أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

التراث العربي المسيحي

التراث العربي المسيحي تاريخياً، من بغداد إلى القاهرة فحلب وجبل لبنان... أعلامه، والمسيحيون في الحضارة العربية ودور اللغة العربية في المسيحية.

 

المحور الأول:

غسان الشامي: أحيّيكم، لطالما تغاضى الكثيرون عن التراث العربي المسيحي وعمّا قدّمه المسيحيون في المشرق ابتداء من الحقبة العباسية في بغداد ثم في القاهرة وصولاً إلى حلب وجبل لبنان. هذا التراث الموجود في مخطوطات تعبّر عن الفكر وعن شخصيات عربية وسريانية مسيحية ما يستدعي أحياناً المقارنة بين اللغتين وصولاً إلى النقاشات اللاهوتية المسيحية الإسلامية. مركز التراث العربي المسيحي للتوثيق والبحث والنشر في الجامعة اليسوعية حافظٌ لهذا التراث وناشرٌ له، وللتذكير صدرت مجلّة المشرق عام 1898 وما تزال وحملت في طيّاتها الكثير من هذا التراث، قبل أن نحاور مدير المركز الأب الدكتور روني الجميّل تقرير عن المركز.  

تقرير:   

أسّس الأب سمير خليل عام 1991 مركز التراث العربي المسيحي للتوثيق والبحث والنشر، وبعد خمس سنوات بات المركز جزءاً من جامعة القديس يوسف ثم صار جزءاً من كلية العلوم الدينية في الجامعة عام 2000.

يسلّط المركز الضوء على التراث العربي المسيحي الديني والثقافي عبر الأبحاث والمؤتمرات والمحاضرات والمنشورات التي تتناول المجالين الديني والدنيوي بهدف إبراز قيمة التراث العربي المسيحي وتدريب الباحثين وتوفير فرص عمل لهم ونشر أعمالهم لتكوين مكتبة عربية مسيحية، وتطال مجالاته البحثية التراث العربي للمسيحيين من القرن الثامن إلى القرن التاسع عشر والعلاقات الإسلامية المسيحية عبر العصور ومساهمة هذا التراث في اللاهوت المسيحي والحضارة العربية ووضع مسيحيي الشرق اليوم ودورهم.

تتبع للمركز مكتبة تضمّ حوالى 35 ألف مجلّد 25% منها بالعربية ووثائق ونحو 1200 ملف عن التراث المسيحي وحوالى 4000 مخطوطة عربية لمؤلّفين مسيحيين.

ومن منشوراته: مجلة كلمة الشرق للدراسات السريانية والعربية المسيحية، مجلة دولية لدراسات الشرق المسيحي، مجموعة التراث العربي المسيحي، مجموعة "تيسوك" وهي نصوص ودراسات حول الشرق المسيحي، مجموعة التراث الثقافي العربي المسيحي وهي نصوص عربية قديمة مع ترجمات ودراسات إيطالية، مجموعة دفاتر الشرق المسيحي بالفرنسية، مجموعة الفكر العربي المسيحي عن حياة ومنشورات المؤلّفين المسيحيين العرب.

غسان الشامي: أهلاً بكم في أجراس المشرق، أهلاً بك أبانا روني ضيفاً عزيزاً سيّدي، أنت أحد حماة هذا التراث، لنبدأ أولاً بالمركز سيّدي، هو عتيق، ما هو موقعه؟ ما هو دوره في إحياء التراث العربي المسيحي؟

روني الجميّل: في الواقع المركز هو تجلٍّ نوعاً ما لالتزام الرهبانية اليسوعية بنشر وإحياء التراث العربي المسيحي، وهذا الدور بدأ قبل المركز والشخصية المشهورة جداً هي الأبونا لويس شيخو الذي بدأ بجمع المخطوطات الموجودة حالياً في المكتبة الشرقية في بيروت، وبعدها بدأ بتنظيم لوائح الكتّاب والكتب وإلى حد ما أعاد إلى التداول أسماء شخصيات كثيرة وكتب كثيرة، وجاءت مجلة المشرق التي تفضّلت بالحديث عنها بهذه التركيبة الرسولية التي تسعى لها الرهبانية، قد نفكّر بما وراءها لكن المركز يأتي في سياق هذه الاستمرارية.

غسان الشامي: لنتحدث قليلاً عن دور المؤسّس وهو الأب لويس شيخو ودور اليسوعيين، كما قلت لدينا المكتبة الشرقية، لدينا الكلية الشرقية وكلها كانت مهتمة بإعادة البحث، نبش هذا التراث.

