حوار خاص

برنامج مخصص للحوارات الخاصة مع شخصيات بارزة وفاعلة.

هبة اللبدي - أسيرة محررة

 

المحور الأول:

راميا الإبراهيم: مرحباً بكم مشاهدينا، في انتصار لمعركة الإرادة والعزيمة هبة اللبدي تعانق الحرية من سجون الاحتلال في أرضنا المحتلة فلسطين، وعبر معبر الكرامة وللإسم ربما دلالة تعود إلى بلدها الأردن مع مواطنها عبد الرحمن مرعي اللبدي خاضت إضراباً عن الطعام لأكثر من أربعين يوماً، أنهته عقب الاتفاق بين عمّان وتل أبيب على الإفراج عنها وعن اللبدي. يسرّنا أن نستضيف من العاصمة الأردنية الأسيرة الأردنية المُحرَّرة من سجون الاحتلال الإسرائيلي هبة اللبدي، مرحباً بك هبة.

هبة اللبدي: أهلاً بك.

راميا الابراهيم: نحن سعيدون أنك معنا، أريد بدايةً لوددت أن تلخّصي لنا تجربتك منذ اعتقالك حتى وصولك إلى الحرية.

هبة اللبدي: تمّ اعتقالي في عشرين آب، كنت أنا وأمّي وخالتي على معبر الكرامة، وكان سبب زيارتنا الرئيسي هو حضور حفل زفاف إبنة خالتي في نابلس في فلسطين، عندما توقفنا أنا وأمّي وخالتي ختم لأمّي وخالتي، وعندما حان دوري دقّقوا في هويّتي قالوا لي أنت مُخرِّبة، ونريد توقيفك. أجلسي مباشرة ناديت لوالدتي وقلت لها تعالي تم توقيفي، جاءت وجلسنا لنحو ثلث ساعة وجاء ضباط مخابرات من الاحتلال، ثمّ تمّ أخذي إلى منطقة مجاورة تبعد حوالى دقيقتين جلسنا هناك وقالوا لنا وهم يحيطون بنا وقوفًا لا تتحرّكوا. بقينا لحوالى ساعة ثم استدعوا أمّي إلى غرفة لمدة نصف ساعة قبل أن تخرج قالت  لم تبق معي، قلت سألحق بها، ثم جاؤوا ونادوني دخلت إلى غرفة فيها الكثير من آيات القرآن وممر طويل، وجاء مُحقّق جلس معي وطلب مني أن أعرّفه عن نفسي، وما هي مهنتك؟ وماذا تعملين؟ وأين ذهبت خلال حياتك؟ حدّثته عن تفاصيل حياتي سألني، هل هناك أمور أخرى غير ما قلته؟ وسألني عن سفراتي، قال أين تسافرين؟ وأين تذهبين وتعودين؟ وهل هناك ما تخفيه عنا؟ قلت له أمراً مثل ماذا؟ قال هل هناك شيء تريدين البوح به؟ قلت له اسألني، أجيبك. ليس لديّ شيء كنت ذاهبة إلى نابلس لحضور فرح وارتدي فستاناً للحفلة، وهو حفل زفاف وشعوري النفسي فرح قال لي هناك أمر تخفيه عنا ولا تريدين البوح به. جدَّدت القول اسألني لأجيبك عن كل شيء لا يوجد ما أخفيه عنك قال لا، تريدين أن تكوني صريحة معنا نحن طلبنا من والدتك المغادرة، قلت له تذهب إلى أين؟

