أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

آثار الذنوب و المعاصي على الفرد و المجتمع

الإسلام كان و ما زال حريصاً على بناء الإنسان بناءاً أخلاقياً متيناً , و قد إكتشف العلم الحديث أن كل المعاصي التي نهى عنها الإسلام كالخمر و المخدرات و الزنا و غيرها تسبب للإنسان و للمجتمع أكبر الآثار المدمرة.

المحور الأول

مفهوم الذنب و المعصية في الإسلام والأثار التي تفرزها الذنوب و المعاصي.
المحور الأول

يحيى أبو زكريا: حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثواكم.

قال الله تعالى: "إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا" في سورة الأنفال، وقال "وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ" في سورة البقرة.

تجمع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية أنَّ للمعاصي والذنوب التي نهى عنها المولى عزَّ وجلَّ تأثيراًت سلبية على الفرد والمجموع. وقد ربط الإسلام بين التّدهور الإقتصادي للفرد والمجتمع وبين إقتراف المعاصي، ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم "إنَّ الرّجل ليحرم الرّزق بالذّنب يصيبه". ومن أثرها على المجتمع أنها تسبّب التّمزق والتّفرق والإختلاف وهذا ما تتّصف به أمّتنا في الرّاهن. قال المولى عزَّ وجلَّ "وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ" في سورة الشورى. وقد أحصى العرفاء بالله آلاف الإفرازات والنتائج المترتّبة على الذّنوب والمعاصي ومنها إضعاف القلب وعدم تعظيم الرّب جلّ في علاه، وتذهب حياء القلب وغيرته، تنكس القلب وتزيغه فلا يطمئنّ إلا بهذه الذّنوب، توهن القلب وتظلمه من الظّلمة. حصول خيانة القلب واللّسان عند ساعة الإحتضار عن النّطق بالشّهادة، فبدل أن يقول الإنسان وهو يحتضر أشهد أنَّ لا إله إلا الله وأنَّ محمد رسول الله يتلعثم بسبب كثرة الذّنوب، وهي سباب هلاك الأمم كما قال الله تعالى "فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ"، وتزيلوا النّعم بمختلف أنواعها وأشكالها وتحلُّ النّقم والمحن والفتن وتسلب العافية من الأبدان وهي السبب في حلول الهزائم في الحروب أيضاً. إنَّ القلب إذا غرق في أوحال المعاصي والآثام وركن إليها واطمأنّ بها فإنّ القبيح يكون لديه حسناً والحسن قبيحا والمعروف منكرا والمنكر معروفاً فما وافق هواه فهو الثّواب والحلال فما خالفه فهو الخطأ والحرام، ويتضعضع عندها الإنسان ويتصدّع المجتمع فتنتج فيه القابلية للإستعمار والهزيمة والإنسلاخ عن الهوية وغير ذلك من السّلبيات، والإسلام كان وما زال حريصاً على بناء الإنسان بناءً أخلاقياً متيناً، وقد إكتشف العلم الحديث أنّ كلّ المعاصي التي نهى عنها الإسلام كالخمر والمخدرات والزّنا وغيرها تسبّب للإنسان والمجتمع أكبر الآثار المدمّرة.

"آثار الذّنوب والمعاصي على الفرد والمجتمع" عنوان برنامج "أل م"، ويشاركنا في النّقاش من القاهرة الشّيخ "جمال عبد السميع" عضو لجنة الفتوى في الأزهر الشّريف، ومن دمشق الدّكتور الشّيخ "عبد الرّزّاق المؤنس" الباحث في الفكر الإسلامي، ومن لبنان الدّكتور الشّيخ "محمد أحمد حجازي" رئيس المركز الإستشاري للتّرشيد الدّيني والتّوعية الأسرية، مرحباً بكم جميعاً.  

 تقرير:

 مواطن: الزّنا والمعاصي تبقيان للعصور القادمة.

 مواطن: أعتقد أنّ مسألة النّظرة للمعصية ستبقى من بداية الإسلام لأنّ الإسلام هو دين أنشىء ليناسب جميع الأزمان.

 مواطن: الإسلام هو السّماح والدّين والرّحمة.

 مواطن: الذّنب والمعصية تختلف من دين لدين.

 مواطن: هذه القيم لا تتغير بتغير الأزمان والعصور، تبقى ثابتة.

 مواطن: تحديد الحلال أو الحرام، هذا الشّرع موجود والقرآن موجود والسّنة النّبوية موجودة والتّعاليم موجودة والعلماء موجودين، ليس العلماء الّذين ظهروا في الفترة الأخيرة الّذين يحلّلون ويحرّمون بكيفهم ووفق ما تبتغيه الظّروف ووفق ما تبتغيه مصالحهم.

 مواطن: نحن يجب أن نتعلم الدّين الرّوح، يوجد أناس تأخذ الآية من النّصف، وهذا الّذي يجعل النّظرة غير كاملة، ولكن لمّا يكون لديّ نظرة كاملة للآيات أعتقد أنّ النّور سيصل لي من كلام ربنا.

 مواطن: الجريمة جريمة، إسمها جريمة، في الإسلام يقول لك من قتل نفساً بغير نفس كأنما قتل الناس جميعاً، وفي المسيحية كلمة محبة "أحبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم". وإنما كلمة القتل وعدم حب النّاس لبعضهم البعض غير موجودة في أي دين. الأديان تنادي بالمحبة والسلام والرّحمة والحب والإخاء.

 مواطن: يمكن للشّخص أن يحاول أن يغير في سلوكه بسبب ضغط إقتصادي أوضغط أسري يحاول أن يحلّل بعض المعتقدات، يحاول أن يغير بعض تصرفاته من الأحسن إلى الأسوء حتى الدّين يفسّره تفسيرا آخر.  

 مواطن: نحن دخلنا في عصر، الرّسول عليه السلام قال عنه عصر الفتن، أصبح كلّ شخص يتكلم في الدّين، أصبح كلّ شخص يفتي، حكاية القتل باسم الدّين هذه جريمة يعاقب عليها القانون ويعاقب عليها المولى عزَّ وجلَّ وربنا نهى عن القتل، ولا تقتلوا النّفس.

 يحيى أبو زكريا: دكتور محمد، الشيخ العزيز. قديماً عندما نتأمل أدبيات العرفان والمتخلقين والّذين ذابوا في الله شوقاً، هنالك معادلة وضعوها أنّ كلّ يوم لا يعصى فيها الله فهو عيد، وأثبتوا أنّ العلم الحضوري يعني غير العلم الكسبي، إنّما يصل إليه الإنسان من خلال ترك المعاصي والذّنوب. مبدئياً نريد أن نعرّف الذّنب والمعصية كما ورد في المقاييس الشّرعية.

 الشيخ أحمد محمد حجازي: أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم، بسم الله الرّحمن الرّحيم والحمد لله وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآل بيته الطّيبين الطّاهرين. أحييكم وأحيي الضّيوف والمشاهدين الكرام بتحية الإسلام، السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان لأجل أن يتكامل في العبودية لله تعالى وأن يتكامل في إنسانيته، ولا بد أن يعيش الإنسان وفق نظام عام يحدد له هويته ويحدد له أهدافه ولا يمكن أن يعيش إلا في ظلّ تنظيم الحياة الخاصة والعامة، سواء كنا نتحدث عن النّظام الدّيني أو نتحدث عن النّظام العقلائي المدني، ولذلك كلما نظرنا إلى المجتمع ورأينا أن هناك حالة من التّخلف، يعني ذلك أنّ هناك عدم إلتزام بالأنظّمة الوضعية أو بالأنظّمة الإلهية، ولا يمكن أن يعيش الإنسان في هذه المنظومة الحياتية إلا وفقاً لهذا التّنظيم. لذلك الله عزَّ وجلَّ لأجل ألا يضيع الإنسان ولآجل ألا تضيع حقوقه وألا تضيع أهدافه جعل له حجّتين: حجّة باطنية وحجّة ظاهرية، ويمكن أن نقول أنه أيّده بهاتين الحجّتين، الرّسل والعقل. وهذا التّأييد بهاتين الحجّتين هو مؤكّد كبير على ضرورة التكامل في الشخصية الإنسانية، وهو ضرورة من أجل بناء الذّات لأنّه قبل أن نبني الأوطان وقبل أن نبني أيّ شيئ في عالمنا الخارجي لا بدّ أولاً أن نبني  الذّات. هنا تكمن المشكلة الكبيرة التي نحن بصدد الحديث عنها، أنّنا إذا أردنا أن نبني الذّات لا يتوافق البناء مع وجود العصيان ولا يتوافق البناء الذّاتي المتكامل مع النّقص والتّخلف الفكري والتّخلف العملي والتّخلف حتى على المستوى الإجتماعي ومستوى التّقاليد والحياة بشكل عام.

