أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

العنصرية

العنصرية..أسسها وأشكالها... جراء قدمها... هل هي سمة بشرية؟ كيف تبدى الفكر العنصري وأفعاله تاريخياً، وأين الدين منه؟ العنصرية في المجتمعات العربية وتبدياتها في لبنان...

المحور الأول: غسان الشامي: أحيّيكم، كانت العنصرية عبر التاريخ المرضعة الأولى للحروب والاحتراب، للقتل والاقتتال، وما الحرب العالمية الثانية التي أودت بحياة أكثر من 60 مليون إنسان سوى نتاج عقول عنصرية مريضة تتفشّى وللأسف في الكثير من بقاع الأرض، ورأينا تبدياتها في جنوب أفريقيا وفلسطين المحتلة. العنصري كائن مريض في عقله والعنصرية مرض ينهش جسد الإنسانية عبر وهم التفوّق والفروق بين البشر في العرق والدين التي تدفع إلى ممارسة الاستبداد وسلب الحقوق، ولبنان بلد يهرف بعض شعبه بالكلام العنصري، لذلك سنحاور الدكتور عمر نشّابي وهو باحث وأستاذ جامعي متخصص في العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، وكان عضواً في المكتب التنفيذي للجنة الوطنية لليونسكو نحاوره في مسألة العنصرية لكن بعد تقرير عنها. تقرير: العنصرية هي الاعتقاد بوجود فروق وعناصر موروثة بطباع الناس وقدراتهم بسبب انتمائهم إلى جماعة أو عرق ما، تدفع إلى شعور بالتفوّق وممارسة الإقصاء والتهميش والتمييز بين البشر على أساس اللون أو القومية أو العرق أو الدين، وتبرّر القهر والقتل وتتبدى بأشكال مختلفة وفق أسباب تاريخية أو ثقافية أو دينية أو اقتصادية. ربما كانت العنصرية قديمة قدم البشرية لكن ممارساتها البشعة ظهرت في النظرة المتعالية للغربيين تجاه أبناء الحضارات الأخرى، والاستعمار سبب اجتماعي وإيديولوجي وسياسي لنشأتها حيث سيطر الأوروبيون بين القرن السادس عشر والقرن العشرين على أجزاء كبيرة من آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. رغم انكفاء الاستعمار منذ النصف الثاني من القرن الماضي ما تزال العنصرية تطلّ برأسها في العالم وبلدان عربية ومنها لبنان، حيث تتنامى الحركات العنصرية في أكثر من بلد أوروبي وتشكّل خطراً حقيقياً. أبرز أشكال التمييز العنصري ظهر في جنوب أفريقيا عبر تغوّل الأقلية البيضاء وتم القضاء عليه، لكن ورغم أن العالم قطع شوطاً في القرن الحادي والعشرين ما تزال الحركة الصهيونية وممارساتها في إسرائيل أعتى حركة عنصرية سياسية استعمارية جمعت بين العرق والدين لدى اليهود، فعارضت اندماجهم في أوطانهم الأصلية ودفعتهم للهجرة إلى فلسطين وقتل وتهجير شعبها والتعامل بالقوة والقهر مع من بقي منه في أرضه حيث يبلغ عدد اللاجئين منهم نحو خمسة ملايين فلسطيني. غسان الشامي: تحيّة لكم، دكتور عمر نشّابي أهلاً بك ضيفاً عزيزاً سيّدي في أجراس المشرق. عمر نشّابة: شكراً. غسان الشامي: يا سيّدي تبدو العنصرية وكأنها مرافقة للوجود الإنساني إيغالاً حتى التوحّش، ولِقدمِها يتبادر إلى الذهن هل هي سمة بشرية؟ عمر نشّابة: أنا أتمنى ألا يكون ذلك هو الحال وهناك العديد من السلوكيات والتصرفات العدوانية والعنيفة التي يتميّز بها تاريخ الحضارات البشرية، تاريخ البشر، هذا لا يعني أنها متأصّلة في الإنسان ويمكننا دائماً أن نتغيّر، وفي مقدمتكم تحدثتم عن أمراض، أنا أعتقد هي ليست دائماً مرتبطة بمرض، هي قد تكون جريمة، سلوك جنائي، عندما نشعر أننا ننتمي إلى فئة تتفوّق على الفئات الأخرى في المجتمع فقط لأسباب بيولوجية، أسباب وصفية لا علاقة لها بأي إنجاز أو بأي عمل أو بأي توجّه فكري، فقط بسبب لون البشرة أو بسبب أننا وُلدنا بطائفة معينة أو بجنسية معينة نشعر أن هذا يمنحنا حق التفوّق على الآخرين. الشيء الوحيد الذي يُفترض أن يجعل الإنسان يتبارى مع إنسان آخر هو إنجازاته، أفعاله أو أفعالها وليس أموراً بيولوجية لا علاقة لنا بها، نحن لم نختر أن نكون ببشرة بيضاء أو ببشرة سمراء ولم نختر أيضاً منذ الولادة أن