أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

الأنسنة والإنسان في القرآن الكريم

 

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم وجعل الجنة مثواكم. القرآن الكريم الذي أريد له أن يكون كتاب هداية وإرشاد للإنسان والإنسانية، وهو ليس كتابًا قُطريًا، أو يتعلّق بجغرافية معينة أو مذهب معين. فالله رب العالمين أراد كتابه أن يكون ذا سِمة إنسانية وعالمية برغم محاولات بعض المسلمين لتحويل الكتاب إلى منبر مذهبي أو طائفي أو مفاهيمي ضيّق، وعندما نؤكّد على إنسانية القرآن واهتمامه بالأنسنة فيجب أن نهتم ونستنبط الأبعاد الإنسانية في تعاليم الدين وتشريعاته ومقاصده والتركيز عليه لتتّسع القواسم المشتركة بين الإنسانية قاطبة. وأنسنة الدين في بُعده الآخر تكريس تعاليمه لخدمة الإنسانية والبشرية جمعاء.

قال تعالى "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" كما ورد في سورة الأنبياء. إن كلمة إسلام في القرآن ليس لها ذلك المعنى العقائدي واللاهوتي والثقافي الذي كان قد فرض نفسه على مدار تاريخ المسلمين، والذي قتل إنسانية القرآن هو الخطاب المُتشدّد الذي أعدم السعادة والفرحة وحوّل الإنسان إلى كائن إقصائي استئصالي لا يؤمن بالآخر الإنساني.

إن القرآن غني وثري بالقِيَم الإنسانية والروحية والأخلاقية، وقد حدث أن رحلت وظيفة القرآن والإسلام بشكل عام إلى سياقات ضد الإنسان، إلى سياقات دغمائية، ديماغوجية غليظة وعنيفة. إن تسييس الدين هو الآفة الكبرى التي ابتليت بها مجتمعاتنا وأنتجت آثارًا مرعبة ومصاديق مغايرة للإنسانية والأنسنة، والمطلوب اليوم العودة إلى إنسانية الإسلام وأنسنة القرآن.

يقول مارسال بوازار في كتابه"الجوانب الإنسانية في الإسلام"، لا شك في أن الوَحي الديني قد ظهر في منطقة الشرق الأوسط مهد لديانات التوحيد الثلاث، ولعلّ الإسلام يعتبر المتجلّي الأخير والأكمل للحضارة في هذه المنطقة في العالم. ولقد نفذت أفكاره إلى أوروبا وآسيا باللغة العربية عبر البحر الأبيض المتوسّط وفوق جبال برانس، والإسلام باعتباره دينًا وفق المعاني الاشتقاقية الثلاثة لكلمة الدين في اللغة الفرنسية، فإنه يقتضي من ناحية اختيارًا تطوعيًا، أو اختيارًا حرًا بالخضوع إلى شريعة وإلى قواعد للأخلاق وممارسة الشعائر كما يستلزم من ناحية أخرى تصنيف تراث إنساني خاص والحفاظ عليه، فمن ثوابت الإسلام تكريم الإنسان وكفالة حقوقه وحرياته، والتكريم في الإسلام ليس خاصًا بشعب أو عرق أو ملّة، بل هو تكريم عام لجنس الإنسان من دون الالتفات إلى لونه أو جنسه أو مُعتقده.

قال تعالى"ولقد كرَّمنا بني آدم وحملناه في البر والبحر ورزقناه من الطيّبات وفضّلناه على كثير ممَن خلقنا تفضيلاً". والسؤال لماذا لم يقدّم المسلمون الإنسانية والأنسنة في دينهم وقرآنهم؟ ولماذا سمحوا للأدلجة والعَقْدنة والشوفينية أن تأخذ قرآنهم إلى الزوايا الضيّقة والرؤى المشوهّة فيما القرآن كتاب للإنسان وللإنسانية جمعاء؟

"الأنسنة والإنسان في القرآن الكريم" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش الدكتور حسن جابر الكاتب والباحث والمفكر، ومن مصر الحبيبة الدكتور عبد العزيز النجار وكيل وزارة في الأزهر الشريف.

مشاهدينا مرحبًا بكم جميعًا.

يحيى أبو زكريا: دكتور حسن مرحبًا بك.

حسن جابر: مرحبًا بكم.

يحيى أبو زكريا: هل المشروع أن نبحث عن الأنسنة في القرآن عن الإنسان؟ هل القرآن هو كتاب  للمسلمين لمذهبيين بعينهم لثلّة من الذين آمنوا بالكتاب؟ أم أنه كتاب للإنسان بالمُطلَق ويجب أن نبحث عن القواسم المشتركة فيه بين الإنسانية قاطبة؟

حسن جابر: بسم الله الرحمن الرحيم مرة جديدة اختيار موفّق للموضوع.

يحيى أبو زكريا: أعزّك الله.

حسن جابر: لأنه هو بنظري يشكّل مفتاحًا في حال أحسنّا استخدام هذا المفتاح يمكن أن نلج منه إلى كل المنظومة المفاهيمية للقرآن الكريم. فمجرّد الحديث عن الإنسان ومعرفة أبعاد الإنسان في القرآن الكريم هو يشكّل خلفية لفَهْمِ مختلف المفاهيم في القرآن الكريم. فالقرآن الكريم يحتاج إلى قراءة ما هو حاصل الآن إننا نرفع شعارات محكومة بصورة أو بأخرى بالمناخ الفكري العام، لكن ليست هذه الشعارات أو الأفكار هي وليدة تمحيص وبحث دقيق للقرآن الكريم.