لذلك المعصية هي بمثابة السّم للإيمان ويمكن أن نقول هناك أنحاء من الذّنوب وأنحاء من المعاصي وأخطر من الشيئ الّذي نفعله في الخارج هو الّذي يدفعنا إلى فعله في الخارج، هو الإثم الفكري والعصيان الفكري، إنّنا نعيش في حالة من الفوضى الفكرية وبالتالي هنا نشهد أنّنا نحن لا نتلاءم أو نتوافق مع منهجية سليمة ومستقيمة في عالمنا الخارجي وهذا ما نحن عليه اليوم من هذا التّعسف ونظريات الفوضى في حياتنا الإجتماعية وحياتنا الدّينية. لذلك إذا أردنا أن نحدد الأهداف في هذه الحياة الدّنيا على مستوى التّعاطي مع الحياة وشؤون الحياة، العلاقات مع النّاس أو على مستوى العلاقة مع الله سبحانه وتعالى، لا بدّ أن تكون هناك منظومة واضحة تنظّم الفعل البشري وهذه المنظومة كلّها تدور تحت عنوان منظومة العبودية لله تعالى. الّذي لا يتوافق ولا يتلاءم بأي شكل من الأشكال مع إتمام مهام هذه المنظومة الإلهية في الأرض هو مخالفتها والعصيان وعدم الإئتمار بأمرها وعدم الإنسياق والإنصياع لها. وكلّ من يعتقد أنّه يستطيع أن يتمّم الكمال الذّاتي و النّفسي أو يكمل الكمال الإيماني من دون الإلتزام بالضّوابط الدّينية والقيم الأخلاقية فهو بعيد كلّ البعد عن الحقيقة والواقع.

لذلك من هذا المنطلق، دعنا هنا نحدّد الأسس الأساسية التي ننطلق من خلالها لتحديد خصائص المنظومة الدّينية، المنظومة العبودية في الأرض لله تعالى هي مسألة أنّ الإيمان على ثلاث شعب: إقرار باللّسان وتصديق بالجنان وفعل في الأركان. إذا هناك منظومة صادقة، متكاملة بين الظّاهر والباطن، فلا يأتي أحد ويقول أنا متدين، أنا مسلم وباطنه يخالف ظاهره أو الظّاهر يخالف الباطن. إذا لا تواؤم، لا توافق، لا تلاؤم بين الإيمان والمعصية، بين الطاعة والمعصية. المعصية هي ضد الطاعة وبالتالي لا يمكن أن نعيش ضمن منظومتين بمعنى أن تكون هناك منظومة عبودية لله تعالى وفي الوقت ذاته منظومة عبودية لأهواء النفس وللشيطان.     

 يحيى ابو زكريا: نعم شيخ محمد.

الشّيخ جمال إستمعت إلى ما قاله الشّيخ محمد من أنّ منظومة القيم، منظومة الأخلاق، منظومة الأحكام الشّرعية هي عموماً في الصّالح الإنساني كلّما إلتزم بها الإنسان كلّما إزداد رقياً فرداً ومجموعاً وكلّما تخلى عنها إزداد إنكساراً وسقوطاً وإنهياراً. هل هذا ما تفعله الذّنوب في الأفراد والمجتمعات؟   

 الشيخ جمال عبد السميع: أعوذ بالله السّميع العليم من الشّيطان الرّجيم، بسم الله الرّحمن الرّحيم والحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله.

 وبعد، نسأل الله سبحانه وتعالى في هذه الأيام المباركة أن يجنّبنا وإياكم الزّلّل وأن يلمّ شمل الأمّة الإسلامية على كلّ خير وأن يجعلنا من عباد الله المخلصين، إنّه ولي ذلك والقادر عليه.

وبعد، فمسألة الذّنوب والمعاصي فعلاً من الأشياء التي تؤثر تأثيراً جذرياً في نفس الإنسان وفي سلوكه وفي عمله وبل في عقيدته وتضر بالمجتمع إضرارً بالغاً ما بعده إضرار ولذلك لما خلق الله سبحانه وتعالى الناس كما قال ربّنا سبحانه "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ". ضمن الله سبحانه وتعالى لنا العمر وضمن لنا الرّزق وأمرنا بالعبودية والسعي في الأرض، إنشغل الإنسان عما أمر به، عما ضمنه الله سبحانه وتعالى له، ولذلك شقى شقاءً ما بعده شقاء وجعل هذا كلّه سعياً وراء طلب الرّزق وهو يعلم أنّ الله سبحانه وتعالى ضمن له هذه الأشياء من قبل أن يوجد على وجه الدّنيا، فقد قال ربنا سبحانه "إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى*وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى". إنشغل الإنسان عن عبادة ربّه وأهلك نفسه بالذّنوب والمعاصي حتى ظهر هذا بيّناً واضحاً كما قال ربنا سبحانه "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الّذي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ".  من هذا المنطلق يتبين لنا أنً الإنسان منا لا بد أنّ يدرك أنّه موجود في هذه الحياة ليعبد الله سبحانه وتعالى ولا يعصاه فإن أصرّ على المعصية أعانه الله سبحانه وتعالى عليها كما فعل في بني إسرائيل عندما قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم، أما إذا قال قول الله سبحانه وتعالى عن المؤمنيين في نهاية سورة البقرة فإنّ الله سبحانه وتعالى قال "قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ".

بإسلام الإنسان وخضوعه لله سبحانه وتعالى وعبادته عبادة حقيقية متمثّلة في طاعة الله في أوامره في القرآن الكريم وطاعة النّبي صلى الله عليه وسلّم في السّنة النبوية المباركة يحسم الإنسان منّا أن يستكمل حياة سعيدة هنيئة يعيش فيها في رغد من العيش وسعة في الرّزق فقد قال النّبي صلى الله عليه وسلّم "إياكم والذّنوب والمعاصي فإنها تمنع رزقاً قد هيّأ لصاحبه". فالإنسان منا قد يحرم بسبب الذّنوب وقد يعاقب بسبب الذّنوب وقد يبتلى في جسده بسبب الذّنوب، فقد قال ربّنا سبحانه وتعالى "وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ". لو حاسب الله سبحانه وتعالى النّاس بأعمالهم على ذنوبهم وعلى ما اقترفوه من آثام ما ترك الله سبحانه وتعالى على وجه الحياة من دابة ولو يؤاخذ الله النّاس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن رحمة الله سبحانه وتعالى التي تتنزّل من أجل الأطفال الرّضّع ومن أجل شيوخ ركّع ومن أجل بهائم رتّع فقد قال الحقّ سبحانه وتعالى في الحديث القدسي "لولا أطفال رضّع وشيوخ ركّع وبهائم رتّع لصببت عليكم العذاب صبّا". فقد يكون سبب عدم نزول البلاء هو عبادة رجل كبير، شيخ عرف لله حقّا وأدى لله حقّا، وقد يكون بسبب طفل رضيع لا يفهم ذنبا ولم يقترف إثماً، وقد يكون بسبب بهيمة أطاعة الله سبحانه وتعالى. وما شقّ عصا المعصية أو عصا الطاعة إلا الإنس والجنّ ولذلك سجّل الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم أنّ كلّ الكائنات تسجد لله سبحانه وتعالى إلا هاتين الصّنفين، إقرأ معي قول الله سبحانه وتعالى "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ". إذا القضية الأساسية في أن الإنسان منا فهم حقيقته وعلم أنّه عبد لله ربّ العاليمن ما عليه إلا الطاعة ولا يقترف ذنباً ولا معصية وقدّم إلى الله سبحانه وتعالى ما شقى به نفسه وما شقيت به حياته وما جرى وراءه يلهث فإنّه سيعيش عيشة سعيدة مطمئنّة يأتيه رزقه روضاً من كل مكان. أنظروا إلى أرض الله المحرّمة حول الكعبة، هذه الأرض التي لم ينبت فيها زرع ولم تجر فيها مياه ولا أنهار ضمن الله فيها الأرزاق لعبادة الله سبحانه وتعالى وبالتّوصل إليه وبمعرفة الله سبحانه وتعالى والذكر له. ولذلك أمر الله سبحانه وتعالى سيدنا إسماعيل وأمّه في هذا المكان أن يعبدا الله سبحانه وتعالى ويذهبا إلى الصّلوات التي هي سبب في وصول الأرزاق من الله سبحانه وتعالى.

 يحيى أيو زكريا: شيخ جمال، سنستكمل كل المحاور لكن دعني أنقل فكرة من ما ورد في بنات أفكارك إلى الشّيخ عبد الرّزّاق. أشرت إلى أن المعاصي تكلّف المجتمعات الكثير الكثير. شيخ عبد الرزاق عندما يتأمّل الإنسان المجتمعات الأوروبية  الغربية وهي تعيش أوج الرّفاهية، أوج العدالة الإجتماعية، مجتمعات صانعة للدواء للتقنية للعطور للملابس للحاسوب وتزداد تقدما يوما بعد يوم. بناء على ما ذكره الشّيخ جمال عبد السّميع فإنّ المجتمعات الأوروبية هي أكثر طاعة لله  وأكثر قرباً منه من المجتمعات الإسلامية التي يزيدها الله بلاء على بلاء وإنكسارا على إنكسار وضعفاً على ضعف.

