إبراهيم عبد الله العلو

كاتب وباحث سوري مختص بترجمة الدراسات والأبحاث

كيف أفسدت الرأسمالية علاقتنا بالبكتيريا

يتمّ تشجيعنا على التفكير بالبكتيريا كوحدات تهدّد نظافتنا المعزولة والمستقلّة ما أدّى إلى علاقة محدودة وخطرة مع البكتيريا.

ثمّة أمور منطقية عديدة تشجّع المستهلكين على إنفاق 65 مليار دولار سنوياً على مواد التنظيف المنزلية.  ولكن الآليات غير العقلانية لا تزال تسيطر على سوق المُنظّفات وغيرها.

تتبع إعلانات منتجات النظافة المحلية نفس المبدأ البسيط والهائل القوّة في  الوقت ذاته: يحوم خطر التلوّث البكتيري حولنا بكثرةٍ وبذا توفّر المواد المُضادّة للبكتيريا مثل السوائل والصابون والرغاوي والمساحيق والهلام الحماية منها.

ويتمّ تشجيعنا على التفكير بالبكتيريا كوحدات تهدّد نظافتنا المعزولة والمستقلّة ما أدّى إلى علاقة محدودة وخطرة مع البكتيريا.

خُذْ على سبيل المثال طريقة تصوير البكتيريا المُتخيّلة. وبالرغم من إمكانية تصوير البكتيريا –كما تتوافر صوَر رائعة لها- ولكنها لا تتوافر إلا في الأطر العلمية والطبية.


أمّا بالنسبة إلى بقية البشر فلا تظهر بصورة واقعية. وبدلاً من ذلك تحضر إلينا عبر مصفاة إعلانات المواد المقاوِمة للبكتيريا. ويا لها من مصفاة. أظهرت تحليلاتنا لصوَر الإعلانات عن البكتيريا من عام 1848 حتى الوقت الراهن وجود أربعة مفاهيم عريضة. يظهر تفهّم هذه الأعراف كيفية تعرّض علاقتنا بهذا الحيّز الأساسي من المنطقة الإحيائية الأرضية لرغبات وغايات مُصنّعي مواد التنظيف.

1-البكتيريا اللطيفة:

البكتيريا لطيفة. صغيرة وحسّاسة وأشبه باللعبة. عيونها كبيرة وأطرافها دقيقة. وقد يكون ذلك مُستغرباً بالنظر لإعلانات مُضادّات البكتيريا التي تحثّنا على قتلها بالمليارات.

ولكن للطافة تأثيرها الغريب على المشاهد. نحن نرغب بلمس والإمساك بالأشياء اللطيفة وحمايتها مثل لعبة رقيقة.

ولكن الشيء اللطيف يستدعي طيفاً من العواطف الثانوية السلبية:

العجز والشفقة والتواجد الفائض مما يستحضر مجموعة من ردود الأفعال الثانوية المُعقّدة:

الامتعاض من التلاعُب وهوان الأشياء اللطيفة والاشمئزاز من رخصها.

وقد يترافق الحُكم على شيء ما باللطف رغبة بلمسه والإمساك به والسيطرة عليه وتحطيمه ، وبتعبير آخر شيء ممتع وبغيض في الوقت ذاته.

ولا غرابة في ذلك إذاً أن ما يمكن اعتباره الأكثر لطافة في جماليات المستهلك- النساء والتكنولوجيا والأطفال- هم من يعتبر خطراً  بالفطرة وبحاجة للضبط. ولكن  اللطافة تضعها عادة كأشياء من دون الاعتبار الأخلاقي ، وبالتالي لا نشعر بالندم في القضاء عليها.

2- البكتيريا المُتزاحِمة:

ثانياً لا تأتي البكتيريا فُرادى أو مثاني ولكنها تزدهر بالمليارات. وقد يكون ذلك مُرعباً ويُحرّك مخاوفنا من الاكتظاظ المُتزايد. ولا يعتبر ذلك محض صدفة- تزامن النمو السكاني الحضري الكبير خلال القرن التاسع عشر  مع حقد على المعرفة البكتيرية التي كسبناها بفضل المجهر.

وهذه اللوحة لإمرأة مرعوبة من محتويات صورة الشاي الذي تحتسيه تعود إلى فترة من الزيادة السكانية الأسية في لندن مع بزوغ اقتصاديات مالتوس في الوقت الذي كان فيه نهر التايمز مصبّاً مفتوحاً للمجاري. كان تجميع عدّة أنواع من أشكال الحياة في أماكن ضيّقة في كون مصغّر مثار دهشة النظام الاجتماعي الاقتصادي المُتخيّل المُهاب.