المطلوب وهذا ما نعمل عليه هو البحث بدأب وصبر لالتقاط المنطق القرآني المنطق الذي يحكم القرآن بأكمله، وانطلاقًا من هذا، هناك مفاهيم عناوين ومصطلحات تشكّل مفاتيح هي إذا جمعت يمكن أن ترسم لنا الصورة العامة لمفهوم الإنسان بالقرآن الكريم. ليس عبثًا استخدام الكلام عن الأمانة في القرآن الكريم الأمانة هي أمانة الخلق، يعني الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وقدره قدر إمكانياته، وبعد ذلك عرض عليه الأمانة أي أمانة أمانة إمكانية أن يكون إنسانًا كاملًا.

فإذًا بالبداية المطلوب أن يسعى الإنسان إلى الوصول إلى مكنون ماهيته الموجودة في أصل التكوين ولذلك عرضت الأمانة قبل الخلق.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

حسن جابر: وقبلها الإنسان حملها وكان ظلومًا جهولًا لأنها هي مهمة عظيمة وخطيرة، أيضًا أخذ من الإنسان ميثاقًا غليظًا أن يحافظ على كهن الحقيقة الإنسانية فيه، وكيف يمكن أن نعرف أنه تعلّق الميثاق وهذا متعلّق العهد، هو هذا متعلّق الأمانة، هو الآيات التي وردت في القرآن الكريم في أكثر من صورة تتحدّث عن خلق الإنسان وأنه خلق في أحسن تقويم وأحسن تقويم لها علاقة بالقِيَم وليس بالجانب الخلقي.

يحيى أبو زكريا: إذًا القرآن موضوعه الإنسان إن صحّ التعبير هو كتاب موجّه للإنسان مُطلَق إنسان.

حسن جابر: مُطلَق إنسان، ولذلك القرآن الكريم لم يأتِ بقِيَم، الإنسان مفطور على قِيَم الله أودع فينا قِيَماً إنسانية وهذه القِيَم جاء القرآن الكريم ليذكر بها. فإذًا محاولة القول أن القرآن هو إنساني وأنه لديه قِيَم، القِيَم أودعها الله في الإنسان من بداية الخلق.

يحيى أبو زكريا: ضمن الفطرة؟

حسن جابر: بالفطرة، وبالتالي جاء القرآن ليحيي ويوقظ ويحرّك ويذكر وينعش هذه القِيَم الموجودة داخل الإنسان هذه المعادلة ببساطة، ولذلك القِيَم بالأساس إنسانية وجاء القرآن ليذكر بها. وهذا منتهى الانفتاح الديني في القرآن الكريم على البشرية منتهى الانفتاح.

يحيى أبو زكريا: طبعًا. سأذهب إلى مصر لاستكمل الفكرة دكتور عبد العزيز مرحبًا بك. لا شك أن هنالك تقصيراً كبيراً في استنباط المعاني الإنسانية من القرآن الكريم منذ البداية بدل أن يكون القرآن منطلقًا لصناعة معرفة إنسانية اتخذ وسيلة لشرعنة هذا المذهب وذاك المذهب هذه الرؤية العقدية تلك الرؤية العقدية، وبالتالي أعدمنا القِيَم المشتركة الإنسانية وحرمنا الإنسانية من هذا القرآن. هل توافق على هذه المعادلة؟

عبد العزيز النجار: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم تحية لحضرتك وتحية للدكتور حسن جابر، تحية للسادة المشاهدين.

يحيى أبو زكريا: أهلًا وسهلًا.

عبد العزيز النجار: في الحقيقة فحضرتك عندما تتحدّث عن هذا الموضوع، إنه موضوع مهم جدًا جدًا، ونستطيع أن نقول أنه موضوع الساعة. في البداية طبعًا أنا موافق تمامًا تمامًا مع حضرتك أن هذه الصراعات داخل الدين الواحد ما هي إلا صراعات فيها عصبية نستطيع أن نقول إنها صراعات مدعومة الهدف منها، أن تكون هناك فرقة بين أبناء الدين الواحد، لا يمكن أبدًا أن نحصر القرآن الكريم، أو الإسلام على أن هذا خاص بالمسلمين، هذا جهل عند كثير وقصور في التفكير عند كثير ممّا ليس عندهم ثقافة وليس عندهم وعي ديني ولا يستطيعون أن يفهموا مقاصِد القرآن الكريم. لو نظر هؤلاء إلى القرآن الكريم وبثوا "يا أيها الإنسان خطاب القرآن الكريم هو خطاب لجنس الإنسان على مستوى الكرة الأرضية منذ أن هبط جبريل الأمين بالوحي إلى أن ينزع هذا القرآن من الصدور.

إذًا، القرآن هو خطاب للإنسانية جمعاء، هناك قواسم مشتركة بين البشرية بصرف النظر عن المعتقد الديني. هناك أمور كثيرة جدًا لو بحثنا عنها لوجدنا أن نقاط الخلاف هي نقاط قليلة جدًا جدًا لا تستحق هذه الصراعات التي نراها الآن ونشاهدها في العالم، وخاصة في منطقتنا العربية والشرق الأوسط بصفة خاصة، بل نستطيع أن نحصر هذه القِيَم المُختَلف عليها في أشياء كثيرة، وهذا ما تحدّث عنه مثل الإمام الشيخ محمّد عبدو عندما ذهب إلى الغرب قال وجدت إسلامًا بلا مسلمين، وأتيت إلى هنا وجدت مسلمين بلا إسلام. لماذا؟ لأن القِيَم المشتركة استطاع هؤلاء أن يبرزوها في خلال سلوكياتهم ونحن قد ابتعدنا تمامًا عن القِيَم التي جاء الإسلام بها مثل الأخلاق، والصدق والحياء، والأمانة. هناك قضايا كثيرة جدًا جدًا ظهرت في مجتمعاتنا التي هي ذات طبيعة إسلامية وظهرت بصيغة قوانين بصيغة سلوكيات بصيغة آداب عند كثير من البشر.

