أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

نظرية الإسلام في بناء المجتمع

المجتمع الإسلامي أو المجتمع المسلم، مجتمع تسوده روح الإسلام وتعاليمه ونظمه، ويقوم على مبدأ العبودية الكاملة لله، وعلى هذا تقوم نظمه وبناءاته والذي يسعى إليه المجتمع المسلم وأفراده، هو تحقيق الصورة المثالية للإسلام، والتي هي قابلة للتطبيق الواقعي، وجهد المسلمين يتجه إلى تحقيقها في أرض الواقع.

هل هناك نظريات إجتماعية في الإسلام؟

الإسلام اهتم بالفرد فهل لديه إهتمام إجتماعي؟
المحور الأول

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم وجعل الجنة مثواكم.

قال الله تعالى في محكم التنزيل "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ".

عندما ينظّر المفكرون والعلماء الى المجتمع كثيرًا ما يستحضرون المفكّرين الغربيين الذين وضعوا أسس علم الاجتماع أو المجتمع، ومنهم مونتيسكيو الذي تحدّث عن فكرة النسق الاجتماعي على أساس أنّ مظاهر الحياة الاجتماعية تؤلّف في ما بينها وحدة متماسكة متسقة، وعلاقة ذلك بالتركيب السياسي والاقتصادي والديني والمناخ وحجم السكّان والعادات والتقاليد وغيرها ممّا يشكّل في جوهره فكرة البناء الاجتماعي، ويستحضرون أيضًا هربرت سبنسر الذي شبّه المجتمع بالكائن العضوي، فكان سبنسر يؤكد دائمًا وجود التساند الوظيفي والاعتماد المتبادل بين نظم المجتمع في كلّ مرحلةٍ. بالاضافة إلى نظريات سبنسر، نظريات دوركايم، رادكليف براون، وإيفانز بريتشارد، وقبلهم أفلاطون في المدينة الفاضلة أو مدينة اليوتوبيا التي يتمنى الفلاسفة حكمها.

والذين نظّروا لمجتمع مسلم أو إسلامي اكتفوا بالعموميات من دون الدخول في تفاصيل آليّة إقامة هذا المجتمع، بل ساد خلاف بين المنظّرين له أي للمجتمع الإسلامي. فهل يكون هذا المجتمع نتاجًا لثورةٍ راديكاليةٍ عنيفة أم هو نتاج عملية تربوية ودعوية؟ وهل المجتمع الإسلامي هو الذي يجسّد المبادئ الإسلامية، بعضها أو كلّها؟ ويذهب هؤلاء إلى القول أن المجتمع المسلم يقوم بناؤه الفلسفي على التصور الإسلامي الذي يقوم بدوره على أساس أنّ هذا الوجود كله من خلق الله. لكن ماذا عن المجتمعات المتنوعة عقديًا ومذهبيًا ودينيًا وإثنيًا؟

وعليه، فإنّ المجتمع الإسلامي مجتمعٌ تسوده روح الإسلام وتعاليمه ونظمه ويقوم على مبدأ العبودية الكاملة لله. وعلى هذا تقوم نظمه وبناءاته، والذي يسعى إليه المجتمع المسلم وأفراده هو تحقيق الصورة المثالية للإسلام والتي هي قابلة للتطبيق الواقعي. وجهد المسلمين يتّجه إلى تحقيقها في أرض الواقع، وبدءاً من الثورة الإنكليزية التي ظهرت عام 1215 وإلى الثورة الفرنسية العام 1789، حُصِر معنى الثورة في السعي الى التغيير الجذري بعامل العنف وإراقة الدماء.

فما هي الآليات والأساليب التي وضعها الإسلام لإقامة صرح المجتمع المسلم؟ وهل يجب البدءُ بالدولة أو المجتمع للوصول إلى مجتمع إسلامي؟ وإذا كان الإسلام حريصًا على الاقناع وتجذير الحُجّة وتكريس البرهان في تقويمه للفرد والمجتمع، فلماذا لاذ قومٌ بالجهاد لأجل إقامة مجتمعٍ مسلم وسط المسلمين؟ ولماذا تبنّى البعض فكرة جاهلية المجتمع الإسلامي؟ لقد مكث الرسول الأعظم في مكّة 13 سنة، وهو يخاطب العقول بالإرشاد والتذكير وفي ذلك مؤشر الى أنّ بناء المجتمعات الإسلامية إنما يكون بالقناعة لا بالسيف والخنجر.

نظرية الإسلام في إقامة المجتمع عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من الأردن الحبيب الدكتور عبد الله إبراهيم زيد الكيلاني أستاذ الفقه والأصول في كلية الشريعة في الجامعة الأردنية، ومن مصر الحبيبة الدكتور يسري جعفر أستاذ العقيدة والفلسفة في جامعة الأزهر، ومن سورية الحبيبة الدكتور محمد الحسين، دكتور في الحديث الشريف وعلومه. مرحبًا بكم جميعا.

دكتور محمد الحسين، أبدأ بك إذا سمحت. هل ورد شيء عن آليات إقامة المجتمع في الإسلام، أم أنّ ذلك موكول الى الاجتهاد القانوني والمدني؟ وهل يمكننا أن نقول أنّ في الإسلام نظرية اجتماعية يستطيع من خلالها الناس أن يسيّروا أوضاعهم الاجتماعية في كل التفاصيل؟

 

محمد الحسين: بداية أحيّيك أيها الإعلامي المجاهد الدكتور يحيى أبو زكريا، أنت وضيوفك الكرام.

 

يحيى أبو زكريا: حيّاك الله.

