أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

الشباب والتحديات بين الإسلام والواقع

 

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنة مثواكم.

يعيش الشباب العربي والمسلم اليوم في خضم تحديات لا مثيل لها ولا نظير لها في التاريخ العربي والإسلامي. وعلى الرغم من أن النسمة العربية والإسلامية قوامها الشباب بالدرجة الأولى إلا أن الحكومات والدول لم تضع استراتيجيات في الاستفادة من هذه الطاقة البشرية، وهو الأمر الذي جعل شبابنا يسيرون بغير هدى استراتيجي. فالهوية العربية والإسلامية شبه ضائعة وذلك نتيجة سيطرة الإعلام الصهيوني والغربي على الساحة العالمية وتأثر الشباب العربي بهذا الإعلام الذي نجح في توجيه خطاب غريزي لهؤلاء الشباب الذين زادهم التكفير والإرهاب والتخلّف وإخفاق المشاريع القومية وتقديم الدين دوماً بطريقة كلاسيكية وتقليدية في ابتعادهم عن الدين وإضعاف العقيدة وزعزعة الإيمان عن طريق بث الصراعات الفكرية وإثارة الشبوهات ونشر الأفكار والمبادئ الهدّامة.

ومن جهة أخرى، تم تدمير وإفساد اللغة العربية والتهوين من شأنها ووصفها بالقصور، وعدم قدرتها على مواكبة تطوّر العصر، وهو الأمر الذي أحدث الطلاق بين الشباب والقراءات الدينية والعلمية النافعة، وباتت اللغات الأجنبية  لسان الكثير من شبابنا الذين احتل عقولهم الإنترنت ووسائل الاتصال، وبسبب ذلك بات لهم واقع غير واقعنا وجغرافيا فكرية  غير جغرافيتنا. وفاقم انتشار البطالة والمخدّرات وتدّني الدخل الفردي مع انخفاض مستوى المعيشة.

كل ذلك دفع بدوره إلى بروز ظواهر جديدة بين الشباب، كالفساد الأخلاقي، والتحايل لتحصيل المال كما نتجت منه ظاهرة الهجرة وما رافقها من ترك الشباب لأوطانهم والبحث عن أماكن أخرى في الغرب. وظاهرة الإنترنت أوجدت مفاسد عديدة ظهرت على أفواج الشباب ممَن لم يُحسن استخدام هذه الوسيلة، ويكفي أن نذكر أن الإحصائيات تدل على أن نسبة 80 بالمئة ممن يدخلون مقاهي الإنترنت تقل أعمارهم عن ثلاثين سنة وأكثرهم يستخدم الشبكة المعلوماتية لأمور الانحلال واللا أخلاق. وقد تعرّضت شخصانية الشباب للانشقاق والتشظّي بين دنيا افتراضهم حيث البهاء والجمال ودنيا واقعهم حيث الفقر والحرمان.

ولا يوجد في العالم العربي أدنى اهتمام بفئة الشباب فلا توجيهات، ولا استراتيجيات، وحتى صناعة القرار العربي مازالت بيد الحرس القديم الذي استبعد الشباب من صناعة القرار السياسي، والاقتصادي، والزراعي، والثقافي.

الشباب هم عِماد الحضارة والنهضة والتنمية، وهم رقم مُهمَل في استراتيجياتنا، طبعاً إذا كانت لدينا استراتيجيات.

"الشباب والتحديات بين الإسلام والواقع" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من لبنان الحبيب الدكتور علي فضل الله الباحِث والأستاذ الجامعي، ومن القدس الشريف الأستاذ يوسف سمرين الباحِث في الفكر الإسلامي.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

 

كتاب "يسألونني في مشكلات الشباب وهمومهم" أحمد محمّد عبد الله.

جاء في الكتاب الحقيقة أن المتأمّل لأحوال مجتمعاتنا يلحظ وجود خلل في المفاهيم والتصوّرات وربما قصور فَهْم، فإفراط هنا وتفريط هناك أدى ذلك إلى تغيّر ملحوظ في منظومة القِيَم الاجتماعية، فاتسعت الثقوب فبات الأمر صعباً على الراتق، وصرنا وكأننا نتردّى في هاوية سحيقة ما لها من قرار. ولقد اطلعت على بعض من هذه المشاكل من خلال عملي واحتكاكي بالطلبة والطالبات والزميلات والزملاء في كليتي ومن خلال تعاملاتي مع شبكة ممتدة من الجيران والأصدقاء، والأمثلة كثيرة لا تتّسع هذه المساحة لذِكرها.

بيوت تتصدّع من هول ما فيها من مشاكل بين الأزواج وينتهي الأمر إما بالطلاق  أو ببيوت أوْهَن من بيت العنكبوت، فلا سكن ولا مودّة ولا رحمة، وهلّ علينا الوافِد الجديد الإنترنت، وبدلًا من أن نستخدمه في ما يفيد ونوظّفه التوظيف الأمثل انبرى به الكثير منا فعدّوه ملهاة أو أناة لشغل وقت الفراغ وتضييع الوقت.

يحيى أبو زكريا: دكتور علي شبابنا اليوم عندما تتأمّله كتلة ضائعة، كان بالإمكان أن تساهم في صناعة النهضة، بناء الحضارة. لكن للأسف الشديد حال من الضياع المستشري في كل التفاصيل، أفواج كثيرة باتت تعتنق الإلحاد، أفواج كثيرة تخلّت عن الدين، الذهاب نحو التغريب الفرنكوفونية، الأنغلو ساكسونية، الحضارة الغربية. كيف تقرأ اليوم واقع الشباب العربي والمسلم؟

علي فضل الله: بسم الله الرحمن الرحيم أولاً تحية لك صديقي العزيز الدكتور يحيى وللضيف الزميل وللمشاهدين.

يحيى أبو زكريا: حيّاك الله.

علي فضل الله: قضية الشباب هي وجع، وأنا أودّ أن أعبّر عن شكر كبير لطرح هذا الموضوع في حلقة من الحلقات. لا أظن أننا بحاجة وبعد هذه المقدّمة الجميلة أن نؤكّد على دور الشباب وهم أمل المستقبل وهم وهم وهم.

أتصوّر إن هذا الأمر واضح ولكن إذا نظرنا إلى الواقع،  كل الأرقام أو كثير من الأرقام لا أريد أن أكون سلبيًا، كثير من الأرقام ليست مطمئنة في مجال معين، ويمكن أن أتحدث عن مجموعة من المجالات.