روني الجميّل: في الواقع الاهتمام كان أوسع من التراث العربي المسيحي، كان التراث المشرقي ككل، اليسوعيون عملوا على السريانيات، على القبطيات أيضاً، عملوا على الأركيولوجيا، على جغرافية المشرق. لويس الذي هو أصلاً من ماردين في شمال سوريا كانت اهتماماته بالمخطوطات، من هنا بدأ بشراء المخطوطات ونشرها، كان ينشر ما يراها مهمة إن في مجلة المشرق أو في منشورات على حدة، ولكن الأمر لم يتوقف مع الأب لويس عند هذا الحد، والمؤسّس المباشر لمركز التراث العربي المسيحي في الجامعة اليسوعية هو الأب سمير خليل.

غسان الشامي: أطال الله في عمره.

روني الجميّل: نعم، التراث العربي المسيحي كان اكتشاف حياة الأب سمير خليل، كان يعمل في ألمانيا وتوصّل إلى اكتشاف كتاب عن تاريخ التراث العربي المسيحي ومن حينها تغيّرت حياته، وفي العام 1991 طلبت منه الرهبانية أن يؤسّس المركز في بيروت بنهاية الحرب اللبنانية، وبعدها دخل المركز إلى الجامعة عام 2000 على ما أظن وأصبح ضمن كلية العلوم الدينية في الجامعة اليسوعية. هناك قبل الأب سمير في التراث العربي المسيحي وبعده، ولا يمكننا أن نتحدث عن التراث العربي المسيحي من دون أن نتحدث عن أبحاثه، وهذه الأبحاث عملياً هي لمخطوطات ونبش وإعادة إحياء لأسماء كانت مُندثرة إلى حد كبير، الأب سمير هناك قبله وبعده ولا نستطيع أن نتحدث عن التراث العربي المسيحي من دون أن نعود إلى ما كتبه وما فكّر به. لقد اهتمّ كثيراً في الفترة الأولى، الفترة العباسية التي هي.    

غسان الشامي: التي هي القمّة.

روني الجميّل: قمّة الإنتاج، قمّة الإبداع الفكري، واهتمّ أيضاً بالقبطيات في فترة من الفترات. 

غسان الشامي: جرّاء معيشته في مصر.

روني الجميّل: هو من عائلة لبنانية ويسمّوْن الشوام الذين ذهبوا إلى مصر في نهاية القرن التاسع عشر، وجدّه كان من الروم الأورثوذكس وأصبحت عائلته في ما بعد من الروم الكاثوليك وهو نفسه أصبح قبطياً كاثوليكياً، وعمل كثيراً في القبطيات وخصوصاً التراث العربي الكلاسيكي أي الفترة العباسية حيث توصّل إلى الحوار مع الإسلام لأنه مهتم بذلك والتزامه بمسألة علاقة الإسلام مع أوروبا والحداثة وكل هذه الأمور، إذاً عمل المخطوطات ليس فقط لإحياء التراث.

غسان الشامي: لماذا اهتمّ اليسوعيون بهذا الأمر؟ الصورة عن اليسوعيين أنهم مُتفرنجون.

روني الجميّل: هذه صورة خاطئة لأنهم هم مَن اخترعوا مفهوم الانثقاف أو التبلّد.  

غسان الشامي: يعني أن يصبح هناك نوع من المثاقفة وأن تكون هذه المثاقفة بلدية.  

روني الجميّل: نعم، أن تدخل الرسالة الإنجيلية في ثقافة البلد الموجودة فيه، الثقافة السياقية، ولأن اليسوعيين هم بالأساس رهبانية مرسلة وقد ذهبوا إلى الأرجنتين وأميركا اللاتينية والصين، كانت لديهم حساسية ثقافية مرهفة أكثر مما كان موجوداً في الكنيسة الكاثوليكية في حينها. حين جاؤوا إلى المشرق كانوا مهتمّين لأنهم يعتبرون أنه كي يتمكنوا من إيصال الرسالة الإنجيلية للناس يجب أن يعرفوا التربة وحساسية الناس وثقافتهم. أظن أن انتباههم للتراث العربي المسيحي يأتي في إطار هذه المنظومة، وأظن أيضاً أن اليسوعيين كانوا في مكان ما قادرين من خلاله على النظر إلى هذا الأمر أكثر من المسيحيين المشرقيين أنفسهم خصوصاً في الفترة العثمانية، مع نظام الملّة أصحبنا مللاً، كل شعب يهتم بتحديد أطره الخاصة، مداه الجغرافي، مداه الثقافي، لغته، الروم أصبحوا هلّينيين أكثر والسريان أصبحوا سريانيين أكثر، وبالتالي هذا التراث العربي الجامع والذي لا يعطيك هوية مميزة عن غيرك التي كانوا يسعون إليها في زمن السلطنة العثمانية كان الميل لوضعه جانباً، حساسية اليسوعيين الإرسالية والواقع أنهم ليسوا من أهل البلد في بداياتهم جعلتهم يلتفتون إلى أن هناك أمراً مهمأ موضوع جانباً.