نكون ذكوراً أو إناثاً أو لم نختر أن نكون مسلمين أو مسيحيين، يجب أن تختار ذلك لاحقاً. أنا أعتقد وربما هو موضوع يجب أن نناقشه، هل يُفترض أن نضع الهوية الدينية للأطفال على هوياتهم أم يُفترض أن ننتظر قليلاً حتى يتعلّموا مختلف الأديان ويختاروا الدين الذي يناسبهم، هذه ليست مسألة وراثية، ليست مسألة بيولوجية بهذا المعنى، يُفترض أن يختار كل إنسان الدين الذي يريد أن ينتمي إليه مثلاً. غسان الشامي: وكأن المسألة باتت جبرية، والعنصرية جزء منها جبري. عمر نشّابة: نعم. غسان الشامي: أي أنك لا تختار دينك ولا لونك. عمر نشّابة: لنتحدث من الجانب الديني هذا يحدّ من تطوّر الفكر، مثلاً أنا وُلدت مسلماً أو مسيحياً فأشعر أن عليّ أن أدافع عن هذه الهوية أو قبل أن أقرأ وقبل أن أتعلّم وقبل أن أعرف ماذا يعني أن تكون مسلماً أو مسيحياً أو بوذياً أو هندوسياً أو أية طائفة، وأقوم بالدفاع وربما أذهب إلى الحرب للدفاع عنها بينما لا أعلم ماذا يعني أو لم أقرأ القرآن أو الإنجيل أو أي من الكتب الدينية، وهذا الذي حصل في لبنان، حصلت تشنّجات بين مختلف الفرقاء على الأرض، كلٌّ من هؤلاء الفرقاء أخذ منحى أنه يدافع عن دين معين بينما المقاتلين الذي كانوا يصرخون ببعض الشعارات الدينية لم يقرأوا الكتب السماوية، لم يتعلّموا، لا يعرفون. غسان الشامي: ربما لا يستطيع أن يحفظ جملة واحدة. عمر نشّابة: ربما، الذي قاموا به خلال الحرب يدلّ على أنهم أشخاص ليسوا من ذوي العلم والثقافة. علّمتُ في إحدى الجامعات هنا في لبنان وفي أحد الأشهر الدينية دخل إلى صفّي بعض الطلاب بلباس معين مرتبط بمناسبة دينية فقلت لهم حسناً قولوا لي عن هذه المناسبة، إشرحوا للآخرين عنها، لم يعرفوا، لم يريدوا أن يشرحوا لأنهم لا يعرفون شيئاً بل أرادوا فقط أن يأخذوا هذه الشكليات إلى منحى متطرف يجعلهم يشعرون أنهم ينتمون إلى فئة متفوّقة على الفئات الأخرى، وهذه هي الفكرة العدوانية الأساسية في منطقتنا المرتبطة بقضيتنا المركزية. المشكلة أننا هنا في منطقة أتى إليها كل شعوب الأرض، كل الثقافات من الأوروبيين إلى المغول إلى الروس إلى الأفارقة، كل الشعوب أتت ونحن نعرف ذلك في لبنان من أسماء العائلات مثل السنيورة وهي عائلة ليست عربية بالأصل، عائلة فرنسيس، بابادوبولوس، كل هذه العائلات عاشت هنا وعشنا معاً وأسسنا لاحقناً أمماً وبلدات وقرى، لم تكن هناك هذه المشكلة الكبيرة، المشكلة في القضية المركزية هي أن فئة من الناس الذين يدّعون أنهم ينتمون إلى الصهيونية يدّعون بأنهم يتفوّقون على سائر الشعوب. غسان الشامي: سآتي إلى مسألة الصهيونية ولكن لأعود إلى المنطوق النظري، ما دام بالإمكان معالجة هذا المرض إلى حد ما، لنبدأ بأسس العنصرية دكتور نشّابة. عمر نشّابة: أنا أعتقد أن الأساس هو الاعتقاد أنني أتفوّق عليك من دون أن أدخل في أية مباريات معك لأضعها بهذا الشكل البسيط للمشاهدين. غسان الشامي: البارحة قال أحدهم لأحدهم "أبي أقوى من أبيك". عمر نشّابة: ما هو إنجازك؟ ماذا حققتَ؟ لأنني أنتمي، لأن شعري أشقر وعينيّ زرقاء فأنا أتفوّق عليك لأن شعرك أبيض وعينيك سوداء فقط مثلاً من دون أي إنجاز أو أي إثبات. العنصريون يبحثون دائماً عن إثباتات في البيولوجيا وفي الإحصاءات ويقومون بالتمييز بالإحصاءات، لنذهب إلى التمييز العرقي بلون البشرة، لنرى ما هي نسبة الرجال البيض الذين حققوا كذا وكذا وما هي نسبة السود الذين حققوا كذا وكذا، عندما يجد أن الفارق كبير يقفز إلى الخلاصة سريعاً ويقول أن سبب ذلك هو لون البشرة السمراء التي تدل على أن هناك خللاً بيولوجياً في فئة من الناس. هذه هي العنصرية بشكلها المبسّط، قد تكون العنصرية أيضاً عنصرية ثقافية، العنصرية الثقافية أيضاً تنطلق من أن هناك ثقافات متفوّقة على ثقافات أخرى وهذا أساس الهجوم والاستعمار، هجوم الرجل الأبيض الأوروبي على الدول المختلفة وعلى