أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

الإسرائيليات في كتب التفسير

الإسرائيليات هي كل ما دخل إلى التراث الإسلامي، وبخاصة في مجال التفسير من روايات لها أصل ومصدر يهودي يمكن الوقوف عليه، كالعهد القديم أو التلمود، أما فيما يتعلق بأصحاب هذه الإسرائيليات فقد جاءوا إلى جزيرة العرب قبل ظهور الإسلام بمئات السنين وكانت يثرب وحِمْيَر وتيماء ووادي القرى هي أبرز مستوطنات اليهود التي استقروا فيها وأقاموا بها حصونهم حتى جاء الإسلام. قسم العلماء الإسرائيليات ثلاثة أقسام وفقا لموقعها من شريعتنا أولها: ما يوافق ما صح من شريعتنا، ومن ذلك ما ذكر في صاحب سيدنا موسى أنه الخضر، وهذه أقرها الإسلام ولا ينبغي أن نطلق عليها مصطلح إسرائيليات. ثانيها: ما يخالف شريعتنا، وجاء تكذيبه في مصادرنا العلمية، مثل ما ورد في شأن الأنبياء؛ وفيه طعن في عصمتهم، وبخاصة ما ورد عن لوط ويوسف وداود وسليمان عليهم السلام، وهذا بطلانه واضح ويجب تنقية كتب التفسير منه. وثالثها: ما ليس في شريعتنا ما يوافقه أو يخالفه، أي المسكوت عنه، فلا نؤمن به ولا نكذبه.

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم، وجعل الجنة مثواكم. 

تغلغلت الإسرائيليات في منظومة الثقافة الإسلامية، وتسلّلت إلى كتب التفسير والأسانيد بشكل كبير. وقد دخل الكثير من الإسرائيليات إلى كتب التفسير الإسلامية عن طريق اليهود الذين اعتنقوا الإسلام في مرحلة مُبكرة. وكتب التفسير من عهد إبن جرير الطبري إلى اليوم لا يكاد يخلو تفسير منها من إسرائيليات إلا أنها متفاوتة قلةً وكثرة. والمصادر العبرية التي انتقيت منها الروايات الإسرائيلية للتفسير هي أسفار العهد القديم، وكتب التفسير العبرية وبعض فصول التلمود والكتب الأخرى. وقد اختلف منهج المُفسّرين في تلقّي الإسرائيليات، فإبن جرير الطبري قد ذكر الكثير منها من دون أن يتعقّبها بما ينبغي. وفعل كذلك عدد من المُفسّرين كإبن حاتم، أما المُحقّقون فأكثرهم انتقدوا الإسرائيليات، لكنهم لم يقدروا على التخلّص من بعضها أو كلها، خاصة الذي اختلط بكلام الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عليهم وصعب تمييزه. ومن هؤلاء المُفسّر الإمام إبن كثير الدمشقي، وفي ذلك يقول صاحب البداية والنهاية إبن كثير: "ثم ليعلم أن أكثر ما يتحدّثون به غالبه كذب وبهتان لأنه قد دخله تحريف وتبديل وتغيير وتأويل وما أقل الصدق فيه". وقال المُفسّر السعدي: "أعلم أن كثيرًا من المُفسّرين رحمهم الله تعالى قد أكثروا في حشو تفاسيرهم من قصص بني إسرائيل، ونزلوا عليها الآيات القرآنية وجعلوها تفسيرًا لكتاب الله مُحتجّين بالحديث الذي حوله تساؤلات كبيرة لجهة ضعفه حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج". ويؤكّد أهل التحقيق والتدقيق أنّ اعتماد المُفسّرين على الإسرائيليات كان أحد علوم التفسير البارزة، وأنّ الرجوع إليها من قِبَل المُفسّرين ورواياتهم لها كان خطأً ما كان ينبغي اقترافه حفاظًا على صفاء القرآن ورونقه خصوصًا وأنّه قد فسّر بالكامل من الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم. والطبري وهو إمام المُفسّرين لا يستشكل هذه المرويات أبدًا، وكانت القاعدة أن بعض الآيات لا يمكن فَهْمها بصورة دقيقة إلا من خلال المرويات الإسرائيلية كتاريخ الرُسل والأنبياء وبداية الخلق، وما رافق ذلك وانطلاق حركة التاريخ مع آدم عليه السلام، وغير ذلك من القصص والحكايا. وقد أصبحت المرويات الإسرائيلية عند البعض ذات حضور بارز، وجعلت دليلًا أو مصدرًا للتفسير. وبرزت بعد تفسير الطبري الكثير من كتب التفسير كتفسير الرازي، وتفسير إبن كثير، وتفسير القرطبي. طبعًا سبقت هذه التفاسير تفسير مجاهد، وتفسير مقاتل، وتفسير الثوري رحمهم الله جميعًا.

"الإسرائيليات في كتب التفسير" عنوان برنامج أ ل م ويشاركنا في النقاش من مصر الحبيبة العلاّمة المُحقّق الدكتور محمود سعيد ممدوح، ومن الأردن الحبيب العلاّمة المُحقّق الشيخ حسن السقاف.

مشاهدينا مرحبًا بكم جميعًا.

وأودّ ها هنا أن أذكر أن هذه الحلقة هي امتداد لحلقة، كان معنا فيها العالِمان الجليلان الحاضران معنا اليوم حلقة اليهود ورواية الحديث النبوي. نستكمل هذه الحلقة لكي نقدّم رؤية واضحة عن تغلغل الإسرائيليات في كتب التفسير والأسانيد النبوية.

