العلاقة الروسية الاسرائيلية .. تقارُب ضمن أُطر استراتيجية مُتباعِدة

فُرَص استثمار نتنياهو في السياسة واللعب على حبال المُتغيّرات، لن يُحقّق له أيّ مكسب على المستويين السياسي أو العسكري، وعليه فإن عَجَلة التنسيق بين سوريا وروسيا وإيران في المستويات كافة، تسير بوتيرةٍ مُتسارِعة، وستطحن الأحلام الإسرائيلية.

  • العلاقة الروسية الاسرائيلية .. تقارُب ضمن أُطر استراتيجية مُتباعِدة

ضمن النظريات المُتعلّقة بتأمين العُمق الاستراتيجي، تسعى إسرائيل إلى إنشاء شبكة تحالفات إقليمية غير مُعلَنة، تضمن بها الدخول إلى صُلب الحرب الوقائية للدفاع عن أمنها القومي، فضلاً عن نقل المعركة إلى خارج الحدود الإسرائيلية، مع الأخذ بعين الاعتبار إنشاء مناطق آمِنة تُشكّل عائِقاً عسكرياً في أية حرب مستقبلية، مع الاعتماد على جُملةٍ من الإجراءات الدفاعية التي يتطلّب تحقيقها تنفيذ هجوم استباقي لتحقيق نصرٍ سريع، لكن بروز العديد من المُتغيّرات الإقليمية لا سيما الحرب على سوريا، واقتراب الدولة السورية ومحورها المقاوم من حَسْمِ هذه الحرب، والانتقال من الدفاع إلى الهجوم، باتت إسرائيل في عين العاصفة السورية، ما شكّل تهديداً حقيقياً للوجود الإسرائيلي في المنطقة، وعليه تبدَّلت الاستراتيجية الإسرائيلية وانتقلت من مرحلة الهجوم الاستباقي وفق نظريات نقل الحرب إلى خارج الحدود، إلى مرحلة الدفاع ومحاولة استجداء الحلفاء المشتركين، لبلورة استراتيجية تضمن الحد الأدنى من الأمن الإسرائيلي في الداخل والمحيط ، فالحرب على سوريا وتداعياتها لم تكن كما تشتهي إسرائيل، بل على العكس، حيث أن تداعيات هذه الحرب ومُنعكساتها أدّت إلى بروز قطبٍ روسي يوازي في قوّته السياسية والعسكرية القطب الأميركي، فضلاً عن تعاظُم قوّة محور المقاومة من إيران إلى العراق مروراً بسوريا  ووصولاً إلى حزب الله، هنا وجدت إسرائيل نفسها في مرحلة انعدام الخيارات، لتبدأ بذلك فصلاً سياسياً وعسكرياً جديداً، لكن بالتنسيق مع روسيا الحليف القوي للدولة السورية، من أجل الوصول إلى صيغة تُبدِّد القلق الإسرائيلي جرّاء الانتصار السوري والتواجد لإيراني في سوريا.

 

 

تصعيد إسرائيلي في السياسية

شهدت العلاقات بين روسيا وإسرائيل تقارباً وتنسيقاً عالي المستوى، وتحديداً في القضايا المتعلّقة بالشأن السوري، ترجمته الزيارات المُكثّفة لـرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى موسكو،  لكن عقب إسقاط إسرائيل للطائرة الروسية قبالة السواحل السورية في أيلول من العام 2018، شهدت العلاقات بين البلدين توتّراً مُتنامياً وصل إلى حد القطيعة السياسية والعسكرية، ليعود التواصُل بين البلدين لـضرورة التطوّرات التي شهدها الشأن السوري، والتي تستدعي تدخّلاً روسياً يكون ناظِماً للحماقات الإسرائيلية في سوريا، فقد جاءت الزيارة الأخيرة لـنتنياهو إلى موسكو، لـتعكس عودة المياه إلى مجاريها، لكن مع عدم المساس بما تمّ تحقيقه سورياً، حيث أن ساحة التفاعُلات في الحرب على سوريا، عكست مؤخّراً ضرورات إسرائيلية لابدّ من معالجتها، فـالحضور الإيراني في سوريا وما يُشكّله من قلق لإسرائيل، إضافة إلى تداعيات القرار الأميركي بالانسحاب من سوريا، ثم تعديل صيغة الانسحاب بعد ضغط اقليمي ودولي على إدارة ترامب، مع تصوّر إسرائيلي بضرورة ربط الانسحاب الأميركي من سوريا مع الانسحاب الإيراني، كل هذه المُعطيات فرضت على إسرائيل ممارسة ضغط سياسي تجاه موسكو حليف دمشق، من أجل العمل سويةً وتفعيل الرؤى التي نسجتها إسرائيل، خاصة تلك المتعلّقة بضرورة إخراج الإيراني من سوريا، أو التغاضي الروسي عن الاعتداءات الإسرائيلية ضد القواعد السورية والإيرانية مع تحييد منظومات S-300.

