محمد حسن قاسم

كاتب صحافي لبناني

عملياً كيف تواجه إيران العقوبات: السُبل والعقبات

في الرابع من أيار 2019 وخلال جلسة لرئيس الجمهورية الإيراني مع عدد من المعلمين في طهران، أعلن روحاني أن إيران ستكمل تصديرها للنفط رغم العقوبات والتهويل الإعلامي، وبأن إيرادات البلاد غير النفطية من العملة الصعبة بلغت 43 مليار دولار أميركي ومثلها من عائدات النفط رغم العقوبات، وبأن مداخيل البلاد خلال فترتي حكمه لم ولن تتأثر بأيّ شكل من أشكال العقوبات.

  • عملياً كيف تواجه إيران العقوبات: السُبل والعقبات

فعلى ماذا يستند الرئيس الإيراني في تصريحه هذا؟ وكيف تواجه إيران العقوبات وتحافظ على إيراداتها ثابتة؟ ما هي الآليات وهل لا زالت تؤتي أكلها؟ وما هي العقبات التي واجهتها وتواجهها اليوم في ظل تضييق الخناق الأميركي المستمر ووحشية ترامب بمشروعه التصفيري لصادرات النفط؟

اعتمد الإيرانيون على العديد من الطرق لتسهيل تبادلهم التجاري مع العالم ودائماً ما جدّدوا في سبُل مواجهة الحصار المفروض عليهم، فانقسمت طرق المواجهة إلى قسمين بعضها تقليدي وأخرى تكتيكية وبطرق لا يبرع فيها كما الإيرانيون أحد، وهم الذين طالما أوصلوا السلاح للمقاومة في لبنان وفلسطين.

  1. الخطوة الأولى والأهم في مواجهة الحصار تتمثل في تفعيل الإقتصاد المقاوِم القائم على الإكتفاء الذاتي، وعلى تحويل الإقتصاد إلى مرحلة ما بعد النفط وهو ما تعكسه الأرقام الأخيرة ، إذ انتقل الميزان التجاري غير النفطي في الأعوام الأخيرة من سلبي إلى إيجابي فتجاوز المليار دولار أميركي لأول مرة منذ إنطلاق الثورة الإسلامية.
  2. بالمرتبة الثانية كان لتحسين التبادل التجاري مع دول الجوار فعالية في تخطّي العقوبات من خلال تقديم إمتيازات متبادلة على صعيد الرسوم الجمركية من جهة ، والتعامل بالعملات المحلية من جهة أخرى ، وهذا ما تقوم به إيران مع تركيا والعراق وأفغانستان وباكستان. من ناحية أخرى يشمل هذا التعاون بيع أو تمرير النفط الإيراني واستيراد البضائع المحظورة عليها عبر هذه الدول كي يصعب تعقّب هذه العمليات التجارية.
  3. التعامل مع الدول التي لا تعنى بالعقوبات وخصوصاً الأميركية منها، كالصين وروسيا وكوريا الشمالية وفنزويلا والهند ، بالإعتماد عليها في الحصول على البضائع المحظورة كقطع صيانة الطائرات وآليات حفر أنفاق المترو وآلات المصانع الكبرى وغيرها.

وفي ما يلي رسم بياني يوضح نمو الميزان التجاري بين إيران وبعض هذه الدول خلال فترة العقوبات ما قبل الأخيرة:

 

  • واردات إيران من الصين - الهند - روسيا (بالمليار دولار)

الظاهر أن الواردات الهندية لإيران خلال فترة العقوبات ما قبل السابقة ارتفعت لثلاثة أضعاف ما كانت عليه بينما ارتفعت الواردات الصينية لضعفين ، أما الروسية فارتفعت إلى خمسة أضعاف خلال  فترة العقوبات ما بين 2010 و 2012.