سماحة العلاّمة الدكتور محمود كيف تسلّلت المرويات الإسرائيلية إلى كتب التفسير؟ ومتى بدأ ذلك؟

محمود ممدوح: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا ومولانا محمّد وعلى آله الأقربين ورضي الله عن أصحابه وعن التابعين. أشكركم يا دكتور يحيى على هذه الاستضافة التي يشرّفنا فيها أيضًا أخي العلاّمة السيّد حسن إبن علي السقاف حفظه الله تعالى. وأرى أنه كان ينبغي أن تبدأ به لقوله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم قدّموا قريش.

يحيى أبو زكريا: أعزّكم الله.

محمود ممدوح: أكرمكم الله يا سيّدي ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يختم لنا هذا العام بختام خير، وأن يجعل العام القادم عام خير وسعادة وهناء واستقرار وسكينة وتآلُف وسلام وودّ بين المسلمين.

يحيى أبو زكريا: يا رب.

محمود ممدوح: يا رب العالمين، وأن يبعد عنهم الحروب والبغضاء والشحناء والتكفير، إنّ ربي سميع الدُعاء.

في الإسرائيليات العلماء في روايتها لهم مسلكان: المسلك الأول مسلك قوي وهو المنع، والمسلك الآخر مسلك الجواز وهو أيضًا قوي. والذين ذهبوا إلى الجواز استدلوا من القرآن الكريم بقوله تعالى "سل بني إسرائيل" وبالحديث الصحيح الذي له طُرُق عن رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم: "بلّغوا عني ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"، وهذا الحديث رواه عن النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم عن طُرُق صحيحة ثلاثة من الصحابة أبو سعيد الخدري، وعبد الله إبن عمر إبن العاص، وأبو هريرة، وثم طريق رابع له عن جابر بن عبد الله، فهذه طرق أربعة وثلاثة منها صحيح ولا ينبغي أن نضعف حديثًا جاءنا من هذه الطُرُق وسلمت من أية علة نعم.

في بعض طُرُق الحديث ألفاظ ليس في الطُرُق الأخرى ورواية صحابي لا تعل رواية صحابي آخر إلا إذا اتحد المخرج، فإذا اختلف الرواة عن أبي هريرة فهنا مجال للأخذ والرد والكلام على العلن، وكذا إذا اختلف الرواة عن أبي سعيد الخدري. ولكن حديث أبي هريرة غير حديث أبي سعيد غير حديث عبد الله إبن عمر إبن العاص فهذه ثلاثة أحاديث، ومن الصعب جدًا أن نعلّ هذا الحديث. وثم حديث آخر هو حديث جابر إبن عبد الله رضي الله تعالى عنهما. وفي صحيح إبن حبّان ومسند الإمام أحمد أن النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم قال هذا حديث ثابت، أنّه قال إذا حدّثكم أهل الكتاب فلا تصدّقوهم ولا تكذّبوهم. فإن صدقوا فلم تأثموا في اختلافهم، وإذا كذبوا لم تأثموا في الأخذ بهذا الباطل الامتناع عن هذا الباطل. هذا معنى الحديث، فالحاصل أن الذين احتجوا للعمل أو الأخذ بالإسرائيليات احتجوا بالكتاب واحتجوا بالسنّة، والعمل جرى في كتب التفسير على ذلك أنهم يأخذون هذه الإسرائيليات. ومن أوائل المُفسّرين أو من أوائل كتب التفسير التي اعتنت بالأخذ بالإسرائيليات تفسير أبي جعفر محمّد إبن جميل الطبري، وعادة الأولين أنهم يسندون وطالما أنه يسند فإنه قد أحال الناظر إلى الإسناد والناظر في الإسناد ينظر فيه، وله أن يأخذ وله أن يدع فمرحلة الحافظ الكبير المجتهد أبو جعفر محمّد إبن جرير الطبري المتوفّى سنة 310 هو متقدّم. فهذه المرحلة هي مرحلة تجميعية وهي المرحلة كان العلماء فيها لهم اتجاهات أيضًا في التصنيف منهم مَن كان حريصًا على الجمع ولا يترك شيئاً بحيث من يأتي بعدهم فإنه يأتي إلى دور آخر وهو دور التنقيح والتحقيق يأخذ هذا ويدع هذا ويبيّن أنه يجوز أن نأخذ بهذا ويبيّن أنه لا ينبغي أن نأخذ بهذا.

والأخذ بالإسرائييات بلا شكّ أنه له مكان ضيّق محدود جدًا لا تعلّق له بالعقائد، ولا ينبغي أن يكون له تعلّق بالعقائد، ولا تعلّق بالأحكام الشرعية، ولا يكون مخالفًا لقاعدة من قواعد الإسلام، ولا يكون مخالفًا للعقل ولا للأحاديث الصحيحة أو لآيات القرآن.

يحيى أبو زكريا: نعم دكتور اتّضحت الصورة. دعني استكملها مع الفاضل العلاّمة الشيخ حسن إبن علي السقاف. شيخ حسن طبعًا الطبري لم يكُ أول مُفسّر، سبق الطبري مجاهد ومقاتل وثوري ويحيى إبن سلام والفراء أيضًا في معاني القرآن. لماذا عُدّ الطبري إمام المُفسّرين؟ ولماذا قيل إنّ المرويات الإسرائيلية تسلّلت إلى كنف التفاسير الإسلامية قاطبة؟

حسن السقاف: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين ورضي الله تعالى عن أصحابه البَرَرة المُتّقين. ولا أريد أن أطيل وأكتفي بأن أشكركم جميعًا.

يحيى أبو زكريا: أعزَّك الله.