 

الوَهْم الإسرائيلي وضرورة البناء عليه.

إضافة إلى ما سبق من ضرورات أنتجتها تداعيات الانتصار السوري، والعمل الإسرائيلي المتعلّق باحتواء نتائج تعاظُم قوّة محور المقاومة، برز وَهْم إسرائيلي قوامه حدوث خلاف  استراتيجي بين روسيا وإيران، وتضارب للمصالح في سوريا، وعليه بات هذا المُتغيّر الوَهْمي ضمن الرؤي الاستراتيجية لإسرائيل ولابدّ من استغلاله والعمل عليه، بل وتعميقه، حيث أنه ووفق النظرة الإسرائيلية ومع اقتراب الحرب السورية من نهايتها، لا موجب للتعاون بين روسيا وإيران، بل على العكس، فقد سوَّقت إسرائيل وساستها ومراكز أبحاثها نظريات جديدة تعتمد على الزجّ بالمُتغيّرات الدولية والاقليمية ضمن أطر تتّخذ من النفوذ والسيطرة منهجاً، بُغية تكريس نظرية "إيران فوبيا"، مع إيصال رسائل مفادها أن النفوذ الإيراني في سوريا والمنطقة قد يُشكِّل عائقاً أمام التفوّق الروسي، وبهذا تتمكّن من زرع إسفين بين العلاقات الروسية الإيرانية، كما اتّخذت إسرائيل جانباً آخر يتعلق في سياق الاستراتيجية الروسية في سوريا، والبناء على التميّز الروسي في القدرة الذكية على التحكّم بالمُتغيّرات الدولية والاقليمية، والسياسة الروسية القادِرة على احتواء كافة الأطراف الفاعِلة في الشأن السوري، الأمر الذي يمكن ترجمته بحسب الأهواء الإسرائيلية واقعاً يؤدّي إلى التعاون المشترك على ما يُشكّل تبديداً للهواجس الإسرائيلية.

 

ضمن منظومة العلاقات الدولية والإقليمية، لا يوجد تقارُب بالمُطلَق، بمعنى أن تضارُب المصالح واردٌ جداً، لكن الأهم ضمن هذه المنظومات هو شكل الاستراتيجية المُعتمَدة في تلك العلاقات، سورياً، لا شك بأن التقارُب الإيراني الروسي ليس كاملاً بمعناه السياسي، جاء هذا نتيجة تبايُن المصالح بين الطرفين  ورؤية كل طرف للحل في سوريا، لكن العلاقة بين روسيا وإيران تأخذ طابعاً استراتيجياً يُبحر بالبلدين بعيداً عن أيّ توتّر أو اختلاف جوهري يكون سبباً في ضرب التنسيق بينهما خاصة في الشأن السوري، وبالنظر إلى مُقتضيات المصالح الجيوسياسية نجد أن روسيا وإيران يجمعهم الكثير من العناوين الرئيسية الناظِمة لمسار التطوّرات في الشرق الأوسط ، وعليه فإن إيران لا ترى حَرَجاً في الحديث عن علاقات قوية ومتينة مع روسيا قوامها الثقة المُتبادَلة والمصالح الاستراتيجية المشتركة بعيدة المدى، وكذلك روسيا التي ترى أيضاً أن التعاون مع إيران في الكثير من القضايا الإقليمية والدولية ضرورة تؤسّس لمحور مُناهِض لمحور واشنطن التوسّعي والتقسيمي، والعلاقة بين البلدين لا شكّ بأنها ستُشكِّل في جزئيّاتها مشهداً لمستقبل الشرق الأوسط، أما في الجانب الذي يربط البلدين في سوريا، فلا شك بأن هناك اختلافاً لا يرقى إلى التصادُم، لأن القاسم المشترك بين البلدين يعتمد أساساً على عدم العودة إلى الوراء، والتفريط بما تحقَّق من شراكة استراتيجية بين طهران وروسيا انطلاقاً من سوريا.

هذا الواقع الذي لا تُدركه إسرائيل، وعليه فإن أية محاولات إسرائيلية للاصطياد في الماء العكر، ستكون فاشلة وبجدارة، وبالتالي فإن الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى موسكو كما سابقتها، ضخّ إعلامي وحرب نفسية بالتوازي مع تسريبات بعيدة عن الواقع الحقيقي، فالجانب الإيراني قلَّل من أهمية التقارُب الروسي- الإسرائيلي، وأكّدت إيران على متانة وصلابة العلاقات بين البلدين، مع استمرار حال التنسيق الدائم في العديد من القضايا الإقليمية، واعتبرت إيران أن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بشأن زيارته الأخيرة إلى روسيا ما هي إلا إحدى أشكال الحرب النفسية التي تشنّها تل أبيب ضدّها.