أنت حضرتك بسؤالك وكأنك ركّزت على المنظومة الأخلاقية والقِيَم الأخلاقية الموجودة في مجتمعاتنا نجد مثلًا أن عملية ودعني استخدم هذا التعبير تطبيع لمجموعة من الأمور التي كانت منفرة ومرفوضة تمامًا قبل سنوات قليلة أصبحت اليوم مقبولة لنكن صريحين، وأظن بأن هذه الطاولة تسمح بكثير من الصراحة مثلًا موضوع ما يُسمّى تلطيفًا المثلية الجنسية، ليس من باب النقاش الحقوقي.

يحيى أبو زكريا: ويتحدّثون عنها علنية.

علي فضل الله: قبل عشر سنوات أعطي مثالًا، وأنا أتحدّث من لبنان جرت تظاهرة تطالب بين هلالين بحقوق المثليين، ونحن طبعًا نرفضها بشكل كامل.

عملية التطبيع والترويج تؤدّي إلى انتشارها بحد ذاتها، وإذا أردت حجم التمويل والدفع بهذا الاتجاه لا يصدّق وربما كثير من المشاهدين لا يعرفون ماذا يحصل في العالم في هذا الموضوع بالتحديد. فقبل حوالى عشر سنوات جرت تظاهرة أمام مجلس النواب اللبناني دعوة لما يسمّى حقوق المثليين، كم شخص حضر؟ خمسة أشخاص فقط.

اليوم للأسف الشديد هناك جماعات كاملة في لبنان، وممكن أن نتحدّث عن تقسيمات معينة مناطقية أو طائفية بدأت تؤيّد هذا الموضوع، بل أننا شهدنا في لبنان إبن فلان وبنت فلان وكذا يتزاوجون بهذا الشكل المنفر المرفوض تمامًا.

ماذا حدث خلال عشر سنوات؟ وما جرى في لبنان يجري في كثير من الدول الإسلامية والعربية للأسف.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

علي فضل الله: حال من التدهور، ويمكن أن أطرح كمية هائلة من الموضوعات، أنا جئت إليك الآن من الجامعة مباشرة، ترى هواجس الشباب، أسئلتهم.

طرح موضوع التفكّك الأسري موضوع كارثي أية نظرة لنِسَب الطلاق مثلًا في العالم العربي في مصر، في دول الخليج، في بعض دول شمال إفريقيا في العالم حتى. نحن لسنا مستقلين عن العالم، العالم كله في مشكلة أعلى نسبة طلاق في العالم بالدنمارك 76 بالمئة أول خمس سنوات زواج، ولكن عندما أرى في بعض بلداننا النِسَب عالية 30 و40 و50 في المئة أول خمس سنوات زواج، إذًا هناك كارثة ووباء يجب التصدّي له.

يحيى أبو زكريا: وقبل فترة كنت مع أحد القضاة الشرعيين وكان بصَدَد تطليق فقلت له جئناك في حال زواج قال عجيب كنت مع أحد الشباب الذي أراد الزواج وقال لي 80 بالمئة من حالات الطلاق تتم ها هنا،إذًا الأرقام خطيرة ومقلقة.

علي فضل الله: طبعاً حتى نكون نحن موضوعيين أحيانًا الطلاق ضروري بل يكون واجباً ربما، ولكن نقبل بنسبة تحت الـ 3 في المئة يكون أمرًا مقبولًا وطبيعيًا، وفي حالات استثنائية. لكن ما يلفتني جدًا هو أسباب الطلاق. سابقًا كانت أسباب الطلاق عظيمة كبيرة الذي يؤدّي إلى الطلاق في كل مجتماعاتنا كارثة كبيرة، خيانة، أمر خطير تهديد. اليوم أسباب الطلاق تافهة أدعو أي شخص مهتم لزيارة أي محكمة إن كانت شرعية أو حتى مدنية ولينظر لأسباب الطلاق حتى في أوروبا وأميركا ما هي أسباب الطلاق الأسباب الدافَعة للطلاق أغلبها تافِهة.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

علي فضل الله: أغلبها ناتج من عدّم التحمّل وعدم الصبر، أين هذه البيئة؟

يحيى أبو زكريا: ومردّها إلى الوسواس الخنّاس للأسف الشديد كما تقول مجلة بريطانية 50 بالمئة من حالات الطلاق في بريطانيا مردّها إلى وسائط الاتصال.

دعني أكمل الفكرة مع الأستاذ يوسف.

علي فضل الله: للأسف طبعًا مرتبط بها .

يحيى أبو زكريا: أستاذ يوسف الدكتور علي أشار إلى حال من التفكّك الأسَري، حال من الانحلال الأخلاقي، ما كنا نراه حرامًا بات اليوم حلالًا يكفي أن تدخل إلى يوتيوب على سبيل المثال، فتجد أن مشاهدي متحوّل جنسي في العالم العربي عشرين مليون مشاهد، فيما مثقف يطرح مشروع النهضة لا يدخل هذا المشهد إلا ثلاثة أشخاص أحدهم دخل خطأ، الثاني قد يكون أعمى ضغط على الزر خطأ.

ما السبب؟ لماذا الكتلة الشبابية في العالم العربي تتدحرج إلى الوراء وليس إلى الأمام؟ وحتى لما أردنا أن نستثمر الطاقة الشبابية وجهناها إلى الإرهاب، تأمّل عدد الإرهابيين في كل الساحات العربية.

الشباب ملأوا التكفير، وشغلوا الناس بإرهابهم، بعنفهم، برفعهم البندقية ضد دولهم وجيوشهم.

يوسف سمرين: أهلًا وسهلًا بكم جميعًا أحيّيك وأحيّي ضيفك الكريم. بالنسبة لسؤالك كما تفضل الضيف الكريم أن هناك حالة يمكن رصدها وتغيّراً كاملاً في الأطروحات التي أصبحت حتى علنيةً وتماهيًا مع الخطاب الغربي أعتقد ان هناك اجتياحاً كاملاً. نحن مجتاحون بالخطاب الفردي الليبرالي حتى المنظومة الأخلاقية الغربية بشكل لا تقوى عليها المنظومات السابقة التقليدية والكلاسيكية التي كانت تتعامل ما قبل هذا الاجتياح بنوع من الموازنة والمَنْع، ولكن الاجتياح تم مع الطفرة المعلوماتية وطفرة الإعلام التي استطاع كل شاب كان يمنع من هذه الممارسات بالمَنْع القانوني أو الرقابة الحكومية الآن لا تستطيع أن تمنع الشباب مثلًا من الوصول إلى كتاب معين، أو إلى سماع خطاب آخر.

أعتقد بأن الحل القرآني "ولما أصابتهم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أن هذا قل هو من عند أنفسكم".