قال أعدناها إلى يعبد وجيش الدفاع سيصل ويأخذك معنا قلت له أمّي لا تتركني، كيف تركتني أنت؟ ماذا تقول؟ قال لي أمّك ذهبت استوعبي عندها صُدِمت وكانت أول صدمة لي، ثم قال جهّزي نفسك سيأتي جيش الدفاع لأخذك، لم أكن أعرف ما هي التهمة، ولا أيّ شيء. أغلق الباب عليّ بالمفتاح عند الإغلاق شعرت بدلالة كبيرة ارتفع ضغطي وحاولت ضبط نفسي طرقتُ بقوّةٍ على الباب، وطلبت فتحه سأجنّ قال لي نفتح لكن لا تتحرّكي عندها شعرت أنني أتعامل مع عصابة، وليس دولة هم جيش امتلكوا دولة بالعادة الدولة تمتلك جيشاً لكن عندهم العكس شعرت أنني أتعامل مع عصابة عندما أغلقوا الباب عليّ. بالنسبة للخوف لم أخف من شيء لكن تضايقت، لا أتصرّف بحريّتي وهناك مَن يُقيّدني.

راميا الإبراهيم: عندها هبة شعرت بأنه تمّ اعتقالك إسرائيلياً، دخلت في مرحلة التحقيق؟ ما الذي وجّهوه إليك من تهمة في أثناء التحقيق؟ هل بك شيء؟ أم أنت مرتاحة هبة؟ كيف وضعك الصحّي بعد أكثر من 40 يوماً من الإضراب؟ نقدّر ونشكر أن تكوني معنا على الهواء، تفضّلت.

ما الذي وجّهوه إليك من تهمة؟

هبة اللبدي: نعم أكيد ولي الفخر أن أظهر على محطة الميادين ومحطة غسان بن جدو، أنا أفتخر بهذا اعتقلت بالجب العسكري عند الثانية عشرة ظهراً وصلت إلى معتقل بيتحتيكفا عند الثامنة مساء طبعاً لا أكل ولا شرب والظروف الإنسانية معدومة لأنهم احتلال.

عندما وصلت مباشرة أُخِذت إلى التحقيق، عندما جلست حقّق معي وسئلت وسط ظروف قاسية جداً وصعبة، أمضيت 35 يوماً في التحقيق، كان المحقّقون يدخلون كموج البحر عليّ، وكنت أشعر أنني في مسرحية، وهناك أدوار تمثل تارةً مُحقّق جيّد وطوراً غير جيّد. كان هناك ضغط شديد من التاسعة صباحاً حتى الخامسة والنصف فجراً. كانوا يتعمّدون عدم استقراري وحُرِمت من النوم عند الواحدة أكون مشبوحة ومُكيّف الهواء مُسلَّط عليّ طوال الوقت، وكانت الفسحة عند الثانية عشرة ظهراً والسادسة مساءً، ومارسوا كل أنواع الإرهاب النفسي ما أدّى إلى تعب وإرهاق شديدين جداً والتعذيب النفسي والجسدي مورِس عليّ حتى عند الساعة الثانية فجراً، فأصبحت غير قادِرة على فتح عينيّ يحصل صراع لفتحهما بعد إصرار. لم أكن أخشاهم ولا أخاف منهم، ليس لديهم هيبة هم محقّقون حمقى وفاشلون، ليس لديهم أيّ هيبة ولم أكن أشعر بالخوف، لكن دائماً كان هناك شعور بالتعب، إذا بكيت لأنني مُتعَبة وأتمنّى النوم ومن أجل أن أتناول طعاماً نظيفاً، وأتمنّى أن أخرج لأرى الشمس 35 يوماً لا هواء، زنزانة تحت الأرض هناك عالم ثانٍ، هناك وعندما أسير بطريق العودة إلى الزنزانة أتذكّر وأنا أسير معتقل الخيام هذه الصورة مباشرة ظهرت لي عند تحريره صرت أقول معتقل الخيام كان في يوم من الأيام رمزاً للإذلال في جنوب لبنان، ولاحقاُ بقدرة قادر أصبح رمزاً للتحرير، وأكيد هذه المعتقلات ستذهب. هذا كان ما يصبّرني ويمنحني الصمود، لكن نفس الطريقة الممرات الضيّقة ثم أصل إلى زنزانتي وهي الأخيرة يُفتح باب حديد كبير جداً عند فتحه صدمت أيضاً مازال هناك ممر صغير جداً دخلت في الممر، ثم تبعني لأنه لا يتّسع لشخصين ثم عاد وفتح باب حديد آخر، وأدخلني إليه. لم  يكتف بباب واحد بل بابين، ولم يكتف بقفل واحد 4 5 كانت الظروف صعبة جداً حتى كظروف إنسانية بالتحقيق يقول لك أنت إنسان أعطيك فرشاة للأسنان، لكن أكسرها وكنت أبقى واقفة ألف ساعة أفرشي، لكن لا مياه عفنت طبقة لساني لا يفرق مع أحد.