حسن السقاف: سيّدي الكريم نرجع للقضية أنا العبد الفقير والأستاذ الكبير العلاّمة الشيخ محمود سعيد ننتمي إلى المدرسة الغمارية، وهي مدرسة حديثية معاصرة من مدارس أهل السنّة والجماعة وروح هذه المدرسة النقاش والحوار وعدم التعصّب، وقد كان يقول الأخ من السادة الغمارية قولًا ويخالفه أخوه الآخر. الآن أولًا بالنسبة للأدلّة أنا أقول إن الإسرائيليات تسلّلت للعقائد خلاف ما تفضّل أخي الكبير الفاضل الشيخ محمود سعيد، أنا أقول إنها تسلّلت إلى كتب الحديث وكتب التفسير والعقائد. وأصلًا نحن نعاني من العقائد المجسمة والمشبهة لأجل ما تسلّلت إليها من الإسرائيليات. فهناك كتب عقائد مبنية فقط على رواية الأحاديث ككتاب السنّة لإبن أبي عاصم المتوفّى سنة 287 هجري. وكتب السِنن المعروفة فيها أبواب إسمها كتاب التوحيد، أو باب التوحيد وفيه أحاديث منكرة أي إنسان يقرأ هذه الأحاديث قلبه يمجّ هذا الفكر، ويقول بأنه لا يمكنني أن أقبل هذا لأنه مخالف لما أفهمه من القرآن الكريم من قوله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. فأنا سأسير نقطة نقطة سريعًا إن شاء الله. 

أمّا احتجاج مَن احتجّ أنه سَل بني إسرائيل هذه عن بعض القضايا التي كانت تحصل اسألهم عن القضية الفلانية أنه كيف أنعمنا عليهم، كيف أكرمناهم. ولكنهم لم يحفظوا هذه الكرامة، وهذه الآية لا تدلّ على أنه يروي عنهم مروياتهم وأفكارهم وما في كتبهم ولاسيما والله عزّ وجلّ يقول "ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون وإن فريقًا منهم يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبه من الكتاب وما هو بالكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون.

أما الحديث الذي تفضّل به أستاذي وأخي الكبير الشيخ محمود سعيد إنه حدّثوا عن بني إسرائيل هذا إذا صحّحناه أنا لا أصحّح هذا الحديث. لكن إن صحّحناه معناه حدّثوا عن بني إسرائيل، حدّثوا المسلمين ما جرى ما قصّه الله لكم في كتابه مما جرى لهم ما حدّثكم به رسولكم صلّى الله عليه وآله وسلّم. وليس معنى ذلك أن نجعلهم أئمة ونروي ونأخذ بمروياتهم، ونروي عن التلمود وعن غير التلمود وتلك الخُرافات والقصص والخيالات في ذات الله عزّ وجلّ.

يحيى أبو زكريا: وهذا التفسير أقرب إلى الصواب شيخ حسن وعقلانية الإسلام.

حسن السقاف: بالضبط، وخبر الآحاد أنا كمشايخي وعدد من العلماء نحن أصلًا لا نرى أنه محفوظ من التبديل والتحريف إلا كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن الترمذي، وصحيح إبن حبان كتب محترمة جليلة عندنا، ولكن هذا لا يعني أن صاحب الكتاب لا يخطئ، أو أنّ الذي روى عنه صاحب الكتاب لا يخطئ. فهناك أحاديث لا يمكن قبولها عندما نأتي ونفسّر أرجع معك إلى السؤال الذي تفضّلت به قبل أن أسترسل بالحديث. أقول قبل إبن جرير، لماذا إبن جرير؟ لأنّ له كتاب انتشر وسار. ولكن كما تفضّلت هناك مُفسّرون كانوا قبل إبن كثير، ومنهم السدي مثلًا، ومنهم عبد الرزاق، ومنهم الفراء. مثلًاإابن كثير يقول عن تفسير السدي وهو قديم، قال إبن كثير فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السدي ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعلّ بعضها مدرج ليس من كلام الصحابة أو أنهم أخذوا من بعض الكتب المتقدّمة والله أعلم.

والحاكم يروي في مستدركه بهذا الإسناد بعينه، ويقول أشياء، ويقول على شرط البخاري. وقال أيضًا إبن كثير في تفسيره عند حديث المسخ، وما المسخ؟ قال وعن سعيد إبن جبير أنه قال كان من الجنانين الذين يعملون في الجنة، وقد روي في هذا آثار كثيرة عن السلف وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها والله اعلم بحال كثير منها، ومنها ما قد يقطع بكذبه لمخالفته للحق الذي بأيدينا، وفي القرآن ما هو غنيٌ عن كل ما عداه من الأخبار المتقدّمة لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، وقد وضع فيها أشياء كثيرة، وليس لهم من الحفاظ المُتقنين الذين ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين الخ.

فهذا يخبرنا أنّ هناك من التفاسير القديمة، وأنا يمكن لي بعد بيان عن حديث حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حَرَج كما بيّنت أنّ بعض معانيه لو صحّحناها، أقول أن هذا الحديث مروي في صحيح مسلم، وليس فيه حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حَرَج.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

حسن السقاف: فيه حدّثوا عني ولا حَرَج.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

حسن السقاف: بدل حدّثوا عن بني إسرائيل، ولا حَرَج فيه حدّثوا عني ولا حَرَج فهذا حديث ظنّي آحاد لا يبنى عليه أصول وقواعد نفسّر بها كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فالصحيح أنه أرجع إلى نقطة مهمة أريد من الناس أن يفهموها، نحن جماعة نحترم كتب الأحاديث واشتغلنا بالأحاديث نحترم البخاري، ونحترم مسلم، ونحترم الترمذي. ولو ضعّفنا حديثاً أو حديثين أو عشرين حديثاً في الترمذي أو في البخاري أو في مسلم لا يعني ذلك أنّنا لا نقيم لهم وزنًا. نحن نجلّهم ونعتبرهم ونحترمهم ونعتبر أنهم قاموا بعمل جليل، ولكن هؤلاء غير معصومين. ولذلك أختصر وأقطع المسافة أقول إنّ الفخر الرازي رحمه الله تعالى وهو مُفسّر كبير ومن أهل السنّة والجماعة يقول ما نصّه عن الأحاديث التي وردت في التفسير مثلًا في البخاري ومسلم في كتابه أساس التقديس يقول اشتهر ما في بين الأمّة أن جماعة من الملاحدة وضعوا أخبارًا منكرة واحتالوا في ترويجها على المحدّثين. والمُحدّثون لسلامة قلوبهم ما عرفوها بل قبلوها، وأيّ منكر فوق وصف الله تعالى بما يقدح في الألهية ويبطل الربوبية. فوجب القطع في أمثال هذه الأخبار بأنها موضوعة، وأما البخاري والقشيري يعني مسلم فهما ما كانا عالمين بالغيوب، بل اجتهدا واحتاطا بمقدار طاقتهما، فأمّا اعتقاد أنهما علِما جميع الأحوال الواقعة في زمن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى زماننا فذلك لا يقوله عاقل.