نحن لا نستطيع أن نلوم الآخرين على منظوماتهم الأخلاقية، بل علينا أن نراجع أنفسنا على منظوماتنا، منظوماتنا ليست فقط الأخلاقية، بل منظوماتنا الفكرية التي سوف تحفظ علينا قِيَمنا وأخلاقنا في التعامل مع حال الاجتياح السائدة الآن بمعنى ما المعيار؟ وكيف يتم تقييم الوافِد؟ هناك طفرة أو صدمة حداثة نستطيع أن نسمّيها أمام الوافِد سواء على الصعيد التقني أو على صعيد الكتابات أو الأفكار الموجودة، ولا توجد حقيقة منظومات فاعلة بشكل كبير لمواجهة هذا الخطاب وتعزيز القِيَم الفكرية والأخلاقية عند الشباب. مثلًا نحن نرى اليوم الشباب الذي عانى من الكلاسيكية والجمود في الطرح ممكن حتى في الجامعات وفي المدارس وفي الخطاب العام والسائد نستطيع أن نقول يجد أن هذا الخطاب لا يتواءم مع التسارُع الذي يتلقّاه، كل يوم معلومات ومنظومات أخلاقية، وكل يوم تأتي فيجد نفسه منساقًا مع الوعي الجمعي العالمي على الأقل. يقول لك إذا كل أوروبا تقول بهذا الأمر ونحن وضعنا في دولنا بهذه الحال فقد ينساق وطبعًا هذا السياق نستطيع أن نقول له أن هناك وجهين:

الوجه الأول وهو التماهي المطلق مع الحال الغربية والأوروبية سواء في قِيَمها الفكرية والأخلاقية بحجّة التقدّم العلمي، والأمر الآخر هو حال التطرّف للرفض المطلق أنت سوف ترفض كل شيء وتحاول إعادة العَجلة إلى الوراء وهذا ما يجعل العاطفة هي الحَكَم وليس منظومة قيمية فكرية حقيقية تستطيع عن طريقها الاستفادة من الآخر من دون أن تتماهى معه وتضييع هويتك ودينك وقِيَمك.

يحيى أبو زكريا: إذًا، الأستاذ يوسف المناعة مفقودة تقريبًا، وهذا ما نعاني منه دكتور علي أن المناعة صارت مفقودة لم نعد نتمتّع بتلك الحصانة.

طبعًا اليوم يبدو أن الأسماء العربية ستتغيّر من عبد الله وعبد الكريم وعبد الرحمن إلى عبد سامسونغ وعبد آيفون وصار هذا النتاج التقني هو الذي يتحكّم في مسار الأجيال بالكامل من خلال هاتف واحد تربط الطفل، تربط الفتاة، بمنظومة ثقافية فكرية مغايرة وهي أسهل.

لماذا نجح الآخرون في توجيه خطاب سهل إلى أجيالنا وخطفوا فيما خطيب المسجد فيما الداعية عبر الشاشة صار لا يقنع أحدًا للأسف الشديد؟

علي فضل الله: أولًا لا بد من التصويب أن هذه مشكلة عالمية، من يسافر كثيرًا سوف يعرف أن كل دول العالم ومجتمعات العالم تواجه هذه المشكلة حتى المجتمعات الغربية نفسها حتى في الغرب نفسه.

يحيى أبو زكريا: لكن المجتمعات الأخرى لا تمتلك الإسلام.

علي فضل الله: صحيح كل واحد لديه منظومة خاصة به.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

علي فضل الله: حتى في الغرب نفسه، الغرب متنوّع جدًا، أوروبا 28 دولة.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

علي فضل الله: الولايات المتحدة 50 ولاية بين الولايات بين الريف والمدينة بين الساحل والداخل، هناك الكثير من الأفكار واللوبيات الضاغطة ودعاوى تُرفع في المحاكم الفدرالية العليا مثلًا أو المحاكم حول هذا الموضوع أو ذاك الموضوع. هناك ضغط ورفض لبعض الأمور وهذا أمر جلي، ذكرت الآن حادثة مثلًا في الولايات المتحدة الأميركية قبل أن أتحدث عن بلداننا دعوة شهيرة جدًا حصلت بين لوبيات الأهل والمدارس والجمعيات المحافظة، وهي لوبيات قوية جدًا وبين شركات إنتاج أفلام الألعاب الالكترونية باعتباره هذا أمر وجيه جدًا. أنا لا أعرف أين الانتليجانسيا الأميركية؟ وأين الجامعات الأميركية؟ وأين النخبة الفكرية الأميركية أمام هذا التنازع القانوني للجان الأهل والمجموعات المحافظة؟ كلها دفعت باتجاه يا أخي هناك ألعاب إلكترونية تصدر للأطفال فيها دماء وفيها عنف وفيها جنس وفيها وفيها الخ.

يحيى أبو زكريا: سحاق؟

علي فضل الله: فيها شيء غير عادي يجب أن يحال هذا الأمر دون أعمار معينة ويصبح في رايتينغ سيستم معين الخ.

لم يصلوا إلى نتيجة فوصلت إلى المحكمة الفدرالية العليا بكل إمكاناتها وكل قدراتها فحكمت لصالح الشركات، وليس لصالح الناس على الإطلاق. فبالتالي هناك عملية تخريب أعتقد في هذا الموضوع وفي مجتمعاتنا بالتحديد عندما نتحدث، وكنت تتحدث عن وسائل التواصل الاجتماعي الفايسبوك يدخل إليه يوميا 700000 مشترك جديد، وأفلام اليوتيوب لوحدها إذا شاهدت الأفلام بشكل ترتيبي تحتاج إلى 5000 سنة من المشاهدة المتواصلة مع أن اليوتيوب تلغي حوالى 11 بالمئة من إصدارها السنوي ومن إنتجاتها السنوية وكل وسائل التواصل الاجتماعي، هناك توسّع غير عادي، عشرات مليارات الرسائل يوميًا. هذا الجهاز بالتحديد الهاتف وصل إلى كل يد وأتذكّر الآن إحصاء لفتني جدًا أنه في العالم العربي يوجد عدد هواتف محمولة خليوي أكثر من عدد العرب عدد الهواتف بين يديّ العرب هو أكثر من عدد العرب.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

علي فضل الله: هذا يعني أن هناك شرائح من الناس تحمل أكثر من هاتف هاتفين أو ثلاثة حتى تكون النسبة على هذا الشكل. وكما ذكرت اليوم ليس هناك أمر مخبّأ، لدينا إحصاءات كاملة وتفصيلية وتصنيفات ما الذي يشاهده الشباب السعودي في الوقت الفلاني والموضوع الفلاني.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

علي فضل الله: نستطيع أن نعرف ما هو النوع الذي يشاهدونه كذا وكذا.

يحيى أبو زكريا: حتى شركة غوغل أشارت إلى أن شبابًا عربيا في دولة خليجية صرفوا ملياري دولار على شراء أفلام خلاعة بالبطاقات الإئتمانية ملياري دولار!

