تركيا العدو الجديد للعرب: هل يُغيّر الغاز في اصطفافات محاور المنطقة؟

فجأة قرّرت تركيا التنقيب عن الغاز حول قبرص، بعد أن كان مقرّرا أن تبحث عن موارد الطاقة في البحر الأسود في شهر شباط فبراير الحالي. لا يمكن تحييد القرار التركي المثير للجدل عن تحوّل هام حدث قبل أيام في المنطقة بإعلان سبعة أطراف، هي مصر وقبرص واليونان و"إسرائيل" وإيطاليا والأردن والسلطة الفلسطينية، تأسيس "منتدى غاز الشرق الأوسط".

هل يُغيّر الغاز في اصطفافات محاور المنطقة؟
هل يُغيّر الغاز في اصطفافات محاور المنطقة؟

مفاعيل هذا المنتدى تتجاوز كل التحالفات في المنطقة وستؤثّر على كافة أوضاعها، بما في ذلك الحرب السورية والاستقرار في لبنان.

المنتدى الذي يتّخذ القاهرة مقرّاً له، سُرعان ما لفت الأنظار إليه من بقية دول المنطقة، وفي طليعتها تركيا التي بلغ الحد بإعلامها وصفه بأنه "مُعادٍ" لها.

للوهلة الأولى، يمكن تعداد الملاحظات التالية على هامش المنتدى قبل نقاش انعكاساتها وأهدافها:

  • وجود "إسرائيل" في أيّ إطار إقليمي يطرح بطبيعة الحال تساؤلات بديهية لدى اللاعبين الإقليميين الذين يُعادونها. ماذا يعني دمج الإحتلال في كيان إقتصادي إقليمي بهذه الحساسية؟
  • وجود الأردن و مصر ضمن المنتدى، وإعطاء القاهرة تحديداً راية قيادته في الظاهر، لا يمكن مُقاربته من دون الاستنتاج بأن السعودية راضية عنه، وهي تمتلك نفوذاً وحضوراً غير مباشر فيه. سؤال آخر بالنسبة للمحور الذي تُعاديه السعودية في المنطقة.
  • يستثني المنتدى أطرافاً لها وزنها إقليمياً ودولياً، وفي مقدّمها قطر. كما أنه لا يُريح بالتأكيد لبنان وسوريا الطامحين للتنقيب عن الغاز والنفط. تحييد هكذا لاعبين لا يقتصر على الجانب السياسي، فالمنتدى بحسب ما مُعلَن يهدف إلى إنشاء سوق إقليمية للغاز وتقديم أسعار تنافسية!

وبما أن الاقتصاد لا ينفصل عن الأمن القومي والنفوذ، أجمعت آراء المُراقبين في أنقرة على أن خطوة الأطراف السبعة تتعمّد عن قصد الاتفاق على توزيع ثروات المتوسّط من دون العودة إلى مؤثّرين رئيسيين.

هذا التطوّر يدفع بتركيا إلى المُسارعة لعقد مؤتمر دولي حول الغاز في المتوسّط والمُطالبة بترسيم الحدود وتسليط الضوء من جديد على ملفات إشكالية  لطالما رسمت حدود التحالفات الإقليمية، عِلماً أن التصريحات الصادرة عن القاهرة لا تخفي حقيقة أن المنتدى سيعني تحوّل مصر بديلاً من تركيا إلى مصدر أساسي للطاقة.

ومن الجدير ذكره أن المُنتقدين للمنتدى يشيرون باستغراب إلى ضمّه الأردن، الذي لا يمتلك إطلالة على حوض البحر المتوسّط، ما يؤكّد المخاوف من أن الهدف من المنتدى سياسي لا إقتصادي.

أما من منظور لبناني وسوري، فالمنتدى يعني فتح الباب، وبغطاء إقليمي ودولي، أمام إسرائيل لإستثمار الثروات البحرية قبالة سواحل فلسطين المحتلة، من دون الوقوف عند مصالح بيروت ودمشق، وهو بالتالي يغذّي مشاعر العداء والتصادُم ويزيد سبباً إضافياً إلى الصراع الساخن عند الجبهة الشمالية لإسرائيل.

وبالعودة إلى الدلالات العملية لإنشاء المنتدى، فإن المُعلَن حتى الساعة إنه يهدف إلى تصدير الغاز و إعادة تصديره إلى أوروبا من خلال شبكة إمدادات وبنية تحتية عابرة للحدود. وهذا لا يعني أن تركيا وقطر ولبنان وسوريا هي فقط المُتأثّرة بالقرار، بل ستجد روسيا نفسها قريباً معنية بالتعامل مع المنتدى، بعد أن كانت موسكو في صلب الخطط التركية لنقل الغاز من الأناضول إلى أذربيجان فأوروبا، فضلاً عن خط إمداد آخر مباشر من تركيا إلى روسيا فأوروبا.