غاية ما في الباب أن نُحسن الظنّ بهما وبالذين رويا عنهم، إلا أن إذا شاهدنا خبرًا مشتملًا على منكر لا يمكن إسناده إلى الرسول قطعنا بأنه من أوضاع الملاحدة ومن ترويجاتهم على أولئك المحدثين.

يحيى أبو زكريا: فإذًا الإشكال الذي سأطرحه على الدكتور محمود. دكتور إذا كان القرآن الكريم هو الرسالة الربّانية الخالدة، وكان الرسول هو المبلّغ هو مَن بُعِث لإيصال كلام الله تعالى إلى البشر، وكان الرسول قرآنًا يمشي ويستحيل أن يكون الرسول قد غادر هذه الدنيا إلى الرفيق الأعلى من دون أن يُفسّر كل آيات الرحمن. فإذا كان الرسول هو أول مُفسّر، وكان يوضح كل آية، وكل مكنون في آية معينة، كان يوضحه. فأين ذهب تفسير الرسول إذًا؟ وما الحاجة إلى الإسرائيليات مادام الرسول هو مَن فسَّر القرآن الكريم اللهمّ إلا إذا أخفي كلام رسول الله عن بكرة أبيه؟

محمود ممدوح: يا دكتور يحيى نحن لا نحب أن نهيل التراب على تراثنا. الذي يستمع إلى هذا الكلام يظنّ أن التراث الإسلامي كان مغموسًا في الإسرائيليات، وهذا ليس بصحيح وفي المقدّمة التي قدّمت لها لكلامي قلت الإسرائيليات لا يؤخذ بها لا في العقائد ولا في الأحكام، ولا إذا خالف نصًا معلومًا من الدين بالضرورة، ولا حديثًا نبويًا صحيحًا، أو حسنًا أو حتى ضعيفًا، ولا تتقدّم الإسرائيليات على قاعدة من قواعد الأصول أو الفقه أو الحديث، هذا أمر معروف يا أخي ولا يؤخَذ بها في العقائد.

يحيى أبو زكريا: دكتور لا أريد أن أقاطع عالِمًا جليلًا.

محمود ممدوح: العلمانيون يا أخي يستمعون إلى كلامنا هذا يظنّون أنّ التراث الإسلامي مغموس في الإسرائيليات، وهذا ليس بصحيح أبدًا. تراثنا مستقل وتشريعنا مستقل وعقيدتنا مستقلة، هناك بعض الأمور دخلت علينا وهذه الأمور هي من باب الملح وفي كتب معينة نحاول أن ننقّي هذه الأشياء ولا نقول هذا الكلام.

أريد أن أتكلّم كلمتين: أول أمر أخي وحبيبي وسيّدي حسن السقاف ذكر كتاب السنّة لإبن أبي عاصم على أنه نموذج من الكتب التي حولها مؤخذات وكذا هذا كتاب من أجل الكتب الحديثية المصنّفة في العقائد، وهو كتاب نظيف الأحاديث الضعيفة التي فيه أحاديث قليلة وفيه فوائد كثيرة متعلّقة بالعقائد وبالفضائل وبالبدليات وبالسيرة النبوية الشريفة، وأحاديثه مُسندة وعالِم إسناد لأن صاحبه من المتقدّمين هذا كتاب جليل لا ينبغي أن نقدحه في تراثنا والأمر الآخر أيضًا عندما نقول قال النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم بلّغوا عني ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حَرَج هذا الحديث قلت لك يا إخي أن أربعة من الصحابة قد رووه عن النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم. سيّدي حسن السقاف يقول الرواية التي رواها مسلم عن أبي سعيد الخدري ليس فيها حدّثوا عن بني إسرائيل، ولا أحد يا مولانا لا فيها حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حَرَج، ولكنها لم تقع في مسلم وقعت في مصنف إبن أبي شيبة، وقعت في كتاب معمر، وقعت في مسند الموصلي، وقعت في كتب مسندة عظيمة جليلة.

الحكم على الرواية من الروايات إنّما يكون بالتتبّع، وليس التتبّع بعدد محدود من الروايات، ولكن يحتاج للاستقراء. نقول مثلًا حديث أبي هريرة أو حديث أبي سعيد الخدري ليست فيه هذه اللفظة هذا معناها أنني استقرأت حديث أبي سعيد الخدري في كل الكتب، ليس في مسلم فقط ولم أجد هذه اللفظة. هذا غير صحيح، هذه اللفظة حدّثوا عن بني إسرائيل موجودة عن أبي سعيد الخدري، ولكن ليس في صحيح مسلم بإسناد مسلم نفسه في مصنّف إبن أبي شيقة وفي غيره وموجودة في مسند أبي يعلى الموصللي بنفس الإسناد، واستبعدنا هل أن حديث إبي سعيد الخدري ضعيف.

يحيى أبو زكريا: دكتور محمود، فاصل وأعود إليك بُعيد الفاصل مباشرة، وإنّك من الصابرين إن شاء الله.

دكتور محمود سنمضي إلى فاصل، ثم نعود إليك مباشرة.