هذا يظهر أن القرآن كما قال الدكتور جابر لم يأتِ بأمور أو بقِيَم جديد، وإنما هو أبرز هذه القِيَم. الدليل على ذلك أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم سيّدنا محمّد قال "إنما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق"، أي أن الأخلاق هي القواسم المشتركة وهي موجودة من سيّدنا آدم إلى سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وإنما النبي صلّى الله عليه وسلّم أتمّ هذا البناء وهو بناء الأخلاق، كل نبي من الأنبياء جاء من أجل قضية الأخلاق ومن أجل قضية الإنسانية ومن أجل أن يعلّم الإنسان لماذا خُلِق.

يحيى أبو زكريا: دكتور عبد العزيز سأتوقف عند هذه الجملة لأعود إلى الدكتور حسن جابر. دكتور حسن رغم هذا الكلام الجميل الذي نسمعه هنا وهناك إنسانية القرآن، الإسلام دين الإنسانية، لكننا لم نتمكّن على الصعيد الفكري التنظيري أن نؤسّس لكتب، كان دائمًا القرآن ضحية صراعات المسلمين كان يتّخذ منه وسيلة لدحض هذه الفئة، هذه الجماعة شاركنا القرآن معاركنا، وبالتالي أقصيناه عن البُعد الإنساني وهو جاء بموضوع نحن حملناه مواضيع كثيرة. كم أتأسّف عندما اقرأ لمارسال بوازار "إنسانية الإسلام أو الجوانب الإنسانية في الإسلام"، أو كتاب "الإسلام مؤسّس العلوم"، بينما عندما تبحث عن موضوعة الإنسانية في القرآن تجد خمسة كتب ستة كتب عائشة عبد الرحمن بنت الشاطر رحمة الله عليها "قضايا الإنسان في القرآن الكريم" وربما كتاب أبو الحسن الندوي "الإسلام وأثره في الحضارة الإنسانية".

إذًا، نحن الذين أقصينا أنفسنا عن المسرح الدولي، نحن كلّمنا العالم بلغة مذهبية، فقهية جافة، ما كلّمناهم بلغة الإنسان.

حسن جابر: هذه واحدة من مشكلات البحث العلمي في القرآن الكريم أنه إلى الآن ليس ثمة جهود علمية حثيثة لإعادة نبش البحث عن المنظومة العامة للقرآن الكريم. نحن انشغلنا بالمفاهيم وهيمن علينا النتاج الغربي الذي انبهرنا به، فتحوّلنا من باحثين حقيقيين بالواقع، باحثين في الواقع أو باحثين في القرآن الكريم إلى مجرّد مُسوّغين نحن ندافع عن أنفسنا بالقول للغرب، نحن أيضًا لدينا حقوق إنسان. نحن أيضاً نحترم المرأة، نحن كذا ومعظم مفكري وكتاب وباحثي أواخر القرن التاسع عشر والعشرين في عالمنا الإسلامي كانت من أيام رفاعة الطهطاوي عندما ذهب إلى باريس وحصلت تلك الصدمة إلى النصف الثاني من القرن العشرين معظم الكتابات كانت تسويغية فقط من أجل القول للغرب ونحن كذلك، أنتم لديكم هذه المفاهيم ونحن لدينا هذه المفاهيم، لكن المسلمين لم يبحثوا جديًا في هذه المفاهيم ويؤسّسوا لها لذلك جاءت عائمة ليست عميقة الجذور.

حسن جابر: دعني أعضد ما قلته بطريقة أخرى مثل موضوع حقوق المرأة في الغرب نحن عندنا يوجد حديث شريف لم نؤسّس لعِلم تأصيلي لهذا الموضوع. بالضبط والسبب هو ردّة فعل لأننا نحن عادة نتيجة ما اشتغل فيه علينا الأجيال داخل المدارس أن ماضينا هو عريق وحضارتنا هي راقية الخ. ثم صدمنا إننا نحن متخلّفون والغرب سبقنا فكان هذا نوع من ردّة الفعل على هذا الواقع، وهذه الفجوة الواسعة بيننا وبين الغرب، جاء مَن يسوّغ فكتابتنا كانت تبريرية، لكن البحث الحقيقي عن المنطق الذي يحكم القرآن الكريم قليل ما اشتغل عليه حتى السيّد الطبطبائي رحمة الله عليه أنا برأيي من أهم الالتفاتات التي التقطها في التفسير فمن أهم مفاهيم الميزان أنه التقط مفاتيح.

يحيى أبو زكريا: تفسير الميزان.

حسن جابر: حقيقيةً، لكن ما كان ينقص هذه المفاتيح الحقيقية هو إعادة صوغها في إطار بنية شاملة للرؤية القرآنية.

يحيى أبو زكريا: دعني أمضي إلى فاصل من فضلك حتى لا أقطع أفكارك ثم أعود إليك مباشرة.

مشاهدينا فاصل قصير ثم نعود إليكم فابقوا معنا.

 

"مفهوم الإنسان في القرآن الكريم والحديث الشريف" أحمد بوشلطا.