غسان الشامي: ما هي المخطوطات التي بحوزتكم؟ هل هناك مَن يدعمكم ويمدّكم بالمخطوطات وأنت تعرف أن المخطوطات منتشرة في بيوت وفي أماكن كثيرة في العالم.

روني الجميّل: من جملة الأمور التي قام بها الأب سمير أطال الله في عمره هي جمع صوَر عن مخطوطات، لدينا تقريباً أربعة آلاف مخطوط بين ميكروفيش وميكروفيلم، هو حين بدأ في العام 1991 لم يكن الديجيتال منتشراً بهذه الكثافة، نحن لا نمتلك المخطوطات بحد ذاتها، المخطوطات موجودة في المكتبة الشرقية كما قلت والتي جمعها الأب شيخو والتي اقتنتها في ما بعد الجامعة والمكتبة، ونحن على علاقة وثيقة مع المكتبة التي تبعدنا عنها خمسة أو ستة أمتار. الأب سمير ومن بعده الجامعة ونحن جمعنا صوَراً عن مخطوطات وخصوصاً المكتبات الكبيرة التي بحوزتها الأشياء الثمينة مثل مكتبة الفاتيكان التي فيها مخطوطات عربية مهمة جداً وكرشونية، مخطوطات سيناء المشهورة.

غسان الشامي: قمران.  

روني الجميّل: كلا سيناء سانت كاترين لأنها أقدم المخطوطات العربية الموجودة حالياً، وبالتأكيد موجودة في باريس وفي مكتبات أوروبا كلها تقريباً. عملياً أصبح هناك اهتمام أكبر لدى المركز بإبرام اتفاقيات مع المكتبات التي بحوزتها المخطوطات وهي اتفاقيات مكتوبة في الغرب أما في الشرق ففنجان القهوة أهم من الاتفاقية.   

غسان الشامي: لنبدأ بالتراث العربي المسيحي بحقباته الكبرى تحديداً في الحقبة العباسية، حقبة بغداد أي القرنين التاسع والعاشر، ما هي ملامح هذا التراث؟

روني الجميّل: بداية يجب أن نقول ما هو التراث العربي المسيحي كي نكون متفقين على المصطلح، هو كل ما كتبه المسيحيون باللغة العربية منذ تبنّيهم هذه اللغة إلى الآن إن كان قد كُتب باللغة العربية أو تُرجم إليها لأن المسيحيين ترجموا كميات هائلة إن كان للاستخدام الكنسي في طقوس وقانون كنسي ولاهوت وإلى ما هنالك، آبائيات وكتاب مقدس، أو ترجموا أموراً من الفلسفة اليونانية والطب والعلوم وإلى ما هنالك لكن في السلّة التي فيها الترجمات، وأيضاً هناك ما أنتجوه بالفعل من نصوص باللغة العربية. المركز نفسه يهتم منذ بدايات استخدام اللغة العربية حتى نهاية النهضة، إذا اعتبرنا أن النهضة انتهت مع جبران خليل جبران فإن وفاته هي النهاية.

غسان الشامي: ولكن لنبدأ بالحقبة العباسية.

روني الجميّل: الحقبات هي تقريبية لأنها تتداخل، لدينا الحقبة العباسية كما تفضلت وقلتَ خصوصاً القرنين الأولين، لاحقاً لدينا القاهرة.  

غسان الشامي: القاهرة أي القرنين الثالث عشر والرابع عشر.

روني الجميّل: نعم الفاطميون والمماليك في هذه الفترة ولدينا أيضاً حلب وجبل لبنان.

غسان الشامي: أي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

روني الجميّل: النهضة التي هي عملياً في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين وما قبل النهضة وبداياته في القرن السابع عشر.