فيما يبيّن الرسم البياني أدناه تسارع نمو حصة الهند وروسيا والصين من الواردات الإيرانية في فترة العقوبات السابقة مقابل تراجع الحصة الأوروبية رغم انتعاشها قليلاً بعد الإتفاق النووي، بيانات الجمرك للعام المنصرم (2018) تشير إلى توسّع الفرق لصالح الدول الثلاث:

  • نمو حصة الصين والهند وروسيا من الواردات الإيرانية مقابل الحصة الأوروبية
  1. بيع النفط مقابل سلع أخرى وهذا ما تحبّذه الكثير من الدول التي تبحث عن أسواق لفائض بعض السلع التي تنتجها كالمعدات الطبية والمنتجات الزراعية أو حتى مقابل الذهب. وهذه السياسة أعلن عنها أسد الله خاني (عضو لجنة الطاقة في البرلمان الإيراني) صراحة، ووزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك مطلع عام 2019 وكذلك فعل وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان خلال مؤتمر صحفي له مع نظيره الأردني مطلع هذا العام.
  2. كما ابتكر الإيرانيون طريقة جديدة بتخزينهم النفط والغاز خارج البلاد على أراضي دول كالصين (ميناء خليج داليان) وعمان وروسيا أو حتى في مخازن عائمة، والإتفاقية بين عمان وإيران التي وقعت منذ سنوات وتقضي بجعل عمان مركز توزيع وبإعطائها امتيازات وتزويدها بالغاز والنفط للإستهلاك الداخلي خير دليل على ذلك. كما أن أرقام تسريع إيران لزيادة مخزوناتها وإنتاجها للنفط في الفترة ما قبل العقوبات الأخيرة دليل على هذه السياسة كذلك، حيث زادت قدرتها التخزينية إلى ما يقارب الـ70 مليون برميل والرقم في ازدياد إذ يُعمل على تطوير المنشآت الموجودة وإحداث أخرى متطورة تحت المياه.

كذلك وبناء على نظام تتبع AIS المستخدم من منصة استخبارات الشحن ، تبين أنه لإيران 16 ناقلة، تحتوي على حوالى 20 مليون برميل، قد تم استخدامها للتخزين العائم (في البحر) بعد أن كانت ثابتة من أسبوعين إلى أربعة أسابيع كما تبين بأن العملية تتكرّر.

  1. تفعيل الضغط السياسي بالتهديد بربط تصدير النفط الإيراني بتصدير أي نفط آخر عبر مضيق هرمز مستغلين التوتر الأمني في المنطقة وخصوصاً في اليمن المطلّة على باب المندب.

 

هذا ليس كل شيء فتشديد الحصار في السنوات السابقة دفع الإيرانيين لطرق أكثر ابتكاراً للتعامل مع الخارج وتسهيل مرور بضائعهم ، وأهم الأساليب التي يمكن استقاؤها من خلال التقارير الصحفية وبعض التسريبات الناتجة من بعض المحاكمات الداخلية ومن سَن بعض القوانين جاءت كالتالي:

  1. اللجوء للقطاع الخاص بعرض النفط في بورصة الطاقة وبيعه للشركات الخاصة. حيث أقر قانون جديد العام المنصرم قضى ببيع النفط في البورصة للشركات الخاصة التي تتكفل مهمة تصريفه، وبحسب وزير النفط ستتمكن إيران من بيع 3 ملايين برميل من النفط خلال الفترة القادمة عبر هذه الطريقة.
  2. إعتماد البيع غير المباشر من خلال نقل النفط من سفينة إلى أخرى على أن يصل إلى موانئ المشتري الفعلي من الشركة الناقلة (غير إيرانية)، وهو ما سمّي بالسفن الشبح التي تطفئ رادارات الملاحة كي لا يمكن تعقّبها عبر نظام تتبّع الملاحة الدولي رغم خطورة هذه الخطوة في حال تعرّض السفينة لأيّ عطل، وما حصل من تسريب أخير حول السفينة "مارشال زد" التي أفرغت حمولتها في الصين بعد أن عبأتها خلال مسيرها أظهر هذا الأسلوب للعلن وجعل الصحافة الغربية تسميها بالسفن الشبح.
  3. الإعتماد على أشخاص ومؤسّسات كوسيط لتوزيع النفط عبر شبكات تواصل واسعة ومتشعّبة ولكن هذه الخطوة شابها بعض العقبات بسبب الإختلاسات وقضايا الفساد التي ظهرت لاحقاً.
  4. الإيداع في مراكز مالية كبرى غير مرتبطة بالنظام المالي العالمي فيسحب البائع منها ويودع المشتري فيها من دون أن يرتبطا مباشرة وإلى جانب ذلك يعتمد الإيرانيون على تأسيس شركات تأمين خارج إيران لتضمن بقاء التأمين لشركات النقل البحري والجوي أقله داخل آسيا، كما يعتقد أن خطوات جدّية بدأت لتأسيس بنوك في دول أخرى لتسهيل عميلة البيع والشراء لأن مكتب وزارة الخزانة الأميركية لمراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) حصر الأشخاص والشركات التي تيّسر التعاملات المالية لإيران ومنها شركة بفاست وفرض عقوبات على عدد كبير من الشركات المالية وقلّص صلاحيات أخرى.
  5. تقديم عروض خاصة ومغرية للشركات الصغيرة والمطارات الخاصة في بعض الدول لتمرير تبادل البضائع على أقل تقدير أو للسماح بتخزين هذه البضائع في مخازنها.
  6. التعامل مع المنظمات الإنسانية الداخلية والخارجية في أمور تمرير الضروريات على الصعيد الإنساني (بعض الأدوية والأجهزة الطبية).