راميا الإبراهيم: هبة متى وجّهوا إليك التهمة؟ لأن ما تقوله صحيفة هآرتس بأن احتجاز هبة اللبدي هو الاشتباه باتصالها بحزب الله هكذا وجّهت إليك التهمة، هذا ما نقلته صحيفة هآرتس الإسرائيلية.

هبة اللبدي: بصراحة أنا لا أحب أن أتحدّث عن مجريات التحقيق، واتخذت قراراُ إلا أنه كان عبارة عن نَسْج وأوهام وتخاريف ظهرت أنها تخاريف وأوهام بعدما أوصلوا لي القرار الإداري بهذه التهمة.

راميا الإبراهيم: لكن وجّهوا إليك مثل هكذا تهمة؟

هبة اللبدي: لا توجد تهمة لأنه وصلني القرار الإداري الذي كما تعلمون هو قرار تعسّفي لا توجد تهمة.

راميا الإبراهيم: صحيح.

هبة اللبدي: أنا أفضّل ألا أتحدَّث عن هذا.

راميا الإبراهيم: سألوك عن زيارتك لبنان؟ أو اعتبروها بوابة للحديث أو التحقيق معك في مكان ما؟

هبة اللبدي: سألوني تفصيلياً عن زيارة لبنان وكانوا يسألونني أين ذهبت؟ قلت إلى مقهى الحمرا والزيتونة باي، فيضرب المُحقّق الإسرائيلي على الطاولة ويقول لي تعرفين أنت أين؟ أنت عند الشاباك والمخابرات الإسرائيلية، أنت ماذا تقولين؟ مقهى الحمرا، قلت له زرت بعلبك وجبيل أخبرته عن الأماكن التي زرتها، هو لم يقتنع كان الموضوع عدم تصديقي ما جعل التحقيق صعباً جداً عليّ.

راميا الإبراهيم: هبة ذكرت معتقل الخيام، وكنت تحاولين إجراء مقارنة بينه وبين ما شهدتيه بأمّ العين هذا سيدفعنا ربما لنفهم كيف تفكّر هبة.

هبة أنت صنعت مثالاً ونموذجاً على أكثر من مستوى. إسمحي لي إن كان على مستوى تقديم الفتاة الجميلة الشابة ذات الإرادة والصمود، فقد خلقت حال التفاف شعبي إن كان في الأردن أو أكثر من ذلك حتى على مواقع التواصل الاجتماعي، تحديّت بإرادة وعزيمة صلبة سجّانك الاحتلال الإسرائيلي وخضت إضراباً عن الطعام أكثر من 42 يوماً، هذا وقف عنده الكثير وحاول أن يفهم كيف تفكّر هبة اللبدي لأنك ذكرت معتقل الخيام. أريد أن أسألك بعض الأسئلة عنك أنت كيف تفكّرين؟ لنعرف كيف خلقت ذلك وسجّلت هذه الظاهرة إن جاز لي التعبير؟ كيف ترين المقاومة في لبنان ومواجهتها مع الاحتلال حتى التحرير؟