 

محمد الحسين: أحيّيكم بتحية الإسلام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

يحيى أبو زكريا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

 

محمد الحسين: الإسلام دين متكامل، دينٌ ارتضاه الله عز وجل للبشرية فقال "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا"، وقال جلّ وعلا "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ"، فالإسلام دينٌ قام على أساس الوحي الإلهي مؤيَّدٌ من الله تبارك وتعالى، وهذا الذي ارتضاه الله عز وجل للبشرية، دينٌ قابل للعقول السليمة، للعقول الناضجة. لذلك، النبي عليه الصلاة والسلام حثّ في أحاديث كثيرة على فعل الخير، وهذه الأفعال الخيرية تفيد المجتمع الإسلامي الصالح.

أما بالنسبة الى ما تفضّلتم به بارك الله فيكم، فالإسلام دينٌ أشرف على الإنسان من بداية مولده، حتى يُدرَج إلى قبره، فأول ما يولد المولود أشرف عليه الإسلام فأبوه يؤذن في أذنه اليمنى ويقيم في أذنه اليسرى، وأشرف على نهاية الإنسان حينما يُدرَج في لحده ويوضع في قبره، يُدفَن على الطريقة الإسلامية التي علّمنا إياها النبي صلى الله عليه وآله وسلم باسم الله وعلى ملة رسول الله.

فهذا الإسلام العظيم آلياته كثيرة والنظريات التي قام عليها الإسلام نظرياتٌ كثيرةٌ سنّها النبي عليه الصلاة والسلام وشرعها الله تبارك وتعالى، فما تفضّلتَ به سيد يحيى وهو قولك هل هناك نظريات اجتماعية في الإسلام، نعم، هناك نظريات اجتماعية في الإسلام، ولكنّ كثير من الناس قد جهلها، فمن النظريات التي أقرّها الإسلام الشورى. الله عز وجل أمرنا ألا نُصدِر أمرًا ما حتى نتشاور، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، ففي العقود الأولى من تاريخ الإسلام كان نظام الشورى قائمًا.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمد، نعم، أريد أن أتوقف عند هذه النقطة إذا سمحت لأذهب إلى الدكتور عبد الله الكيلاني، استكمالاً للفكرة نفسها.

هل في الإسلام نظرية اجتماعية؟ ولماذا لم تتحقق هذه النظريات في كثيرٍ من المجتمعات الإسلامية حيث اختلاط التغريب بالأسلمة في أكثر من جغرافيا إسلامية دكتور عبد الله الكيلاني؟

 

عبد الله الكيلاني: حياك الله أخي الأستاذ يحيى، وحيّا الله ضيوفك الكرام.

 

يحيى أبو زكريا: أدامك ربّي.

 

عبد الله الكيلاني: ونرحب من خلالك على مشاهدي هذه القناة. الحقيقة، الأسئلة التي طرحتها أسئلة مهمة في الوقت الذي نرى فيه العالم الإسلامي يمرّ بما يمرّ فيه والناس يسألون ما سبيل الاصلاح، فإذا رجعنا إلى الحديث النبوي وهو يتكلم عن موضوع الجماعة والأمير، نجد هناك ترادفًا ما بين المصطلحات، ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "مَن رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ فَمِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ"، الشاهد هنا أنّ الحديث بدأ في بداية الأمر بالصبر على الامير وانتهى بمفارقة الجماعة، فكأنّ هناك ترادفًا بين وجود نظام سياسي ووجود الجماعة، وهذا يقودنا إلى وظيفة الأمير وإلى وظيفة الجماعة.

فالسلطة السياسية في الإسلام لا بدّ أن تكون محافظة على وجود الجماعة، والاجتماعُ الإنساني إنما يتحقّق كما يقرّر علماء الاجتماع الإسلامي مثل الماوردي وابن خلدون بتوفر ثلاثة عناصر أشار اليها دعاء إبراهيم عليه السلام، حينما قال "رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ"، فإبراهيم عليه السلام يسكن أولاده في منطقة ليحققوا رسالة وهذه لا بدّ لها من عناصر حتى يقوم اجتماع ويتحقّق بناء وعمران الأرض، فلا بدّ من الألفة، قال "فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ"، فنحن بحاجة إلى نظام يبني الألفة، ثم قال "وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ"، وهذه نقطة أشار لها الماوردي وابن خلدون بوجود المادة الوافرة أو بوجود التساكن، وهنا يأتي نظام سياسي ونظام اقتصادي يحقّق التنمية، والماوردي في كتابه "أدب الدنيا والدين" نبّه إلى أمرٍ ثالث وهو النفس القانعة المسيطرة على أهوائها، وهنا يأتي دور النظام التربوي، فحتى نستطيع بناء اجتماعٍ إنساني نحن بحاجة إلى نظام ديني يبني الألفة بين الناس ويعلّم التراحم ويعلّم المودة، وبحاجة أيضًا إلى نظامٍ سياسي واقتصادي يساعد على تحقيق التنمية.

المشكلة تنشأ أخي الكريم حينما يختلّ النظام الديني عن وظيفته أو يختلّ النظام السياسي عن وظيفته فلا يعود نظامًا يجمع الناس بل يفرّق، وهذا نموذج النظام الفرعوني. فرعون جعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نسائهم. القرآن الكريم تكلم لنا في صورة بيّنة عن أمراضٍ أصابت أهل الكتاب من قبلنا، قال "‏‏وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ‏"، فوظيفة الدين أن يجمّع، لكن للأسف أنّ بعض الناس لخللٍ ما في التعامل مع النصوص الدينية يحوّل النص الديني إلى أداة تفريق، والسبب الحقيقي نبّهت اليه سورة المائدة، "فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً"، نقض الميثاق، نقض البيعة، نقض العهود، التآمر على البيعة، قسوة القلوب، عقوبة تصيب، فلا يعود يفهم النص الديني على أنه نصٌ يدعو الى الرحمة، يصبح غير قادر على أن يفهم حقيقة الدين. هنا ينشأ خلل في وظائف الاجتماع الإنساني، في المؤسسات التي ينبغي أن تحفظ الاجتماع الإنساني، المؤسسة الدينية التي ينبغي أن تنشر الرحمة تتحول إلى اشاعة البغضاء.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور عبد الله، إذا سمحت قبل أن تستكمل كلّ التفاصيل، وأمامنا متّسعٌ من الوقت للغوص في كلّ التفاصيل، دعني انتقل إلى الدكتور يسري جعفر في مصر الحبيبة لنستكمل نظرية الاجتماع في الإسلام إذا سمحت.