 

التنسيق والتقارُب الروسي الإسرائيلي بشأن الملف السوري، لا يعني إطلاقاً تفكّك العلاقة الروسية الإيرانية، أو ابتعادها عن ضرورات التحالفات الاستراتيجية، فالعناوين الكبرى المشتركة بين موسكو وطهران لن تكون سبباً في بروز أيّ خلاف حاد، لكن ما يمكننا قوله، بأن الأهداف الروسية الإيرانية في سوريا واحدة، لكن تطبيقها واقعاً قد يأخذ أشكالاً وطرقاً مختلفة بما يتناسب مع سياسة كِل من البلدين،  لكن مع ضمان التعاون المشترك، فأكثر ما يُميّز التعاون الروسي الإيراني في سوريا أنه جاء على قاعدة أن لكل منهما مصالح مختلفة عن الآخر لكنها ليست مُتضارِبة بشكلٍ حادٍّ، وهذا مكَّن الطرفين من تحييد مُصطلح التنافُس بمعناه التصادمي وتغليب مُصطلح الشراكة بوجهيها الاستراتيجي والجيوسياسي.

كل هذه الوقائع دفعت كلاً من "عاموس يادلين" مدير مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي والرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية "أمان"، و"تسفي مغان"  الباحث في المركز نفسه والسفير الإسرائيلي الأسبق في موسكو، إلى رصد الزيارة الأخير لنتنياهو إلى موسكو، والوقوف على وضع تفسيرات مُحتمَلة للمبادرة الروسية التي طرحت فكرة تشكيل لجنة للإشراف على إخراج القوات الأجنبية من سوريا، فقد خَلص كل من يادلين ومغان إلى جُملةٍ من التحليلات جاءت ضمن دراسة فنَّدت الكثير من المُعطيات التي سبقت وتبعت اللقاء الذي جمع بوتين  ونتنياهو مؤخّراً في موسكو، ومن ضمن ما جاء في الدراسة التي نشرها مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، أن موسكو معنية "تحديداً" بمواصلة التعاون مع إيران في سوريا، وفي الوقت ذاته الابتعاد عن إسرائيل.

وأوضح مُعدّا الدراسة أن هذا التفسير ينسجم مع التقديرات الأميركية والإسرائيلية بأن موسكو غير معنية وغير قادرة على إخراج القوات الإيرانية من سوريا، مُشيرين إلى أن موسكو لم تفِ حتى الآن بتعهّدها بإبعاد القوات الإيرانية من منطقة الحدود في الجولان، رغم التزامها بذلك أمام إسرائيل.

ولفتت الدراسة إلى أن كلاً من روسيا وإيران ترتبطان بمصالح مركزية، على رأسها ضمان استقرار الدولة السورية، وإخراج القوات الأميركية من سوريا، مشيرة إلى أنه من غير المُستبعَد أن تكون موسكو معنية بتشكيل اللجنة من أجل توفير مسار لإجبار إسرائيل على وقف عملياتها في سوريا.

ويلفت مُعدّا الدراسة إلى أن ما يُدلّل على أن روسيا معنية من خلال تشكيل اللجنة بتوفير ظروف تسمح بتواصل التعاون مع إيران، هو حقيقة أنها تطالب بإشراك سوريا في اللجنة، مع إدراكها أن فُرَص أن يوافق النظام على المشاركة في لجنة تشارك فيها إسرائيل تصل إلى الصفر.

ولم تستبعد الدراسة أن تطالب روسيا أثناء انعقاد اللجنة إسرائيل بالانسحاب من هضبة الجولان المحتل، على اعتبار أن وجودها هناك يمثل "طرفاً أجنبياً".

اللافت في هذه الدراسة، الخلاصة التي وصل إليها "عاموس يادلين" و "تسفي مغان" حول تبنّي المؤسّسة الأمنية الروسية موقفاً مُتشدّداً إزاء إسرائيل، وتتحفّظ على تطوير التعاون معها.

من هنا يبدوا واضحاً أن فُرَص استثمار نتنياهو في السياسة واللعب على حبال المُتغيّرات، لن يُحقّق له أيّ مكسب على المستويين السياسي أو العسكري، وعليه فإن عَجَلة التنسيق بين سوريا وروسيا وإيران في المستويات كافة، تسير بوتيرةٍ مُتسارِعة، وستطحن الأحلام الإسرائيلية، أما اللقاء بين قادة جيوش سوريا وإيران  والعراق في دمشق، فإن موسكو بثقلها السياسي والعسكري لم تكن بعيدة عنه، حيث أن التنسيق الرباعي ضرورة استراتيجية قصوى، خاصة مع ما يشهده الشرق الأوسط عامة، من مُتغيّرات وتعقيدات تفرض حُكماً بالتواصل بين الرباعي السوري والروسي والإيراني والعراقي، من أجل وضع حد للسياسات الأميركية التي لا تزال تتغذّى على أحلام السطوة الأميركية وفرضيات النفوذ والتمدّد.