قدمت الدراسة نظرة القرآن الكريم إلى الإنسان من خلال الاستعمال القرآني للفظة الإنسان ومشتقاتها المذكورة في القرآن الكريم من دون التأثر بما قيل عن الإنسان في مختلف الدراسات البعيدة عن روح القرآن الكريم. وبالعودة إل متن الدراسة نجدها قد وزّعت في بابين قسّم كل منهما إلى عدّة فصول:فالباب الأول شمل ثلاثة فصول فصل التعريف الذي تمّ التركيز فيه على الدلالة اللغوية للإنسان ومفهومه في القرآن والحديث. وفصل الخصائص والصفات والعلاقات والذي عالجت الدراسة فيه ورود اللفظ في القرآن والحديث وكذا موقعه ضمن أسرته المفهومية، وعالجت نعوت الإنسان وعيوبه التي كانت في الغالب عيوب قبيحة ألصقت به في القرآن خاصة ثم علاقته التي تعدّدت واختلفت بحكم موقعه الكبير في القرآن والحديث. وفي الفصل الثالث تم التركيز على ضمائم الإنسان ومشتقاته بحثًا وتقصّيًا عن امتدادات اللفظ على هذا المستوى. ويعالج الباب الثاني قضايا الإنسان وقد شملت ثمانية فصول، الفصل الأول عالج مبدأ الإنسان وأصله بما في ذلك خلقه الأول من تراب وخلق نسله من نطفة، والفصل الثاني تكريم الإنسان واستخلافه بما في ذلك تميّزه عن غيره من المخلوقات الأخرى، والفصل الثالث إعداده للخلافة وما شملته العملية من منح وهبت للإنسان من دون غيره مثل العقل والنطق وحُسن التقويم، والفصل الرابع ابتلاء الإنسان كحقيقة هي غاية كبرى من وراء وجوده، والفصل الخامس حالات الإنسان خلال الابتلاء من تضرّع عند مسّ الضرّ وإعراض وجحود إذا ما كشف عنه ضرّه، والفصل السادس الابتلاء والقدر وكيف أن القدر ليس مقيّدًا لإرادة الإنسان وحريته، والفصل السابع وصيّة الإنسان بوالديه ابتلاء تلزم مواجهته بالصبر اللازم عند الابتلاء، والفصل الثامن موت الإنسان وبعثه وحسابه كممرات يسلكها بلا شك ولا ريب. وفي الأخير انتهى البحث إلى خاتمة تعرَّضت لأهم محصّلات الدراسة في الباب الأول والباب الثاني وما شمله من فصول.

المحور الثاني:

"التعايش الإنساني في التصوّر الإسلامي" نور الدين قرات بن حمادي.

إن البداية أو الانطلاقة نحو الخروج من أزماتنا وبناء البديل الحضاري العالمي يكمنان في فَهْم الحال الراهنة للإنسانية جمعاء بحيث ندرس مآسيها وأزماتها التي تزداد كثافة وظلامًا عبر الأيام. الشيء الذي أدّى إلى خلافات خطيرة سرعان ما تحوّلت إلى صراعات فكرية مذهبية وطائفية دينية بين حملة الأديان المختلفة وانقسامات داخل الذين يدينون بالدين الواحد وانشطارات داخل الفِرَق والطوائف. ولذلك اهتم الباحثون والعلماء من المسلمين وغيرهم بموضوع التعايش والتقارب نظرًا إلى تعلّق الموضوع بحياة الناس وتعامُلاتهم في شتّى جوانب الحياة. ونظرًا لكثرة الشبهات المُثارة حول الموضوع نتيجة للظرفية الخاصة والحرجة التي تمر بها الأمّة. وأحببت أن أساهم بشيء في هذا الموضوع منطلقًا من قاعدة شرعية وهي أن الأصل في العلاقات الإنسانية السِلم لا الحرب والرِفق لا العُنف واللين لا الشدّة، والرقّة لا الغَلَظة لأن الإسلام دين ينبعث عن مفهوم إلهي كوني كما قال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: "إن الله بعث محمّداً صلّى الله عليه وسلّم داعيًا ولم يبعثه جابيًا"، أي أنه صلّى الله عليه وسلّم بُعِث مبشرًا ونذيرًا وداعيةً إلى الله على أسس وقِيَم ثابتة وجامعة كالإحسان والتسامُح والحرية والمساواة، بل إن الإسلام احتضن كل القِيَم الإنسانية العليا التي تنظّم المجتمع الإنساني على أساس التعاون والتضامن والسلم والأماني والمحبة والاستقرار، وضبط هذا السلوك الإنساني بكل ما يكفل كرامة الإنسان وينمّي وشائج الاتصال بين الجميع. والمعصوم صلّى الله عليه وسلّم عمل على اقتلاع جذور التعصّب وسدّ كل منافذها حينما قال ليس منّا مَن دعا إلى عصبية، وليس منا مَن قاتل على عصبية، وليس منا مَن مات على عصبية. وحرم حمية الجاهلية فقال"دعوها فإنها منتنة فلا شدّة ولا عُسر ولا تعصّب ولا بُغض ولا حقد بل الرحمة واليُسر والسماحة والعطف والمحبّة.

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلًا بكم من جديد مَن أدرك حلقتنا الآن نحن نعالج موضوع الأنسنة والإنسانية في القرآن الكريم. دكتور حسن كنت تتحدّث عن تفسير الميزان للسيّد محمّد حسين فضل الله؟

حسن جابر: ينطوي هذا التفسير على مفاتيح رائعة يمكن لو العلامة السيّد فضل الله رحمة الله عليه لو اشتغل على وضع هذه المفاتيح في إطار بنية معرفية شاملة لأنجز شيئًا مبكرًا في الثمانينات.

