات المتحدة وحدها قضى الإنترنت على أكثر من 100.000 فرصة عمل في هذا الميدان خلال العقد الماضي وتراجعت إيرادات الإعلان بمقدار 30 مليار دولار منذ عام 2004.

بدأ المحتوى الذي يحظى بالرعاية بالتنامي وطرد الكثير من المُراسلين لتزييفهم بعض محتويات تقاريرهم كما أختلقت قصص كاملة من العدم وتهاوت الثقة المُفترضة بوسائل الإعلام.

وبصفتي مُختصّاً بتاريخ وسائل الإعلام أرى الكثير من التشابُهات مع حقبة أخرى من التفاوت المريع: العصر المذهّب في أواخر القرن الـ19.

وصل سوق وسائل الإعلام في ذلك الوقت حد الإشباع حيث كانت الواردات في إنحدار والرواتب قليلة، وانغمست دور النشر في معارك التوزيع تنافس بعضها البعض للحصول على أكبر قدر من المشتركين حتى إذا تطلب الأمر ممارسات بغيضة.

وعندما قمت ببعض الأبحاث أثناء تحرير كتابي "قبل كليات الصحافة: كيف تعلّم مراسلي العصر المذهّب أصول المهنة"، علمت أن القاعدة الوحيدة التي التزم بها مُراسلو ذلك العصر هي القيام بما يلزم للحصول على القصّة حتى إذا تطلّب الأمر اختلاقها.

 


انهيار قطاع الأخبار

بعد عقود من النمو المُستدام وجدت العديد من الصحف نفسها في مأزقٍ مالي في أواخر القرن الـ19.

تلقي تقارير الطبع والنشر التي واكبت الإحصائيات القومية لعام 1880 و1890 و1900 بعض الضوء على تلك القضية: إذ أشبعت الصحف كل سوق جغرافي مُحتمَل.

ووفق إحصاء عام 1900 بلغ عدد الصحف اليومية الصادرة في أكبر 50 مدينة أميركية 451 صحيفة، أي ما يعادل تسع صحف لكل مدينة. وتنافست الصحف على شرائح متناقصة من عوائد الإعلانات.

وحتى بعض المدن الصغيرة حازت أكثر من صحيفة يومية مثل تومبستون في ولاية أريزونا التي لم يتجاوز عدد سكانها 973 نسمة وصدرت فيها صحيفتان يومياً في عام 1880.

كما عانت الصحف من خصومات مكلفة حول الأحقيّة في امتلاك وتنفيذ أحدث التقنيات في الطباعة والرسم والتنضيد.

كان امتلاك وتشغيل تلك التقانات باهظ التكلفة. إذ بلغ ثمن المنضدة السطرية (اللينوتايب) وهي آلة تنضيد ميكانيكية جديدة آئنذاك مبلغ 3000 دولار، والأهم من ذلك أنها احتاجت لفنيين مَهَرة ينتمون إلى نقابات العمال لتشغيل تلك الآلات. ولم يكن بالإمكان طرد هؤلاء الفنيين بسهولة مثل الصحفيين الناشئين الذين لقّبوا بالأشبال.

ومن أجل خفض التكاليف وظّف الناشرون صحفيين مُبتدئين ولكن لم يوفّروا لهم التدريب المُلائم.

لم يكن هؤلاء العمال موظفين دائمين وخلال فترات تراجع الأخبار يقوم المّحررون بصرف أولئك المراسلين كما تعاملوا معهم بنظام المساحة، ما يعني أنه كلما كانت القصة أطول يحصل المراسل على علاوة أكبر.

بدأ مدراء الأخبار بتوظيف نساء أكثر عن ذي قبل ولكن إحصائيات بيانات الحرفة المُتراكمة تشير إلى أن تلك النسوة تقاضين ما معدّله 312 دولاراً في العام سنة 1900 أي أقل من نصف مرتّبات الرجال.

توقّع رؤساء التحرير أن الصحفيات اللواتي يحرّرن الأنباء الناعمة في صفحات المجتمع سيجذبن إعلانات أكثر ونسبة أكبر من المتابعات الإناث. واستغلّوا المراسلات في تنفيذ "فتيات الصرعات".

وهو تعبير استخدم للمراسلة الصحفية التي تقوم بمغامرات صحفية خطيرة.

 

 


الصحفية المُتنكّرة نيللي بلاي

ومن أشهر تلك الصرعات المراسلة المُتخفّية نيللي بلاي التي دخلت ملجأ للمجانين وبدأت بالكتابة عن تلك التجربة.

الإجرام الصحفي تابع الرجال والنساء الإنخراط في قطاع الأخبار رغم المتاعب والمصاعب المُحيقة به. قدّرت مطبوعة "الصحفي" أن أكثر من 100.000 شخص بحثوا عن فُرَص عمل جديدة في ذلك القطاع عام 1889.