 الشّيخ عبد الرّزّاق المؤنس: بسم الله الرّحمن الرّحيم، ربّنا سبحانه وتعالى قال "وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ".

بعد كلام الله عزَّ وجلَّ كلّ المحبة والتّحية للضيوف الكرام ولكل الأحبة الّذين أتواصل ويتواصلون معنا في هذا الملتقى المبارك والنّافع بإذن الله عزَّ وجلَّ.

أما بخصوص المجتمع الأوروبي في الواقع، فالمجتمع الأوروبي أحسن حياته الدّنيا، والحياة الدّنيا معادلات وأنظمة ومقدمات ونتائج مثل الرّياضيات. في هذه الحالة من أحسن صياغة المعادلة الرّياضية في الحياة الدّنيوية العملية على المستوى التّقني، العلمي، الإجتماعي، الإقتصادي، المالي، الثّقافي، الدّنيوي، وحتى على مستوى الشّغوي، اللّهوي أيضاً، يستطيع أن يحقق لنفسه مستويات من الرّفاهية قياسية قد تحدق في السّماء أيضاً كما هي الحضارة الغربية دون الحضارة العربية والإسلامية. وهذا الأمر المشهود في الحقيقة له سبب واضح جداً يعرفه كل إنسان متأمّل وهو أنّهم في أنفسهم قد حفظوا الحقوق والواجبات وكلّ إنسان منهم لم يتعد الإحترام والكرامة إلى مستوى العدوان والأذى، فإذا أقام المجتمع الكافر والمجتمع البعيد عن كلّ صفات الإيمان حياته الدّنيوية على معاني الإستقامة ومعاني الإتقان في العمل ومعاني الإحترام لحقوق الإنسان والإحترام للكرامة في ما بينه وأيضاً فعل شيئاً مهم جداً نحن في هذا الأمر قد اخترقناه إلى مستوى الإنحراف والشّذوذ، أنّ كلّ الإنسان يعمل بما يعنيه ولم يتدخل بما لا يعنيه. هذه الحالة تصنع الحضارة عندما توجد عناصره وتوجد أيضاً أشخاصها والنّاس المطلعون وأصحاب الإطلاع أيضاً، الأهلية يعني والكفاءات، فيوضع كلّ في محله، فلا يمكن أن يوضع مثلاً في قيادة عملية تقنية تكنولوجية إنسان يدرس أدباً أو يدرس ثقافةً أو يدرس فناً، كلّ إنسان يوضع في محله المناسب. هذا الأمر إستطاعوا هم أن يوزّعوه بعقل فأحسنوا صوغ حياتهم الحضارية التي يعيشونها هذه الحياة الدّنيا.

أنا لن أستطيع الحقيقة أن أنزلق لأنّ البحر والموجات متلاطمة. عندما أتحدث في مخاضات العالم العربي والإسلامي الّذي يحمل أعظم كنز رباني سماوي أعطي إليه، كلّه ملخّص في "إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ" كلّه ملخّص في "فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى*وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا".

لن أخوض في هذا المجال ولا في هذا المجال لأنّ المشكلة ليست اليوم في القناعات وليست في الثّقافات وليست أيضاً في النّصوص وإنما المشكلة اليوم في النّفوس التي لم تتواءم ولم تتعانق مع حقيقة النّصوص فأصبح الإنسان المسلم، الإنسان في عالم القرآن وفي عالم فضائيات بركات السّماء عالماً يعيش إستغراباً غير معقول في نفسه، فالقرآن في واد، والّذين يتحدّثون بالقرآن في واد، مع أنّنا في الواقع كلّ منا يعلم الحقّ من الباطل يعلم الحلال ويعلم الحرام، فالمشكلة إذا هنا في نفوس إنفصمت عن الإلتزام وعن الإتباع، فلا نحن أحسنا صنع الحياة الدّنيا ولا نحن أحسنا أيضاً المرجعية إلى الله واليوم الآخر "إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ"، ففي الحالتين لم نتّفق مع أنّنا ننطوي على أعظم القوى الرّبانية وأعظم هدي في الكون كلّه وعلى رسالات السّماء. فلو أنّنا اليوم بحثنا في العالم الإسلامي حتى من خلال مرجعياته ومن خلال خطاباته الدّينية ومن خلال منابعه وفيوضاته في التّربية، في الوعظ، في التّصوف، في الأخلاق، لو أنّنا أعملنا الفكر والنّظر في توصيفات ذلك كلّه وجعلنا هناك تناظراً ما بينه وبين الحقيقة الإسلامية النّقية كما أرادها الله في عصر الرّسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم وعصر السّلف الصّالح الحقيقيين، عصر القرون الأولى، عصر تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي، كم سنجد الفوارق بين هذا وذاك. لكن الأمر الأهم في هذا كلّه أنّ الإسلام خلال نصوص القرآن ومن خلال فعلية دعوية الرّسول عليه الصّلاة والسّلام لم يضع اللّوم على المعصية ولا على العاصي ولا على الذّنب ولا على المذنب بقدر ما وضع اللّوم على حالتين: أن يعصي العاصي ولا يتوب أو أن يستبيح المعصية وإن لم يعملها، يعني في العقائد وفي الخلقيات والتّصرفات، لأنّ ربّنا سبحانه وتعالى من أسمائه الغفار، من أسمائه الغفور، من أسمائه التّواب، والإنسان بين هذا وذاك ليس من الملائكة ولا هو من الأنبياء، الإنسان في خلقته وصنعة الله عزَّ وجلَّ فيه "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا*قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا"، "وَالْعَصْرِ*إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ*إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ"، إستثناء. إذا طبيعة الإنسان في حالة خسران لا شكّ في كلّ ذلك، الإستثناء هو الجهد الّذي يبذله في إستقامته، والإستقامة لا تأتي إلا عن وعي وهذا الوعي لا يأتي إلا عن مربي، "لولا المربي ما عرفت ربي". إن الله عزَّ وجلَّ قادر على أن يبعث إلى عباده القرآن العظيم بأفخم النّسخ والطباعات المذّهبة والجميلة جداً وأفخم الخطوط والألق الجميل المشرق للقرآن الكريم.

 يحيى أبو زكريا: شيخ عبد الرّزّاق سنستكمل بالّتأكيد كلّ هذه التّفاصيل لكن بعيد الفاصل. مشاهدينا فاصل قصير ثمّ نعود إليكم فابقوا معنا.


المحور الثاني

كيف يتكامل الإنسان و المجتمع بالتخلي عن الذنوب؟
المحور الثاني

 يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلا بكم من جديد، من أدرك حلقتنا الآن نحن نعالج موضوع "الآثار التي تتركها المعاصي والذّنوب على الفرد والمجتمع".

شيخنا وضعت كتب كثيرة جداً في هذا المضمار ومن هذه الكتب كتاب "النّفس المطمئنّة" للسيد "دستغيب" ويتحدث في هذا الكتاب عن ماهيّة الإنسان وكيف يرقى إلى درجة الكمال إذا إلتزم ببعض الضوابط الأخلاقية.

 تقرير: في كتاب "التّوبة من المعاصي والذّنوب" لـ"مصطفى شيخ ابراهيم حقي" يقول الكاتب: قل أيها النّبي لعباد الله الّذين أكثروا من الذّنوب وأسرفوا في المعاصي لا تيأسوا من رحمة الله لكثرة آثامكم وعظيم ذنوبكم فإنّ رحمة الله واسعة وجوده عظيم وهو سبحانه يغفر كلّ الذّنوب ويعفو عن جميع السّيئات لمن تاب إليه وندم على ما فعل بل يفرح الله بتوبته ويبدل سيئاته حسنات.

ويضيف، ولو لم تكن التّوبة أحب شيئ إليه ما ابتلى بالذّنب أعز النّاس عليه وهو آدم عليه السّلام، فالله كثير الغفران للعبد مهما اقترف من الآثام، تواب يعود بفضله وستره وعفوه على عباده، رحيم بالتّلطف إليهم، بإيصال أنواع المحاب بأحسن الأسباب ويصرف عنهم المكاره.

ويتابع الكاتب داعياً المسلم ألا ييأس من روح الله ولا يقنط من رحمة مولاه بل مهما فعل من الذّنوب واقترف من المعاصي فليتب وليعد إلى ربّه وليستغفر إلهه وخالقه فهنيئاً للتائبين وقرة عين للمنيبين بهذا الفضل العظيم والثّواب الكريم وهي بشرى للموحدين بهذا النّداء من الرّحمن الرّحيم وهي سعادة العباد من هذا الكرم والجود من الواحد الأحد. فنسأله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يتوب علينا وأن يغفر ذنوبنا.