مشاهدينا فاصل قصير ثم نعود إليكم، فابقوا معنا.

المحور الثاني:

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلًا بكم من جديد، مَن أدرك حلقتنا الآن نحن نعالج موضوع الإسرائيليات في كتب التفسير. دكتور محمود لك الكلمة والمشهد، تفضّل.

محمود ممدوح: عندما يقول النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم في الحديث الصحيح الذي رواه أربعة من الصحابة، يا دكتور أبو زكريا الواتر في عرف بعض المتقدّمين كالطحاوي وإبن حزم هو من بلغ درجة الصحة من أربعة طرق أو خمسة طرق أو ثلاثة طرق، ولكنها صحيحة فبعضهم يحكم عليه بالتواتر، فهذا حديث صحيح وهو متواتر على رأي بعض العلماء المتقدّمين. النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم يقول في هذا الحديث بلّغوا عني ولو آية. هذا كلام مطلق وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حَرَج، هل المقصود التحديث عن بني إسرائيل بما في كتبنا؟ فهو من البداية قال بلّغوا عني ولو آية يشمل السنّة ويشمل الكتاب، إذا قال وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حَرَج، إذًا هذا كلام مكرّر والنبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم قال: "إذا حدّثكم أهل الكتاب فلا تصدّقوهم ولا تكذّبوهم"، والعمل جرى على ذلك وقلت إن الحديث عن بني إسرائيل إنّما هو من ملح العِلم، أو ليس بواجب وهو في مواطن تفسيرية قليلة ليست بأهمية كبيرة ولا يدخل في باب العقائد والأحكام الخ.

هناك نقطة في غاية الأهمية يا دكتور أبو زكريا هي رواية من الروايات كيف نحكم عليها بأنها من الإسرائيليات؟ الناس هنا درجات إذا كان ظاهر الرواية النكارة والوضع والحكم عليها بأنها من الإسرائيليات أمر سهل، أما إذا كانت هذه الرواية النكارة ليست ظاهرة عليها ولا دواعي الوضع ظاهرة عليها فهذا أمر يحتاج إلى المُتخصّصين، والمُتخصّصون هم الذين يجمعون الطرق، ولا يحكمون على الحديث من طريقين أو ثلاثة أو يحكمون على الأحاديث من الكتب المشهورة. لكنهم يحكمون على الأحاديث بالنظر إلى الصحاح والمسانيد والكتب المُصنّفة الحديثية المتعدّدة، عند ذلك يحكمون على الأحاديث. فهذه قضية كبيرة يا دكتور الحكم على الرواية بأنها إسرائيلية أو غير إسرائيلية هذا يحتاج إلى بحث من العلماء المُتخصّصين، ويحتاج إلى استقراء ولا تصلح فيه هذه الدعوات السريعة، ونحن قلنا مرات ومرات تراثنا جيّد، وتراثنا عظيم، وتراثنا الإنسانية ينبغي لها أن تفرح به وهو فخر لها جميعًا. هناك هنّات حصلت من بعض الناس، لماذا حصلت؟ لأنهم ليسوا بمعصومين. الواجب علينا أن ننقّي هذه الأشياء من دون الانزعاج ومن دون رفع الصوت حتى لا يسمع الآخر فيؤدّي إلى القدح فينا كما يحدث الآن.

يحيى أبو زكريا: دكتور محمود طبعًا هنالك بعض العلماء ناقشوا موضوع الإسرائيليات والتفسير منهم الشيخ الذهبي الشيخ المرحوم محمّد أبو شبهة وغيرهم كثير. لكن عندي بقي سؤال إذا سمحت نحن تعلّمنا منكم أستاذي العزيز أن المولى عزّ وجلّ عندما ينصّ على أمر معيّن فالرسول يكون في سياق الأمر الربّاني. اليهود في القرآن ربّك جلّ في عُلاه في القرآن تحدّث عن غدر اليهود ومكر اليهود وقتلهم للأنبياء وفسادهم ونشرهم الربا والفساد. فإذا كانت هذه رواية الله، فكيف تكون رواية رسول الله خذوا عن بإي اسرائيل ولا حَرَج؟ هل يتناقض الرسول مع ربّه؟

محمود ممدوح: أقول لك بالنسبة للذين اعتنوا بالإسرائيليات، الكتب المُصنّفة بالإسرائيليات بالتفسير فالحقيقة هناك كتاب عظيم جدًا هو غير مشهور، ولكنه لعالِم هو أجلّ علماء هذا العصر سيّدي العلاّمة عبد الله إبن محمّد إبن إبن الصديق الغماري عنده كتاب قيّم يا دكتور إسمه بِدَع التفاسير.

يحيى أبو زكريا: صحيح اطّلعت عليه.

محمود ممدوح: بِدَع التفاسير وهو كتاب عظيم وجيّد له قواعد في التفسير ويطبّق هذه القواعد على المُفسّرين، ويقول من بِدَع التفسير كذا وكذا، ثم في آخر الكتاب تكلّم عن التفاسير التي نسب الإسرائيليات في كل تفسير، فيقول مثلًا الفخر الرازي كتابه جيد وفيه إسرائيليات بنسبة كذا، كتاب الخازن كذ،ا كتاب القرطبي كذا، هذا كتاب عظيم وأنا أرى أن الفائدة منه كبيرة جدًا وأحبّ أن أنوّه به، وأنوّه بصاحبه شيخنا العلاّمة المعقولي المنقولي سيّدنا عبد الله إبن الصديق الغماري رحمه الله تعالى. بالنسبة للموضوع يا دكتور ما من حادثة إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها إلا ولها حُكم في الإسلام وهذه من استقلالية التشريع وعَظَمة التشريع الإسلامي.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

محمود ممدوح: ما من حادثة إلا ولها حُكم في الإسلام ومن عَظَمة، وإعجاز التشريع الإسلامي هو النصوص التشريعية من الكتاب والسنّة ومعها قواعد الفقه والأصول واللغة العربية محمودة ولكنها تحكم على كل جديد. فمن عَظَمة التشريع الإسلامي أن المُتناهي يحكم على اللامًتناهي، فهذا أمر كل مسلم يعتقد ذلك يعتقد أن الكتاب.