يحيى أبو زكريا: أليس نجاحه يعود إلى فلسفته وعقلانيته أيضًا كونه كتب بداية الحكمة ونهاية الحكمة وأسقط هذا العقل الفلسفي على قراءة القرآن الكريم؟

حسن جابر: وأكثر من ذلك هذا مهم لأنه عقلاني، لكن الأمر الثاني أنه لم يكن مسكونًا بالتراث هو تحرّر من المُسبقات من المفاهيم المُسبَقة وحاول قدر المستطاع أن يتابع وبدأب المفاهيم إلى آخرها من خلال القرآن الكريم، لكن المنهج الذي استخدمه كان لا يسمح له بأكثر من هذا العطاء. هو المنهج التجزيئي تفسير القرآن آية آية، لكن البحث عن المنظومة العامة للقرآن الكريم هي التي يمكن أن تقدّم لنا هذه الرؤية، خذ هذه الالفاتة في القرآن الكريم عندما يتحدّث الله سبحانه وتعالى ويخاطب النبي محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملّتهم" الجواب مهم جدًا "إن هدى الله هو الهدى".

يحيى أبو زكريا: صحيح.

حسن جابر: هذا الجواب هو رسالة تتعدّى الحدود الدينية، الله يقول للنبي محمّد هؤلاء جاهلون الذين لن يرضوا عنك لأنه ليس هناك هداية إلهية للشيعي ولا هداية إلهية للسنّي ولا للمسيحي، إن هدى الله هو الهدى. هناك هداية واحدة إله واحد، وبالتالي تنوّع الديانات لا يعني أن هناك تنوعاً بالهداية الإلهية الإله واحد، وبالتالي أرضية الدين العام هي أرضية واحدة، ولذلك القرآن الكريم يتحدّث عن دين واحد لأنه هداية واحدة إن الدين عند الله الإسلام. صحيح أن الشرائع تنوّعت بين الديانات، لكنها على قاعدة واحدة وهي ديانة واحدة الدين الإلهي، لكن هذه الالفاتة إن هدى الله هو الهدى ولذلك الصراع الذي يدور الآن بين الناس هو صراع عصبوي لا يمتّ بصلة إلى روح القرآن الكريم.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

حسن جابر: القرآن واضح تمامًا يا أخي، مَن قال الفرقة الناجية والفرقة غير الناجية لا هناك هداية إلهية واحدة.

يحيى أبو زكريا: ولهذا عندما يتحدّث القرآن في سياقات أهل الجنة لا يجعل الجنة حكرًا على القرن الأول للإسلام، يعني يتحدّث عن الذين دخلوا إلى الجنة أو سيدخلونها في عهد آدم وفي عهد نوح وفي عهد عيسى وموسى وهي سلسلة.

حسن جابر: لا وهي سلسلة.

يحيى أبو زكريا: أحسنت. دكتور عبد العزيز تارة نقول في الخطاب الإسلامي إن القرآن دين الإنسانية، إن الإسلام دين الإنسانية لكن في المصاديق أبقينا الإسلام في الحيّ، في الزقاق، في الشارع، في التكيّة، في المسجد لم نخرجه إلى القارات الخمس. لا نحن قدّمناه للعالم بلغة يفهمها العالم، ولا استنبطنا منه القِيَم الإنسانية المشتركة التي يؤمن بها الإنسان كل الإنسان. نعم هنالك ناس أدركوا عدالة القرآن وإنسانيته، فولتير على سبيل المثال عندما تحدّث عن القرآن وعدالته وقانونية القرآن هذا اكتشاف وجهد خاص من قِبَل إنسان مفكّر غربي.

نحن لم نبذل أي جهد الله يقول لنا أنا رب العالمين نحن نقول له لا أنت رب السنّة، أنت رب الشيعة، أنت رب الإسماعيلية، أنت رب العلويين، نحن فسّرنا حتى الله بطريقة ضيّقة للأسف الشديد.

عبد العزيز النجار: نعم حقيقي حضرتك ما ذكرته بدليل أن الله عزّ وجلّ جعلنا في كل وقت نردذد الحمد لله رب العالمين ولا تصحّ صلاتنا إلا بها. نبدأ بها كل صلاة ونبدأ بها كل عمل وبدأ بها القرآن، بدأ القرآن بقول بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، إذًا العالمية حتى الرسالة وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين لسيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، حتى الرسالة المحمّدية لا يمكن أبدًا أن نقول هذه رسالة لطائفة بعينها. ولذلك ربنا سبحانه وتعالى قال لا إكراه في الدين الدين كما قال أستاذنا الدكتور جابر هناك فرق بين الدين وبين الشرائع السماوية، إن الدين عند الله الإسلام يعني لا يوجد اختلاف داخل الدين نفسه، لا ينفع أن ننقسم ونكون فرقًا وشيعًا داخل الدين وهذا ما حدث الآن وما يحدث على الساحة جعل حتى نظرة الغرب كما ذكرت حضرتك للإسلام صارت نظرة فيها نفور لأنهم ينظرون إلى السلوكيات والقِيَم والأخلاق التي نتمسّك بها. لا ينظرون لنا وللمنهج والشريعة السماوية، بالتالي نحن لسنا قادرين أن نوصل المنهج الإسلامي الصحيح لدينا، والقِيَم المشتركة لا نستطيع استنباطها وإيصالها إلى الغرب أو إلى القارات الخمس الباقية في العالم لأن فاقِد الشيء لا يعطيه، وحتى نحن لو خاطبناهم وحدّثناهم وقلنا لهم إن إسلامنا يدعو ويدعو ويدعو ومقاصد الشريعة الإسلامية هي 1 2 3 4 هم لا يفهمون سوى لغة الأفعال ولا يفهمون لغة الأقوال. وكما قال في السابق الصوفية إن فعل رجل في ألف رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل.