هبة اللبدي: كان عُمري 13 عاماً واستيقظت على مشهد عندما حُرِّر الأسرى من معتقل الخيام كان عمري 13 سنة وهذا المشهد رافقني طوال حياتي وحتى الآن بعُمر الـ 32، هذا المشهد لم يغادر ذاكرتي وفرحة خروج الأسرى وعندما رأيت كيف تحرَّرت أرضهم حتى من الأمور التي سئلت عنها في التحقيق لِمَ تحبّين السيّد حسن، وهذا واضح على صفحتي على الفايسبوك، وأوجّه له تحية، وأقول له أحبك كثيراً. وكان كل تحقيقهم لِمَ تحبينهم، قلت له لأنهم حرَّروا أرضهم قال أية أرض قلت له أرض لبنان، قال لي هذه ليست أرضهم، قلت له أرض مَن هذه؟ وهم من أين جاؤوا؟ هل هم شقر وعيونهم زرق وأتوا من أوروبا؟ هذه أرضهم قال لي هؤلاء مدعومون من إيران، قلت له القيود التي تضعها في يديّ صُنِعت في إنكلترا وثياب النوم التي تلبسني إياها صُنِعت في تركيا كما كُتِبَ عليها، ماذا تقول؟

راميا الإبراهيم: ما الذي قاله لك هنا؟ أو بمعنى الجوهر أكثر.

هبة اللبدي: هو يريد أن يوصل لي رسالة إنها ليست أرضهم وهم مدعومون من جهة معينة، أنت أيضاُ ما تلبسني إياه أيضاَ من جهة معينة نفس المنطق هذه أرضهم وهم حرَّروها، وأكيد أن هذا الأمر سأحبّه وأفتخر به وأعتبره رمزاً وخرافياً جداً هذا أكثر أمر كان يضايقهم.

راميا الإبراهيم: هبة فيما كنت أبحث خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي كان هناك هاشتاغ باسمك وأيضاً باسم عبد الرحمن مرعي بأن الحرية لك وكانت هناك حملة كبيرة على مستوى الأردن وأوسع من ذلك. وفي ما تابعته في الأيام لأن هناك مَن تابع صفحتك على فايسبوك وبعض آرائك هناك مَن حاول أن يتراجع خطوة عندما سمع ببعض الآراء بما فيها رؤيتك للأزمة أو الحرب في سوريا. ما الذي تقولينه في هذا الإطار؟

هبة اللبدي: أقول إن موقفي واضح وأفتخر به ولا يهمّني مَن يتضامن معي، موقفي من المقاومة ومن سوريا ومحور المقاومة أنا أحب محور المقاومة جداً هذا ليس له علاقة بما جرى معي واعتقالي من قِبَل الاحتلال، وبالنهاية لكل واحد رأيه وأنا لا أجبره، هو لا يستطيع أن لا يتعاطف معي فقط لأن موقفي مع المقاومة ومحور المقاومة.

راميا الإبراهيم: ما هو موقفك من سوريا؟ في أي إطار لو تشرحيه للمشاهدين سلامة قلبك يا هبة؟

هبة اللبدي: عادي أنا حتى عندما سألني ضابط الشاباك قال لي لِمَ تحبّين سوريا؟ ورأى أنني أحب سوريا جداً. أنا العروبة عندي سوريا، ما هي العروبة من دون سوريا؟ قال لي الشاباك لِمَ تحبّين سوريا؟ أنت لست سوريّة أو لبنانية، قلت له أنا ليس لديّ حدود، سوريا أرضي لبنان أرضي فلسطين أرضي الأردن أرضي هذه حدود وهمية كلها وطني، وأنا في أية بقعة أنا الآن في الأردن في وطني ويبقى هناك جزء ناقص هو فلسطين، وهي أكيد ستتحرَّر قريباً والنصر قريب وفرحت جداً لأن سوريا خلال الأزمة لم تقسَّم وبقيت صامِدة وقوية وعام 2010 عندما فتح معبر ناصيب افتخرت جداً وصرخت على الحدود إنني عدت للدخول إلى سوريا القوية، وستبقى قوية وهذا موقفي واضح وليست لديّ مشكلة به.