غسان الشامي: في الفترة العباسية ما هي الأسماء الكبيرة؟ 

روني الجميّل: بالتأكيد هناك أسماء مهمة جداً، ما قام به المسيحيون في هذه الفترة والذي كان نتيجة حاجة الدولة العباسية هو نقل التراث اليوناني إلى اللغة العربية إما مباشرة من خلال النصوص اليونانية أو من خلال الترجمات التي تمّت في القرن السادس إلى السريانية، فكان هناك محاولة أولى للترجمة ومحاولات أخرى بعد قرن أو قرن ونصف قرن لأن اللغة كانت قد أصبحت منحوتة أكثر وكانت أول محاولة تقريبية إلى حد ما. في هذه الحقبة إذاً بدأوا بالترجمة عبر شخصيات كبيرة ومشهورة من أمثال قسطا بن لوقا الذي ترجم الطب، أيضاً حُنين بن إسحاق وقد ترجما كل التراث اليوناني.

غسان الشامي: حُنين بن إسحاق لديه مئة مؤلَّف.  

روني الجميّل: تقريباً، وهناك شخصية مميزة في هذه الفترة وهو يحيى بن عدي، هم كثر جداً ومنهم يحيى بن عدي الذي كان رئيس مدرسة الفلسفة في بغداد بعد الفارابي الذي كان نفسه تلميذاً لثلاثة مسيحيين نساطرة. لا نحبّ اليوم أن نقول النساطرة ونقول السريان الشرقيين، في هذه الفترة كان السريان هم الذين يقومون بالترجمات، الأمر ليس حصرياً وإنما تقريبي.

غسان الشامي: هذه الفترة شهيرة بوجود أسماء سريانية كبيرة حتى في الطب، آل بختيشوع.

روني الجميّل: نعم بختيشوع العائلة المشهورة.

غسان الشامي: العائلة التي استمرّت على مدى حقبات.   

روني الجميّل: نعم إلى الحد الذي كان يقال فيه إذا أردتَ أن تكون طبيباً يجب أن تكون مسيحياً كي يقصدك الناس، كان المسيحيون مشهورين بهذه المهنة. إذاً في هذه الفترة كانت هناك ترجمات ولاحقاً بدأو بشروحات لهذه الترجمات خصوصاً في المدارس حيث كانوا يقرأون النص ويشرحونه، وبالتالي أصبح هناك كتابات عن الشروحات وبعدها بدأ المسيحيون أنفسهم بالكتابة في كافة العلوم. من الناحية الدينية أولى الأسماء التي نعرفها هناك عمّار البصري وهو سرياني شرقي، لا نعرف عنه عملياً إلا مخطوطاً يحمل كتابين، لم يصلنا سوى هذا المخطوط، أيضاً في هذه الفترة هناك مثال ملكي هو ثيودوروس أبو قرّة وهو مشهور جداً وقد كتب باليونانية والعربية في الوقت نفسه، وأيضاً هناك أبو رائطة التكريتي من هذه الفترة، حينما نقرأ نصوصهم اليوم فإنها تتطلّب منا مجهوداً.

غسان الشامي: لأن عربيتها ثقيلة.

روني الجميّل: نعم عربية قديمة ولكنننا نشعر بالمسائل التي طُرحت في ذلك الوقت وكيف كانوا يتفاعلون مع المحيط المسلم ومع أسئلة المسلمين، شخص كثيودوروس أبو قرّة هو عصري حتى اليوم حين يتحدث عن الحرية وحرية المؤمن أمام الله، في السياق الخاص به تدخل مسألة المعتزلة ونرى كم هو مدرك للإسلام والمسائل اللاهوتية التي يطرحها الإسلام في حينه.   

غسان الشامي: البعض كان يعدّه من الفقهاء، فقيه بالدين الإسلامي.

روني الجميّل: تقريباً، إذاً هذه المرحلة الأولى.

غسان الشامي: لنذهب إلى فاصل دكتور جميّل ونتابع الحقبات. أعزائي انتظرونا بعد الفاصل لنتابع التراث العربي المسيحي مع الأب الدكتور روني الجميّل.