يحيى أبو زكريا: دكتور محمود وضحت الصورة وربّك وضحت الصورة.

محمود ممدوح: بناءً على ذلك تسلّلت هذه الإسرائيليات.

يحيى أبو زكريا: أريد أن أستغلّ الوقت لأعرف كيف تسلّلت الإسرائيليات في ما تبقّى من كتب التفسير. شيخ حسن إبن علي السقاف لِمَ لم ينبلج عقل تفسيري  تدقيقي يقوم بإخراج الإسرائيليات من كتب التفسير ويعيد للتفسير القرآن الألق المحمّدي الأصيل؟ لِمَ شيخ حسن؟

حسن السقاف: نعم، أول الأسباب هو التقليد لأنّنا نجد هؤلاء المُفسّرين ينقل بعضهم عن بعض، وكثيرًا ما تتّفق العبارات مما يُنبئنا أن الإبداع يتمّ في التفنّن في النقل، فالمُفسّر عادة يأتي بأربعة خمسة كتب تفاسير، وينتقي منها، فهو يقول ما يقول من قبله من المُفسّرين، ثمّ أكثر المُفسّرين غير مثلًاإابن كثير وإبن جرير ليسوا علماء في السنّة لا يعرفون صحيح الحديث من ضعيفه. والمُفسّر ينبغي أن يكون قويًا في هذه الناحية حتى يمكن أن يُغربل، ولدينا عوامل سياسية وعوامل مجتمعية، الشعبوية الخوف من المجتمع، الخوف أن ينكر عليه. الآن أنا لا أقول لك  أن كلّ ما في صحيح البخاري صحيح، كثير من العلماء يتهيّبون من هذا القول مع أنهم يعتقدونه خوفًا من أن يسقطوا في المجتمعات. ما علينا نحن من العلمانيين، نحن مسلمون، عندنا كتاب الله وعندنا كتب فيها سنّة رسول الله نغربل ما صحّ عندنا بعد التدقيق والنظر والغربلة وثبت لدينا بأن سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال نأخذ به، وما لم يثبت لا نأخذ به، ومالنا ومال العلمانيين. نحن مفروض أن نُغربل فكرنا، وأن نُغربل تراثنا، تراثنا مليء بأقوال غير معتمدة. لا نقول إن تراثنا يجب أن نطمره، وأن ندفنه، وأن لا ننظر إليه. تراثنا شيء مهم يجب أن نستفيد منه، ولكن ننتقني نُغربل مهما كان العالِم والشيخ والإمام والعلاّمة له منزلة رفيعة، ولكن كل واحد يؤخَذ من قوله ويرد عليه إلا سيّد الخلق صلّى الله عليه وآله وسلّم.

هناك يا سيّدي مشاكل فكرية الآن أثارها الملاحدة والعلمانيون يجب على المشايخ والعلماء أن يحلّوها. الأمر غير الصحيح حديث قول أتدري يا أبا ذر أين تذهب هذه الشمس كل ليلة فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، ثم تستأذن ربها هذا حديث غير صحيح. في أحاديث الواقع والفلك والعِلم والإسناد والرواية بعد الدراسة يبيّن أنه غير صحيح هذا الحديث. لماذا أبقى تحت نقد الملحدين ونقد العلمانيين الذين لا يؤمنون بالله تعالى؟ لماذا؟ لماذا لا أغربل؟ لماذا لا أثبت لأبناء المسلمين ولغير أبناء المسلمين أن هذا الفكر موجود في بعض كتبنا، ولكنه غير معتمد عندنا؟ كيف دخلت العقائد الفاسِدة؟ إن الله له عينين وله يدين وله أصابع وله ساق وله قدم وله وجه وله شمس، في العقائد كيف دخلت؟

يحيى أبو زكريا: جلّ في عُلاه تنزّه.

حسن السقاف: نعم دخلت من أحاديث موجود بعضها في الصحيحين، مثل حديث الصورة. نحن لماذا لا نواجه الحقائق؟ لماذا لا نُغربل تراثنا في الصحيحين؟ حديث الصورة يأتيهم الله يوم القيامة بغير صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فيأتيهم بصورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون بيننا وبينه علامة، فيكشف لهم عن ساق وفي رواية في البخاري فيكشف لهم عن ساقه. هذا يا أخي مردود حتى علماء الحديث ردّوه وهو في الصحيح ساقه، فكيف نحن نريد أن ندرس الآن؟ كيف تم تفسير قول الله عزّ وجلّ يوم يكشف عن ساق؟ بأن الله سبحانه وتعالى يكشف عن ساقه يوم القيامة تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، كل ذلك أفكار إسرائيلية. كيف فسّر قول الله عزّ وجلّ برؤية الله ممّا قالوا لسيّدنا موسى الحديث الذي في الصحيح أنّ سيّدنا موسى اغتسل عاريًا، ثمّ خرج ليأخذ ثيابه من فوق الحجر الذي وضع ثيابه عليه فركض، فرّ الحجر بثيابه حتى رأى بني إسرائيل عورته مثلًا. هذا كيف أقبله؟ كيف أجيب العلمانيين والمُلحدين؟

يحيى أبو زكريا: لا حول ولا قوّة إلا بالله.