دكتور يسري، لا شكّ أنّ القرآن الكريم هو كتاب هداية وليس دستورًا لنظم اجتماعية وسياسية، فيه الكليات التي يبني عليها المستنبطون، المجتهدون، المفكّرون، ما منه ينطلقون إلى إقامة المجتمع أو الدولة أو العلاقات الدبلوماسية وما إلى ذلك. بناءً على هذا القول، ما هي معالم، ما هي مسارات، ما هي ملامح المجتمع الإسلامي؟

 

يسري جعفر: حيّاكم الله يا دكتور يحيى والإخوة الأفاضل، واسمحوا لي أولاً أن أشير إلى عبارة أو كلمة النظرية، فلربما تُحدِثه هذه الكلمة من مشكلةٍ في آذان وأذهان المشاهدين الكرام، فكلمة النظرية نحن فيها نتجوّز في العبارة، أي هي عبارة مجازية، لأنّ النصوص الربانية هي وحيٌ من الله تبارك وتعالى. قال سبحانه وتعالى "أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ"، فالله العالم بالخلق هو الذي أنزل الشرائع، أرسل الرسل وأنزل الكتب وبيّن الشرائع من خلال العملية التطبيقية على يد كل الأنبياء والمُرسَلين. إذًا نحن نتجوّز في كلمة نظرية، وهي ربما تكون نظرية من جانبٍ معيّن، ألا وهو هذه التصوّرات حينما تكون في السطور، ولم تنتقل من السطور إلى الصدور ثم بعد ذلك، بعد التدبر والتأمل تتحول فيسطع نورها على النفوس، فتنشئ إنسانًا ربانيًا، وبالتالي تنشئ مجتمعًا ربّانيًا. إذًا عبارة النظرية في إطار أنّها ما زالت في إطار السطور أو في إطار القراءة.

الامر الآخر، هناك مشاكل كثيرة أو إشكالاتٌ كما يُقال. هذه المشاكل يراها الرائي، يرى أنّ الإسلام في جهة والتطبيق العملي في جهةٍ أخرى، من ثمّ ينظر إلى هذه المفارقة أو إلى هذا التباين، وفي حقيقة الأمر هو ليس تباينًا وإنما هو تباينٌ أحدثناه نحن، إما بتصوّراتنا الشخصية وبسلوكنا أيضًا الذي كثيرًا ما يناقض النصوص. من هنا، تصوّر الناس على أنّ هذه الأطروحات الربانية على مر تاريخ الإنسانية، أقصد الرسالات جميعًا قبل رسالة خاتم الأنبياء محمد، ظنّها الناس الآن على أنها مجرد نظريات، وهذا الأمر قد يطول لكنني أردت فقط أن أقف عند المصطلح.

أما ردًا على سؤالك يا فضيلة الدكتور يحيى بارك الله فيك، فلو نظرنا، أنا سأتجاوز مرحلة النصوص فالإخوة الكرام جزاهم الله خيرًا، أنا سأنظر إلى التشريع أو إلى تاريخ التشريع الإسلامي من خلال حديث عائشة رضي الله عنها. عائشة تروي لنا هذا الحديث الجميل، من كلامها ومن تصورّاتها، وهذا موقوفٌ على الصحابي وموقوف الصحابي حُجّة إلا عند أبي إسحاق الإسفراييني كما يعلم المشايخ الكرام.

ماذا تقول لنا عائشة؟ تقول إنّ أول ما نزل من القرآن شيءٌ من المفصّل فيه ذكر الجنة والنار، حتى إذا ما ثاب الناس للإسلام، أي رجعوا واهتدوا، نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيءٍ "لاَ تَشْرَبُوا الخَمْرَ" لقالوا لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل أول شيء "لَا تَقْرَبُوا الزِّنَى" لقالوا لا ندع الزنى أبدًا. هذا الطرح يبيّن لنا تصوُّرًا منهجيًا يتلاءم مع النفوس التي خلقها الله، فتاريخ التشريع فيه عِبرة، ولذلك أنا أقول إنّ تاريخ التشريع ينبغي أن يُبدأَ به مع المبتدئين في الإسلام. من ينتقل من أمّة الدعوة إلى أمّة الإجابة، وكان عاصيًا يشرب الخمور ويفعل الأفاعيل المعروفة، لا ينبغي أن نصدمه مرّةً واحدة. بعض الناس ربما يعترضون على هذا الأمر كما حدث معي حينما كنتُ أعطي بعض الدورات التدريبية للسادة الأئمة، قالوا لي هل تريد منّا أن نطبّق نفس تاريخ التشريع؟ قلتُ نعم، تاريخ التشريع لو طُبّق هو الذي سيعبّر عن الجانب العملي أو عن النسق التطبيقي في بناء الشخصية الإسلامية، والمشايخ الأفاضل يعلمون هذا جيّدًا، وأرجو من المشاهد الكريم أن يترك لي عقله قليلاً، فالإنسان يتأثر بالموروثات.