أما في كتاب "النّفس المطمئنّة" لآية الله "دستغيب"، يدعو المؤلف للتحرك وفق إرادة الله وترك الميول ويقول: إنّ المستفاد من الأدلة العقلية وآيات القرآن هو أنّ الله سبحانه وتعالى خلق البشر للعبودية والبشر مستعد أيضاً للعبودية بفطرته، فالله قد جعله على رأس فريقين، بإمكانه أن يكون عبداً للأهواء وللشهوات ويمكنه أن يكون عبداً لخالقه أيضاً. يتابع الكاتب قائلاً إن الحيوانات مجبورة على إطاعة الهوى والشّهوة لكن الإنسان خلق مختاراً وهذا هو إمتياز الإنسان عن الحيوان، فالحيوان لا عمل له سوى إتباع الشّهوات وميوله النّفسية، أما الإنسان الّذي يمكن أن يصرف نظره عن ميوله ويتحرك بإرادة مولاه، كما يمكن أن يكون عبداً للهوى، كذلك يمكنه أن يكون عبداً لله.

ويضيف في كلّ دورة من الزّمان نجد أنّ أكثر النّاس من اتباع الهوى، يعني سلاسل عبودية الشّيطان في أعناقهم ولا هدف لهم سوى الملذات والشّهوات، هؤلاء يقال عنهم إنهم أصحاب نفوس أمّارة، والأمّارة مبالغة في كونه أميراً فالأمير الموجود في باطنه هو هوى النّفس. ويقول إنّ الكثير من المسلمين أصحاب نفوس أمّارة حتى عندما يؤدي العبادة فذلك بأمر النّفس أن يكون رياءً مثلاً، يعبد من أجل الشّهرة والظهور أو ميول نفسية أخرى، يطلق عنوان العبادة على المعاملة والسّياحة أو التّجارة ويجعلها باسم الحج. العبادة التي تؤديها النّفس الأمّارة نابعة من حكومة النّفس ولو صدر منه عمل صالح نراه يكبّر ويعظّم هذا العمل فهو في الحقيقة لم يعمل سوى الشّر لأنه أطاع النّفس والهوى بهذه العبادة.

 يحيى أبو زكريا: السّؤال شيخنا وهو فلسفي، قد يكون إذا كان الإنسان في أصل خلقه لديه القابلية للمعصية، نحن نستثني الإنسان غير النّبي أو غير الّذي عصم من الإثم، نستثنيه من العصمة، الإنسان المطلق البشري غير معصوم، لديه القابلية للمعصية،كيف يخلق المولى عزَّ وجلَّ إنساناً له القابلية للمعصية ثم ينهاه عن المعصية، ألا يقع نوع من التناقض بين الأمر والمأمور إذا صح التّعبير.

 الشيخ محمد أحمد حجازي: في الواقع لا يوجد هناك تناف بين الأمرين. أولاً على المستوى البشري، النّفس البشرية بشكل عام وإن كانت هناك قابلية لفعل أي شيئ قد يشتهيه الإنسان وتشتهيه النّفس ولكن لا يعني ذلك أنه كل ما يشتهيه بإمكانه أن يفعله، ولذلك جاءت التّعاليم الإلهية السّماوية من أجل أن تحدد ما يمكن أن يفعله وما يجب أن ينتهي عنه، وصحيح أنه أعطاه هذه القابلية ولكن بحد ذاتها هي فتنة، لأن الإنسان بطبيعته ينفر من العبودية وبطبيعته حتى على مستوى القوانين المدنية، هناك دعاة للهوى بمعنى أنّه دائماً يحب الأشياء بأجمعها أن تكون مباحة له، وهذه الإباحة المطلقة تتنافى كما ذكرنا في البداية مع حالة تنظيم الأمور التي تتعلق بالإنسان، علاقاته بالوظائف الدنيوية وعلاقاته بالوظائف الأخروية. والشّيئ المهم الّذي يجب أن نسلط الضّوء عليه هو نظرية الإعتصام والعصمة بالله سبحانه وتعالى، هناك عصمة كما نعرف نسميها العصمة الذّاتية التي تتعلق بالأنبياء والأوصياء وهناك عصمة إكتسابية. القرآن الكريم والسّنة النّبوية الشّريفة وما جاء عن أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم، هناك حضّ كبير على ضرورة إرتقاء النّفس بمستويات الإعتصام الذّاتي، بمعنى أن يكون هناك عمل دؤوب على إكتساب هذه العصمة النّفسية التي تعين الإنسان على الإستقامة وتعينه دون الحيلولة في الوقوع في المعاصي وما يتنافى مع مبدأ التوحيد وما يتنافى مع مبدأ العبودية.

النّقطة المركزية التي يجب أن نسّلط الضّوء عليها ويجب أن يستفيد منها المستمع الكريم أو بالأحرى ما يمكن أن نوصله إلى المستمع الكريم، هي قضية أنّ كلّ إنسان عليه فعلاً أن يكون عنده مشروع ذاتي على مستوى الذّات الإنسانية، هو مشروع الإعتصام بمعنى أن تكون هناك دائماً مراقبة ومحاسبة ذاتية وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وليس منا من لم يحاسب نفسه في اليوم والليلة مرة واحدة على سبيل المثال. يفترض أن يكون هناك تعاط بمسؤولية كبيرة وبجدية كبيرة من أجل إيصال النّفس إلى مراتب الكمال. ذكرت في المقدمة أو في سؤالك الأخير في ما يتعلق ويرتبط بكتاب السّيد "دستغيب" رحمه الله "النّفس المطمئنّة"، هو ذكر أنواع النّفس، أقسام النّفس، حين تحدث عن النّفس الأمّارة وتحدث عن النّفس اللّوامة وثمّ تحدث عن النّفس الملهمة، طبعاً هذا بحسب التّرتيب القرآني، وأخيراً النّفس المطمئنّة. هذه النّفوس هي ترتبط بنفس واحدة، هذه الأقسام، ولكن تختلف هذه النّسب والدّرجات بحسب الجهاد النّفسي عند الإنسان، لأنّه هناك عندنا مصطلح معروف بالجهاد الأكبر جهاد النّفس، الإنسان بقدر ما يجاهد نفسه ويتألّق بجهاده على سبيل المثال كما جاء في القرآن الكريم "وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ"، "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ". إذا القضية الأساسية هنا أنّنا نريد أن نبني مشروعاً ذاتياً نأصّله في ذاتنا هو أن تكون هناك ملكة إسمها العدالة الإنسانية، بمعنى أن نأتي بكل ما أمر الله سبحانه تعالى به وأن نترك كل ما نهانا عنه. وهذا إذا أردنا أن نقول ما هو المطلوب من الإنسان في هذه الحياة الدّنيا؟ المطلوب الإستقامة، العلاقة المستقيمة مع الله سبحانه وتعالى، وبمعنى أنه إذا نظّمنا هنا للعلاقة المستقيمة مع الآخر وأن تكون هذه العلاقة معصومة من الرّذيلة وأن تكون هذه العلاقة معصومة من الأذية، هذا بالتّأكيد كجواب بديهي وكإستنتاج بديهي أولي أنه لا يجوز للآخر أن يكفّر الآخر أو أن ينعّت الآخر بمختلف النّعوت والتّوصيفات التي لا أصل لها. إذا نحن هنا الآن أمام مسؤولية عينية تتوجّب على كلّ فرد من البشر وهو أن يكون الإنسان أمام هذا الواجب بينه وبين الله عزَّ وجلَّ، بمعنى تخلية الباطن من الذّنوب. وهو كما يقال مسألة النّفس بين التّخلية وبين التّحلية وبين التّجلية، التّخلية تخلية النّفس من الذّنب، والتّحلية تحليتها بالصّفات الممدوحة وثمّ بعد ذلك تأتي مرحلة التّطهير الإلهي وتأتي مرحلة التّجلي للفيوضات الإلهية على النّفس الإنسانية. وكما نعلم أنّه كما ورد عن إمامنا الصّادق عليه السّلام أنّ الإيمان على عشر درجات، وأيضاً ورد في الحديث عن النّبي صلى الله عليه وآله وسلّم أنّ سلمان الفارسي المحمدي كان في الدّرجة العاشرة وأبو ذر الغفاري كان في الدّرجة التّاسعة والمقداد كان في الدّرجة الثّامنة. إذا نحن أمام مشروع إرتقاء بين هبوط وبين صعود، ولكن إسلامياً، في المفهوم الإسلامي حين ما حذّرنا من فتنة المعصية، وحين ما حذّرنا من إثم الذّنوب يعني أنه يريد منا عملية دؤوبة في المثابرة على الإرتقاء الدّائم بشكل ألا نعود إلى الوراء لأن هناك تكاملا في العروج إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا التكامل نقطف أثاره ليس في الدنيا وحسب ولكن أيضاً نقطف أثاره في عالم البرزخ، في عالم الحساب، في القبر وفي عالم المحشر.