حسن السقاف: أبيّن هذا كيف عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا. هذا قول الله عزّ وجلّ موجود في كتب العقائد والتفسير ليست كلها، بعضها أنّ المقام المحمود هو جلوس سيّدنا محمّد بجنب الله على العرش يوم القيامة. مع أنه في الصحيحين أن المقام المحمود هو الشفاعة، وهذا كلام ممتاز جدًا في الصحيحيين، لكن كما قلت لك كل إنسان يؤخَذ من قوله، ويردّ عليه إلا سيّد الخلق صلّى الله عليه وآله وسلّم.

يحيى أبو زكريا: شيخ حسن في هذا السياق، التكفيريون للأسف الشديد أيضًا أوّلوا الآيات والأحاديث، والعلمانيون يعودون إلى ضعيف تراثنا ويتّخذون منه موطئ قدم للاستهزاء بالإسلام وكأن هذا الإسلام لا غيارى له وليس دينًا حضاريًا ودينًا ربّانيًا. طبعا أنا في كل برامج أ ل م أسعى لتقديم الصورة الحضارية الجيّدة، لكن شيخ حسن في الاشكال؟

حسن السقاف: لماذا لا نواجه العلمانيين الذين ينتقدون هذه الأشياء نقول لهم هذه الأشياء غير ثابتة عندنا.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

حسن السقاف: هذه أشياء موجودة نعم موجودة في بعض الكتب، لكن نحن ننكرها.

يحيى أبو زكريا: شيخ حسن قبيل قليل قلت إن الطبري لم يكُ مُحدّثا ولا مُدقّقا ولا مُحقّقا. ألا يشترط في التفسير؟

حسن السقاف: ما قلت؟

يحيى أبو زكريا: لا قلت أنه كان يجمع فقط من دون أن يدقّق.

حسن السقاف: لا لا قلت إن المُفسّرين في جزء كبير منهم ما كانوا يعرفون صحيح الحديث من ضعيفه مثل إبن جرير والطبري.

يحيى أبو زكريا: جميل السؤال هنا شيخ حسن إذا سمحت ألا يشترط في المُفسّر أن يكون عالِمًا بأسباب النزول والناسِخ والمنسوخ والمُطلق والمُقيّد والعام والخاص والمدني والمكّي وكل التفاصيل واللغة العربية أيضًا، واشترط بعضهم لغة قريش لأنها لغة النزول. فلماذا إذًا نحن تساهلنا مع بعض المُفسّرين في عدم استجماعهم لمؤونة أن يكون مُفسّرًا؟

حسن السقاف: يا سيّدي إبن جرير الطبري رجل غير معصوم. تفسيره فيه أمور كثيرة جيّدة جدًا ممتازة، وفي تفسيره أمور مردودة. فنحن لا نريد أن نتعصّب لرجال لا نريد أن نتعصّب للكتب، نحن الصحيح نبيّن بأنه صحيح. الغالِب على تفسير إبن جرير الطبري التأويل نقل تأويلات الصحابة، وتأويلات التابعين، وتأويلات أتباع التابعين والقرآن الكريم بيان المعاني الصحيحة في اللغة العربية، وهو متمكّن أنا بنظري في جميع العلوم. ولكن أورد في تفسيره أمورًا مردودة حتى إن التفسير المطبوع الآن لإبن جرير الشيخ العلاّمة الكوثري قال إنه كان بيد الحنابلة، فمحتمل أن بعض الأمور مدسوسة في هذا التفسير. مثلًا يأتيهم الله في ظلل من الغمام يقول بأن الله يأتي يوم القيامة من طاقات بالغمام، هذا أمر مردود غير مقبول. فنحن بما أنه عندنا عِلم وعندنا عقول ونميّز ونُغربل يجب علينا.

يحيى أبو زكريا: شيخ حسن دعني أنقل موضوع الغَربَلة إلى الدكتور محمود باعتباره من كبار المُحقّقين في العالم العربي والإسلامي في خط طنجا جاكرتا ونحن نقدّر عِلمه وفقهه.

دكتور محمود اليوم في القرن الواحد والعشرين مع انتهاء سنة 2019 وقدم 2020 عصر متقدّم تقني، عصر العقلانية فيه تأجّجت، والشباب العربي والمسلم بدأ يميل إلى الإلحاد وإلى العَلمَنة ويترك هذا الدين. ألا يجب علينا أن نقدِّم تفسيرًا جديدًا يليق بالقرن الواحد والعشرين. إن الله تعالى جعل كل الأفعال في القرآن الكريم أفعال مضارعة حتى يرشدنا إلى المستقبل وإلى الاستشراف. ما الذي يمنع أن نؤسّس لرؤية تفسيرية جديدة للقرآن الكريم باعتبار أن القرآن لم ينزل للقرن الأول والثاني هو أيضاً قرآن ذو صيرورة مستمرة إلى أبد الآبدين؟

محمود ممدوح: يا دكتور أتكلّم معك في أمرين: الأمر الأول هذه الإشكالات من حيث الصفات، ومن حيث هذه الأشياء فالحقيقة هي ليست جديدة. العلماء تحدّثوا عنها منذ أكثر من 1000 عام واختلاف العلماء في الأخذ بأحاديث الآحاد في العقائد واختلاف العلماء في موضوع الصفات بين الإثبات والتفويض والتأويل، هذه مدراس معروفة وكثيرون من العلماء لم يأخذوا بهذه الأحاديث، وآخرون أخذوا بها وتحقيق الصواب في هذه المسألة أنا برأيي هذه مسائل ظنيّة، وليست قطعيّة. فالعلماء جزاهم الله خيراً تكلّموا في هذا الأمر منذ قرون طويلة، والمدرسة المُعتزلية تحدّثوا عن هذه الأمر ولم يأخذوا بهذه الأحاديث، والمدرسة المُعتزلية لم تمت فكثيرون من أهل العِلم مازالوا هم على وفاق مع المدرسة المُعتزلية لا سيّما الزيدية والمُعتزلة وآخرون. فهذه الأمور المُثارة يا دكتور يحيى هذه أمور قديمة. ولكن الآن عندما حصل الانفتاح والسيولة الإعلامية الكبيرة ظهرت هذه الأشياء للناس والحقيقة المسلمون تحدّثوا عنها منذ قرون عديدة. والأمر الثاني: نحن نحتاج فعلًا إلى مُفسّرين في كل وقت ونحتاج كل ما تغيّرت الأوقات نحتاج إلى مُفسّرين. وهذا الأمر هو فرض كفاية في الأمّة، وينبغي على المؤسّسات العلمية أن تعتني بتخريج العُلماء الذين هم حملوا علوم الاجتهاد لكي يستطيعوا أن يُفسّروا القرآن الكريم تفسيرًا صحيحًا يُلائم العصر الذي فيه، ولا يخالف التراث الذي نحن عليه ويأخذ بالأمرين الأساسيين الكتاب وسنّة النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم.