علي فضل الله: الأرقام في العالم خيالية، أودّ لفت نظر المشاهدين أن ربع الإنترنت إباحي اليوم 25 بالمئة هناك عملية تخريب كبيرة. أنا شخصيًا ليس من الضروري أن يتهموننا بالمؤامرة تقاطع إرادات يا أخي، هناك حكومات عميقة دول عميقة ، الحاكمون الفعليون في العالم ليس من صالحهم أن هذه الكتلة الشبابية الهائلة في العالم أن تفكّر بالثورة والتغيير والإصلاح، فبالتالي الأفضل أن يغرقوا في المخدّرات، ربما نتحدث عن المخدّرات أو وسائل التواصل الاجتماعي والتفاهات والدعارة وكذا.

يحيى أبو زكريا: يقينًا.

علي فضل الله: يا أخي الدعارة في العالم الرقم المعلن 120 أو 150 مليار دولار بحسب الأرقام هناك تخريب ثم تخريب ثم تخريب.

يحيى أبو زكريا: أغنى من إنتاج النفط والغاز واليورانيوم.

علي فضل الله: مثلًا فيلم واحد تنتجه هوليود بقيمة نصف مليار دولار حضرتك مفكّر وكل مَن يستمع ويشاهد هذا البرنامج أظن لديه مستوى معين ما الفكرة من برنامج مكلف 500 مليون دولار، وأحيانًا درامة تافهة، وأصل الفكرة بسيط إنما مؤثّرات عظيمة وإنتاج وفي النهاية هناك فكرة متضمّنة خطيرة جدًا.

يحيى أبو زكريا: والدليل على هذا التأثير أن يأتينا ممثل تركي ونبكي عند أقدامه وأغنية إباحية في مكان مقدّس.

علي فضل الله: وأغنية إباحية وأغنية إباحية في مكان مقدّس للأسف.

يحيى أبو زكريا: وتلك لعَمري قاصِمة الظهر.

مشاهدينا فاصل قصير ثم نعود إليكم فابقوا معنا.

 

كتاب" آثار العولمة على عقيدة الشباب" عبد القادر صوفية.

تركت العولمة بصماتها على الكثير من أبناء المسلمين فأثّرت على عقائدهم، وزعزعت قِيَمهم، وزهّدتهم في دينهم وتشريعاته وأحكامه. وهذا الكتاب قد انصبّ الحديث فيه على آثار العولمة على عقائد الشباب وانحصرت في أربعة:

أحدهما التشكيك في الدين ومصادره وأحكامه وتشريعاته، فهو أسهل طريق لمحاربته والنَيْل منه. والثاني في الإيمان بالغيبيات عمومًا، فالعولمة أثّرت على عقيدة الكثير من المسلمين ولاسيما الشباب في الله عزّ وجلّ وفي الملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، وغيرها من الغيبيات بين تشكيك وقلّة يقين وضعف إيمان بالحساب ولا مُبالاة بالعواقب واستهتار بالحلال والحرام. والثالث في القضاء والقدر على وجه الخصوص، فقد استغلّ دُعاة العولمة واقع المسلمين لتوجيه الملامة إلى الإسلام وإلى عقيدة القدر بشكل خاص باعتبارها على حد زعمهم مسؤولة عن الركود والسكون والسلبية والتهويمات التي يعيشها المسلمون في العصر الحديث. ولقد ظهرت آثار في حياة المسلمين من خلال القول بالجبر والاحتجاج بالقدر على فعل المُنكرات أو ترك الطاعات. والرابع في عقيدة الولاء والبراء، فالعولمة ستقضي عليها تدريجاً وتكسر حاجزها. لا من يقلّد الكافر في الهدي الظاهر قد يقوده ذلك على وجه التدرّج الخفّي إلى التأثر باعتقاداته الباطلة.

نسأل الله بمنّه وكرمه أن يقي المسلمين شرور أعدائهم، إنه جوّاد كريم.

 

المحور الثاني

 

كتاب"العنف بين الشباب والمُراهقين" ألفرد وجيه.

جاء على غلاف الكتاب للثقافة التي ينشرها الإعلام خاصة المرئية منه الدور الأكبر في نشر ثقافة العنف بين الشباب. فأفلام الأكشن كما يسمّونها ولون الدماء التي تغطي كل شيء، فيعتاد الإنسان رؤيتها مع تبجيل أصحاب البطولة في هذه الأفلام والمسلسلات حتى يتوهّم الشباب أن البطولة في الضرب والقتل والسلب والنهب فتصبح هذه الثقافة هي السائِدة وخصوصًا حين ما يتقمّص الصبي دور البطل، ويعيش معه في عقليّته وداخليّته من دون نظر إلى التاريخ الذي يحكي عنه الفيلم أو المسلسل أو النظر إلى الاختلاف بين الواقع المُعاش وزمن القصة المرئية، ولكنها شئنا أم أبينا ثقافة تتسلل إلينا وإلى شبابنا. من هذا كله أن الإعلام جعل هؤلاء هم القدوة يتصدّرون صفحات الجرائد والمجلات ويعتلون المنابر الإعلامية ويُستضافون على موائد برامجها. وكأنهم أبطال حقيقيون ما يجعل الأبناء يتمنّون أن يكونوا أمثالهم فعلًا.

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلًا بكم من جديد، من أدرك حلقتنا الآن نحن نعالج موضوع الشباب وهمومه بين الواقع والإسلام. وأذكّر ببعض الكتب منها "يسألونني في مشكلات الشباب وهمومهم"، ولما قرأت هذا الكتاب صدمت حقيقة "العنف بين الشباب والمراهقين" وهو دراسة قيّمة "وآثار العولمة على عقيدة الشباب" وللأسف الشديد أعلن إنما كتب للشباب ضئيل جدًا، بينما كتب على الجهاد والسيف وعذاب القبر ما لا يحصى عدّه. أخذونا إلى المعركة الغربية وتركنا معركة الواقع للغربيين.

أستاذ يوسف، كيف نعزّز الآن المناعة في واقعنا العربي في ظلّ ما تلوناه من إشكالات ومُعضلات؟

يوسف سمرين: طبعًا القضية كما تفضّل الضيف لما قال إنها مشكلة عالمية هي مشكلة في النظام العالمي عندما تم اجتياح الرأسمالية نحن في عصر رأسمالي عصر استهلاكي لأبعد حد حتى منظومة القِيَم تصبح أحيانًا تتاجر بها مقابل ربح تصبح في الختام، تصبح كل قضية قابلة للبيع والشراء والشركة نفسها يمكن تبيع أخلاقاً وممكن تبيع اللا أخلاق، المهم الربح حتى في موضوع الإسلام أيضًا تمّت المُتاجرة به، ومن ذلك ما سلّط عليه كتاب "إسلام السوق"، فيصبح كل شيء قابل للربح لأية درجة كيف يمكن إنقاذ أو وجود مناعة أمام الرأسمال الذي يجتاح ثقافة الاستهلاك أي بيع كل شيء وشراء كل شيء، الإباحة والتحريم تابعة للنتيجة المالية الربح والخسارة، فأنت قد تتبنّى مبدأً، ثم تخلع هذا المبدأ في أول فرصة عندما يدفع أكثر.