راميا الإبراهيم: هبة وأنا أعود إلى ما نُقِل عنك من المحامي الخاص بك برسالةٍ شفهية، وصيّة هبة نقلها بأنه طلبت من أهلها يسامحوها ولا يحزنوا لأنها ستبقى قوية. في لحظتها بماذا كنت تشعرين؟

هبة اللبدي: هل يمكنك إعادة السؤال عذراً؟

راميا الإبراهيم: نقل المحامي عنك وصيّة هبة بأنك طلبت من أهلك المسامحة وألا يحزنوا لأنك ستبقين قوية، بماذا كنت تفكّرين عندما أرسلت هذه الكلمات؟ ولماذا أرسلتها؟

هبة اللبدي: كنت وقتها في حال صعبة نتيجة الإهمال الطبي الكبير جداً في سجون الاحتلال، ومرّت فترة طويلة وأنا مُضرِبة عن الطعام، وكنت أعاني من تسارُع شديد في دقّات القلب، وشعرت أن الأمور ولم يكن لديّ أي تراجع، كنت أقول للمحتل تريد أن تحكم أحكم جثتي، أنا لا أظلم، أنا إنسانة لست مُحزّبة ولا أتبع أحزاباً، وأنا شخص بسيط وعفوي، ولم أقم بأيّ عمل. أنت ظلمتني، وأنا اتخذت موقفاً ولست إمّعة ولا أقبل أنك تظلمني كنت أعرف نفسي أنني سأصل إلى النهاية أنه إن لم يُفرَج عني ويُلغى القرار التعسّفي ستتطوّر الأمور وصحتي تتدهور وربما يحدث شيء لي فطلبت منه إيصال رسالة إلى أهلي.

راميا الإبراهيم: خشيت لأنه ربما ستفقدين حياتك وستستشهدين؟

هبة اللبدي: نعم خشيت لعدّة مرات كان يصيبني ليلاً ضيق تنفّس شديد وتسارُع شديد في دقّات القلب، كنت أعاني وطيلة الـ 42 يوماً حاربتهم بلحمي أنا خرجت بلحمي وأنا لم يكن معي سلاح ولا أي شيء آخر، لكنني حاربتهم وانتصرت عليهم والحمد لله.

راميا الإبراهيم: لأنك قوية يا هبة ونحن نفخر بك حقيقة ولأنك تتحدّثين عن مُشاهداتك بتجربتك الشخصية، ربما نستفيد منها لنسأل أيضاً عن مُشاهداتك حول الأسرى إن كان على مستوى الأردن هناك 21 أسيراً أردنياً في سجون الاحتلال وحوالى 30 مفقوداً لم يتم الكشف عن مصيرهم. كيف يمكن أن تنقلي لنا ما شاهدته إن كان على مستوى أسرى، ربما من مواطنيك في الأردن أو أوسع من ذلك؟

هبة اللبدي: أريد أن أتحدّث بدايةً عندما دخلت إلى سجن الدامون وقابلت الأسيرات، بقيت هناك ثمانية أيام أول مشهد شاهدته هو مشهد الأسيرة إسراء جعابيص صُدِمت وحصل معي انهيار عصبي، حروق في وجهها ويديها وكان أصعب مشهد أراه كان قاسياً جداً. بقيت ثلاثة أيام بلا طعام، كان المشهد قاسياً جداً عليّ، ثم رأيت فتاة تسبَّب الاحتلال بذهاب عينها وأخرى الشظايا في كل جسدها، بنات مقدسيات أحكام تعسّفية بعُمر الورد جميلات جداً 15 و16 سنة كبروا وتربّوا في السجن أحكام بلغت العشرين وأحكام بـ 16 عاماً من السجن. تمزّقت من الداخل وهذا كلام لا أقبل به شعرت أن عليّ مسؤولة كبيرة وضغطت وبقيت ثمانية أيام على أعصابي لم أحتمل نفسي وكان السجن أصعب عليّ ورؤية الأسيرات من التحقيق والإضراب نفسه، وعندما شاهدت كل هذا شعرت أن على كل إنسان ألا يقبل بالظلم ويتمرّد بأية طريقة لأن ليس الحل أن تبقى جالساً وصامتاً، بل الحل أن تتّخذ خطوة، خطوة ستوصلك إلى الانتصار لأنك على حق.