المحور الثاني:

غسان الشامي: تحية لكم من أجراس المشرق، الأب الدكتور روني الجميّل لنتابع الحقبات بعد إذنك، لنذهب إلى الحقبة التي لا يعرفها الكثيرون والتي هي حقبة القاهرة أي الفترة المملوكية والفاطمية، إذا سمحت ما هي ملامحها وأسماؤها؟ بماذا اهتمّت؟

روني الجميّل: إذا كانت المرحلة الأولى هي مرحلة القمّة كما أسميناها حيث التفاعل الحضاري مع العالم اليوناني والسرياني كان في قمّته، المرحلة الثانية هي سقوط بغداد وبدأ تفكّك الدولة العباسية ولمع نجم الفاطميين وصارت القاهرة إلى حد ما مركزاً يتفاعل فيه الفكر، ولكن في حينها كان هناك نوع من الاكتفاء وكأنّ المخاض الحضاري والتفاعل الحضاري وصل إلى قمته، وكانوا في هذه الفترة يجمعون، فترة المجموعات الكبرى، وفي هذه الفترة كان الأقباط هم الأبرز، إذا كانت الحقبة الأولى هي حقبة السريان فهذه الحقبة هي للأقباط، وأسماء مثل أبو البركات أو الصفي بن العسال الذي كان لديه القدرة على الاختزال، جمع المخطوطات وبدأ بضغطها وقدّم مجموعة اختصارات. هناك نصوص فقدناها ولكننا نحتفظ بالاختزال الذي أنجزه الصفي، هناك أيضاً نصّان مهمّان من منطقة السريان هما كتاب المجدل وكتاب أسفار الأسرار اللذان نقوم بنشرهما في المركز، نشرنا القسم الأول والقسم الثاني قيد الطباعة ويليهما الثالث والرابع. الجميل في هذه الفترة هو سقوط الحدود العقائدية، نجد النسطوري وأعتذر على استعمال كلمة نسطوري وسأقول سرياني شرقي، نجده يجمع نصوصاً ملكية أو سريانية غربية كي لا نقول يعقوبية ويضعها في نفس الكتاب مع الإشارة إلى التفصيل الذي لا يتفق معه، وهذه أهمية التراث العربي المسيحي وإحدى ميزاته أن المسيحيين الذين كانوا يتكلّمون بالأساس لغات مختلفة بين القبطية والسريانية واليونانية وإذا ذهبنا ناحية الأرمن أو الكرج الجورجيين أصبح لديهم لغة مشتركة، وأصبحت العربية التي هي في الأساس لغة الإسلام أصبحت لغة اللقاء بين المسيحيين، وهذه ظاهرة مهمة وأظن أن اليسوعيين اهتمّوا بهذا التراث لأنه مكان للقاء وليس للافتراق وتحديد الهويات، هو مكان للتفاعل والتلاقح الحضاري. كتاب أسفار الأسرار، كتاب المجدل، كتب الأقباط مثل "الجوهرة النفيسة في علوم الكنيسة" لإبن سبّاع مثلاً، "مصباح الظلمة في إيضاح الخدمة" لأبو البركات، و"مجموع أصول الدين" للمؤتمن بن العسّال، هذه ميزة هذه الفترة. 

غسان الشامي: العمل يكاد يقارب أن يكون عملاً معجمياً.

روني الجميّل: تقريباً.

غسان الشامي: إلى الحقبة الثالثة لأنه لديّ الكثير من الأسئلة التي هي حلب وجبل لبنان، ميزاتها؟

روني الجميّل: هناك خاصية مسيحية في الأمر لأنه في الحقبتين السابقتين كان التراث العربي المسيحي يمشي على إيقاع الأدب العربي عامة، يعلو حين يشارك المسيحيون في أيام العزّ والانحطاط، في هذه الحقبة حصراً هناك ميزة مسيحية متأتية من الظروف التاريخية التي كانت في ذلك الوقت، ماذا حصل؟ جاء المرسلون ومنهم اليسوعيون والفرنسيسكان والكرمل، وكانت روما قد بدأت بالاهتمام بالمشرقيين وبفكرة إعادة علاقة المسيحية الشرقية مع روما فأرسلت المرسلين من أجل تمهيد أو تحضير لما كان يسمّى العودة، ولكن أوروبا كانت خلف روما في ذلك الوقت وكانت النهضة قد بدأت في أوروبا، فمجيء المرسلين إلى هنا مع الفكر النهضوي إلى حد ما، جاؤوا مع هذا الفكر، ليس هذا فقط بل أخذوا أولادنا إلى روما وقاموا بتعليمهم. المدرسة المارونية التي أسّستها روما لتنشئة الإكليروس الماروني كانت بداية دخول النهضة الأوروبية إلى المدى المشرقي، فالذين تعلّموا هناك وعادوا بدأوا بالترجمة، كميات هائلة من الكتب تُرجمت من أوروبا إن من الإيطالية أو من اللاتينية أو من الفرنسية. هناك بيار فروماج الذي كان راهباً يسوعياً ترجم حوالى 50 كتاباً ومنها كتاب "مروج الأخيار" وهو كتاب مهول، وبالتأكيد ليسوا وحدهم الذين ترجموا لأنهم لم يكونوا متمكّنين من اللغة العربية ولكنهم شكّلوا فريقاً من الناس منهم عبد الله الزاخر وهو مشهور جداً الذي كان يصحّح لجميع الكاثوليكيين تقريباً.                                   