هذا الاجتياح الرأسمالي أمام المُثقّفين وأمام المُفكّرين وأمام الناس الذين يسعون للإصلاح جهود عظيمة، واحدة من الجهود العظيمة هو معرفة المشكل الاساسي من دون توزيع الجهود، تعرف أنه قد يكون هناك تشتيت جهود شاملة تتحدّث في كل شيء عمليًا لن تستطيع أن تتحدّث بشيء مُحدّد. واحدة من الأسباب الأساسية هي قضية معرفة أننا نحن كدول مُجتاحة رأسماليًا أصلًا غير صناعية تابعة للدول الصناعية مطمح كل الدول الرأسمالية عليها من باب الربح واستثمار مواردها والاستفادة.

طبعًا الشباب هم جنود الاحتياط للبطالة في الختام هو لا يجد عملاً، لا يجد حتى خطاباً يحتويه، أو يجعله يجد معنىً في الحياة. طبعًا هذه كلها مشكلات واحدة من الأمور التي تدفعنا لتحصين الشباب هو التحليل الاجتماعي والظروف الاجتماعية التي دفعتهم إلى هذا، الأسباب المادية ليس فقط، الأسباب الثقافية مثلًا قضية الاستغلال حتى في بلدانهم عندما يشعر أنه استغلّ وأنه لا يحقّق الحد الأدنى للإنسان السويّ في العالم، حتمًا هذا الرجل سوف يكون أكثر عُرضة للانحراف أو محاولة الهروب من الواقع بأية صورة كانت سواء كان انحرافًا فكريًا، أو حتى اللا مُبالاة الدينية أو الفكرية.

هذه لا تزال قد تكون أكثر إشكالية بالنهاية لا مُبالاة أمام قضايانا، أمام مشكلاتنا المركزية كمسلمين حتى لا مُبالاة في الكون والوجود فلا يعنيه شيء يصبح كائناً عدمياً فقط يعيش على قوت يومه، وينتظر أن يخرج ثاني يوم إلى العمل، وإذا حصل له أن يسرق سرقة صغيرة لتحسين وضعه، فيبرّر ذلك بأن هنالك مَن يسرق السرقة الأكبر من دون أن تتم محاسبته.

طبعًا هذه الحال التي وصلنا إليها لا شك أن الجماعات الفاعلة حتى الجماعات الدعوية أو حتى خطاب المساجد ودور رجال الدين لا شك أن هذا هو أمر مهم جدًا التركيز ليس فقط على الخطاب الوَعظي من دون تغيير واقعي.

أنت عندما تأتي لشخص وتقول له عليك ألا تفعل وألا تفعل، قد يتأثر بموعظتك لكن تأثره ثانوي، لن تجد له حلولاً على صعيد العمل، على صعيد حقوقه كقوانين كسقف أدنى للأجور في دولنا العربية ونحو ذلك.

طبعًا هؤلاء الشباب الذي يعاني قسم منهم من البطالة، إلى أية درجة سوف يكون الخطاب الوَعظي من دون برامج حقيقية في استثمارهم واستثمار طاقاتهم وفي تحسين ظروفهم؟ طبعًا قد يهرب من الواقع بانحراف فكري وقد ينفجر بصورة جنونية ندفع نحن ثمنها والشعب العربي هو الذي يدفع الثمن والأبرياء هم الذي يدفعون لأنه هذا سوف يكون عنفًا أهوج.

يحيى أبو زكريا: أستاذ يوسف قلت قد ينفجر هذا الشباب، وربما هذا يفسّر إلى حد ما سيكلوجيًا بسبب توجّه الإرهابيين إلى جهاد النكاح، إلى بيع السبايا، أو شراء السبايا المسيحيات، الأيزيديات حتى المسلمات، واتخاذ الجنس ذريعة لذلك بحجّة الشرع، ثم يضع يده عليها قال الله أكبر انتهت صارت حلالًا له. إذًا نحن أمام مشكلة دكتور علي.

ما يربكك أكثر أن محاولات الحماية مُلغاة لا وجود لها، أنت بربّك رأيت دولة عربية تهتم بالشباب، حتى عندنا وزير الشباب، فكر الشباب عنده الطبل والمزمار ودعوة الراقصات والمغنيات، هذا فكر الشباب.

علي فضل الله: يكون عمره 70 سنة 80 سنة.

يحيى أبو زكريا: لا توجد لدينا استراتيجيات للشباب، هذا على صعيد دولة، على صعيد الأحزاب والمجتمع المدني أيضًا لا يوجد للأسف الشديد تجد خطيب مسجد يرتقي المنبر، ويحث الناس على الزواج. إذا ذهب إليه شاب فقير، قال له يا شيخ ساعدني على الزواج يطرده ويلعنه لعنة واسعة.

نحن أمام الإنشاء والخطب الإدعائية الدغمائية، الغرب كيف لا يكتسحنا هو قادم هو زلزلنا، بركننا، فجّرنا.

علي فضل الله: كما تحدّثت عن موضوع حركات التكفير كرد فعل أحيانًا قد تكون على فشل منظومات معينة أنظمة عسكرية حكمت لعقود من الزمن فشلت في استنهاض العالم العربي، هناك رقم معبّر يقول إن الانتحاريين ما بين سوريا والعراق وسيناء واليمن وكذا حوالى 7000 خلال فترة عشر سنوات معدل أعمار هؤلاء الانتحاريين 25 عاماً فقط. إذًا هم من شريحة الشباب بنسبة عالية.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

علي فضل الله: المتعلّمون من هؤلاء الانتحاريين كانوا إما مهندسين أو طلاب هندسة وهذا أمر يستحق حلقة بمفرده، لماذا؟ وهذا موضوع مهم. لماذا هذا التكفير؟ طبعًا هناك أيديولوجيا متطرّفة شجّعت هؤلاء على فعل ما فعلوا وقد ارتكبوا جرائم، وأنا أتحدّث عن مئات آلاف الضحايا من المدنيين، وهذه الأيديولوجيا المتطرّفة استعمل كتعبير في قرار أمم متحدة، قرار أممي عبّر هذا التعبير الأيديولوجيا المتطرّفة الباعِثة على دعم هذه الجماعات المسلحة نفس التعبير. فبالتالي هذا التحريض على الإبادة وهو بالمناسبة بالقانون الدولي هو جريمة على كل حال هذا دفع بكثير من الشباب إلى الانغماس في حال سيئة للغاية قدَّمت العالم بأسوأ ما يكون، هذا جانب ومن جانب آخر كما ذكرت وزارات السياحة العربية.