بالنسبة إلى الأسرى الأردنيين أنا لم أكن أعلم أن هناك أسرى أردنيين 21 أسيراً عندما خرجت عرفت عنهم، وأنا أطالب وزارة الخارجية أن تهتم بهم، وأشكر جلالة الملك الذي اهتم بموضوعي، ووزارة الخارجية والديوان الملكي والمخابرات الأردنية كلهم الكل اهتمّ بي وأتمنّى أن يسري هذا الاهتمام على الأسرى الـ 21 ويعود الكل لأهلهم لأن قهراً كبيراً وظلماً كبيراً في السجن، يا ليت أنا لا أشعر بطعم الحرية بالمرة صح أنا بين أهلي لكن صعب جداً عليّ عندما أتذكّر المعاناة والذلّ الذي يعانيه الأسرى والقهر، هم يوصلوك إلى مرحلة القهر ولا يكتفون. الاحتلال قائم ويعيش على قهر الشعب الفلسطيني ولا يكتفي فقط بقهرهم بل يجب أن يراك مقهوراً حتى يعيش ولا يرضى بقهرك فقط بل يجب أن تبقى مقهوراً إلى الأبد، أمر صعب جداً.

راميا الإبراهيم: نحن نقدّر كل المشاعر التي تشعرين بها هبة نفهمها ونثمّنها عالياً بالمناسبة وهي نموذج للقوّة التي يمكن الاعتداد بها خصوصاً لأننا نركّز على أنك شابة ليس فقط في العُمر، وإنما أيضاً كفتاة يعني أخت الرجال إن جاز التعبير. يا هبة أريد أن أسألك متى أخذت القرار بأن تُضربي عن الطعام؟ وكيف وجدت بأن ذلك الخيار يمكن البناء عليه؟ وبالتالي تحصلين من خلاله على حريتك.

هبة اللبدي: أنا أريد أن أشكر المحامي الأستاذ رسلان محاجلة من مدينة أمّ الفحم ونجله الأستاذ خالد محاجلة من مدينة أمّ الفحم الفلسطينية، كانت توجيهاتهم مهمة ودعمهم لي كان ممتازاً، كانوا كجهة قانونية يتوجّهون معي ومع المحكمة اللاشرعية، وكنت أسير معهم ومع القضاء طوال الوقت حتى صدور القرار، وعندما تسلّمت القرار وكنت في سجن الدامون قالوا لي هذا قرار إداري تعسّفي من دون تهمة. أول ما تسلّمت القرار قلت لهم أنا مُضرِبة عن الطعام ضد هذا القرار التعسّفي، الكل تحدّث معي وكان شعور الأسيرات متعاطفاً معي وقيل هناك الكثير من الأسيرات والأسماء الكبيرة لم يضربوا أنت ستُضربين قلت لهم شكلكم لا تعرفون مَن هبة؟ لا تتأثر بقرار أحد وعندما اتخذ أيّ قرار أعرف إلى أين سأصل ولا أخشى من شيء لكنهم خافوا على صحّتي، وحاولوا توضيح الصورة وفي أول يومين كنت هناك قيل لي ستتقيئين دماً وأموراً صعبة ولن تستطيعي التحمّل. الموضوع صعب ولن تتحمّلي وستُعزَلين في مكان مخيف وسيتم التحرّش بك قلت لهم المبدأ أهم ولا يهّمني شيئاً، المبدأ هو الأهم قيل لي هذا سيؤثر على قدرتك على الإنجاب في المستقبل قلت لهم أنا إن أردت التضحية بالمبدأ من أجل الأطفال لا أستحق أن يكون لديّ أطفال، ولا أستحق الحرية. أنا سأبقى ثابتة على موقفي ومبدئي ولا يعنيني أي أمر آخر وبلّغتهم بالقرار، ضباط الشاباك والمخابرات أخذوا القرار على محمل السخرية، الكل ضحك عليّ وقال لي ستُكسَرين كم ستستطيعين التحمّل ثلاثة أربعة أيام أو أسبوع ستُكسَرين قالوا لي سننقلك إلى مكان معزول، قلت له أنقلني نُقلِت إلى زنزانة معزولة وسط ظروف قاسية جداً مرعبة نمل وصراصير تتسلّق عليّ فراش مُعفّن لا شمس ولا هواء ظروف صعبة جداً.