هناك الموروث الثقافي، هناك الموروث الاجتماعي، هناك الموروث الديني، بقطع النظر عن كون هذا المعتقد الديني صوابًا من وجهة نظرنا أو خطأ، فهو موروثٌ عند صاحبه. من أجل ذلك، حينما حدثت التوسعات الإسلامية سواءً في عصر ما يسمى بالفتوحات أو بعد عصر الترجمة حينما ترجمت الفلسفة اليونانية، ما الذي حدث؟ حدثت تصورات جديدة وأطروحات جديدة في أذهان الأمة الإسلامية، وهذه نقطة مهمة، أنا لماذا أؤكد عليها؟ لأنّ الذين حاربوا الفكر وحرّموا دراسة الفلسفة وحرّموا التفكير العقلي والفلسفي أحدثوا خللاً في ما يُسمّى بتصوّر النظريات. اتسعت الرقعة جغرافيًا، اتسعت الرقعة فكريًا، اتسعت الثقافات من خلال الترجمات بل من خلال الاحتكاكات مع أصحاب الأديان الأخرى.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور يسري، إذا سمحت، أنا سأتوقف عند هذه النقطة قبل أن يتّسع الموضوع أكثر. أستنبط من كلامك ثلاثة مرتكزات نستطيع أن نبني عليها في حلقتنا، طبعًا بين قوسين، لا مشاحات في استخدام المصطلحات والألفاظ، وأنت تعرف ما معنى هذا اللفظ. عندما نستخدم مصطلح النظرية، لا نقصد أنّ القرآن هو نظري، لا، هو قطعي الدلالة عن رب العالمين، لا شكّ في ذلك.

 

يسري جعفر: لا، هو قطعي الثبوت، أما الدلالة ففيها كلام.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح، صحيح، قطعي الثبوت والصدور أيضًا، والصدور عن المولى عز وجل.

 

يسري جعفر: لا، عبارة الصدور أنا أتحفظ عليها، عبارة الصدور فلسفيًا لها طرحٌ آخر. تفضّل سيدي الكريم.

 

يحيى أبو زكريا: لا شكّ، لا شكّ. طبعًا نحن في مجال الاستخدامات والمصطلحات، هنالك بحرٌ من المصطلحات، لكن هذا لا يُفسِد أنّ القلوب مع المولى عز وجل قلبا وقالبا.

ما أستنبطه من كلامك أنّ الإنسان هو مرتكز حركة المجتمع، وبالتالي الإسلام ركز على بنائه وتكوينه ليكون اللبنة الأولى في إقامة المجتمع، وأشرتَ أيضًا إلى أنّ الإسلام فيه من النصوص الاجتماعية ما يُغني عن إقامة مجتمعٍ متكاملٍ، وثالثاً أشرت إلى دور الموروثات في ربما توجيه هذا الإنسان او ذاك إلى مسارات معينة. سأعود إليك بعيد حين.

دكتور محمد الحسين، هل في تاريخنا الإسلامي شاهدنا قيام مجتمع إسلامي أم أنّ المسألة كانت مجرّد حلم للمسلمين أن يعيشوا في مجتمعٍ إسلامي متكاملٍ تسوده المحبّة، الأخوّة، الإيثار، أم أنّ هذا النموذج اقتصر على عصر رسول الله وبعد ذلك دبّت الفتنة في تاريخ المسلمين؟

 

محمد الحسين: طبعًا، لا شكّ أنّ الإسلام، هذا الدين المتكامل الذي ارتضاه الله عز وجل للبشرية هو لم يكن لفترةٍ معيّنة وإنما هو دينٌ إلى قيام الساعة، فالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حينما كان يرسل قوافل الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، أول ما يقول لهم يسّروا ولا تعسّروا، بشّروا ولا تنفّروا، بشّروا ولا تنفّروا. فالإسلام دينٌ قائمٌ إلى قيام الساعة، وكثيرٌ من الناس ويا للأسف يظنّ أنّ الإسلام قام فقط في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام والتابعين، مع أنّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول في الحديث إنّ مَثَل أمّتي مثل المطر، لا يُدرى أوله خير أم آخره خير، والخيرية في هذه الأمّة إلى قيام الساعة، فالمجتمع الإسلامي قائمٌ إن طُبّقت تعاليم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا أهمِلت تعاليم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، طبعًا لا شكّ لا يكون هناك قيام لمجتمع إسلامي، فالمجتمع الإسلامي قائمٌ بتعاليم النبي صلى الله عليه وسلم القائمة إلى قيام الساعة بإذن الله تبارك وتعالى.

فالذي أريد أن أصل إليه الآن، أنت سألت سؤالاً ولم يُجَب عليه، ألا وهو، هل هناك آليات لبناء المجتمع الإسلامي؟ إنّ آليات بناء المجتمع الإسلامي تقوم على أربع ركائز، أولها الإنسان، الله عز وجل خلقه وكرّمه، خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وجعل جميع ما في هذا الوجود تحت طواعيّته إكرامًا له، فأول آليةٍ لبناء المجتمع الإسلامي هي الإنسان. وثاني آلية من آليات بناء المجتمع الإسلامي الروابط الاجتماعية، سواء كانت روابط فطرية أو روابط اكتسابية، فالروابط الفطرية كالقرابة مثلا، هذه روابطها روابط فطرية، وأما الروابط المكتسبة فحسن الجوار وما إلى ذلك من هذه الأمور، فالروابط الاجتماعية هي اللبنة الثانية من اللبنات التي قام عليها المجتمع الإسلامي.

أما اللبنة الثالثة الضبط الاجتماعي، الضبط الاجتماعي يعني ضرورة الوعي بشعور الآخرين، ضرورة الوعي بشعور الآخرين. النبي عليه الصلاة والسلام يقول "ليس منا من لم يهتم بأمر المسلمين"، فهذا يفيد الضبط الاجتماعي، والأرض التي جعل الله عز وجل قيام الإسلام عليها، فالأرضيّة التي قام عليها الإسلام، ولولا الأرض لما قام الإسلام، قال الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز "الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ"، فالأرض هذه آلية أيضًا من آليات بناء المجتمع الإسلامي، ويُقصَد بالأرض، يعني استقرار الإسلام على الأرض كحاكم ومحكوم وما إلى ذلك، الحاكم الشريعة الإسلامية والمحكوم هو الإنسان.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمد، سوف أستكمل كلّ التفاصيل معك ومع ضيوفي الأجلاء، لكن بُعيد الفاصل إذا سمحت.