الأماكن المختلفة إن كان في أميركا أو أفريقيا أو آسيا والاعتقاد بأن هؤلاء يجب أن يُحكموا من قِبَل رجل أبيض لأنهم ليسوا قادرين بيولوجياً على القيام بدولهم والدليل هو هذه الإحصاءات التي وضعوها لتُفسَّر بشكل خاطئ وتذهب إلى خلاصة خاطئة لأنها تتجاهل العناصر الأخرى. اليوم عندما نرى أفريقيا وهي أفقر قارّة وفيها مجاعة ومشاكل، هذا لا يعني أن الرجل الأسود لم يكن قادراً على القيام ببلاده بل هذا يعني أن هذا الرجل الأسود وهذه القارة الغنية بالموارد الطبيعية خضعت للاستعمار والاستغلال لمئات السنين. غسان الشامي: خضعت للعنصرية. عمر نشّابة: للعنصرية التي سمحت لهذه القوى أن تبرّر أخذ الموارد الطبيعية لهؤلاء الناس لأنهم لا يستحقونها أصلاً بحسب قول العنصريين. غسان الشامي: نريد من حضرتك تعريفاً علمياً للعنصرية، ربما لسبب أنها لدى الناس قديمة كما قلت، يعني سابقاً القوي يتعنصر على الضعيف وعصر الغاب الذي ربما إلى الساعة ما يزال يحكم العالم، الأقوياء كما قلت في أفريقيا يأكلون حقوق الضعفاء ويجعلونهم في الدَرك الأسفل من التقدم الإنساني، هل من تعريف صلب وعلمي للتمييز العنصري؟ عمر نشّابة: برأيي أن أفضل تعريف هو التعريف القانوني في الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تقول:" يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق، وهم قد وُهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الأخوّة". المادة الثانية تقول:" لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة"، هذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أما الاتفاقية فتقول:" في هذه الاتفاقية يُقصد بتعبير التمييز العنصري أي تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفصيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الإثني، ويستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الإنسانية أو التمتع بها أو ممارستها على قدم المساواة في الميدان السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي أو في ميدان آخر من ميادين الحياة العامة"، فإذاً التمييز مرتبط بتعريف حقوق الإنسان والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لكل البشر حقوق متساوية، عندما نرى أن هناك فئة من الناس تستحق حقوقاً وامتيازات أكثر من فئة أخرى هنا ندخل في إطار التمييز العنصري. غسان الشامي: أكبر تبدّي للعنصرية دكتور نشّابة ظهر في النازية والفاشية في القرن العشرين. عمر نشّابة: برأيي ظهر مع الصهيونية لاحقاً. غسان الشامي: سنأتي إلى الصهيونية ولكن الحرب العالمية الثانية التي جاءت من فكر يقول أن هناك عرقاً متفوّقاً أو هناك شعب متفوّق أنجبت حوالى 62 مليون ضحية وهو الرقم الأكبر في تاريخ الحروب في العالم، هل هذا الفكر ما يزال مستمراً برأيك رغم أنه أنجب سنة 1948 ما يسمّى بالشرعة العالمية لحقوق الإنسان؟ عمر نشّابة: أنا برأيي ما زال مستمراً وربما نرى حولنا اليوم خصوصاً بعد وصول الإدارة الأميركية الأخيرة إلى الحكم والتي ادّعت أن شعارها هو أن نجعل أميركا عظيمة مجدداً، ماذا يعني ذلك؟ يعني أنها متفوّقة على الآخرين وهي لأنها الولايات المتحدة الأميركية فهي تتفوّق، هذه نظرة عنصرية، عندما يتحدث الرئيس الأميركي إلى أربعة أعضاء في الكونغرس ويقول لهنّ اذهبن من حيث أتيتنّ، ما المقصود بهذا الكلام ولماذا اعتُبر تمييزاً عنصرياً؟ هو أيضاً أتى من أوروبا، من ألمانيا ربما أو من إيرلندا، فهو يعتبر أن الذين أتوا من الدول الأوروبية يتفوّقون عرقياً على الأشخاص الذين أتوا من الدول الأفريقية ومن فلسطين من المنطقة العربية ومن أميركا اللاتينية. غسان الشامي: وأيضاً هو تمييز ضد المرأة، هو خاطب الأربع نساء، تمييز عنصري وعرقي وجندري. عمر نشّابة: صحيح لا يمكن تجزئته، عندما نميّز بشكل فيه ظلم وفيه ارتكاز على العنصرية وعلى الطائفية لا نستطيع أن نجزّىء الأمور. أنا أعتقد أن الطائفي هو نفسه الذي يميّز عنصرياً والذي يميّز ضد المرأة والذي يميّز ضد الإثنيات المختلفة، هذا نفس السلوك ولكن بتجليات مختلفة. غسان الشامي: ما التفسير دكتور نشّابة؟ هذا الغرب هو من أنتج الشرعة العالمية لحقوق الإنسان، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، هو الآن لا يطبّقه ويكيل عبره بمكيالين، ما تفسير ذلك؟ عمر نشّابة: الغرب ليس متماسكاً، ليس كتلة واحدة متماسكة، أنا درست في الولايات المتحدة وتعرّفت على أساتذة يساريين ماركسيين داخل مدينة نيويورك، استغربت الأمر أنني أتعرّف على أساتذة يؤمنون بالخط الماركسي في الاقتصاد وهم موجودون في مدينة نيويورك التي تشكّل عاصمة الرأسمالية الاقتصادية في العالم. الغرب فيه توجّهات مختلفة وأصلاً أنا سعيد أنكم طرحتم عليّ هذا السؤال لأن هذا يمنعنا ويُفترض أن نبدأ بعدم التعميم أيضاً حول مسألة الغرب أو حول مسألة جنسية معينة أو طائفة معينة أو بلد معين، هناك اختلافات وأساس حقوق الإنسان هي الحقوق الفردية وليست الحقوق الجماعية، وبالتالي عندما أقول هؤلاء الأميركيين أكون أميّز ضد بعض الأشخاص في أميركا الذين ليسوا عنصريين أو لا يدخلون في هكذا خط معادٍ لنا. في كل جماعة هناك استثناءات وعندما تكون هناك استثناءات فهذا يمنع التعميم وأخذ هذه الأنماط وفرضها على الأفراد. غسان الشامي: لنأتي إلى الصهيونية والعنصرية. عمر نشّابة: وعلى فكرة الصهيونية كانت تُعتبر تمييزاً عنصرياً، كانت مُدانة في الأمم المتحدة. غسان الشامي: وأُلغيت. عمر نشّابة: أُلغيت بسبب الضغط السياسي وليس بسبب القناعة بأننا أخطأنا وأن الصهيونية ليست حركة عنصرية وحركة تمييز، كيف ذلك؟ الصهيونية مسألة بسيطة جداً. غسان الشامي: هل هي عنصرية دينية أم عنصرية إثنية أم عنصرية ثقافية؟ تحت أي أنوع العنصرية تقع الصهيونية؟ عمر نشّابة: أعود إلى النقطة التي أقترحها، أقول بأن العنصرية لا تتجزأ، هذا التمييز المفرط لا يتجزأ فهؤلاء هم أنفسهم منذ بضعة أيام قاموا بالتمييز بين بعضهم البعض، قام الأشكناز والسفارديم بالتمييز ضد الفلاشا، لقد رأيتم الأمر، فالقضية ليست عندما يقولون إنهم متفوّقين لكونهم يهوداً، فهم متفوّقون واليهودي الذي يأتي من كل بقاع الأرض لديه حقوق أكثر من أشخاص عاشوا في هذه الأرض لمئات السنين بل من آلاف السنين، هذا يُعتبر تجنّياً رهيباً. أعطيتُ هذا المثال منذ قليل وربما لم تصل الفكرة بوضوح، هؤلاء الناس الذين يعيشون في هذه الأرض لا يُمنحون أية حقوق ويأتي شخص فقط لأنه يهودي يأخذ أملاك هؤلاء الأشخاص ويتمتّع بحقوق تتفوّق على حقوق السكان الذين يعيشون في هذه الأرض، لنأخذ لبنان. غسان الشامي: آخر ظاهرة عنصرية في العالم هي الصهيونية الآن؟ عمر نشّابة: كلا، أنا أعتقد أن هناك عدة ظواهر مع الأسف الشديد، ليست آخر ظاهرة، أتمنى أن تكون آخر ظاهرة وأتمنى أن ينتهي هذا الأمر ولكن مع الأسف الشديد كما قلتم في بداية هذه الحلقة موضوع التمييز العنصري يعود إلى مئات السنين، ولن نستطيع على ما أظن إلغاءه بالكامل في آخر مئة سنة، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عام 1948 عمره 71 عاماً. غسان الشامي: إسمح لي أن نتوقف مع فاصل ونعود، أعزائي فاصل ثم نعود إلى الحوار مع الدكتور عمر نشّابة، موضوعنا العنصرية لكن في الجزء الثاني سنأتي إلى العنصرية في البلاد العربية وتحديداً في لبنان، انتظرونا. المحور الثاني: غسان الشامي: أهلاً بكم مجدداً في أجراس المشرق، دكتور عمر نشّابة قبل أن نعود إلى العالم العربي وإلى لبنان لا يمكننا أن نغفل النموذج الصفيق للفصل العنصري "الأبارتايد"، التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، هل من نماذج أخرى على هذه الشاكلة في العالم؟ عمر نشّابة: هناك عدة نماذج. غسان الشامي: الصهيونية أبارتايد؟ عمر نشّابة: نعم الصهيونية نوع من أنواع الأبارتايد والراحل نيلسون مانديلا. غسان الشامي: البهيّ نيلسون مانديلا. عمر نشّابة: الإرهابي نيلسون مانديلا الذي صُنّف من قبل الغرب بأنه إرهابي لأنه وقف بوجه هذا النظام العالمي الذي كان يدعم نظام جنوب أفريقيا لأسباب اقتصادية ومالية، هذا الإرهابي وجدوا في بيته السلاح والمتفجرات وسجنوه ل 27 عاماً في غرفة انفرادية، هذا المناضل كان يقول إن مواجهة الأبارتايد، أن لا مجال للنقاش مع العنصريين، لا مجال للنقاش مع الأشخاص الذين يؤمنون بالأبارتايد، يجب مواجهتهم بكل الوسائل الممكنة ولذلك كان مسلّحاً وكان ال ANC تنظيماً مسلّحاً وصُنّف إرهابياً. هل يذكّركم هذا بأي من التنظيمات التي تقاتل التمييز العنصري اليوم في الوطن العربي وفي منطقتنا تحديداً؟ أنا أعتقد بأن معركتنا طويلة ولكننا على الخط الصحيح لمواجهة الأبارتايد الصهيوني المتمدّد في المنطقة، وأقول المتمدّد في المنطقة عن قصد لأن التطبيع مع العدو الإسرائيلي هو تمدّد للصهيونية وللعنصرية. غسان الشامي: الآن هناك إعلاميون عرب في فلسطين المحتلة. عمر نشّابة: نعم هذا لتوسيع العدوان الصهيوني. غسان الشامي: يبدو أن العمالة جزء من العنصرية، نوع من الشعور الدوني تجاه... عمر نشّابة: شعور دوني طبعاً ولكن ليس المهمّ العميل بل مَن يشغّل العميل والذي يشغّل العميل يشغّله لأنه يريد أن يبرّر استمرار عنصريته واستمرار ممارساته واستمرار عدوانه ليقول العرب معي، لديّ أناس من دول عربية مختلفة يأتون إلى تل أبيب ويزورون الكنيست ويزورون الإسرائيليين وبالتالي أنا لست عنصرياً. غسان الشامي: تزور ياد فاشيم. عمر نشّابة: نعم ياد فاشيم، ويقول لاحقاً أنه ليس عنصرياً، إذا كان عنصرياً فلماذا يذهب إلى البحرين؟ لماذا يعرض مبادرة سلام بين مزدوجين طبعاً؟ هو يريد أن يبرّىء نفسه من العنصرية للقول بأنه مع حقوق الإنسان ولذلك يقوم بهذه الأفعال، ولكن لنستفيد من وجودنا معكم في هذه الحلقة القيّمة وشكراً على استضافتي. غسان الشامي: واجبنا. عمر نشّابة: لنقول أن هذا أيضاً يتطلب منا نحن اللبنانيون والعرب والسوريون والعراقيون والأردنيون ومن المغرب والجزائر وتونس ومصر وكل الأقطار العربية المختلفة يتطلب منا جهداً خاصاً للقضاء ولمكافحة العنصرية والتمييز العنصري والتمييز الطائفي والتمييز ضد المرأة في مختلف الدول العربية. غسان الشامي: والتمييز الديني. عمر نشّابة: والتمييز الديني طبعاً المفرط، وهذا يضعفنا في مواجهتنا ضد العدو الإسرائيلي، يضعفنا لأن بعض سلوكياتنا أحياناً يمكن تشبيهها ببعض السلوكيات الإسرائيلية وهذا أمر خطير جداً. التمييز والاعتقاد بأن هناك طائفة من الناس في لبنان تتفوّق على الآخرين وعلى طائفة أخرى، عندما نعقتد بأن اللبنانيين أفضل من السوريين، بماذا هم أفضل منهم؟ قل لي مثلاً في البناء، في الهندسة، في الفن، في الطبخ وغيرها، ناقشني بالعمل، يُمنع السوري من التجوّل بعد الساعة الثامنة، هل يُعقل هذا؟ هذه مثل القرارات الإسرائيلية، وأنا أقولها وأقولها من دون أي تردّد، الإسرائيليون يمنعون العربي والفلسطيني من التجوّل بعد ساعة معينة. غسان الشامي: وهناك مهن ممنوعة عليه. عمر نشّابة: وهناك مهن ممنوعة عليه كالمهن الممنوعة على الفلسطيني، هذه السلوكيات تخلق مشاكل. غسان الشامي: دكتور قبل أن أغرق في هذه الظاهرة دعنا نقول ما هي أشكال العنصرية في العالم العربي، في المجتمعات العربية ونأتي إلى لبنان. عمر نشّابة: أشكال التمييز تختلف عن أشكال العنصرية، إذا تحدّثنا عن التمييز العنصري فهو قد يكون بسبب العرق. غسان الشامي: ما الفرق بين التمييز الذي يقوم به السعوديون تجاه اليمنيين؟ العرق هو نفسه والدين هو نفسه. عمر نشّابة: التمييز الإثني، هو التمييز لمختلف التوجّهات الثقافية، هذا هو التمييز الذي يعاني منه اليمنيون بمواجهة السعودية. غسان الشامي: يعني الإثنية كعرق، لذلك قلت إن المجتمعات العربية لديها أمراض عنصرية مثلها مثل بقية المجتمعات الأخرى. عمر نشّابة: طبعاً وهناك مشكلة أيضاً في بعض الدول العربية وفي أفريقيا الشمالية، مشكلة الأمازيغ والبربر والتمييز ضدهم، هذا أيضاً تمييز مرتبط بعرقيات وإثنيات غير عربية. في لبنان هناك تمييز أحياناً ضد الأكراد مثلاً، الأكراد مسلمون سنّة ولكن هناك أشخاص آخرون من السنّة يميزّون. غسان الشامي: وأيضاً في العراق مسلمون وسنّة وكان هناك تمييز، مؤخراً التمييز ضد المسيحيين، ضد الإيزيديين، ضد الصابئة. عمر نشّابة: أنا أعتقد أنها مترابطة، لنقول أنه من فئة معينة في لبنان يميّز ضد بلد آخر، يميّز ضد السوريين، ولاحقاً يميّز ضد طوائف داخل لبنان ومن ثم يميّز ضد أشخاص من نفس الطائفة ولكن من مناطق مختلفة. التمييز لا حدود له، عندما يكون هناك تمييز مفرط فهذا التمييز ربما يكون عنصرياً، إثنياً، عرقياً، مرتبطاً بالجنسية، مرتبطاً بالمنطقة، مرتبطاً بلون البشرة، مرتبطاً بسلوكيات معينة، هذا التمييز مبني على تعميم بعض الأنماط، وبما أنك تقول لي مثلاً أنك من منطقة معينة في لبنان وأنا أعتقد أن في هذه المنطقة هناك عدد كبير من المجرمين تلقائياً أقوم بالحذر تجاهك، هذا تمييز مفرط. لو قلتَ لي مثلاً أنك من بريتال، إخواني وأخواتي في بريتال يعانون من هذا الأمر، حين يقال سُرقت سيارة فإذاً تم أخذها إلى بريتال، في بريتال هناك عائلات وعشائر أصحاب كرامة وشهامة ويحترمون القوانين ولكن هناك مجموعة مسلّحين من هذه المنطقة يقومون ببعض الأعمال غير القانونية فنقوم بالتعميم ونقول أن أهالي بريتال سارقو سيارات ومجرمون، التعميم هو الآلية التي تُستخدم في التمييز المفرط. غسان الشامي: لنأتي إلى لبنان وأعرف أن لديك آراء هامة في موضوع العنصرية في لبنان، أولاً كيف تقرأ بعض الخطاب الذي يكون عنصرياً وأحياناً بعنصرية مقنّعة وأحياناً سافرة؟ تحت أي تصنيف الخطاب العنصري؟ عمر نشّابة: هذه تعبئة فئوية والتعبئة الفئوية أمر مع الأسف تكرّر في لبنان. غسان الشامي: تصنيفها فئوي؟ عمر نشّابة: أنا أعتقد أن هذه التعبئة الفئوية، أنا أقوم بالتمييز ضد الآخرين وأرفع اللهجة والخطاب لأقوّي وجودي ومكانتي في الفئة التي أريد أن أنتمي إليها والتي ربما تحملني إلى مركز متقدّم في السلطة، وبالتالي أستغل ذلك لنبش بعض العصبيات وأزايد فيها وأجعل الناس يشعرون بالخوف من الآخر، مثلاً أن السوريين ينافسوننا في أعمالنا، ما هذا الكلام؟ أو أن السوريين يريدون أخذ بلادنا كما قيل سابقاً أن الفلسطينيين يريدون أخذ بلادنا، فأنا إذاً أقوم بالتعبئة ضد الفلسطينيين وضد السوريين لأقوّي نفسي كفئة، تعبئة فئوية، وأخلق مجموعة مغلقة وهذه المجموعة المغلقة تدّعي أنها أساس البلد وأساس لبنان وأساس الهوية الوطنية، وهو أمر خاطئ وأدى إلى الحرب في لبنان، جزء من أسباب الحرب في لبنان والاقتتال والدمار، وهنا قُتل 150 ألف شخص في اقتتال داخلي. صحيح أنه كانت هناك قوى خارجية تمدّ الفرق المختلفة بالسلاح وتحرّض ولكن أيضاً كان هناك سبب أساسي وهو اعتقاد بعض اللبنانيين أنهم يتفوّقون على لبنانيين آخرين بالفطرة. غسان الشامي: هل لذلك ذهب البعض إلى الإسرائيلي على اعتبار أن الإسرائيلي متفوّق أيضاً؟ عمر نشّابة: ربما لكن أنا أعتقد أنه عندما وقع التناحر كانت كل فئة بسبب عصبيّتها مستعدة أن تذهب إلى أي مكان وتأتي بالسلاح والعون وبالمساعدة لتقاتل إخوتها في الوطن، مع الأسف الشديد هذا الذي حصل، وبالتالي الحل الوحيد بنظري لهذا البلد هو الدولة المدنية حيث نكون جميعاً متساوين، لا شأن لي بأن يكون رئيس الجمهورية مارونياً أو أورثوذكسياً أو أرمنياً أو مسلماً شيعياً أو سنياً، رئيس الجمهورية يجب أن يكون بكفاءته وليس بدينه. غسان الشامي: هذا الكلام هام جداً في دولة لديها مقومات الدولة المدنية ولكن الدولة ليست مدنية، أنت تعلم أن جميعهم يقولون أن هناك كونفدرالية طوائف وهو مُدستر أي أصبح دستورياً، ولكن إذا بقيت في موضوع العنصرية دكتور نشّابة، للعنصرية مفردات وتحديداً في لبنان، هذه المفردات العنصرية من أين تُستقى؟ هل هي عنصرية حقيقية أم توهّم عنصري لأن مقوّمات هذا التفوّق أين هي؟ عمر نشّابة: أو استغلال، يستغلّون بعض المظاهر وبعض الشكليات ليدّعوا التفوّق على الآخرين، مثلاً إذا كنتَ تتحدث لغة أجنبية فرنسية أو إنجليزية مع عائلتك ومع محيطك فستشعر أنك متفّوق على الآخرين الذين يتحدثون العربية ويكونون من فئة أدنى لأنهم يتحدثون بلغة الفقراء. غسان الشامي: ولكنها أحياناً تثير الضحك، أحياناً في جملة واحدة يقول لك Bonjour، كيفك، منيح ça va، ok، هل هذه هي المثاقفة؟ هل هي مثاقفة شكسبيرية؟ هل هي مثاقفة مع فريدريك نيتشه وهو مع التفوّق أيضاً. عمر نشّابة: هذا ليس أمراً جديداً، عائلة رومانوف في روسيا، قيصر روسيا لم يكن يتحدت بالروسية بل بالفرنسية، عائلة رومانوف كانوا يتحدثون بالفرنسية بين بعضهم لأنهم لا يريدون التحدّث باللغة التي يتحدث بها عامة الناس، هم متفوّقون، هم من فئة استثنائية في المجتمع. غسان الشامي: دم آخر، كان يقال بأن دمهم أزرق، دم مَلَكي أزرق. عمر نشّابة: صحيح ولكن أستاذي عذراً أنا أستغل وجودي في هذه الحلقة لأقول وأدعو إلى توجّه مدني في لبنان، توجّه دولة مدنية في لبنان هو الحل الوحيد، وصحيح ما قلتم أن هذا صعب أن يتحقق في الوقت الذي نعيش فيه فيدرالية طوائف ولكن بما أننا هنا في هذا المنبر وهذه فرصة لي لأخاطب الناس، ربما يكون هناك ثقافة مدنية. غسان الشامي: أنت تعلم نحن جميعنا ندعوا إلى دولة مدنية ولكن حتى نستكمل هذا الموضوع الخطير، نحن في محطة تضمّ كل الجنسيات ومن كل الطوائف ونذهب إلى العالم العربي، نزور هذا العالم العربي، كثيرون يعتبون علينا ويقولون لنا ما هذا الخطاب العنصري في لبنان، ويسألون وأنا أعيد السؤال لك، على ماذا تعتمد هذه العنصرية الموجودة لدى البعض في البلد؟ على ماذا يتكئ في عنصريته يا أخي؟ عمر نشّابة: هو يتكئ على نوع من إقناع نفسه بأنه متفوّق على الآخرين لأنه لديه علاقات مميّزة مع الغرب ويتحدث اللغة الأجنبية، وبالتالي يعتبر نفسه أنه يتفوّق على الآخرين ويأتي ببعض الإحصاءات أيضاً ليقول أن اللبنانيين يتفوّقون على سائر الشعوب العربية من دون الأخذ بالعناصر الأخرى التي تفسّر التطور التاريخي والإنتاج الاقتصادي، لا يأخذ كل هذه الأمور بعين الاعتبار ويذهب إلى الشعور بتفوّق لا قياس له علمياً ولا أساس له أصلاً. أنا أعتقد أن التباري بين مختلف الدول هو أمر مفيد لتطوّر هذه الدول وتطوّر الثقافات والاقتصاد والعلم في هذه الدول، فالمباريات جيدة في المنافسة بين الدول المختلفة ولكن في لبنان الأمر مختلف، لبنان يتبارى ضد نفسه ولديه مشاكل داخلية، مثلاً سمعت مؤخراً أن هناك 4 أشخاص نجحوا في البروفيه بشكل متفوّق، تلقائياً بعد ذلك سمعت تصنيفهم الطائفي والمذهبي، لماذا هذا التصنيف الطائفي والمذهبي؟ غسان الشامي: وحتى جزء من أبناء طائفتهم دخل في هذه اللعبة السيّئة. عمر نشّابة: لماذا يتم شدّ العصب بشكل فئوي؟ دائماً نقول هذا اللبناني مسيحي أم مسلم؟ شيعي أم سنّي؟ أورثوذكسي أم؟ أنا أقول للمستمعين من الوطن العربي أن التمييز في لبنان ليس موجّهاً فقط ضد سائر الدول العربية وإنما موجّه داخلياً بين فئات متناحرة داخلياً حتى وإن كانت من نفس الطائفة، فحتى لو لم يجد اللبناني من يميّز ضده في نفس الطائفة سيميّز في المنطقة، مثلاً أنا وأنت موارنة ولكن أنت. غسان الشامي: من موارنة الشمال، الأطراف. عمر نشّابة: وأنا من الساحل أو من الأشرفية فأنا أفهم أكثر منك، سيميّز ضدك ويقول لك أنت جردي، أنت من الجبل، أنت لا تعرف ما أعرفه أنا، صحيح أننا من نفس الطائفة وبالتالي متفوّق على بقيّة الطوائف تلقائياً