إعادة تشكّل التحالفات؟

 أمام الواقع المُستجدّ الذي يفرضه المنتدى المُستحدَث،  تُلزِم المُعطيات العملانية لتحقيق أهداف المنتدى ومصالح بقيّة الأطراف المُستبعَدة منه الجميع بالعوامل التالية:

  • يستغرق بناء خط الأنابيب الرئيسي لمشروع الدول السبع ست سنوات في حد أدنى، وهو بحاجة لـ"رضا" تركيا التي ترفض بالتأكيد مرور خط أنابيب منافس في منطقتها الإقتصادية البحرية أو عبر مياه قبرص التركية.
  • يدعم الإتحاد الأوروبي في العَلن المنتدى، من دون مُراعاة العامل الروسي، بل تعتبر المفوضية الأوروبية أن المنتدى الجديد هو حل لتقليل اعتمادها على روسيا أو تركيا كمصدر للغاز.
  • يفتح المنتدى الباب واسعاً أمام دمج إسرائيل في السوق الإقتصادي للشرق الأوسط، بل الذهاب بعيداً في تطبيع العلاقات معها تحت عنوان "الحاجة" و"المصلحة". هذا يعني أن الحصار الذي يستشعره السوريون واللبنانيون، ومن خلفهم الإيرانيون، سيزداد تأثيره على الوعي الشعبي لدى هذه الأطراف جميعها، كما على مستوى قياداتها السياسية. عِلماً أن "إسرائيل" باتت تعامل مع التهديدات البحرية الممكنة صوَرها من أعدائها على أنها خيار شديد الإحتمال في سياق الصراع الدائر، وبالتالي فإن حدود أي "إشتباك" (سياسي أو عسكري) يشمل أياً من منصّات الغاز الإسرائيلية في المستقبل أو أية قطعة من بنيتها التحتية سيستحضر بالتأكيد استنفاراً دولياً، ولن تبقى حدوده ضمن الشرق الأوسط.
  • على الرغم من أنها تبدو خارج الاصطفافات، فإن الولايات المتحدة الأميركية تمتلك مصلحة مباشرة في دعم "المنتدى" ذلك أن الترتيبات التفصيلية تخدمها مالياً، إذ تمتلك شركة أميركية الحصّة الأكبر من حقل مصري ضخم، كما أن المنتدى يشكّل فرصة إضافية لواشنطن للحد من تأثير موسكو في المنطقة، وهو بالتأكيد يعزّز نفوذ حليفتها الصغرى "إسرائيل". وفي السياق نفسه، كشف "سيمون هندرسون" خلال تقرير نشره معهد "واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" أن الموقف الرسمي السعودي "مُهتّم" باستبدال النفط بالغاز، وأن المرور بمصر قد يكون أفضل حل لكل من "إسرائيل" والسعودية للتبادل في ما بينهما.

منذ العام 2015، تتوالى اكتشافات مصر في حقول الغاز ضمن حدودها. ومن المؤكّد أن الأزمات الإقتصادية الكبيرة التي تعانيها القاهرة تدفعها إلى محاولة لعب دور محوري في مشروع مثير للجدل والتوتّرات كـ"منتدى الغاز".

لكن المتضرّرين من المنتدى ليسوا بأرقام خفيفة، بل إن تركيا لطالما هدّدت باستخدام القوّة العسكرية لمنع السفن من التنقيب بالقرب من حدودها أو قبالة سواحل اليونان.

كما أن روسيا التي حاولت سابقاً إحتواء السعودية وبناء مصالح تجارية معها لا يمكنها الترحيب بالمنتدى الإقليمي – الدولي، بل هي ستنظر إليه بعين الرّيبة وستجد نفسها مدفوعة لإنشاء أو تعزيز تحالفاتها مع الأقطاب الأخرى، وفي طليعتها تركيا وإيران.

أما بالنسبة إلى سوريا ولبنان فإن العامل الإسرائيلي يضعهما في خانة المعني المباشر بمتابعة أهداف "المنتدى" المُعلَنة وغير المُعلًنة، مع الإشارة إلى أن الكثير من الآراء الإقتصادية تعتبر أن الناتج التجاري منه لا يمكن مقارنته بأية حال بخطط ومشاريع تركيا تحديداً شبه الجاهزة للعب دور مصدر الطاقة الرئيسي في الشرق الأوسط. ناهيك عن أن مصر والأردن واليونان تعاني هشاشة في أوضاعها الداخلية، واستكمال مشاريع ضخمة بحجم ما يطمح إليه الأميركيون أو السعوديون أو الإسرائيليون يحتاج حُكماً إلى استقرار مفقود في هذه المنطقة من العالم.

فهل يُحسن رجب طيب أردوغان وحكومته استغلال التهديد – الفرصة ليعزّز نفوذه في الشرق الأوسط، أم تطغى المُقاربة التركية المتوتّرة تاريخياً في معالجة العلاقات مع قبرص واليونان على صوت اللعبة الدبلوماسية؟

الأرجح أن أردوغان، الذي استغلّ قضية "جمال خاشقجي" ليدفع بالسعودية إلى طلب رضاه ويُعيد ترتيب علاقاته مع واشنطن، سيرفع من السِجال الإعلامي حول "منتدى غاز الشرق الأوسط" حتى قبل انطلاق أعمال بناء مشاريع هذا المنتدى، وقبل انتقاله من الورق إلى أرض الواقع.