مشاهدينا فاصلٌ قصير ثمّ نعود إليكم، فابقوا معنا.


آليات بناء المجتمع الإسلامي

الدولة أولاً أم المجتمع الإسلامي أولاً؟
المحور الثاني

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. عُدنا والعود أحمدُ. من أدرك حلقتنا الآن، نحن نتحدّث عن ملامح ومعالم المجتمع الإسلامي.

دكتور عبد الله إبراهيم زيد الكيلاني من الأردن الحبيب، عندما نتحدّث عن المجتمع الإسلامي، كثيرًا ما ننطلق من المرجعية الإسلامية الصافية النزيهة، من تجربة رسول الله، من مكّة ومن المدينة، في المرحلة المكية كان الرسول يبني الرجال ويؤلف الرجال ويبني هذا الإنسان الذي سوف يكون في ما بعد لبِنةً أساس في صرح المجتمع الإسلامي الذي يتطلّب الكثير من الضرورات والفرائض، المودّة، المحبة، التعاون، الإيثار، مساعدة الفقراء، وكلّ المعاني الاجتماعية السامية التي كرّسها الإسلام. لكن اليوم، إذا أردنا أن نقارن بين تجربة المصطفى وتجارب بعض المسلمين في الراهن، هنالك اعتماد على العنف أو الثورة كمبدأ للوصول إلى هذا المجتمع، لكأنّهم يودّون إجبار المجتمع، الناس، المواطنين، السكان، على الأسلمة والالتزام بمفردات الإسلام. أيّ الطرق أقرب إلى الإسلام؟ أيّ الدروب أقرب إلى الإسلام في نظرك؟

 

عبد الله الكيلاني: أشكرك على هذا السؤال المهمّ والذي يدلّ على تحسّسٍ لآلام الأمّة. في الحقيقة، الفقه السياسي الإسلامي أقرب إلى الفقه الإصلاحي منه إلى الفقه الثوري، وهذه نقطة كان قد طرحها الفِكر الإنساني في دراسته لأدوات التغيير، فداخل الفكر اليساري هناك ما يسمّى بالاشتراكية الطوباوية التي تؤمن أنّ الوصول إلى التغيير يتمّ عبر مسارٍ تاريخي من دون أن تحدّد أدواته، وجاءت اليسارية العلمية التي تقول لا بدّ من الثورة ولا بدّ من تحريك الطبقة العاملة من أجل التغيير، لكن نسيت هذه الحركة أنها بعد أن تصل إلى الثورة، ما هي الأدوات التي تمنع ظلم الثوار؟

فكثير من الأنظمة الثورية نجحت في الوصول إلى السلطة، لكنّها لم تكن أفضل ممّن ثارت عليهم، وهذه النقطة نبّه إليها علماء المسلمين حينما قالوا إنّ الحركات التي ثارت عبر التاريخ الإسلامي قد تنجح في تغيير أشخاص الحُكّام، لكنّها من الناحية العملية لم تكن في معايير تحقيق العدالة أفضل ممّن سبقها، وهذا يقودنا إلى أهمية أن نقيم الأدوات والمؤسسات الدستورية الفاعلة التي تمكّننا من رقابة الحُكّام بتمكين الشعب من المحاسبة والمراقبة، فالنظام الإسلامي الذي يعطي للشعب حرية المحاسبة يكون أقرب إلى تحقيق مقاصد الشريعة، والنظام الاجتماعي الذي يهمّش دور الأمة ويجعل الفرد منفردًا أمام ثقل السلطة السياسية لن يستطيع أن يأمر بالمعروف، لن يستطيع أن ينهى عن منكر حتى لو وُجِدت أدوات ديمقراطية صورية تصبح أشبه بتزيين شكل الحكم.

نحن نريد أولاً تمكين الشعب بتمكينه من تنظيم نفسه، تمكينه من أن يتعاون مع الخيّرين من أهل البلد، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، ففي سورة الحج الآية 17 يقول الله تعالى "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، فالاختلاف، حتى الذين أشركوا، الاختلاف هذا ليس مبرّرًا للتصارع في الدنيا، اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فهناك أدوات كثيرة وأهداف كثيرة يمكن أن نلتقي عليها داخل الوطن كتحقيق التنمية، تحسين التعليم، محاربة التلوث، مسلمين وغير مسلمين داخل المجتمع المسلم.