غسان الشامي: الذي أسّس المطبعة.

روني الجميّل: نعم لقد كان في حلب في البداية وعمل مع البطريرك دبّاس الذي جاء بالمطبعة من رومانيا، أول مطبعة عربية في الواقع جاءت إلى حلب في العام 1700، صحيح أن هناك كانت هناك مطبعة في دير مار أنطونيوس قزحيّا لكنها كانت تطبع بالحرف الكرشوني، السرياني، كانت تطبع العربية بالحرف السرياني، أول مطبعة بالحرف العربي كانت في حلب، والبطريرك من خلال علاقته مع بلاد الفلاخ Valachie استطاع الحصول على المخطوطات، إذاً كان عبد الله الزاخر هو الذي يصحّح وكان شخصية هامة في هذه الفترة التي نسمّيها ما قبل النهضة المعروفة، و كان هناك شخصية مهمة في حلب وهو المطران الماروني جرمانوس فرحات.

غسان الشامي: ما زال تمثاله وساحته في حلب القديمة.

روني الجميّل: أتمنى ذلك.

غسان الشامي: ما يزال ونحن صورّنا ذلك بعد تحرير حلب.

روني الجميّل: هناك مخطوطات في حلب منذ أيامه.

غسان الشامي: أعاد إحياء اللغة العربية.

روني الجميّل: وجعل من اللغة العربية لغة مسيحية، ألّف كتباً في القواعد على شاكلة كتب المسلمين عندما يستشهدون بالقرآن، هو ألّف كتباً للمسيحيين مع استشهادات من الكتاب المقدّس. هذه الفترة مهمة نظراً للتأثير الغربي والتلاقح مع أوروبا التي كانت تغلي مع اكتشافها التراث اليوناني واللاتيني القديم وإعادة اكتسابه. أنا عملت على هذه الفترة لأنني أعرف عنها أكثر من الفترات الأخرى وعملت على شخصية عند الروم وهو الياس فخر، في عام 1724 انقسم الروم بين روم كاثوليك وروم أورثوذكس، الياس كان من الأشخاص الذين عملوا مع المرسلين وبعد الانشقاق في صفوف الروم كان هو من ناحية الأورثوذكس وبدأ بكتابة وترجمة نصوص من التراث البيزنطي. كان الكاثوليك والمتكثلكون ومحبّو روما يأخذون من تراث روما، التراث الأوروبي وإن لم يكن بنفس القوة والغزارة. كانت بعض الأوساط تحاول الوقوف بوجه المد الكاثوليكي، كانت تتجه ناحية القسطنطينية واليونان والشخصيات المهمة في ذلك الوقت وتقوم بترجمتها إلى العربية، وهذا مهّد لما سيحصل، وكان هناك أيضاً الإرساليات المصلحة، الإنجيليون الذين جاؤوا إلى لبنان خصوصاً مع إنشاء الجامعة الأميركية، وكل ما عملوه حول الكتاب المقدّس الذي جعل اليسوعيين بالمقابل يقومون بترجمات موازية للكتاب المقدّس، والجمعيات الأدبية التي بدأت بالظهور في نهاية القرن التاسع عشر ووصلنا إلى خروج النهضة من المدى الديني، من الحيّز الديني والكنسي وأصبح لدينا كتّاب وأدباء وإلى ما هنالك تمكّنوا من اللغة العربية وعملوا عليها من ناحية الشعر والأدب والقصّة ومنهم جبران والبساتنة واليازجيين.