راميا الإبراهيم: واتخذت القرار بالإضراب عن الطعام هبة رغم ذلك؟

هبة اللبدي: نعم اتّخذت القرار بالإضراب عن الطعام ومر قادة الشمال والجنوب والمنطقة والوسط يمرون على الزنزانة الأسبوع الأول ستُكسَرين ستُكسَرين بعد 24 يوماً اخذوا هبة على محمل الجد تبدّلت اللهجة بعد أن كانت ستُكسَرين، إلى أين ستصلين؟ قلت له إلى الموت أو أخرجني لأنك ظلمتني فبدأوا التفاوض معي بكافة الطرق، وعندما تدهورت صحتي نُقلِت إلى مستشفى حيفا وكانت الظروف هناك صعبة جداً وقاسية وتحتاج إلى شرح مطوّل وجاءني أيضاً قائد المنطقة هناك، وكنت مُقيّدة اليدين والقدمين وتعبانة جداً، وقوات خاصة تحيط بي ورشاشات وكانت ظروف للمرة الأولى في حياتي أراها قال لي صوتك عال جداً يا هبة وصل العالم، وطلب مني فكّ الإضراب وقال تعرفين لِمَ؟ قلت له لماذا قال لي سنقوم بتخديرك قلت له لِمَ تخدّرني قال لي الطبيب قال يجب أن تخدَّري نهائياً وهذا بعد التظاهرات، وأشكر الداخل الفلسطيني وحيفا الفلسطينية، وأشكرهم جميعاً عندما كنت أسمع أصواتهم في غرفتي، وأنا أتعذّب كان صوتهم يخفّف عني شكراً من الروح. عندما شاهد قائد منطقة الشمال في السجون هذه الضغوط قال لي هبة غداً سنخدّرك، الطبيب سيخدّرك وتصبحين بحال موت سريري جهّزي نفسك لأنه علاج مُكثّف ووضعك سيّئ جداً، استعدّي كي أخاف أو أتراجع عن الإضراب قلت له أخلص من رؤيتك، خدّر لم يخدّروني  أبداً، كان كله فقط مجرّد تهويل وكان يعتقد أنه يتعامل مع فتاة تخاف. أنا لا أخشى شيئاً، كل حاجز يضعه لي أكسره وصلت معه قال لي أنت صخر وعنيدة جداً. نحن لم نر مثلك قلت له لست أنا عنيدة أنت مَن ظلمني وأصدر حكماً ظالماً، وأنا أقف في وجهك.