فأنا أقول أنّ الفكر الإصلاحي الذي يعمل من خلال الأدوات البرلمانية، من خلال مؤسسات المجتمع المدني التي تُحيي فكرة الأمّة الإسلامية، وهذه قضية لا بدّ من أن نعمل على تحقيقها اليوم، فحينما ننظر إلى عدوّنا من حيث العدد، الذي يحتلّ مقدّساتنا ويمنعنا من أن نؤدّي عبادتنا في المسجد الأقصى، عدديًا لا يُقارَن بالنسبة الى عدد المسلمين ولكن الأمة الإسلامية غثاء، حديث الرسول صلى الله عليه وسلم حينما يقول "يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا"، قالوا أومِن قلَّةٍ نحن يومئذٍ يا رسول الله، قال "أَنتُمْ يَومَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ". ما معنى غثاء؟ الغثاء غير قابل للتجمع حتى فيزيائيًا، لو أنّ شخصًا غرق وضع يده على الغثاء، لا ينقذه هلام، "وَلَيَنْزِعَنَّ اللهُ مِنْ قلوب أعدائكم المَهَابَةَ مِنكُمْ، وَلَيَقذِفَنَّ فِي قُلُوبِكُمُ الوَهَنَ"، الصحابة قالوا وما الوَهَن يا رسول الله، قال "حُبُّ الدُّنيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوتِ". الآن حبّ الدنيا يشير إلى النزعة الاستهلاكية، الإنسان الذي يريد أن يقتني آخر جهاز خلوي، ويريد أن يركب أحسن سيارة، وكراهية الموت هي أنه لم يقدّم شيئًا لآخرته. نحن نريد إعادة بناء الإنسان الذي يتذكّر أنّ هناك آخرة وأنّ هناك حسابًا، فحينما يلقى الله تعالى يكون مطمئنًا مرتاحًا راضيًا، هذه لبنة من لبنات التغيير.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور عبد الله، بإيجازٍ شديد، هل تريد أن تقول أنّ بعضًا من خطابنا الإسلامي ارتكز على نظرية الحتمية الثورية لكارل ماركس ولينين وتروتسكي في ما بعد؟ وهل تريد أن تقول أنّ اعتبار بعض المفكرين أو المنظّرين الإسلاميين أنّ المجتمع الراهن اليوم هو مجتمع جاهلي وبالتالي تكفيره وبالتالي عقابه هو خارج عن الدقة الإسلامية في بناء المجتمعات؟

 

عبد الله الكيلاني: ما شاء الله عليك يا أستاذ يحيى في قدرتك على التلخيص. الحقيقة، يؤكّد ما تقول حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم الذي يسأله الصحابي حذيفة ابن اليمان، هل بعد هذا الخير من شر، قال نعم، قال فهل بعد هذا الشر من خير، قال نعم وفيه دخن، فالرسول صلى الله عليه وسلم بيّن أنّ المجتمعات القادمة قد يكون فيها تجاوزات عمّا كان عليه المجتمع الأول، لكنّه وصفها بالمجمَل بالخير، ودعانا إلى ان نقبل أنّ هناك أبيض وأسود ورمادي، فقال وهناك دخن، فمن الخير مثلا ان نجد إقبال الناس على المساجد وإقبالهم على الزكوات وإقبالهم على الجمعيات الخيرية، ومن الدخن أن نجد العدو يتمكّن منّا ولا نستطيع مواجهته، فلا نكفّر المجتمعات ولكن ننتقد السلوك.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور عبد الله، دعني أذكّر فقط أنّك ابن المفكر الإسلامي الرائع الدكتور إبراهيم زيد الكيلاني، الذي تصادف ذكرى وفاته، صادفت قبل أسابيع، الذي توفي قبل سنتين رحمة الله عليه، وكثيرًا ما كانت بيني وبينه نقاشات.

 

عبد الله الكيلاني: أشكرك.

 

يحيى أبو زكريا: كانت بيني وبينه نقاشات، وأتذكّر ذات يوم تجاذبنا أطراف الحديث في وحدة المسلمين وما آل إليه وضع المسلمين، فذرف دموعًا حارة، فرحمة الله تعالى عليه، ونسأل الله تعالى أن تكونوا خير خلفٍ لخير سلف دكتور عبد الله.

دكتور يسري، هنا نحن أمام ثنائية دقيقة أرجو أن تضع تحليلا لها وتشريحًا في  الوقت نقسه. عندما نتحدّث عن مجتمع إسلامي، نتحدّث عن مجتمع مثالي بين قوسين، مجتمع متعاون، مجتمع متحاب، مجتمع الفقيه فيه لا يُستضعَف، والغني لا يستكبر، مجتمعٌ يسود فيه العدل، مجتمعٌ الشرطي لا يظلم أفراد الرعية والوطن، وما إلى ذلك من سياقات القيم الاجتماعية، والإسلام بالفعل هو من أغنى أغنى أغنى الأديان بالقيم الاجتماعية. لكن ألا يحتاج هذا المجتمع إلى دولة تصدر قرار إلزام الناس بما هو قيمة اجتماعية إيجابية، بمعنى إذا كان الحاكم لا يلتزم بهذه القيم الإسلامية، إذا كان الحاكم غريباً عن هذه القيم، ألا يقع عندها تناقض بين المجتمع في صيرورته الإسلامية وبين هذا الحاكم المستغرب؟

 

يسري جعفر: جيد يا أستاذ يحيى، بارك الله فيك. حقيقة أنت تشير إلى ثنائيةٍ أو إلى جدليةٍ بين النصوص القرآنية الربّانية التي اصطلحنا عليها والتفسيرات ورؤى الأفراد والعلماء في إطارها النظري، وبين الجانب العملي في المجتمع.

إذا ما تأمّلنا آيات القرآن الكريم والسنّة النبوية المطهّرة في مجملها أو في تفصيلاتها، سنجد أنّ هذه النصوص تقيم مجتمعًا مثاليًا بمعنى فاضلاً، وليس مثاليًا بمعنى خيالياً، هذا المجتمع المنصوص عليه في القرآن، هناك آيات كثيرة، مثلاً لو أخذنا فكرة العدل الاجتماعي أو العدالة الاجتماعية التي تُثار الآن، هذه القضية موجودة في نصوصنا المُحكمة، وأنا أقول في النصوص المحكمة، فمثلاً إذا نظرنا إلى قول الله تبارك وتعالى في سورة النساء "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا"، ثمّ تأتي الآية الأخرى في سورة المائدة التي تلي سورة النساء لتبيّن كأنّها مائدةٌ تربويةٌ من السماء، وهذا ربما يردّ على موقف الإسلام من الفكر الثوري، وهذا سأتكلم عنه بعد قليل. لكن هذه الآيات الأخرى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ"، فالعدالة بين المسلم وبين غير المسلم هي غاية هذه الشريعة، العدالة بكلّ ما تعنيه، بالشهادة. فكرة العدالة الاجتماعية حتى بالمعنى الحديث موجودة في النسق أو في البناء الذي اصطلحنا عليه تجوّزًا أن نسميه نظرية موجودة، الله شرّع لنا الا نهمل الفقراء، فقال "فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ"، أشار إلى هذا الحق، كذلك حينما نعطي الفقير نعطيه على أنّه حق ولا نثير معه القول أو الفعل أو ما شابه ذلك، "قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى".