ولكن الملاحظ الآن أن المدارس الإسلامية هي مدارس ضعيفة وموجّهة. المعاهد الإسلامية بشكل عام معاهد ضعيفة وموجّهة توجيهات معيّنة، فهل نطمع أن يتخرّج منها مَن يقوم بشرح التفسير ويرفع فرض الكفاية عن الأمّة؟ أعتقد أن الظروف الآن غير مؤاتية إلى أن يوفّق الله سبحانه وتعالى المسلمين. أنا أتحدّث عن أهل السنّة أما بالنسبة لغيرهم من الزيدية والإمامية فربما كان عندهم مَن يقوم بهذا الأمر، ربما أنا لا أعرف هذا كثيرًا. ولكن بلا شك هناك علماء معاصرون اعتنوا بالتفسير وكانت لهم أيادٍ بيضاء أكملوا التفسير، أو كتبوا بعض التفسيرات لم يكملوا التفسير مثل سيّدي الشيخ عبد الله إبن الصديق والشيخ محمّد ابو زهرة والشيخ محمود شنتوت وكثيرون من العلماء. الواقع نحن الآن نحتاج إلى عمل تفسيري، وهذا العمل التفسيري يحتاج إلى علماء والمعاهد لا تقوى على إخراج هؤلاء العلماء.

ممكن في هذه الحال أن ننظر إلى الهيئة الجماعية نختار عددًا من أهل العِلم، ويقومون بالتفسير هذا له جزء كذا، وهذا له صورة كذا وهذا له صورة كذا. ثمّ بعد ذلك يُحال وهكذا الأمور المجمعية التي لا تكن ما لا يدرك كله لا يترك جلّه، لكن الحقيقة نحن في مأزق كبير.

يحيى أبو زكريا: نحن في مأزق كبير، ولعلّك أرشدت إلى بداية الخلاص من هذا المأزق ونشرك معنا الشيخ حسن في ربما تطوير هذه الفكرة. ما المانع من أن تقوم مؤسّسات قرآنية جبّارة يُصرَف عليها بدل أن يُصرَف على نوادي القمار، والطرب والرفاهية في الأرض الحرام وما إلى ذلك، يُصرَف على التفسير وتجمع عقول إسلامية من كل المناطق علماء تحقيق وتدقيق علماء سنّة علماء أسباب النزول علماء لغة، علماء إنتروبولوجيا اجتماع علوم لتأسيس هذه الفكرة. هل يمكن ذلك شيخ حسن؟

حسن السقاف: يمكن ذلك دراسة مَن هو المؤهّل من العلماء للنظر في هذه الأمور مَن هو مُتمكّن في عِلم السنّة لأن عِلم السنّة تمييز الصحيح من الضعيف، هذا أمر مهم في هذا الموضوع جدًا لأن جميع الأخطاء أو الخربطات التي وقعت في هذا الموضوع إنّما هي لعدم تمكّن بعض العلماء في تمييز الصحيح من الضعيف من تلك الأحاديث الواردة.

أنا أقول أهم أمر ألا نبقي الشباب في تشويش فكري بمعنى لا نتركهم بأيدي المُلحدين وبأيدي أمثال المُلحدين يتلاعبون بهم ولا نتركهم بأيدي مَن يرفض السنّة كلية، ويقول علينا فقط بالقرآن، نحن نقول بالقرآن والسنّة. والقرآن والسنّة مُتعاضَدان، فنحن لا نريد أن نترك الشباب من دون أجوبة للإشكالات الفكرية التي يطرحها الناس. من هنا وهناك يجب أن نحلّ العقدة يجب أن نفكّ الإشكالات نفكّ الإغلاق الموجود في هذه المسائل، ونوضحها ونوجد أجوبة واضحة صريحة إننا لا نأخذ بهذا ونأخذ بهذا إغلاق وعملية كهنوت، وإغلاق على عقول الأمّة أن هذا لا يمكننا الآن طرقه، وهذا لا يجب أن نتحدّث به، وهذا ليس وقته. أنا لا أتكلّم عن أخي الكبير العلاّمة الشيخ محمود سعيد لا يعتقد أحد ذلك. وإنّما نحن نعاني أنا والشيخ محمود سعيد، وإن اختلفنا في بعض الجزئية نعاني من طبقات من المشايخ في المجتمعات يريدون أن يبقى الناس بإغلاق عقلي وفكري، وهم يحملون تلك الأفكار المُتناقِضة. فنحن نريد أن نحلّ هذه الإشكالات.

يحيى أبو زكريا: شيخ حسن ونسأله تعالى أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا وهنيئًا لمَن تذوّق القرآن وأحسّ بحلاوته وطلاوته فقريش على شركها، كانت تقول إن له لحلاوة وعليه لطلاوة.

المُحقّق الكبير الشيخ حسن السقاف من الأردن الحبيب شكرًا جزيلًا لك. المُحقّق الكبير الدكتور محمود ممدوح من مصر الحبيبة شكرًا جزيلًا لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.