 يحيى أبو زكريا: وهنا الهدف الأسمى لخلق الإنسان، خلق الإنسان في دار الدّنيا لكي يعرف ربّه، لكأن الشّرط الأول في معراج السّالكين هو معرفة المولى عزَّ وجلَّ، فإذا علمت شيخنا أنّه المعطي، أنّه الغفور، أنّه المنعم، أنّه سبب إيجادك وعلة إيجادك وهذا فضل.

 الشّيخ محمد أحمد حجازي: من عرف نفسه فقد عرف ربّه.

 يحيى أبو زكريا: فلا يمكنك عندها أن تلحق به الأذى وهو المنعم الجواد، الكريم، الحنان، المنان.

 الشّيخ محمد أحمد حجازي: وهذا مصداق من مصاديق الإستقامة النّفسي.   

 يحيى أبو زكريا: شيخ جمال عبد السّميع، عندما نتحدّث عن الآثام والذّنوب والمعاصي بالتّأكيد هنالك طبقات في المعصية، هنالك درجات في الذّنوب، هنالك معاص يهتزّ لها عرش الرّحمن، زنا المحارم، الزّنا، الشّرك بالله معصية لا تغتفر، القتل، الإجرام، السّرقة، الخيانة وعدم الأمانة، وهنالك ذنوب تعدّ من باب اللّمم، ربما الإستغفار يكفي بمحوها. ماذا عن طبقات المعاصي والذّنوب حتى نعرف كيف يتعاطى المسلم مع هذه المعاصي والذّنوب، كيف ينتهي منها ويلتزم بالمستقيم من الخلق؟

 الشّيخ جمال عبد السّميع: أولاً بداية، الحقّ سبحانه وتعالى بما أعطاه الله سبحانه وتعالى لنبيه وحياً في القرآن الكريم وفي السّنة النّبوية المطهرة معنى ولفظاً لرسول الله بيّن لنا أنّ الذّنوب والمعاصي تنقسم إلى أقسام، فمنها الكبائر ومنها أكبر الكبائر ومنها الصّغائر، وقد جمع الله سبحانه وتعالى هذا في سورة النّجم عندما قال "الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ"، وأكبر الكبائر الشّرك بالله والكفر به، قال عنه ربّنا سبحانه وتعالى على لسان لقمان الحكيم وهو يعظ إبنه "إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ". وإنّ أكبر الكبائر الزّنا وخاصة حليلة الجار وعقوق الوالدين والسّحر وقتل النّفس بغير حقّ، وهكذا من الآثام ومن الذّنوب لا يقوم كبيرة من الكبائر. ومن الصّغائر لطم الخد والشّتم والقذف والغيبة والنّميمة، ومن هذه الأشياء التي ربما لم تصل إلى كبيرة من الكبائر مع العلم أنّ الصّغيرة إذا أصّر عليها الإنسان إصراراً بالغاً وداوم عليها قد تعدّ نوعاً من أنواع الكبائر لإستحقار هذه الأشياء ولذلك قال القائل "لا تحقرّن من الذّنوب وإن كان صغيرا فإنّ الصّغير ربما يكون عند الله كبيرا". أما الصّغائر التي هي قد يفعلها الإنسان من عن غير عمد ولا إصرار قد يقع فيها الإنسان منا من دون أن يدرك حقيقتها. فنسأل الله لنا وله العفو والعافية والغفران.

 يحيى أبو زكريا: شيخ عبد الرّزّاق، في موضوع آخر إقتراف المعصية نلاحظ أنّ لغة المولى عزَّ وجلَّ مع العباد في القرآن الكريم لغة حنان ولغة حبّ ولغة عشق، ويتعامل المولى عزَّ وجلَّ حتى مع الكفرة "يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ"، خطاب مودة خطاب استيعاب للإنسانية، وأبواب التّوبة مفتوحة حتى أنّ إبليس ليطّمعنّ في رحمته تعالى لأنّ رحمته وسعت كلّ الدّنيا والآخرة .

في هذا السّياق، ماذا تقول عن الّذين كفّروا مقترف المعصية؟ يعني في التّاريخ الإسلامي برزت العديد من الجماعات التي كانت تنظر إلى مقترف المعصية أنه كافر، وبالتالي ترتّب على هذا التكفير قتله، كما يحدث اليوم في أكثر الدّول الإسلامية، حيث الّذي لا يصلي يعدم والّذي يخطئ في الرّكعات يشنق والتي لا تضع الحجاب على رأسها يحرق وجهها بماء النّار للأسف الشّديد.

 الشّيخ عبد الرّزّاق المؤنس: الحقيقة، هذا الشّرح في سؤالكم المحترم، يعني توجه إليّ بثلاثة أسئلة، السّؤال الأوّل، ربّنا سبحانه وتعالى وربّنا عزَّ وجلَّ يحبّ عباده، ربّنا غفور رحيم، ربّنا يطعم عباده ويرزقهم ويمنحهم الحياة مهما كانت إنتماءات عقائدهم، ربّنا عزَّ وجلَّ قال "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً". إذا وفي القرآن الكريم الآيات الشّهيرة جداً المعروفة " الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ"، ولم يقل الحمد لله إله العالمين، هو ربّ، ومعنى الرّبّ مفهوم بمعنى الفيوض والعطاءات والحنان، ومع هذا جاء الزّخم القوي جداً، الرّحمن صيغة مبالغة، الرّحيم صيغة مبالغة على الخصوصية، تلك على العموم. فكلّ ذلك لا يفيدنا فقط أن نقول إنّ الله رحمن رحيم، فهذا عقيدة نؤمن بها ولكن هذا منح إلينا لأجل أن نكون نحن بعضنا مع البعض الآخر بصفات الله "تخلقوا بأخلاق الله عزَّ وجلَّ". ربّنا سبحانه وتعالى خلق الإنسان وجعله يعصي وجعله يطيع أيضاً فالمشكلة ليست في المعصية المشكلة، ليست في الزّلّل ولا في السّيئة، ولكن المشكلة في الإنسان الّذي ينسى أنه عبد وأنه محكوم بأمر الله عزَّ وجلَّ وأنه ينبغي أن يبقى على تواصل مع باب الله. الإستغفار ليست كلمة استغفر بمعنى غفر، وغفر في اللغة العربية التغطية، غفر الشيئ مثل "cover" كما تقولون. في هذه الحالة لأجل أن يرتبط الإنسان بالرّبّ الرّحمن الرّحيم ولأجل أن تكون المغفرة من الرّبّ عزَّ وجلَّ حالة تنعكس على خلق الإنسان في تعامله مع أخيه الإنسان، فإذا كان الله رّبنا جميعاً القادر على كلّ شيئ يغفر لنا الذّنوب جميعاً مهما بلغت. فلم أنت أيها الإنسان لا تغفر لأخيك إن أخطأ وتتجاوز عن سيئاته وتحسن الظّنّ به وتجتنب إساءة الظّنّ "إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ"، هذه صورة. ولذلك في القرآن "أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ"، وفي القرآن الكريم أيضاً "وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ"، لم يقل هو الّذي يتوب على عباده، كأن الله هو الّذي يتوب بمعنى آخر. فإذا هذه المفاهيم من حيث عنوانها الأساسي والأصل يتذكّر الإنسان عبوديته، لو تصورنا أنّ إنساناً بطبيعته البشرية لا الطّبيعة الملائكية لا يعصي ولا يذنب ويبقى على هذه الحالة طاعة، عبادات، قرآن، استقامات، في مثل هذه الحالة أتصور أنّه سيصل إلى مستوى من الكبر ومن الغرور، فالمعصية والذّنب شاء الله عزَّ وجلَّ أن تكون في مشيئته من أجل أن يطأطأ بنو آدم الكنف أي التواضع حتى يكون الإنسان في حالة من عدم الإستكبار وعدم الغرور، لأن الإستكبار والغرور هما أعظم ذنب في البشرية كلها على الإطلاق. وهذا الإستكبار، الكبر منه تنبثق بقية الذّنوب والمعاصي كبائرها وصغائرها. وإبليس مشكلته أنه كان طاووس الملائكة في العبادة وهو من الجنّ طبعاً، مشكلته الأولى ذنب صغير وهو أنا خير منه، كلمة أنا خير منه اليوم انقلبت إلى مشاريع عدوانية، مشاريع تكفيرية، مشاريع تطرفية، انقلبت أنا خير منه اليوم إلى إلغاء الآخر، انقلبت كلمة أنا خير منه اليوم إلى أن تلوى أعناق الغايات والمقاصد لتصبح وسائل وآليات، وأن تتبدل في مكانها تلك الغايات والمقاصد إلى الأنانيات، إلى الإستكبار، إلى حضور أنا، إلى الحظوظ. فأصبح الدّين اليوم على عكس ما قاله سيدنا الإمام علي ابن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه، أصبح الدّين اليوم ممثلاً في الأشخاص، في مزاجياتها، في افتراءاتها، في افتئاتاتها، كما قال رضي الله عنه "إعرف الرّجال بالحقّ ولا تعرف الحقّ بالرّجال"، لذلك وصلنا إلى حالة من الإستكبار الأعلى وهذا كما هو واضح في العصابات الإجرامية والجماعات هذه على اختلاف أسمائها وأنواعها، ويقال إنها صنعت بيد أميركا وإسرائيل، هذا لا شكّ فيه، لكن المشكلة فينا نحن المسلمين، المشكلة ليست في الباطل ومن يمثل الباطل وجماعات الباطل، المشكلة اليوم في الخلق، فالباطل إذا اجتمع على كلمة واحدة ينتصر، والحق مهما كان مؤيداً من السّماء، من جبريل عليها السلام والملائكة كلّها إذا افترق وتناحر وتعادى وتباغض وتخاذل فإنه يصبح من أضعف ما يكون. المشكلة ليست في اجتماعنا على الهواء وليست في اجتماعنا في الرّاية وليست في اجتماعنا في المسجد وفي الحج وهنا وهناك، المشكلة في اجتماع القلوب وتآلف القلوب، في الود، في التراحم، في الحب، ليست الذّنوب والمعاصي اليوم، الخطيرة، هي في ما يرتكبه الإنسان من خمر، من زنا، من أشياء أخرى، وهي ذنوب الكبائر، ولكن الذّنوب الأعظم التي كان يشدّد عليها الرّسول عليه الصّلاة والسّلام ولا يتسامح بأية ذرة منها هي حقوق العباد، السّيدة عائشة رضي الله عنها مثلاً قالت للنبي عليه الصّلاة والسّلام كلمة وهو يجاور ويصاحب زوجه أيضاً الأخرى صفية وكانت تغار منها غيرة الزّوجات، قالت يا رسول الله وما يعجبك بصفية وأشارت بيدها، على أنّ السّيدة عائشة أجمل وأطول وكذا، فلم يترك هذه الكلمة تمر مع أنّها لم تقل شيئاً كبيراً كما نرى اليوم في أنفاس حياتنا الأسرية والعائلية والحياة الإجتماعية  الإنسانية، قال لها "مه يا عائشة لقد تكلمت بكلمة لو مزجت بماء البحر لأنتن" وقال لها "مه" ولم يقل لها "صه"، لأن "صه" معناها اسكتي وتكلمي بشيئ آخر، أما كلمة "مه" أي اكفف البتّت عن الكلام. فهذه كلمة بسيطة، ومن أشياء هذه الكلمة أيضاً الإنتقاص، الإحتقار، المسلم أخ المسلم لا يسلمه لا يحقره ولا يخذله "لَا تَقَاطَعُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا". الحقيقة في أنّ حقوق العباد هي من أخطر الأشياء التي كان الرّسول عليه الصّلاة والسّلام يشدّد عليها، ومعلوم كذلك أنّ هناك من الصّحابة رضي الله عنهم، هناك من شرب الخمر وهناك من زنا وهذا حديث صحيح في البخاري، صحابي شرب الخمر وعلنا ً، أقيم عليه الحد مرة أولى، مرة ثانية، مرة ثالثة، هذا ذنب بينه وبين الله عزَّ وجلَّ، وغير هذا. لكن أن يقول أحد الصّحابة لبلال الحبشي رضي الله عنه، أبو ذر رضي الله عنه قال لبلال الحبشي يا ابن السوداء فغضب النّبي عليه الصّلاة والسّلام أشدّ الغضب وقال يا أبا ذر أتعيبه بأمّه إنّ فيك لجاهلية، فأقسم أبو ذر ألا يخرج بلال رضي الله عنه من المسجد إلا بعد أن يطأ على عنق أبي ذر من أجل أن يكسر شوكة هذه النّفس التي استكبرت ولو بكلمة يا ابن السوداء.