لا يزال هذا التزاوج المحفوف بالقلق بين الزيادة السكانية وتضاعف أعداد البكتيريا يستثار في تخيّل البكتيريا المعاصرة. تعيش البكتيريا بتقارب مكشوف مع بعضها البعض وحميمية استهانت بقوّة الحداثة ولعنة لقبضة العلم والتحكّم المدني. ويعني تحشد تلك العوامل أن البكتيريا أصبحت وستستمر مصدراً للخوف حول التزايد السكاني والهجرة والتأثير المُفسِد للعيش بالقرب من ملايين البشر الآخرين.

3- البكتيريا الفقيرة:

ثالثاً (وهذا عامل وثيق الصلة) تعيش البكتيريا في درن وفاقة وجلدها لزج وجلودها وأسنانها قذرة وثيابها رثّة ونجسة وهي مجرمة.

ولذلك تنافر كبير مع المستهلك الذي يستخدم منتجات مضادّات البكتيريا. فالبكتيريا ذات رتبة دنيا وقذرة  وبليدة بينما الشخص المعادي للبكتيريا من طبقة وسطى ونظيف ومنغمس بحياته اليومية.

4-البكتيريا الجنسية:

رابعاً يبدو أن البكتيريا لا تأخذ بعين الاعتبارالسلوكيات والأدوار الجنسية "الملائمة". يرتبط الأشخاص الذين لا يستخدمون منتجات مضادّة للبكتيريا بسلوكيات جنسية منحلّة وغير مُنتجة.

وصوَّر أحد الإعلانات عام 2010 إمراة برداء أحمر نائمة في زقاق مظلم على كومة من أكياس القمامة وتحتها عبارة" لا تذهبي للسرير وأنت قذرة". وهذا دمج للفوضى الجنسية مع الفوضى البكتيرية التي تتعارض مع العائلة المركزية البيضاء بياض الثلج.

ويصوِّر إعلان آخر البكتيريا المعاملة بمضادّ البكتيريا كشوّاذ نمطيين بعبارة"لا تستطيع الجراثيم التناسل". ويظهر آخر الرجل التقليدي من الطبقة الوسطى محاطاً بآثار ضئيلة من بكتيريا آخرين استخدموا المرحاض قبله بمن فيهم مُتخنّث.

ويجب ألا ننسى دعاية الحرب القديمة التي تنبّه الجنود لعدم الاقتراب الجنسي من النساء اللواتي عانين من الأمراض البكتيرية.

يماثل هذا المشهد لظهور البكتيريا في الثقافة العامة رسماً لحالنا. وتظهر أبحاثنا أن البكتيريا هي نوع من آلية مخاوف لما قد نكون ومظاهر لذواتنا ومجتمعنا الذي يصعب علينا مواجهته بشكل مباشر.

وللأسف كان لذلك التخيّل آثارا كارثية على كوكبنا وعلى الأشياء التي نعيش عليها والتي تشملنا مع البكتيريا. لقد "علقنا" بعضنا ببعض: حيث يوجد  خمسة ملايين تريليون تريليون بكتيريا على هذا الكوكب ولو كانت كل واحدة منها بحجم بني(قطعة نقدية صغيرة)لامتدت الحزمة على مقدارتريليون سنة ضوئية.

وهي كائن قديم معقّد. ولكن مفردات الخوف والجزع والقرف المرئية كانت فعّالة في بيع منتجات  مضادّة للبكتيريا على مدى قرن من الزمن وأوصلتنا إلى طريق بيئي مسدود. ويعتبر الإفراط في استخدام المضادّات الحيوية أكبر إثبات واضح لفشل  نهج تشويه سمعة البكتيريا وإتلافها والذي نتج من التفكير المعادي للبكتيريا وأدّى إلى فشل سوقي يقدّره البعض بما يفوق التغيّر المناخي.

تبزغ الحاجة لتفهّم جديد كلياً للبكتيريا كعالم يتوجّب علينا العيش ضمنه ولا يمكن التفكير بالهروب منه. والخطوة المهمّة في ذلك الاتجاه هي شرح طُرُق التفكير المدمّرة عن البكتيريا والتي حالت بيننا وبين تلك الكائنات التي تشاركنا المسكن على هذا الكوكب.

 


المصدر : the conversation / الدكتورة نورا كامبل والدكتور كورماك دين