يحيى أبو زكريا: لكن قبل هذا دكتور علي وأنا طبعًا لا أبرّر الإرهاب، وأنا ضد العنف قلبًا وقالبًا، لكن أنا رأيت بعض الشباب في الجزائر، وسوريا من الذين تناقشنا معهم يسكن في بيت قصديري أو كوخ خشبي مع عشرة من أفراد العائلة، يبحث عن عمل لا يجد عملاً، يذهب ليعرض شكواه على الدولة في خبر كان، لا تستمع إليه نهائيًا، فيأتي هذا الفكر الإرهابي يقول له يا هذا أنت فجِّر نفسك وسوف تستقبلك سبعون حورية، وعندك قصور في الجنة فيفضّل هذا الغنّى الافتراضي الأخروي على بأسه في دار الدنيا. نحن أيضاً نتحمّل مسؤولية توجّه شبابنا إلى هذا.

علي فضل الله: أنا أتحدّث عن أسباب لأية جريمة في العالم بشكل عام، نحن اليوم في مجتمع شديد العنف نحن في القرن العشرين يقول مكنمار قتل 160 مليون إنسان بأعمال عنف فقط في عنف في العالم غير عادي، الولايات المتحدة الأميركية وأعطي مثالًا عنها باعتبارها الدولة الأقوى في العالم ما صرّح به حوالى 20000 حالة عنف مصرّح بها قتل في السنة هو رقم غير عادي بينهم أكثر من 754 طفلاً هذا مؤخرًا.

فبالتالي العنف دائمًا له أسبابه بلا شك، هناك أسباب داخلية ولكن حتى نجتهد في الحل كما نجتهد في المشكلة هناك خير في مجتمعاتنا رغم كل هذا الضغط الهائل، ورغم أن هؤلاء الشباب يدفعون بشكل كبير نحو أحد احتمالين، إما التطرّف الشديد ورفض الآخر والعمل على إقصائه، أو الانحلال الكامل، وأحيانًا نجد مزيجًا غريبًا من الأمرين وأنا أدعو دكتور يحيى للبحث في هذا الأمر، هناك بعض مَن نفّذ عمليات انتحارية أو عمليات هجومية هجمات معينة قبل شهرين كان منحلًا ويرتاد نوادٍ ليلية.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

علي فضل الله: وبعد شهرين ببرنامج معين وقد اطلّعنا على بعض هذه البرامج من خلال المتابعة يتحوّل مباشرة إلى شخص يريد الغداء مع الرسول، فبالتالي هذا يحتاج إلى بحث كيف يمكن أن أقارب المسألة؟

يحيى أبو زكريا: هذا حدث في مصر، وفي الجزائر، وفي العراق.

علي فضل الله: في أوروبا وفي بعض العمليات.

يحيى أبو زكريا: بعض المطربين جاؤوا وانضموا إلى داعش صحيح.

علي فضل الله: وأغلبهم  حديثو العهد بالتديّن كما يمكن أن تبحث، وهذا للمزيد من التعمّق. هؤلاء الذين لهم خلفية عسكرية معينة، ثم يصبح متديّنًا فجأة يكون ضابطاً في جيش ما ثم يصبح متديّنًا سطحيًا، أغلبهم سطحيون للغاية على مستوى التديّن أو حديثو العهد بالتديّن يمكن سوقهم مباشرة إلى هذا النوع من الممارسات الخاطئة، لكن لن تجد إطلاقًا متديّنًا حقيقيًا من عائلة متديّنة حقيقية فَهِم التديّن كما يجب يقوم بهذه الأفعال الإجرامية.

هناك خير في مكان ما لا شك أن المنابر والشاشات عليها أن تطوّر أداءها، وكنا نتحدّث تحت الهواء اليوم بدراسات التواصل هناك رقم شهير جدًا أن الكلام نفسه يؤثر 7 في المئة بالآخرين فقط بينما 93 بالمئة من خلال أمور أخرى.

يحيى أبو زكريا: طبعًا، ومن مصاديق هذا الخير أنا أتذكّر قبل ثلاثين سنة أول ما وصلت إلى لبنان وكنت أجري تحقيقات صحافية طلبت من بعض الزملاء أن يأخذونني إلى جبل صافي، في جبل صافي كان مدرسة للمقاومين فرأيت شبابًا يبكون في الليل، ويجاهدون ويناضلون فقلت للذي كان يرافقني أنا أعجب لبنان الذي فيه كل مظاهر الحياة وفيه كل مظاهر.

علي فضل الله: إمكانات الانحلال.

يحيى أبو زكريا: كل مبرّرات السقوط حاضرة، وتجد هؤلاء الشباب الذين سطعوا وانتصروا وحقّقوا لنا النصر.

علي فضل الله: والضدّ يظهر حُسنه الضدّ.

يحيى أبو زكريا: أحسنت نحن مع القلّة التي سوف تُعيد الاعتبار لقِيَمنا بحول الله وقوّته.

أستاذ يوسف الإشكال الآخر أن العولمة التقنية ووسائط الاتصال تتميّز بمسارات فكرية، ثقافية، وللأسف انطلت على كل نسيجنا الثقافي ومشهدنا الثقافي. اليوم الإعلام العربي يُعيد الغناء في نفس المساقات اللحنية وينتج لنا أعمالًا من سنخ ما تقدّمه لنا العولمة. تأمّل مثلًا البرامج الإعلامية العربية النكات، الجنس، البذاءة، السقوط، الانحلال، تأمّل معي الدرامة العربية، الخيانة الزوجية، العشق الممنوع، وما إلى ذلك. تأمّل معي الكتابات الروائية نحن بتنا نكرّر ونستنسخ تجربة السقوط التي يبعثها لنا الغرب، ألا يزيد هذا الإشكال إشكالًا؟

يوسف سمرين: لا شك أن الخطاب الإعلامي يتحمّل جزءًا كبيرًا من المسؤولية خصوصًا أنه يخاطب الملايين والناس تتأثّر، لكن بشكل عام هي وجدت الأرضية  هذه الأرضية دولنا اختُرِقت بشكل كامل أصبح المفهوم الفردي وهو نتيجة حتمية على الموضوع الرأسمالي.