من أجل ذلك، لدينا أمور كثيرة، لكنّ المشكلة في الأساليب التي تظلّ أساليب خطابية، وأنا أتصوّر حقيقة خطب الجمعة تنتشر في بلادنا، والله الذي لا إله إلا هو، لو وُظّفت هذه الخطب توظيفًا جيّدًا ما وجدنا لصًا وما وجدنا شاهد زور وما وجدنا إنسانًا يجترئ على حقوق الآخرين. أنا أرى عجيبًا، أرى أمرًا عجبًا، الإنسان يعترض وينكر حقوق أبنائه وأهله، هذا جرمٌ كبير. هل هذا من الدين؟ إذًا المشكلة عندنا نحن، إذا أردنا أن نتكلم عن ثورة، فعلينا أن ننظر إلى أنّ المنهج الإسلامي لم يأتِ بالمنهج الثوري هذا، بالمنهج، معذرة في العبارة، الذي يدمّر ويخرّب.

النبي حينما  بدأ بالدعوة وضع قواعد غاية في الجمال فقال "إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ"، هو يريد أن يعلّم القوم إنه ما جاء ليهدم، إنما جاء ليتمّم البناء، مع أنه يعلم ما كان ينتشر بين العرب آنذاك. النبيّ صلوات ربي وسلامه عليه بنى المجتمع بالحكمة، الرجل يأتيه يقول إئذن لي بالزنى، أترضاه لأمك، إلى آخره، الرجل يبول في مسجده، لا يُخرجه. إذًا هو يضع قاعدة، وكان دائمًا يوصي اصحابه. أنا حقيقة أفضّل من أن نسرد نصوصًا كثيرة أن نأخذ معاني هذه النصوص، فكان دائمًا يقول لا تغضب. الرجل يقول أوصني، لا تغضب، مرارًا لا تغضب. ما معنى هذا؟ أي لا تكن ثائرًا تحت غضبٍ ربما يقتل، لكن حينما قالت المرأة لعمر وبيّنت له في قضية المهور، قالت له كيف تمنعنا حقًا أعطاه الله لنا؟ قال في تواضعٍ أخطأ عمر وأصابت امرأة.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور يسري، لله ذرّك ولله ذرّ ضيوفي. قلتَ كلمةً، لو توقّف عندها المسلمون لعُصِمت دماؤهم وأرواحهم وأعراضهم وأموالهم وبلادهم، إنّ الرسول بنى المجتمع بالحكمة. من هذه المقولة، أنتقل إلى دمشق، إلى الدكتور محمد الحسين.

عندما نتأمّل اليوم دكتور محمد وضع خط طنجة جاكرتا، العالم الإسلامي، دماءٌ تُراق في كلّ مكان، إنسانٌ مسلم يُذبَح من الوريد إلى الوريد في كلّ مكان، عدد الشهداء من جراء الإرهاب الأعمى تجاوز مليونًا ونصف مليون في أكثر من دولةٍ عربية وإسلامية. من الذي حطم مقولة بناء المجتمع بالحكمة كما هي مقاصد الشريعة وطريقة رسول الله في البناء الاجتماعي إلى نظرية جواز قتل الثلثين لابقاء الثلث الثالث صالحًا؟ من ذا الذي خطف الحكمة في العالم الإسلامي؟ من ذا الذي استبدل الحكمة الخضراء بالسيف الأحمر والخنجر الأحمر والقنبلة الموقوتة والسيارة المفخخة وما إلى ذلك من المتفجرات؟ مَن يا دكتور محمد؟

 

محمد الحسين: النبي صلى الله عليه وآله وسلم، تعلم جنابك ويعلم الإخوة الضيوف، أنّه رحمة للعالمين، بدليل قول الله تبارك وتعالى "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ"، سبحان الله. في مُسند الإمام أحمد أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال "ألا أنها ستكون فتنة يكثر فيها الهرج"، قالوا وما الهرج يا رسول الله؟ قال "القتل"، قالوا أقتل المشركين؟ ففي كل عام نقتل منهم 70000، قال ليس ذلك ولكن قتل بعضكم بعضا، قتل بعضكم بعضا، قالوا أين عقولنا آنذاك يا رسول الله، قال إنه ليغيَّب على عقول أهل ذلك الزمان، وكلٌ يظنّ نفسه أنه على خير وليسوا كذلك. يقول راوي الحديث لا أرى لي ولكم إن أدركنا ذلك الزمان ألا نلوّث أيدينا بدماء بعضنا البعض.

أرأيت أيها الأخ الكريم الإعلامي الدكتور يحيى، أرأيت إلى عظمة هذا الإسلام، كيف أنّ النبي صلى الله عليه وسلم حدّث عن هذه الفتنة الهوجاء العمياء الصماء التي تمور كمور البحر وما إلى ذلك من هذه الأمور، فأنت ترى بأم عينك كيف أنّ النبي حدّثنا عن هذا قبل أن يحدث، لكن أنا أرجِع الأمر إلى شيءٍ واحد فقط ألا وهو جمود عقول كثير من أولئك الذين تعلموا على الدموية، جمودهم على ظواهر النص وتغييبهم لرحمة الإسلام التي دعا إليها بآياته، بتعاليم نبيّه وما إلى ذلك، فالنبيّ عليه الصلاة والسلام مثلاً كما في كتاب "الفتن" لنعيم ابن محمد يقول في الحديث "ألا انها ستكون فتن أربع الأولى تستباح فيها الدماء، والثانية تستباح فيها الدماء والأموال، والثالثة تستباح فيها الدماء والأموال والفروج، والرابعة فتنةٌ تخرج من أرض العراق، تطوف ببلاد الشام، لا يعرفونها في مكان إلا فُتِحت عليهم في مكانٍ آخر، حتى تضرب الجزيرة العربية يدها برجلها".