نحن أمّة لديها انفصام بين المضمون وبين النصوص الشرعية السليمة وبين التطبيق، لو أن هناك تلازماً بين القِيَم والمفاهيم الإسلامية الصحيحة والفَهْم والقراءة الصحيحة لهذه النصوص المتمثلة في القرآن والسنّة، ثم كان بعد ذلك التطبيق المسألة كانت تختلف لأن الله عزّ وجلّ يقول والعصر إن الانسان لفي خُسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات.

إذاً الإنسان كل الإنسان إن لم يكن هذه الإنسانية الموجودة في الشرائع السماوية التي هي في الدين الإسلامي، من أول سيّدنا آدم إلى سيّدنا محمّد هو الدين الإسلامي. هذه الشرائع التي أتت اليهودية، المسيحية، الإسلامية، هذه المُسمّيات هي شرائع سماوية، كلها تدعو إلى نفس المضمون الذي أرسل الله عزّ وجلّ من أجله الرسل، وأنزل الكتب السماوية كلها نزلت من أجل أن تعالج قضية القِيَم وتعالج قضية الأخلاق عند الناس. فلو حدث عندنا انفصام في أننا نتكلّم ونتحدّث عن القِيَم ثم لا نطبّق هذه القِيَم. إذًا، لا أحد يسمع لنا ولا نستطيع أن نحرّك ساكنًا حتى في المحيط الذي نعيش فيه وحتى في داخل الأسرة. لا أستطيع أن أغيّر أبنائي وزوجتي أي أقرب الناس إليّ لأنهم ينظرون إلى أفعالي ولا ينظرون إلى أقوالي. ومن هنا قال ربنا سبحانه وتعالى "يا أيها الذين آمنوا لمَ تقولون ما لا تفعلون كَبر مقتًا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلوا".

إذًا نحن نحتاج إلى التطبيق العملي، ولذلك عندما سئلت السيّدة عائشة عن خلق النبي صلّى الله عليه وسلّم قالت للسائل أما تقرأ القرآن قال بلى، قالت خلقه القرآن النبي صلّى الله عليه وسلّم كل الكتب السماوية قالت إنه كان قرآنا يمشي على الأرض. هل نستطيع نحن الآن كأمّة إسلامية أن ننتسب إلى الإسلام؟ هل نستطيع أن نطبّق كل مبادئ القِيَم الإنسانية المتمثلة في النصوص الشرعية من قرآن وسنّة؟ أم لا هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يسأله كل إنسان.

يحيى أبو زكريا: نعم دكتور عبد العزيز، والإشكال أن الذي يذبح من الوريد إلى الوريد ويفجّر الكنائس والمساجد يقول أنا أسير على هدي القرآن الكريم، فتعال مبدئياً نتّفق على ماهية القرآن الكريم ثم نرى هل تنطبق هذه الماهية على أصل وجودنا.

دكتور حسن واحدة من الإشكالات الكبيرة التي أفرزتها الرؤية الضيّقة للقرآن الكريم، لو وسعنا دائرة الاحتمالات قليلًا وانطلقنا من إنسانية القرآن تعالى كيف طبّق الفقه بنظرته الضيّقة في تعاطيه مع بعض الآيات. يعني الصَدَقة مثلًا أنت يجب أن تعطي الصَدَقة لمسلم ثم تطوّر الموقف لا تعطيها لإبن مذهبك إذا أعطيت أنت لإبن مذهب آخر لا هذه صدقة غير مُجزية هذه لا تكتبها الملائكة وهكذا دواليك وسّعنا  للأسف الشديد ضيقًا وضيقنا واسعًا. وبالتالي الكثير من الاحتمالات انتهت إلى الزقاق الضيّق ما انطلقنا من إنسانية القرآن فيما الإحسان إلى مطلق إنسان جائز ويُثاب عليه صاحبه، أليس كذلك؟

حسن جابر: هو سؤال في الواقع، هل انهمك الفقهاء في العمل على صوغ المفاهيم والفلسفة العامة للقرآن الكريم قبل أن يشرعوا في عملية الاستنباط.

يحيى أبو زكريا: لا للأسف لا.

حسن جابر: ما هو ملزم وما هو حتمي وضروري أنه كيف يمكن أنت أن تشرع في عمل سمته العامة التقنين وأنت لا تمتلك فلسفة هذا التقنين.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

حسن جابر: فلسفة يعني رؤية شاملة مُسبَقة هي تحكم تفكيرك. إذا كانت هذه غير موجودة فما بالك بالنتاج الذي سيحصل بعد عملية الاستنباط.

يحيى أبو زكريا:  مشتّت بالفعل.

حسن جابر: ولذلك ما حصل لدى فقهائنا للأسف أنه قلّما اعتنوا بالقرآن الكريم لجهة القراءة العامة للقرآن الكريم وبهدف الإمساك كما قلنا في بداية الحلقة بالمنطق العام للقرآن، هذا لم يحصل فضلًا عن أن هؤلاء الفقهاء كسائر مَن اشتغل على الفكر الإسلامي هم تأثروا كثيرًا بالإسلام التاريخي بالتجربة.