غسان الشامي: أبونا يبدو أن الوقت يسيل لكن يتساءل البعض ما الهدف من دراسة هذا التراث بالنسبة للمسيحيين؟

روني الجميّل: هذا مهم، أنا موجود في وسط جامعي والأهداف المباشرة هي أهداف أكاديمية خصوصاً لأننا لغاية الآن نهتم بالشقّ اللاهوتي ولم نتّجه صوب العلوم وإن كان لدينا بعض المشاريع البحثية عن الخيمياء عند عبد يشوع الصوباوي ولكن إجمالاً نحن نعمل في المدى اللاهوتي، فالذين يدرسون اللاهوت هم بحاجة لفَهْم ما حصل، ما التطور الذي حدث بعد الحقبة الآبائية، عندما نتحدث عن التراث اليوناني الآبائي فإننا نضع يوحنا الدمشقي كآخر كاتب آبائي، هذا من المنظور الكاثوليكي. هذا التراث حُمل في ما بعد وكذلك التراث السرياني حُمل وطُوّر ونحن لا نعرف جيداً كيف تطوّر هذا التراث وبحاجة لأناس يقرأون هذه النصوص ويبحثون عنها ويضعونها في سياقها كي نستطيع فَهْم النقلة أو الأمر الإضافي الذي أنجزه اللاهوتيون العرب. بالتأكيد أن كل المسائل التي طرحها الإسلام على المسيحية كانوا مضطرين للحديث عنها.

غسان الشامي: لم يكن لديهم ترف الاختيار.

روني الجميّل:نعم، الأسئلة التي تُطرح الآن في اللاهوت الأوروبي والأميركي طُرحت لدينا منذ قرون والمسيحيون حاولوا إيجاد أجوبة، حاولوا الدخول في حوار لفَهْم الإسلام من الداخل.  

غسان الشامي: هذا ما أكمل به الأب سمير خليل بالمناسبة.

روني الجميّل: نعم، من الناحية الأكاديمية من المهم أن نعرف ماذا قدّم هؤلاء اللاهوتيون لهذا التراث في المجالات المختلفة، المشكلة أننا أحياناً نقول أنهم لم يفعلوا شيئاً.  

غسان الشامي: تصلون إلى هذه النتيجة؟

روني الجميّل: المقاربة الأولى أنه لم يحدث شيء مهم ولكن هذا بالنسبة لي هو تسرّع كبير جداً وهناك نوع من الخمول لأننا بالفعل نجد دُرراً أحياناً، وحتى في الحقبة الأخيرة التي تحدثت عنها نشعر فيها بالتأثير الأوروبي أو البيزنطي على النصوص، فمَن يقرأ بين النصوص وهذا هو عملنا يجد أحياناً نفحة محلية من المهم أن يكتشفها ويعطيها قيمتها. النص الذي عملتُ عليه في أطروحتي هو نص من 150 صفحة ولكنه يضمّ صفحتين أنطاكيتين، من غير الممكن أن يكون قد كتبهما بيزنطي أو لاتيني ولكن كنا نريد أن يتحدث عنهما أحد من هذه المنطقة، مثل الدراسات الآبائية هناك كتب كبيرة ليوحنّا الذهبي الفم نجد فيها مقطعاً درّاً، نحن بحاجة لفعل هذا، هذا من الناحية الأكاديمية والهدف الأكاديمي ولكن وراء هذا الهدف هناك نظرة معينة للمسيحيين أن عملنا يقول للمسيحيين أنتم لستم عابري سبيل في هذه المنطقة، أنتم عملتم في هذه المنطقة، أنتم نَحتُّم هذه اللغة، هذه لغتكم، ونحن في عالم تحوُّل الهويات إلى هويات متقوقعة.

غسان الشامي: البعض يرى أن اللغة العربية تكاد تكون لغة ميتة نتيجة عدم وجود مجامع علمية تضخّها في العصر.

روني الجميّل: بالتأكيد نحن في أزمة ثقافية ولكنها ليست قدراً، إذا أردنا أن نميت اللغة فستموت وهذا هو هدف المركز من دون أن نتحدث عنه بشكل واضح ولكن ما يحرّكنا هو أن هذه اللغة هي لغتنا أيضاً، ولنقول للمسلم إننا كنا شركاء في المخاض الحضاري وفي صناعة التاريخ وإن لم يكن بنفس القوة لأن العدد يلعب لعبته ولكننا لسنا غرباء عن هذا.