 

العقبات:

الخطوات التي اتخذتها إيران في الفترة الماضية كان لها بعض العوارض الجانبية إضافة لبعض العقبات التي واجهتها والتي كانت على الشكل التالي:

  1. ارتفاع أسعار بعض السلع بشكل جنوني بسبب إنكباب التجار على تصدير سلعهم لدول الجوار والدول الصديقة لإيران مستفيدين من الإمتيازات وخفض للرسوم الجمركية ومن إرتفاع قيمة العملات الأجنبية مقابل التومان، ما جعل السوق يشهد نقصاً وحالات احتكار، إلا أن القضاء والوزارات المعنية سرعان ما تحركت لعلاج هذا الخلل بمنع تصدير هذه السلع ومحاكمة المحتكرين.
  2. على الصعيد الإقتصادي أيضاً برزت مشكلة ثانوية هي تغليب الميزان التجاري لصالح الدول التي انحصر تعامل إيران معها مثل روسيا والصين والهند مثلاً. دول لإيران حاجة في بضائعها ولا بديل عنها بسبب العقوبات.
    مؤخراً بدأ العمل على توقيع إتفاقيات لتقليص هذه الهوّة في الميزان التجاري من خلال تصدير بضائع تشتهر بها إيران كالسجاد والفستق والزعفران وغيرها..
  3. عقبة أخرى تجلّت بالعقوبات التي طالت قطاع النقل البحري وذلك أدى لامتناع شركات التأمين الأجنبية الكبرى عن تأمين كل سفينة تقصد أو تخرج من إيران وهذا قلّص عدد الشركات التي تتعامل مع إيران في مجال النقل البحري.
  4. ومن المشاكل التي عانت منها إيران في مجال مواجهة العقوبات هي البيروقراطية المعقدة بشكل عام وفي القطاع المالي خاصة (من الممكن أن يكون لها خلفية أمنية) ما شكل حاجزاً أمام الشركات التي حاولت الإستثمار في إيران خصوصاً في فترة ما بعد الإتفاق النووي، ولكن حديثاً يبدو أن عدداً من الإجراءات الإصلاحية بدأ إعدادها والعمل بها لتصحيح هذا الوضع.
  5. تولد أزمة الثقة عند الشركات الأجنبية بسبب عدم إيفاء المجتمع الدولي وتحديداً الأوروبيين بوعودهم في ما يخصّ الإتفاق النووي بعد خروج ترامب منه والذي أدى إلى خروج 30.6% من هذه الشركات بينما علقت 60% منها نشاطها منتظرةً التحولات القادمة فيما لم يستمر سوى ما يقارب الـ10% منها نشاطها في إيران.
  6. مشكلة أخرى ظهرت عندما اعتُمد على مؤسّسات وأفراد لتسيير أمور مالية وتجارية لا تستند في تأمينها سوى على الثقة بشكل أساسي ليكونوا وسطاء، فظهرت بعض الإختلاسات وملفات الفساد، وفي حل هذه العقدة أقيم الكثير من المحاكمات الحاسمة أشهرها في قضيتي بابك زنجاني والبتروكميائيات اللتان يعتقد أنهما قضايا فساد بمليارات الدولارات وهذه المشكلة ارتبطت أيضاً بخصخصة بيع النفط أو عرضه في البورصة أي بيعه عبر شركات خاصة.
  7. المشكلة السابقة كشفت أمام الأميركي هذه الطريقة فتوسّعت عقوباته لتشمل أفراداً تخطى عددهم الألف بعدما أدرك أنهم قد يكونوا وسطاء لتصريف النفط وغيره ما حدّ من قدرة وضع وسطاء كثيراً.