يحيى أبو زكريا: كانوا أسرى للتاريخ.

حسن جابر: في كل ويلاتها التي هي تدمي فعلًا، فهذا النتاج الفكري للمسلمين هو ليس نتاجًا قرآنيًا صافيًا، وإنما هو نتاج ممزوج بهذه التجربة التاريخية. الآن نظرة المسلمين إلى النصارى محكومة بالتاريخ وليس بالقرآن.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

حسن جابر: نظرتهم إلى الآخر محكومة للتاريخ إلى الآن.

يحيى أبو زكريا: مصطلح الروافِض والنواصِب مازال قائمًا إلى يومنا هذا.

حسن جابر: هو تاريخي ليس له علاقة بالقرآن الكريم.

يحيى أبو زكريا: مازال في القرن الواحد والعشرين؟

حسن جابر: هذا معناه نحن نسكن التاريخ ولا نسكن الحاضر.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

حسن جابر: الأمر الآخر أن المفاهيم منظومة المفاهيم الفقهية التي لا تزال إلى الآن تُدرس ولا يزال مَن يريد الاجتهاد يستنبط فيها هؤلاء مسألة دار حرب ودار إسلام هذه من أين جاءت؟ هذا إسلام تاريخي. أحكام الرق وكثير من المسائل موجودة في كتب الفقه، ويُحشى بها عقل مَن يدخل إلى المعاهد الدينية.

يحيى أبو زكريا: ولهذا الدواعش باعوا النسوة في الموصل على أساس أنهم ما شاء الله يطبّقون الشريعة الإسلامية.

حسن جابر: بالضبط هذا هو الإسلام التاريخي وعندما يتابع واحدًا التاريخ الإسلامي لن يندهش من "داعش" فيقول هؤلاء نماذج معاصرة لتجربة كانت شبيهة بالضبط في فترات.

يحيى أبو زكريا: نسخة من تجربة إسلامية كانت قائمة؟

حسن جابر: ولكن هؤلاء ليسوا مسؤولين عما وصلوا إليه المسؤول هم الفقهاء الذين حشوا أذهان أو عقول هؤلاء الناس بمثل هذه المفاهيم.

يحيى أبو زكريا: صحيح. إذًا للأسف الشديد التقصير الذي حصل في إنتاج معرفة إنسانية ابستميلوجيا إنسانية أفضى بنا إلى أن نتقوقع، وأن لا يفهمنا الآخر ولا يفهمنا العالم. نحن مسؤولون على هذا الاندحار الثقافي؟

حسن جابر: مَن قال إن إنتاج المعرفة يجب أن تبقى في المعاهد الدينية؟ مَن قال؟

يحيى أبو زكريا: هكذا يُقال لأن الشرعية على هذا الفكر ولذلك كفّر مفكّرون غير مُعمّمين علي شريعتي وغيره وغيره وغيره.

حسن جابر: إذا كان عدد الذين ينخرطون في الحوزات العلمية أو المعاهد الدينية النخبة فيها مَن لديهم مؤهّلات للتفكير، وليس كل واحد مؤهّلاً لأن يصبح مفكرًا ومنتجًا للأفكار ومبدعًا.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

حسن جابر: إذا كانت نسبة هؤلاء ضئيلة ننتظر نحن الإصلاح ممَن ننتظر من هؤلاء؟ هؤلاء ربما لا يأتون بجديد والأمّة ماذا تفعل؟ تبقى تجترّ نفس المفاهيم والأفكار التي يتوارثها.

يحيى أبو زكريا: هذا الإشكال نوجّهه للدكتور عبد العزيز. دكتور عبد العزيز كثيرًا ما كان الشيخ محمّد عبدو يقول دخل الأزهر النطيحة والمتردّية والموؤدة وما أكل السبع وما إلى ذلك. وكان يقول مَن قال بالتحقيق قيل عنه زنديق، لماذا ما اهتممنا أو ما أعطينا أيضًا أولوية لعلماء الاجتماع وعلماء النفس والسايكولوجيا وعلماء الاقتصاد ليبحثوا معنا في القرآن الكريم وجعلنا المعرفة القرآنية خاصة بالمشايخ من دون الأفندية إن صحّ التعبير؟ لماذا هذا الظلم في حق القرآن الكريم إذا كان يوجد مفكر اقتصادي واجتماعي ونفسي وإنساني يستطيع أن يستنبط من القرآن معادلات ونظريات؟ لِمَ نقول له إن فكرك غير شرعي لأنك لم تنطلق من الفقه والأصول مثلًا؟