ولكنني متفوّق عليك أيضاً لأنك تقيم في قرية بالجبل وأنا من بيروت. غسان الشامي: ولكن هناك شيء أيضاً بالعنصرية في لبنان، كنا نتحدث قبل قليل تحت الهواء، العنصرية الداخلية تجاه العامل غير السوري والفلسطيني، هي الطبقيّة، مؤخراً كانت هناك جردة لما قدّمه الفلسطينيون للبنان من أدمغة وعلوم في المال والمعرفة والغناء والإخراج وكذلك السوريون ولكن تجاه العاملات الأجنبيات. عمر نشّابة: عدد كبير من العاملات الأجنبيات يأتين من الفلبين، تأتي العاملة من الفلبين في رحلة تستغرق أكثر من 12 ساعة بالطائرة لترى أولادها، تأتي من هناك بحثاً عن لقمة العيش، تأتي إلى لبنان لتعمل في هذه المنازل، وفي سائر الدول العربية أيضاً هناك تمييز ضد هذه السيدات. يأتين إلى لبنان، يعملن في ظروف لاإنسانية أحياناً، ما الذي يجعل أي إنسان يشعر بأنه متفوّق على هذه السيدات، هذه سيّدة محترمة تذهب 12 ساعة بالطائرة إلى بلد بعيد لتعمل كي تجني المال لتقوم بتربية وإطعام عائلتها، هذه إنسانة محترمة أكثر من الكثير منا ممّن لا يريد أن يعمل ولا أن يقوم بأي جهد لإعالة عائلته، يأخذون منهنّ جوازات السفر، يضربونهنّ. غسان الشامي: البعض يُضربن، بعضهنّ ينتحرن. عمر نشّابة: ما هذا السلوك؟ ما الذي يجعل المرأة اللبنانية أو الرجل اللبناني يتفوّق على هؤلاء؟ أهم قول برأيي هو "لا تقل أصلي وفصلي أبداً إنما أصل الفتى والفتاة ما قد حصل"، تلك يعملن بجهد ليعيشوا حياة كريمة، يستحقون الاحترام، لأنها أثيوبية أو فلبينية أو بنغالية وبشرتها سوداء فإذاً هي أٌقلّ ذكاءً وأقل جمالاً، من قال ذلك؟ غسان الشامي: البشاعة أيضاً أنك لم تعد تقول هذه عاملة منزلية أو مساعدة في المنزل، وأنت تعلم أن الكثير من الدول الأوروبية تمنع العاملات، أنك أصبحت تقول هذه أثيوبية أو هذه فلبينية لأنها صفة وهذا تمييز. عمر نشّابة: نعم وأسوأ من ذلك أستاذي تقول هذه أثيوبيّتي وسريلانكيّتي وكأنها ملك، هذا رقّ، هذا استعباد للشعوب، هذا خروج عن أبسط المعايير الأخلاقية وهذا قائم ليس فقط في لبنان وإنما في مختلف دول المنطقة العربية. غسان الشامي: وتحديداً في السعودية هناك غرائب دائماً في التعامل مع العاملات البنغلادشيات والإندونيسيات. لديّ سؤال حتى نستطيع أن نكمل، ماذا يجب أن يكون موقف السلطات أولاً من العنصرية تجاه الآخر الإنسان بغض النظر؟ هل هناك في القانون اللبناني ما يجرّم اللفظ العنصري والموقف العنصري والإشارة العنصرية؟ عمر نشّابة: شكراً على هذا السؤال، في لبنان لا يوجد قانون محلّي ولكننا وقّعنا على الاتفاقية الدولية لمكافحة جميع أشكال التمييز. البلد العربي الوحيد برأيي، بحسب معرفتي، نعم في العام الماضي 2018 لديه الآن قانون يجرّم العنصرية والتمييز العنصري هو تونس، هذا البلد وهذا القانون يُفترض أن يكون مثالاً لباقي الأقطار العربية والبرلمانات العربية. أنا أعتقد أن التوجّه يجب أن يكون في القانون، في التربية وفي الإعلام. غسان الشامي: يجب أن يُدعى المشرّعون إلى تجريم العنصرية. عمر نشّابة: صحيح ويجب أيضاً أن نبني ثقافة تربوية تبتعد عن التمييز العنصري وهذا يمكن أن يكون في الكتب المدرسية، مثلاً كتاب الأطفال دائماً نفس الأشخاص، نفس لون البشرة ونفس الأسماء، يجب أن يكون هناك تنوُّع، ألعاب الأطفال أيضاً يجب أن تكون متنوّعة. غسان الشامي: للأسف فاتنا الوقت، أشكرك دكتور نشّابة. عمر نشّابة: أشكرك على استضافتي. غسان الشامي: تقتضي الإنسانية محاربة العنصرية، ورغم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قبل 71 عاماً أي بعيد الحرب العالمية الثانية لا تزال تتفشّى وآخر وأسخف تبدياتها هي أقوال وأفعال دونالد ترامب. الشكر للدكتور عمر نشّابة على مشاركتنا في تسليط الضوء على هذه الآفة، والشكر لزملائي في البرنامج على مشاركتي في قرع الأجراس، تحيّتي لكل من يتابعنا، سلام عليكم وسلام لكم.