 يحيى أبو زكريا: شيخ عبد الرّزّاق، وكل ما جئت على ذكره جميل وربما مصداقه قول المصطفى "الدّين المعاملة، الدّين المعاملة، الدّين المعاملة" واليوم للأسف الشّديد، المسلمون أطالوا لحاهم وارتدوا جلابيب قصيرة، لكنهم ما زالوا يمارسون الدّجل والكذب والإعتداء والإغتصاب والجهاد المزور وكل ذلك باسم الإسلام وباسم رسول الله فهانت مجتمعاتنا وهانت دولنا للأسف الشّديد.

 مشاهدينا فاصل قصير ونعود إليكم فابقوا معنا.


المحور الثالث

المعاصي التي تفتك بصحة الفرد و المجموع، المخدرات، العلاقات الجنسية.
المحور الثالث

 يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد.

وطوبى لكلّ عبد إلتزم بما أمره به المولى عزَّ وجلَّ "فيا من بدنياه إشتغل وغره طول الأمل الموت يأتي بغتتاً والقبر صندوق العمل والدّنيا هات تمر كلمح البصر فاتعظوا". من أجمل ما ورد في نهج البلاغة شيخنا العزيز "ما أكثر العبر وأقلّ الإعتبار، إذا كنت في إدبار والموت في إقبال فما أسرع الملتقى"، لله در الأمير.

شيخنا، بالعود للذنوب والمعاصي، أليس في بعض المصاديق البعيدة للمفاهيم الإسلامية أنّ الإسلام الحضاري المحمدي يهدف إلى إنشاء مجتمع متكامل، يعني ما كأن الأهداف الكبرى للإسلام إقامة مجتمعات حضارية يسود فيها الحدّ الأدنى من الإستقامة الذّاتية التي أشرت إليها..

 الشيخ محمد أحمد حجازي: نعم، بكل تأكيد.

لكن إسمح لي بداية أن أعود قليلاً ولو بعجالة لمسألة التّأصيل لقضية تكفير مرتكب الكبيرة. هذه القضية تاريخياً بدأت مع فرقة الخوارج حينما كفروا الإمام علي ابن أبي طالب عليه السّلام في قضية التّحكيم، واستندوا في ذلك إلى قوله تعالى "وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ"، وطبعاً القضية عند إمامنا، الإمام علي، إمام المسلمين، الإمام المعصوم، القضية هي كانت خروج على طاعة الإمام عليه السّلام وبالتالي لم تكن قضية خلاف على قضية أنه هناك اختلاف في مسألة حكم الله تعالى، ليست القضية متعلقة بالحكم إما كانت متعلقة بالإمرة وهي قضية تطبيقية ومصداق لمن يحكم في الأرض، هم طبقوا خطأً على أنه كأن الأمير عليه السلام في قضية التحكيم يخالف حكم الله. من هذه النقطة التّاريخية بالتحديد بدأت هذه الأزمة وبدأ هذا المنزلق التّاريخي السيئ وبني عليه الكثير من الأفكار الظنونية التي أسست لمشروع تفريقي وتشقيق لهذه الأمّة حتى أنّه نتج من الخوارج فرقة إسمها فرقة الأزارقة تابعة لمؤسسها "نافع ابن الأزرق"، هؤلاء كانوا يعدمون ويغتالون ويقتلون كل من لا يؤمن بهم، حتى الأطفال كانوا يعدموهم، حتى النّساء. وهذه العقيدة وهذه العقلية ابتليت الأمّة بها منذ تلك الفترة التي بدأت في عصر الإسلام الأول ولازلنا مع الأسف الشّديد نعيش أثارها إلى يومنا هذا، وهذا اليوم ما نراه بأم العين وما نلمسه ونعيشه أن هناك عملية التّكفير ليس فقط على مستوى الكبائر السّياسية لأن هم الجماعة بدأو أولاً بمسألة الكبيرة السّياسة، مسألة الحكم السّياسي والخلافة ثم بعد ذلك تدرّجوا إلى الكبيرة الدّينية المخالفة للشّرعية حتى انتقلوا من مسألة  وإن كان هناك خلاف في مسألة تقسيم الذّنوب إلى كبائر وصغائر وكم عددها سبعة أو تسعة أو عشرون أو سبعمئة كما روي عن إبن عباس وصل إلى هذا الحدّ  انتقلوا من تكفير مرتكب الكبيرة إلى مرتكب الصّغيرة بل في بعض أفكارهم السّوداوية بعضهم كفر النّبي موسى عليه السلام والنّبي عيسى صلوات الله عليه.

إذا في القلب الإسلامي الّذي كان يعيشه هذا العطاء الغزير من القيم الأخلاقية والقيم الإنسانية جاءت هذه السّوسة دخلت إلى قلب الجسم الإسلامي، هذا الدّاء الّذي لا زلنا يتأثر البعض من المسلمين، للأسف الشّديد.