أيضًا التجربة التي نخوضها بشكل واضح ونلمس آثارها علينا كمسلمين وكعرب العالم بشكل عام ودخل فيه، ومثال سريع يوم تحرّكت الآلة الرأسمالية بأوروبا بشراسة خرجت شخصيات مثل ميخائيل باكونن وكان هو رأس الأنركية هي اللاسلطوية التي رأت أن الحل هو هدم الدولة بشكل كامل، ورأت أن هذه منظومة الاستغلال بمعنى أننا إما هنا أمام فردية حتى في الحلول وفردية لطرح الهروب من الواقع. وبالنسبة للإعلام والإشكالات التي يصوّرها قسم منها، ولا أستطيع أن أقول فقط دعائياً، وقسم منها أيضاً يعكس جزءًا من واقعنا لما تمكّنت الفردية وعدم النظرة للمجموع، ففي يوم من الأيام كانت الناس تنظر لمفهوم الجماهير لمفهوم المسلمين لمفهوم العرب كقضايا كقضايا تجمعنا قضايا توحّدنا تعلو على خلافاتنا، فعندما تصبح الأمور فردية ويصبح الفرد مغترباً يشعر أنه في غربة حتى في وطنه بسبب الآلة الرأسمالية التي تستهلكه وتستنزفه. هذا المدخل الوحيد الثقافي الذي سوف يتلقّاه من دون آلة نقدية سوف يأخذ ويقلّد، أو أنه سوف يُحاكي، أو على الأقل يصبح الأمر عاديًا طبيعيًا، النتيجة الحتمية سوف نتصالح مع هذه الأعراض الجانبية للرأسمالية ويجب أن نتقبّلها وتصبح بهذه الطريقة.

القضية بشكل أساسي حتى الآن لا توجد منظومات حقيقية كثورة على الرأسمالية نقديًا وثقافيًا وفكريًا تبرز وتبيّن الإشكالات التي يحدثها هذا النظام العالمي بشكل عام. ما الحلول والبدائل للخروج على هذا الاستغلال التام والفردية والانحلال التي تصيب المجتمعات الرأسمالية والتي تصيبنا بدورها كدول تابعة للمراكز الغربية المستثمرة عندنا في هذه القِيَم وتتجاوز المشاكل ونستطيع أن نقول الأخطاء التي تكرّرت في القرن العشرين من إنتاج سلطوية وشمولية وأخطاء ديكتوتارية ونحو ذلك؟

لا شك نحن الآن أمام معضلة ثقافية وفكرية، دور المُثقّف الجانب الوعظي والأخلاقي يجب أن يتناسب بشكل مُرضي مع جانب فكري يعيد لنا هويتنا وانتماءنا لقضية تجمعنا بدل الحلول الفردية هنا أو هناك، أو الدخول في معارك ليست معاركنا كمسلمين أو كعرب من دون أن نعي.

طبعًا قد يكون الأمر باسم الإسلام لجهل في الدين، لكن له ظروفه. الشاب هذا يشعر أن الدولة وأن المجتمع رماه وألقاه سوف يرى قلنا الحل الأناركي بصورة مختلفة بتعبيرنا نستطيع أن نقول دينياً قد يكون، ولكنه في الحقيقة مستورد من القرن العشرين. لا ننسى أن هذه مشكلة اليسار في يوم من الأيام كانت في العالم ولِدَ شاب ارتكب أعمالاً إرهابية في دول كألمانيا وغيرها لمحاولة التغيير، ولكن بسوء فَهْم للبوصلة أين سوف يتجه؟ وطبعًا استغل واستغل بهذه الطريقة منعتنا من خلال رفع مستوى الجماهير والناس التي تسمعنا ثقافيًا وفكريًا وفلسفيًا، فتصبح عندها عين نقدية ليست عين فقط تشنيعية على الآخر عين تفهم لماذا هذه الظواهر جاءت؟ ليست صدفة، وهناك سلسلة من الأسباب والظروف التي أوصلتنا إلى هذه الحال.

لا شك أن هذه القضية ليست فقط مجرّد وظيفة الخطيب أو الشيخ أو الأكاديمي الجامعي المتخصّص في علم النفس أو الاجتماع أو الاقتصاد. لا شك أنها تحتاج إلى عمل مشترك ومتبادَل للارتقاء والخروج من هذه الحال التي نحن فيها.

يحيى أبو زكريا: نحن دكتور علي إزاء معركة حضارية قوامها نكون أو لا نكون، طبعًا المهدّد في هذه المعركة الهوية الثقافية، القِيَم وديننا الحنيف الذي بذلت لأجل الحفاظ عليه دماء وأرواح ومجهودات علمية أيضًا وحضارية ثقافية جبّارة جدًا.

هل مؤونتنا تكفي بما هو موجود اليوم؟ هل تكفي لمواجهة هذه المعركة الحضارية؟

علي فضل الله: لا شك لدينا أعظم مجموعة قِيَم أثبتها التاريخ، هذه قناعتنا خلقها الله طبعًا وأثبتها التاريخ تعرّضت للكثير من الهجمات عبر 1400 سنة، نعم المطلوب هو إعادة تقديمها بشكل جيد فقط أن نكون مُحدثين أكثر وكل فترة حتى ما نطرحه اليوم قد لا يكون مناسبًا بعد عشر سنوات.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

علي فضل الله: أو عشرين سنة، وهذا أمر ليس إشكاليًا بالتحديد كون الموضوع حول الشباب. الشباب مبدعون، كنت أتحدّث في الجامعة قبل أن آتي إلى هذه الحلقة كان أمامي صف كبير قلت لهم أنتم شباب أريد الآن بعض الأفكار الإبداعية مباشرة، ويمكن أن يطرحوا بعض الأفكار قد تبدو لبعض كبار السن غريبة أو كذا، ولكنها قد تكون نافذة جدًا. اليوم نحن في زمن يمكن أغنية واحدة يطلقها شخص من أميركا اللاتينية يشاهدها أكثر من ستة مليارات إنسان.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

علي فضل الله: ما يقرب من عدد البشر، فهناك طرائق مختلفة إلى حد ما، وهذا أمر ليس تعجيزيًا يحتاج فقط إلى إتاحة مقدار من الحرية في التعبير. ولكن يجب الانتباه للشباب في عدة أمور مهمة جدا تحدّثنا عن نقطتين مرّتا بشكل عابر. هناك موضوع وسائل التواصل الاجتماعي اليوم هذه حقيقة واقعة في يد كل شاب اليوم في بعض الحالات نجد في المدارس في اليابان جرى إحصاء أن طلاب الثانوية حوالى 97 فاصل كذا من طلاب الثانوية العامة في اليابان يحملون هواتف بين أيديهم، وبالتالي هم متّصلون مع العالم بشكل كثيف جدًا، ولا توجد رقابة حقيقية على ما يشاهدون. ويجب الانتباه إلى أمر شديد الأهمية نوجّهه للشباب بالتحديد وحتى لغير الشباب. يا أخي هذه الوسائل مجانية ظاهريًا، كل هذه المنصّات مجانية! ليس هناك شيء مجاني في نظام رأسمالي متوحّش على الإطلاق.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

علي فضل الله: القاعدة تقول كما هو معروف إذا كانت السلعة مجانية فأنت السلعة، أنت تبيع الشركات خصوصية عالية، لماذا؟ وكيف؟ هذه شركات هي أغنى شركات في العالم اليوم وهي تتربّع على سدّة المراتب الأولى في العالم، من أين تأتي بالمال؟ هي تبيع أسرارك وتبيع خصوصياتك إلى كل أنحاء العالم.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

علي فضل الله: عليك أن تنتبه جيدًا جدًا.