غسان الشامي: إذاً دعني أسألك ما الهدف في الدراسات العربية المسيحية عند المسلمين؟ لقد عرفنا ما يريده المسيحيون من هذه الدراسات ولكن ماذا يريد المسلمون منه؟  

روني الجميّل: أظن الرسالة نفسها وهي تقديم اللغة العربية كلغة أصبح فيها تلاقح حضاري وأخذ وردّ وتفاعل مع محيطها، يجعلها لغة غنية واللغة العربية برهنت قدرتها على مواكبة العصر، أنا لا أحب أن أقول مسلمين ومسيحيين ولكننا نضطر أحياناً لأننا نختلف فكرياً في بعض المجالات، أما في ما يخصّ اللغة فهي لغة مشتركة ويهمّني أن أبرهن للأوروبي أن العربي ليس مسلماً فقط. 

غسان الشامي: اللغة هي الفكر والفكر ويجب أن يظهر بلغة معينة.

روني الجميّل: نعم يحتاج إلى يدين.

غسان الشامي: دعني أستفيد من الوقت معك أبونا، مررتَ على السريانية.

روني الجميّل: هل تسمح لي أن أقول شيئاً؟

غسان الشامي: تفضل.   

روني الجميّل: لأنه من المهم أن يعرف المسيحيون أن نشر التراث يجعل الذاكرة التاريخية غير قصيرة، وأن يعرفوا أنهم ليسوا أبناء البارحة لأن لدينا نوع من فقدان الذاكرة الجماعي لأسباب متعدّدة، لذا فالمركز أعاد تمديد الذاكرة وتوسعة جذورها.

غسان الشامي: هل يمكننا هنا إجراء مقارنة ما بين السريانية والعربية؟ أنت ذكرت السريان ودورهم التاريخي واللغة العربية وقربها من السريانية هل من مقارنة عملتم عليها بين هاتين اللغتين؟

روني الجميّل: نحن لا نعمل مباشرة على السريانية وإن كانت كل النشاطات التي تحصل في المركز تضم جانباً عربياً وآخر سريانياً، عادة زملاؤنا في جامعة الكسليك هم الذين يهتمون بالأمر، نحن نهتم بكيفة نقل السريانية إلى العربية، مؤخراً عملنا على كل تراث يعقوب السروجي الذي نُقل إلى العربية، من إحدى ميزات هذا العمل الذي قام به أبونا خليل علوان أننا اكتفشنا أهمية الرجوع إلى هذه المخطوطات العربية التي قد تساعد في إعادة اكتشاف بعض النصوص السريانية التي فقدناها، وأحياناً الترجمات التي كنا نعتبرها ترجمات حرفية لا نفع لها بدأنا نكتشف أنها مفيدة لأن الترجمة الحرفية تجعلنا نعيد بناء النص السرياني من جديد. لا أستطيع أن أقول أكثر من ذلك عن السريانية ولكن المؤكد أن العمل باستدراك قد يكون مفيداً جداً للسريانية.

غسان الشامي: ذكرتَ أمراً مهماً دكتور جميّل وهو السؤال الأخير لأن..

روني الجميّل: انتهى الوقت. 

غسان الشامي: هكذا يبدو، دائماً هناك وقت يجب أن ينتهي، قلتَ أن المسيحيين ساهموا في عصر النهضة بإحياء اللغة العربية لكن الآن اللغة العربية في المدارس المسيحية تكاد تكون على درجة عالية من التراجع، لماذا؟

روني الجميّل: أنا غير متخصّص في الأمر.

غسان الشامي: نحن نعلم ذلك من أولادنا.

روني الجميّل: ولكن أظن أن هذه ظاهرة عابرة للغات، الفرنسيون أيضاً ينتقدون الإملاء الذي تستخدمه الأجيال الصاعدة، أظن أن هذه مسألة عابرة للغات ومرتبطة بوسائل التواصل الاجتماعي وإلى ما هنالك. اللغات حيّة ويجب أن نقبل بموت أشياء وظهور أشياء لا نتحكّم بها أحياناً. أنا لست تشاؤمياً ولا أعلم ما تخبّئه لنا السنوات القادمة ولكن دائماً هناك إمكانية الإبداع وإمكانية الوصل مع ما سبق.      

غسان الشامي: أنا اشكرك سيّدي. نعود إلى التراث لنأخذ منه ما يغني ويجمع ونقبس من أوراقه ملامح لمستقبل، فنحن شعوب أدمنت التغنّي بالماضي والأجدى أن نتغنّى بالآتي انطلاقاً من بهيٍّ مضى. شكري الجزيل للأب الدكتور روني الجميّل، لزملائي في أجراس المشرق والميادين، وقبل إلى اللقاء سلام عليكم وسلام لكم، شكراً.

روني الجميّل: شكراً.