راميا الإبراهيم: تذكرين آخر أيام الإضراب هبة، كيف كنت؟ وذكرت فلسطين في محيطك الحركة الالتفافية التي جرت من أجلك في داخل أراضينا المحتلة فلسطين. ما الذي تذكرينه في آخر أيامك أيضاً حول هذه الحركة؟ هل زارك أحد؟

هبة اللبدي:  كيف يعني أحد زارني؟

راميا الإبراهيم: من فلسطين من داخل أراضينا المحتلة في فلسطين أو فقط تتحدّثين عن تظاهرات؟

هبة اللبدي: فقط تظاهرات، وأريد أن أقول لك أن فريق المحامين الذين كانوا يقفون معي خمسة محامين الأستاذ المحامي الخاص الذي وكّلوه أهلي الأستاذ رسلان محاجلة ونجله الأستاذ خالد محاجلة، وأيضاً الفريق الذي معهم الأستاذة حنان الخطيب والمحامية الإنسانة تغريد جهشان والأستاذ سامر سمعان من مؤسّسة  الضمير. هؤلاء الخمسة كانوا فريق عمل فلسطيني مرعب دعموني بقوّة، كانوا ينسّقون مع بعض وكنا جميعاً بصمود أسطوري، وكنت أشعر أن أبي وأمّي أمامي، وأنا عندما خرجت شعرت بأنه يجب ألا أحضن أمّي وأبي، بل الأستاذ رسلان وخالد وحنان وتغريد وسامر.

راميا الإبراهيم: الذين تطوّعوا أيضاً فريق الدفاع من أجلك يا هبة. هبة لأنه الوقت للأسف قصّرناه لأنه نقدّر وضعك الصحي وكنت معنا على الهواء. ولذلك الوقت بهذا الحجم حدّدناه على أمل أن نلقاك ونشاهدك وتحضرين معنا وتكون لك إطلالات. لكن أريد منك بدقيقة لو سمحت هذه التجربة كيف يمكن أن تستثمرينها بهذا الوعي السياسي؟ حتى بالنظر لاستثمار أن قضيتك وصلت إلى العالمية لأنه من خلال قضية الأسرى أفهم منك بأنك تحملين جانباً منها بعد هذه التجربة.

هبة اللبدي: أنا أعتبر نفسي خلقت حالة وكسرت حاجز الرعب، وكسرت حاجز الخوف وأريد من كل الأسيرات أن يكن أقوياء مثلي أريدهن ألا يخفن عندما يقولون لأسيرة لن تذهبي إلى مستشفى وهي تتعذّب وتتألّم تقف في وجههم وتقول لهم سأضرب عن الطعام، لا يخفن، عليهم مقاومة المحتل باللحم الحيّ  لأنه لا خيار لنا إلا المقاومة باللحم الحيّ لأن هؤلاء لا يفقهون إلا لغة القوّة وصراعنا معهم صراع وجود، ويجب على الكل أن يقف ولا يشعر بالخوف ويتمسّك حتى اللحظة الأخيرة بمبدئه.

راميا الإبراهيم: بكل الأحوال أشكرك جزيل الشكر هبة اللبدي الأسيرة الأردنية المُحرَّرة كنتِ معنا من العاصمة الأردنية عمان أشكرك جزيل الشكر. نحن فخورون وممتّنون وشاكرون ومقدّرون ومثمّنون.

هبة اللبدي: أنا أحبّكم جداً جداً أحبّكم أحبّكم.

راميا الإبراهيم: ونحن أيضاً، وأنا أيضاً سأقوم بنفس الحركة وإن كنت أنا مذيعة وعلى الهواء لأننا نشعر بأنك تمثلين المرأة العربية المقاوِمة التي يمكن أن تشعرنا بالأمل لاستمرار القضية الحق حتى التحرير وكل قضايا التحرّر الوطني. هبة اللبدي شكراً لأنك كنتِ معنا في إطلالة عبر الميادين بعد تحرّرك من الأسر بقوّتك وعزيمتك.

شكراً كنت معنا من العاصمة الأردنية.

والشكر لكم مشاهدينا إلى اللقاء.