يحيى أبو زكريا: وبالمناسبة منصّات الوسائط هي منصّات الموساد الإسرائيلي والمخابرات الأميركية.

علي فضل الله: سهلة جدًا، وهناك أمور علنية وأمور غريبة بهذا الموضوع أدعو إلى بذل بعض الجهد وقراءة شروط الاستخدام، أنت بمجرّد أن تدخل إلى منصّة ما، فكل ما تفعله مِلك لهذه الشركات هذه نقطة ونقطة أخرى في موضوع المخدّرات وهنا أركّز على الموضوع المالي إلى حدٍ ما. وسائل التواصل الاجتماعي ليست مجانية على الإطلاق هي مكلفة جدًا لمَن ألقى السمع وهو بصير.

الأمر الآخر المخدّرات كل مَن لديه دراية ما في موضوع عِلم الاقتصاد سيعرف أن أية سلعة عليها طلب كبير، وهناك عراقيل أمام العرض سيرتفع سعرها حكمًا باعتبار أن هناك صعوبة بالوصول إلى العرض.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

علي فضل الله: وهذا ما ينطبق على المخدّرات بشكل كامل، هي سلعة ورقم منظمة الصحة العالمية يتحدّث 275 مليون شخص تعاطوا المخدّرات ولو مرة في حياتهم من كل عشرين شخص في العالم هناك شخص متعاطٍ للمخدّرات في العالم. ولكن هناك أجهزة دول وقوانين تكافح، وآلاف القتلى سنويًا ضحايا مكافحة هذه الآفة، وهناك مراكز معالجة الإدمان، ثقافة أسرية مجتمعات، إعلام كله ومع ذلك رغم كل هذه العراقيل أمام العرض يلاحظ أن المخدّرات لا يرتفع سعرها. أمر ملفت للغاية، لماذا كل السلع تتضخّم؟ كل السِلع تزداد خصوصًا إذا كان هناك طلب؟ لماذا المخدّرات لا يرتفع سعرها؟

يحيى أبو زكريا: صحيح.

علي فضل الله: أمر ملفت للغاية، لماذا كل السِلع تتضخّم؟ لماذا كل السِلع تزداد؟ لماذا المخدّرات لا يرتفع سعرها؟ الموضوع غير مرتبط بزيادة الزراعة مع أن هناك زيادة للزراعة ببعض الأمور في بعض الحالات. السبب الحقيقي وأيضًا في علم الاقتصاد، أية سِلعة عليها طلب ولا يرتفع سعرها هي سِلعة مدعومة، السؤال مَن يدعم هذه السِلعة؟

يحيى أبو زكريا: صحيح.

علي فضل الله: هذا السؤال جدًا مهم.

يحيى أبو زكريا: صحيح، دعني أقول إن بعض الملفات الأمنية مثلًا في دولة عربية أخيرًا اكتشفت باخرة تقلّ 800 طن من المخدّرات المسوق والموزّع وهم من رجالات الدولة.

علي فضل الله: إسمح لي دكتور يحيى رئيس جهاز مكافحة المخدّرات في إحدى الدول المعروفة توفّى مؤخرًا بجرعة زائدة من المخدّرات. وفي إفغانستان في ظل الوجود الأميركي من 2001 وحتى اليوم 18 سنة أطول وجود أميركي تجاوز تقريبًا حرب فيتنام، للعِلم والأرقام موجودة والمصدر موجود زادت زراعة المخدّرات في أفغانستان، وأفغانستان لوحدها تنتج من المخدّرات ما ينتجه كل العالم مجتمعًا، تفوّق وزاد إنتاج المخدّرات في ظل الوجود الأميركي في أفغانستان أكثر من 3000 ضعف، السؤال كيف؟ ولماذا؟ ومن المعروف أن الاقتصاد غير المنظور أو مداخيل أجهزة أمنية كبرى في العالم يقوم على هذا الإتجار غير المشروع، وتشهد الأرقام أرقامًا مرعبة عندما أجد في مصر أعتقد 10 فاصل 4 من الشعب المصري يتعاطى هذه أرقام رسمية، عندما نجد مثلاً أن سن التعاطي تبدأ بتسع وعشر سنوات في مصر وهي مركز العرب وقلب العرب وقلب الدنيا. من المؤلم للغاية أن تجد هذه الأرقام في دولة عربية مثلًا، ونفس الأرقام موجودة في دول أخرى نجد نسبة المتعاطين في العالم العربي للأسف هي أرقام غير مطمئنة وهي تزداد وبعض النِسَب يقولون في زيادة مئوية بنسبة كذا وكذا. مثلًا نِسَب الانتحار أنا لفتني اليوم بالتحديد دكتور يحيى كنت أقرأ عن مصر أيضًا ومصر نحبّها وعزيزة علينا جدًا أنه في مدارس القاهرة الثانوية جرى إحصاء فتبيّن أن 21 فاصل 7 من طلاب الثانوية يفكّرون بالانتحار، رقم مهول.

 

يحيى أبو زكريا: عندما نقول الشباب نقصد بالشباب قوّة ديناميكية في صناعة الحضارة والنهضة، أنظر الغرب كيف يفكّر؟ كما قال أحد الزعماء الغربيين راجع كتاب "أبيدوا الإسلام، دمّروا أهله". صدَّروا إلى العالم العربي والإسلامي مصانع حبوب منع الحمل والمخدّرات وسوف تشلّون هذه الطاقة. ونحن للأسف الشديد دولنا وحكوماتنا تشلّ هذه الطاقة.

علي فضل الله: يفترض أن تبني، نسبيًا هناك نجاح، وإن كان يبقى خير، نحن نصرّ أن هناك خيراً.

يحيى أبو زكريا: يقينًا سنبحث إن شاء الله في حلقات أخرى عن مزيد من التعقيدات وشبكة المخدّرات تحتاج إلى تفصيل ممل بالأرقام والدلالات.

دكتور علي فضل الله شكرًا جزيلًا لك، الأستاذ يوسف سمرين شكرًا جزيلًا لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها، إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبدًا ودائعه.