توجّب على الأشبال المراوغة للاستمرار في غرفة الأخبار في العصر المذهّب وإن تطلّب الأمر الابتعاد عن أخلاقيات المهنة وآدابها. وقد يؤلّفون أخباراً كاذبة أو يركّبون أحداثاً معيّنة وربما يتخّلون عن مهام مُستغرِقة للوقت يكلّفهم بها بعض المُحرّرين. وربما يشاركون أعمالهم مع صحف أخرى منافسة في تكتيك يُسمّى "الاستقصاء الصحفي المشترك".  

لم يتوافر في تلك الحقبة تعليم جامعي مُتخصّص في الصحافة إلا في عدد قليل من الجامعات، ولذلك تعلّم الأشبال كيفية إتقان تلك الاستراتيجيات عبر مراقبة الصحفيين المُحنّكين وشهدوا أحياناً اختلاقات مهولة. وثّقت فلورنس كيلي وهي صحافية سابقة في بوسطن جلوب إحدى تلك الاختلاقات التي قام بها أحد زملائها في مذكّراتها المنشورة عام 1939.

قام زميلها بعد إجراء بعض البحث في المكتبة العمومية وإعداد مقابلة مع قبطان سفينة وَهْمي بتأليف قصّة عن إنفجار بركاني في مكانٍ ما من جنوب المحيط الهادي. ثم باع القصّة لصحيفة الجلوب. قامت الجلوب بعدها ببيع القصة للصحف الأوروبية التي باعت القصّة لاحقاً لصحف أميركية أخرى.

وبالتالي فقدت القصّة مصداقيّتها ولكن زميل كيلي تمكّن من المحافظة على وظيفته بالقول إن تلك القصة مُرتكِزة على روايات حقيقية لثورانات واقعية. واستخدم ما كسبه من المال لشراء تذكرة قطار. تجميع قصّة انتشرت الأخبار المُزيّفة بشدّة وخمّن مقال نُشِر في عدد من صحيفة "الصحفي" عام 1892 أن معظم القصص الإخبارية الموردة للصحف عبر مكاتب الأنباء المحلية وروابط الصحافة كانت خيالية.

صنعت بعض القصص من وحي الخيال ولكن البعض الآخر مثل تركيب القصص استدعى بعض التخطيط المُتعمّد. وصف صموئيل بلايث تكشّف مثل تلك الحكايا المسلسلة في سيرته الذاتية المعنونة:"صنع رجل صحافة" عام 1912. عمل بلايث في ذلك الوقت لصحيفة في مدينة بوفالو في ولاية نيويورك.

قام أحد المُراسلين المُخضرمين في الصحيفة بشراء يد وذراع جثة من طالب في كلية الطب. قصّ بعض الأصابع وقطعّ الذراع إلى عدّة أجزاء. ثم ألقى الأصابع في قناة قريبة وعاد إلى غرفة الأخبار وكتب خبراً عن اكتشاف أحد الأصابع. يقول بلايث " تكهّن بشكل مُغرِق في التفاصيل عن مصدر الأصبع المُحتَمل ولمن يعود ولماذا لم تبلّغ الشرطة عن فقدان رجل". عثر على أوصال أخرى في الممرات المائية وتتالت القصص إلى أن بدأت السلطات بالتحريات اللازمة.

كتب المراسل في ذلك الوقت القصة الأخيرة حيث فضح الخدعة وانتقد الشرطة لتأخّرها في القيام بما يلزم. عصرنا "عصر الخطأ" لم تكن هذه الممارسات الأثِمة استثنائية في غرف الأخبار بمعايير القرن الـ19. حيث ناقشها المراسلون العاديون علانية مع زملائهم ولم يبلّغ أيّ منهم عنها لرؤسائهم.

وحثّت إقتصاديات الصحف وولوج التقنيات الحديثة على ذلك السلوك. واليوم تشترك بيئة الأخبار ببعض المقارنات مع عالم الأخبار في القرن الـ19. غيّرت وسائل الإعلام الرقمية سرعة ومصداقية كتابة الخبر وتدقيقه. ولدت الدوائر الإخبارية ونقص كوادر غرف الأخبار والطلب المُتعدّد والمُتزامن على المحتوى ما يُسمّيه الكاتب في صحيفة "الواشنطن بوست"  بول فارهي "عصر الخطأ".

وفي غياب المُراقبين الرسميين على الإنترنيت تمكّن مختلقو الأخبار الكاذبة ومروّجوها من نشر أكاذيبهم ودحر الأخبار الشرعية. وربما جاء أفضل نصح يخصّ السلوك الأخلاقي للمراسلين والصحفيين اليوم من القرن الـ19. وبعد أن نجح في تدريب صحفي وهو إبن 14 سنة وأصبح مديراً إخبارياً مؤثّراً كتب موسيس كوينسبيرج "الوصايا السبع لرجل الأخبار" حيث قال "يجب أن يسعى الصحافي في كل وقت وتحت أيّ ظرف لخدمة القارئ بغضّ النظر عن أيّ شخص آخر".

 

الدكتور: راندال سمبتر

أستاذ الإتصالات في جامعة تكساس

Think journalism’s a tough field today? Try being a reporter in the Gilded Age