 يحيى أبو زكريا: هنا شيخنا ، عفواً، نريد توضيحاً بسيطاً إذا سمحت، طبعاً الخوارج لم يمكثوا في دائرة واحدة، أصبحوا خوارج متعددين، كما يقول "الأسفراييني البغدادي" في "الفرق بين الفرق" و"ابن حزم الأندلوسي" في "الملل والنحل" وكذلك "الشهرستاني". يعني كيف تسلّلت الفكرة الأزرقية الخارجية، تكفير من لا يصلي صلاة الصّبح، تكفير من لا يصلي أساساً، من لا يصوم، إلى الدّائرة السّلفية، إلى الدّائرة الحنبلية وأصبح التّكفير اليوم عنواناً للحركة السّلفية الجهادية.

 الشّيخ محمد أحمد حجازي: إذا عدت  الى الذّاكرة التّاريخية عند الكثير من المسلمين وكما هو مروي في بعض السّير التّاريخية، أنّني إذا وقفت عند موقف من المواقف التي نقرأها عادة حينما ضرب الإمام علي عليه السّلام واستشّهد في محرابه، وصل الخبر إلى بلاد الشّام عندها قال البعض وقال الكثر منهم وهل كان علي يصلي؟ إذا هذا مقياس لمعرفة المستوى الثّقافي والفكري والعقلي عند المسلمين ومن ينتحل صفة الإسلام أنذاك، فكيف إذا كان هذا المستوى الموجود من الجهل والتجهيل عند الكثير من المسلمين؟ كيف لا يمكن ألا تتسلّل هذه الأفكار الظّلامية إلى القلب الإسلامي، وربّك لقد فجّرت لواعجي وأشجاني،الرّجل الّذي لولاه لما كانت للمسلمين صلاة ...

 يحيى أبو زكريا: "ما استقام ديني وما قام إلا بمال خديجة وسيف علي".

 الشّيخ محمد أحمد حجازي: وهذا متفق عليه بين جميع المسلمين، سيف علي هو الأساس في بناء الإسلام وفي قيامة الإسلام وبقاء الإسلام غضاً طرياً إلى يومنا هذا، لذا نحن نعيش ثنائية اليوم في الفكر الإسلامي، على مستوى العطاء، لا شك أنّ هناك جمعا من المسلمين، بل كثرة بإذن الله تعالى من المسلمين، من علماء المسلمين كافة، من كافة المذاهب، هناك خطاب إعتدالي وهناك في المقابل الطّرف الآخر من هذه الثّنائية، الخطاب التطرفي، الخطاب العنفي اليوم. هذه من مسألة مصاديق الخطاب العنفي الّذي نعيشه اليوم تحت عناوين إسلامية وتحت عناوين قرآنية، يكفّرون الآخر ويطلقون الفتاوى من كلّ حدب وصوب من أجل إقامة مشروع صهيوني في العالم من أجل تنفيذ أجندات خارجية تحت إسم الإنسان.

 يحيى أبو زكريا: والعجيب شيخنا الّذي يقرأ بروتوكولات حكماء صهيون وللأسف المسلمون لا يقرأون اليوم، ربما مباراة كرة قدم أهم لديهم من وعيهم الفكري، في بروتوكولات حكماء صهيون، إنّ واحدة من أهداف الماسونية العالمية تدمير الأديان، وهل أجدى من تدمير الدين بالدين؟ وأعود إذا سمحتم بهذا السّؤال عن بناء مجتمعات متكاملة لم يبق لي الكثير من الوقت، عن الإسلام وإقامة مجتمعات متكاملة.

 الشّيخ محمد أحمد حجازي: لا شك أنه هناك مشروع تكاملي على المستوى الفردي وهناك مشروع تكاملي على مستوى الأمة جمعاء، وبمعنى أن يكون هناك تمازج وأن يكون هناك تماه بين الفرد وبين الجماعة إلى أن تكون هناك وحدة إجتماعية متكاملة، وعندها المناعة، وعندها ملكة العدالة التي تحدثنا عنها، ليس فقط على مستوى الفرد وإنما على مستوى الأمّة، وهنا لا بد أن أشير إلى أمر أعتبره في غاية الأهمية أنّه في مدرسة أهل البيت الّذين نؤمن بعصمتهم، هذه المدرسة التي تنطلق من نظرية العصمة للأوصياء، أوصياء النّبي صلى الله عليه وآله، لا شكّ ولا ريب أنّه لها أثرها على مستوى المجتمع الإسلامي، لا نريد أن نتحدث اليوم عن صراعات مذهبية، نريد أن نتحدث عن مدرسة الإمام الصادق عليه السلام التي كانت جامعة لمختلف المشارب والمآرب في ذاك الوقت، الّذي جمع تحت منبره أكثر من أربعة آلاف طالب وأكثر من أربعة آلاف عالم. هذا إن دلّ على شيئ فإنّه يدلّ على أنّ هناك نظرية أساسية هي مسألة التّمسك بالإنسان الأكمل والإنسان الكامل، والإنسان الكامل في منظومتنا العقائدية الكلامية هو الإنسان المعصوم الّذي عصمه الله سبحانه وتعالى من الزّلّل والخطأ وهذا المقام الراقي من الكمال النّفسي والكمال الفكري والعصمة الذّاتية ترشّح عنه كمالات كثيرة تسلّلت أو سرت إلى نفوس العلماء ومن العلماء إلى نفوس النّاس ولذلك نحن في مدرستنا المدرسة الإسلامية التي تتمثّل في مدرسة أهل البيت عليهم السّلام، لا يمكن أن نتبنى مثل هذه النّظريات التي تدعو إلى تفريق الجماعة وتدعو إلى تنقيص الوحدة الإجتماعية. فإذاً إن كانت هناك من ريادة في الكمال الإجتماعي  والكمال الإنساني فهي إنطلاقاً من نظرية العصمة، نحن بحاجة فعلاً إلى العودة إلى هذه النظرية، إلى مدرسة العصمة النبوية التي تعصم الأمة من هذا الزّلّل والخطأ وإلا فإنّ هناك الكثير من التّيارات التي لم تلد بعد وستولد بعد في أيام لاحقة وفي المستقبل وسنرى العجائب "وما عشت أراك الدهر عجبا"، سنرى أكثر  مما نراه اليوم، لذلك خلاص الأمّة اليوم ليس فقط على مستوى خلاص الفرد من المعصية الفردية والذّنب والإثم الشّخصي، إنما خلاص الأمّة من ترك ما أمر به النّبي صلى الله عليه وآله وسلّم أو بالأحرى العود إلى ما أمر به النّبي صلى الله وعليه وآله وسلّم، أنّه "إني تارك فيكم الثّقلين ما إن تمسكتم به لن تضلّوا بعدي أبدا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي".

 يحيى أبو زكريا: لكن شيخنا، قبيل الذّهاب إلى القاهرة، أشرت إلى إستشهاد الإمام علي في المسجد، أشير أيضاً أن أولاده نحروا جميعاً من الوريد إلى الوريد، هذا ما قدمته الأمّة للعترة الطّاهرة للأسف الشّديد.

شيخ جمال عبد السّميع، اليوم عندما نتحدث عن تكامل جماعي للمجتمع، تكامل باتجاه الفضيلة، الأخلاق الحسنة، التّآزر، التّعاون، المطلوب أن تلتقي، أن تتعاضد، كلّ وسائط التّأثير، وسائل التّأثير، على بناء الإنسان السّوي، وسائل الإعلام، المنابر، الأكادميات، الجامعات، فيما اليوم على الصّعيد الإعلامي مثلاً المعصية يزغرد لها ويطبل، يعني عندنا برامج للعهر، للعري، عندنا برامج للتشجيع على الخمر والخمور، عندنا برامج تزكي أشياء أخرى، يعني مجموعة من الشّباب والشّابات يلتقون على الطّريقة الغربية في غرفة واحدة فيتعرون ولا يقيمون وزناً لا لعرف إجتماعي ولا لعرف ديني. ما المطلوب اليوم من وسائل الإعلام العربية والإسلامية والتي تصرف ملايين الدّولارات، بل مليارات الدولارات على تفسيق الخلق للأسف الشّديد؟