عبد العزيز النجار: طبعًا، بالتأكيد الكلام الذي قاله الإمام المجدّد محمّد عبدو كان كلامًا يتماشى مع عصره، ولكن لا يتماشى مع العصر الحالي الذي نعيشه، فالأزهر منذ ما يقرب من سبعين سنة أو أكثر حصل تطوير لم يعد قاصرًا على المواد الأزهرية فقط. بات هناك أقسام للاجتماع وأقسام لعلم النفس وأقسام للاقتصاد وأقسام للطب، بات الأزهر ينظر للشريعة الإسلامية نظرة شمولية ليست محصورة في الفقه والتفسير والحديث والعلوم، كل مادة من هذه العلوم وجرت مؤتمرات كثيرة جدًا عن إعجاز القرآن يتحدّث فيها علماء العالم بمختلف المجالات، اليوم أي بحث يتم تناوله في الأزهر الشريف في الجامعة أو على مستوى مجمع البحوث الإسلامية أو على أي مستوى من مستويات الأزهر الشريف يكون هذا بحثًا شاملًا ينظر إلى جميع الجوانب الإنسانية، ينظر إلى الآخر ينظر إلى القضايا وثقافة التعايش، وينظر إلى المرأة اليوم على أنها امرأة معاصرة لا يقيس ما يحدث الآن على التاريخ كما قال الدكتور حسن من قبل لأن هناك فترة زمنية كانت تسمّى فترة الجمود الفكري هذه الفترة، ومَن كان يتحدّث عن التحقيق كان يتهم بالزندقة، هذه فترة أضرّت بالإسلام، وأضرّت بالمسلمين وجعلتنا حرّاسًا لنصوص قديمة وتاريخ قديم وفكر قديم كان يصلح لزمن لكن لا يصلح لكل الأزمان، وظلّ في هذه الفترة الأموات يتحكّمون في الأحياء فهم عند ربهم ومع ذلك يقول قال للإمام الفلاني ويقول فلان ونلتزم عند هذا القول يتحكّم فينا وهو على قيد الحياة ويتحكّم فينا فكريًا وهو بين يدي الله عزّ وجلّ.

هذا العصر الآن اندثر تمامًا من فترة وصار هناك انفتاح فكري على كل العالم اليوم، ترى حضرتك مؤتمرات الأزهر الشريف تجد فيها كل العلماء فيها السنّة والشيعة وتجد فيها كل الأطياف وهذه هي النظرة الشمولية الإنسانية. شاهدنا المؤتمر الذي تناول الإنسانية والذي تبناه الإمام الأكبر وقداسة البابا الكل اليوم في جميع المجالات يهتم بالبحث عن الإنسان كإنسان حقوقه وواجباته وتفعيل دوره البنّاء في المجتمع.

يحيى أبو زكريا: في هذه النقطة تحديدًا أودّ أن أسألك دكتور حسن كأكاديمي وتشارك في مؤتمرات في الغرب. هل يعرف الغرب العقل الغربي شيء عن نتاجات الأزهر والقرويين والزيتونة وقم والنجف؟ أم أننا نحن لا نخاطب إلا أنفسنا ونتصوّر أن العالم ينصت إلينا؟ أجبني بصراحة.

حسن جابر: هذا السؤال دقيق، لكن أسألك هل إبن قم يعرف ما أنتجه إبن الأزهر.

يحيى أبو زكريا: أنت نقلتني إلى هاوية أخرى.

حسن جابر: هناك مسألة، أحد أهم شروط البحث العلمي أنت إذا اخترت موضوعًا ما، تريد أن تبحث عنه يطلب منك أنت ملزم أخلاقيًا وموضوعيًا أن تتابع كل النتاج الذي له علاقة بهذا الموضوع حتى ولو كتبه واحد في أقاصي الصين. نحن إذا أردنا أن نقوم ببحث قرآني يا أخي إذا عرفنا أن فلاناً من مذهب مختلف وكتب بنفس الموضوع لا نقرأه وإذا قرأناه نقرأه بذهنية المتحفّز للردّ لا للإفادة.

يحيى أبو زكريا: وأحيانًا نسبّ الباحِث قبل أن نقرأ بحثه عموم المسلمين هكذا.

حسن جابر: فضلًا عن أننا نتجاهل ما يمكن أن يفضي إليه البحث قام به واحد غربي وما المشكل القرآن الكريم هو كتاب إنساني عالمي، ومن حق أي واحد في الدنيا أن يقرأ القرآن الكريم فإذا جاء واحد من الغرب وقرأ وخرج باستنتاجات أقرأها واستفيد منها إن كانت جزءًا من المنظومة يمكن أن تتواءم مع هذه المنظومة خذ بها وإن لا، فانقضها لكن لا تقف  موقفًا معاديًا مسبقًا.

يحيى أبو زكريا: المصيبة تجد أن كبار الفقهاء والمراجع أحيانًا يقول لك هل الكاتب من جماعتنا؟ إذا كان من جماعتنا لا أقرأ له كل شيء، بل ربع جملة للأسف الشديد.

حسن جابر: نأخذ برأيه.

يحيى أبو زكريا: تعجبني هنا مقولة للشافعي عندما اتهمه حسّاده بالزينة لضرب صدقيّته قال لهم اعتبروني كالنخلة كلوا من ثمري وارموا حطبي إلى النار وخشبي إلى النار. إذًا، مازلنا نسبيين وسنظل نسبيين بهذه العقلية.

حسن جابر: جميل.

يحيى أبو زكريا: المطلوب إذًا دكتور حسن صناعة عقل إسلامي يستوعب الكون كله؟

حسن جابر: هو الانفتاح هو شرط لابد منه في البحث العلمي ويُعاب عليك إذا أنت لم تتابع النتاج العلمي حول هذا الموضوع في كل مكان، أول شيء يمكن أن يُعاب عليك أن بحثك ليس ناضجًا ولا متكاملًا.

يحيى أبو زكريا: دعني أختم بهذه الطرفة معك في عهد المهدي العباسي أحدهم ادّعى النبوّة فاقتيد إلى الخليفة، وكان آنذاك أي متّهم يؤخَذ إلى الخليفة فقال له المهدي العباسي لمَن أرسلت قال له يا أمير المؤمنين أنا بعثت صباحًا واعتقلتموني مباشرة هذا وضعنا دكتور حسن جابر من لبنان الحبيب شكرًا جزيلًا لك. الدكتور عبد العزيز النجار من مصر الحبيبة شكرًا جزيلًا لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.