 الشيخ جمال عبد السميع: الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وبعد، إنّ هذه المقولة وكلّ ما قلته يندرج تحت أمراض الرّفاهية التي قال الله سبحانه وتعالى فيها "وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا"، من أجل هذا لا بد علينا أن يقوم كلّ إنسان منا بواجبه، الإعلام يقوم بدوره، المؤسسات التّعليمية النّظامية تقوم بدورها، البيت والأسرة يقومان بدورهما، كلّ معاقل العلم ومعاهد التّعليم لا بد أن تحيا حياة تغرس في الإنسان منا الحياء لأنّ بالحياء تسموا الأمم وترتفع الأخلاق وتقوم للناس قوائمهم، وكما قال النّبي صل الله عليه وسلّم "إذ لم تستح فاصنع ما شئت" فلا بدّ علينا أن نعود إلى ديننا، نتوسى بالقرآن الكريم والسّنة النّبيوية المطهرة، نحلّ حلالهما ونحرّم حرامهما ويكون الأمر فينا بالرّضا والقبول، فكم من إنسان سمع وعلم ولكنه أصرّ على المعصية، وكم من إنسان عرف علم اليقين لكنه يترك لنفسه ولحريته الحبل على الغارب، ولا بد أن يخالف الإنسان منا شيطانه وهواه وكما قال البوصيري في مدحه لرسول الله صلى الله عليه وسلّم "وخالف النّفس والشّيطان واعصهما وإن هما محضاك النّصح فاتهم". ولا بد على الإنسان منا أن يقف وقفة حقيقة مع نفسه، يكون فيها صادقاً مع ربّه، يتوب إلى الله توبة نصوحة لعل الله سبحانه وتعالى يأخذ بيده إلى التوبة الحقيقية فيتوب عليه، ولذلك سئل الحسن البوصيري رضوان الله عليه، ما بك يا حسن؟ هزل جسمك واصفر لونك وشاب شعرك، قال تبت إلى الله فتاب الله علي فقالوا له بل قل تاب الله عليك فهداك إلى التّوبة فتبت فقبل توبتك. فلا بد على الإنسان منا أن يحسن الظّنّ بالله وأن يستخلص العمل القويم وأن يتقي الله سبحانه وتعالى في كل ما يفعل سواء كان هذا الأمر في ما بينه وبين ربه وما بينه وبين نفسه ولا يؤتي هذا المقام ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلّم...

 يحيى أبو زكريا: شيخ عبد الرّزّاق، في هذا السياق، المولى عزَّ وجلَّ أبقى الأمل مفتوحاً، ولو أنّ الإنسان تاب إلى الله قبيل موته بقليل سيتقبل الله توبته، هو الرّحمن الرّحيم، ماذا عن باب التّوبة المفتوح دائماً، يعني المولى عزَّ وجلَّ يقول للإنسان دوماً "هيت لك يا عبدي، اذكرني أذكرك، استغفرني أغفر لك"، بمعنى هذا المولى عزَّ وجلَّ الّذي وضع ضوابط وحرّم هذا وحلّ ذاك لم يغلق باب التّوبة نهائياً بل جعل الإستغفار الدّائم جزءاً من المسلكية الإسلامية.                            

 الشّيخ عبد الرّزّاق المؤنس: الأمل بالله عزَّ وجلَّ، هو الأمل بين عبد هو صنعة الله عزَّ وجلَّ وبين الصّانع ربّ العالمين. وربنا ربّ العالمين، الرّحمن الرّحيم، إذا كان يفيض على عباده بالدّنيا كل ما يشاؤون في أسباب الحياة في الرّزق والمعاش، ربّنا يحبّ التّوابين ويحبّ المتطهرين، ربّنا سبحانه وتعالى أعطانا الأمل الواسع جداً عندما قال  قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا"، خاطبهم أولاً، قل يا عبادي، فكلّ مخلوق على وجه الكرة الأرضية هو من عداد عباده، لا تقنتوا من رحمة الله أي أنّ الله عزَّ وجلَّ يحبّكم، يغمركم بفيوض محبّته وعطاءاته ورحمته، وكذلك الحديث القدسي "أنا عند حسن ظنّ عبدي بي فليظنّ بي الظّنّ الحسن"، فربنا فتح باب التّوبة ولا يغلق باب التّوبة إلا عندما تشرق الشّمس من المغرب وفي ذلك قيام السّاعة، وقد أشارإلى ذلك النّبي عليه الصّلاة والسّلام بشكل آخر في رمزية قصة حقيقية فعلاً، أنّ رجلاً قد قتل تسعة وتسعين نفساً ثم جاء يبحث عن أرض التّوبة ليتوب إلى الله وقد قتل تسعة وتسعين نفساً من بني إسرائيل، فسأل إنساناً فقال لا توبة لك فأكمل به المئة، ثم بحث  يريد بنيته أن يتوب إلى الله عزَّ وجلَّ  حتى وصل إلى إنسان قال له وما أدراك أنّ الله لا يغفر لك إنّ الله يغفر لك، فلما وصل إلى قريب من أرض التّوبة التي يبحث بها كما دله العارف بالله على من يتوب على يديه، تنازعته ملائكة الموت، ملائكة الرّحمة وملائكة العذاب وتناقشا، فأنزل الله ملكاً يحكم بينهما فقال لهما قيسوا الطّريق ما بينه وبين أرض التّوبة وأرض العذاب فوجدوه أقرب إلى أرض التّوبة بأقل من سنتيمتر واحد تقريباً فابتدرته ملكة الرحمة فغفر الله له.

هذه القصة في الماضي ونحن في الحاضر، باب التّوبة مفتوح والتّوبة هنا ليست فقط توبة بيننا وبين الله، الله يتوب على عباده وفي الحديث الشّريف " إن الله أفرح بتوبة عبده" وتبقى التّوبة والإستغفار بيننا وبين الله عزَّ وجلَّ، لا مشكلة فيها، أما التّوبة من حقوق العباد فهذه مسألة أخرى لأنّ الّذي أساء للعباد وفعل معصية أكل حقوقهم المادية أو المعنوية هذه لا بد من التّسامح بينه وبينهم حتى لا يكون في عداد "أتدرون من المفلس". ينبغي أن نعلم أنّ ربّنا غفار تواب.

 يحيى أبو زكريا: بالتأكيد. وأيضاً من ما قاله أحد العرفاء بالله "قولوا استغفر الله من قلة صدقنا في قولنا، أستغفر الله، فالاستغفار يوجب العمل بالصّالح وترك السيئ". وشيخنا محمد عندما يكون الإنسان متقياً "قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ*بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ". الإنسان عندما يتقي ربّه فيترك السّيئات يرزق علماً، يرزق حكمة، تفتح له كل أبواب الخير، بمعنى أنّ ترك الذّنب له إفراز عرفاني على العبد، هل بترك الذّنب يتكامل الإنسان وهل بالإنسان السّوي نبني الحضارة المرتقبة بإيجاز شديد؟

 الشيخ محمد أحمد حجازي: من أجمل ما يمكن أن يقال في روح الإيمان هو صدق العلاقة والإرتباط بالله سبحانه وتعالى، هو أن يعلم الإنسان أنّه إذا كان خالصاً لله تعالى كما جاء في الحديث "من كان لله كان الله له". ونحن مأمورون بعبادة الله عبادة خالصة من شوائب المعصية والذّنوب وبالتالي تصبح طبيعة النفس البشرية طبيعة طاهرة، المولى ذاته مقدسة طاهرة وجنته طاهرة ويريد من العبد في هذه الحياة الدّنيا أن يكون مشروع طهارة حتى يأذن له للدخول إلى عالم الطهارة في الجنان في الفردوس الأعلى. وأيضاً من الأثار الوضعية للطاعة لله تعالى كما ذكر على قاعدة القرآن الكريم " وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ٭ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَيَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ.." إلى آخر الآية. لا شكّ ولا ريب أنّ مسألة البناء التّقوائي عند الإنسان تجعل له حالة خاصة عند الله عزَّ وجلَّ ويجند له الملائكة ويجعل الملائكة خدمة له قبالة ما قدمه من الطاعة والمحبة لله تعالى. المهم في نفوسنا فعلاً هنا أن نتألّق بالجانب العرفاني والإعتراف لله تعالى إن أحببنا لقاء الله بطهارة هو أن نرفض الطّغيان النّفسي وأن نتواضع لله تعالى من تواضع لله رفعه الله بمعنى أنّه تواضع لأمر الله ولأحكام الله في الأرض.

 يحيى أبو زكريا: ومن هنا نبدأ شيخ محمد "كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى* أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى" بمجرد أن يحسّ أنه دخل في مرحلة الإستغناء والطغيان ينتهي...

 الشّيخ محمد أحمد حجازي: فيميل ويزوغ.

 يحيى أبو زكريا: بالتأكيد. شيخ محمد حجازي شكراّ جزيلاً لك أمتعتنا بوركت ونسأل الله أن يجعل كل ذلك في ميزان حسناتكم والدّكتور الشّيخ الفاضل عبد الرّزّاق المؤنس شكراً جزيلاً لك، الشّيخ الفاضل جمال عبد السّميع شكراً جزيلاً لكم أدامكم الله جميعاً وحفظكم الله من كل سوء.

مشاهدينا "من وجد الله ماذا فقد ومن فقد الله ماذا وجد"، ربّنا من بابك لا تطردنا، ربّنا من بابك لا تطردنا، ربّنا من بابك لا تطردنا، إقبل توبتنا واستغفارنا واجعلنا من المقبولين يوم نلقاك. وصلت حلقتنا إلى تمامها هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الّذي لا تضيع أبداً أبداً ودائعه والسّلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.