إنّ كثيرًا من التيارات والحركات التي عانى الإسلام منها، الإسلام المعتدل، الإسلام الوسطي، عانى كثيرًا من الوهابية، عانى كثيرًا من أولئك الذين حملوا الإسلام بالسيف، واستدلوا بالحديث إنما بعثت بالذبح وما إلى ذلك من هذا الأمر. هذه الأمور كلها ساعدت على الدموية والإسلام بريءٌ منها، فمن استعرض أحاديث الرحمة يجد مثلا في صحيح مسلم "ألا إنها ستكون فتنة القاعد فيها خيرٌ من القائم والقائم فيها خيرٌ من الماشي والماشي خيرٌ من الساعي ومن يستشرفها تستشرفه، فمن كان له إبلٌ فليلحق بإبله ومن كان له أرضٌ فليلحق بأرضه"، فقال بعض الصحابة إن لم يكن له أرض ولم يكن له ابلٌ، قال "فليلزم بيته"، قال "فليلزم بيته"، فالإسلام دين الرحمة، دين العدالة.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمد، سأقول تجاوزًا، لن نلزم بيوتنا، سنخرج إلى الشاشات الصغيرة، إلى الشوارع العربية والإسلامية، إلى الجامعات، إلى المعاهد، إلى البوادي، إلى القفار، إلى كل صحراءٍ وبادية، لنقول إنّ الرسول كان رحمة للعالمين، "وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ". واللهِ لو كان رسول الله تكفيريًا قاتلاً لما أسلم إنسيٌ، لكنّ الرسول برحمته جعل خصومه يطأطئون له الرؤوس، وسوف نسترجع هذا الإسلام المستنبط من الرحمة والرحمانية إن شاء الله.

سأعود إليك بعيد الفاصل.

 

محمد الحسين: دكتور يحيى.

 

يحيى أبو زكريا: هنالك فاصلٌ أدركني، معذرة.

مشاهدينا فاصلٌ قصير ثمّ نعود إليكم، فابقوا معنا.


المجتمع الإسلامي وهم أم حقيقة؟

هل يتفق جوهر الإسلام بحدّ ذاته مع أي منهج ثوري (يقوم على الشدة والعنف) لإقامة المجتمع الإسلامي وتثبيته؟
3.mp4

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. من أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالِج معالم المجتمع الإسلامي وآليّة إقامة هذا المجتمع الذي أوصى به الرسول الأمين.

دكتور عبد الله الكيلاني، يقول البعضُ إنّ المجتمع الإسلام هو مجتمع طوباوي، مثالي، والبعض يقول ميتافيزيقي، أي أخروي، ولا يمكن أن يتحقق، بدليل أنّ اليوم في المجتمعات الإسلامية والتي فاق الاجرام فيها ما يجري في الغرب على سبيل المثال، بل يقولون أنّ العدالة الاجتماعية والتساوي بين المواطنين والقضاء على الفقر بات في الغرب عنوانًا وفي العالم العربي والإسلامي شعارًا، بمعنى أنّك عندما تدقّق في المجتمعات العربية والإسلامية، ونسأل الله تعالى الخير والأمن والأمان لكلّها، تجد نسبة السرقة مرتفعة، نسبة الزنى حدّث ولا حرج، بل نسبة الزنى بالمحارم أيضًا، وحالات الاغتصاب والإدمان والمخدرات والدماء وما إلى ذلك، لم تتمكن المنابر من تقويم هذه المجتمعات، لكأنّ المجتمعات الإسلامية عندها مناعة ضدّ القيم الإسلامية. فماذا تقول في ذلك، أنّ الإسلام غير قادر على إقامة مجتمع مثالي، وبالتالي هي دعوة نظرية أكثر منها دعوة عملية؟

 

عبد الله الكيلاني: الحقيقة السؤال فيه جانبان مهمّان، الأول ما هي المعايير التي نحكم فيها على مجتمع بأنه إسلامي او غير إسلامي، وهذه نقطة مهمة، يمكن أن نأخذ مقياس مقاصد الشريعة الخمسة، فنقول مثلاً هذا المجتمع إلى أيّ درجة النفس فيه محفوظة، الدين فيه محفوظ، النسل فيه محفوظ، المال فيه محفوظ، فحفظ النفس سيقودنا إلى سؤال نسبة الوفيات، إلى الأطفال الذين يتوفون وهم صغار، سيقودنا إلى أسئلة صحية، وسنجد حقيقة أنّ الغرب يتفوّق علينا، بلد مثل اليابان في هذا الجانب، معدّل الأعمار فيها أحسن بكثير من البلاد الإسلامية، وكذلك المال. فلا بدّ ألا نغضب إذا قيل لنا إنّكم في بعض المساقات متأخّرون وعليكم أن تصوّبوا أنفسكم. في جانب حقوق العمال مثلا هناك انتقادات من قبل لجان حقوق الإنسان، في موضوع الكفيل وغيرها، لا بدّ أن نقول أنّ هذه قضايا هم محقون فيها ونسعى الى تطوير أنفسنا.

لكن يبقى سؤال أنه هل الإسلام مثالي أم واقعي، هل هو قابل للتطبيق أم غير قابل للتطبيق؟ لا، هو قابل للتطبيق، إذا وُجِدت الإرادة، وُجِدت القدرة. أستشهد هنا بنموذج وعبارة للأستاذ عماد الدين خليل، وهو يدرس التغيير في زمن عمر بن عبد العزيز، فيقول إنّ عمر بن عبدالعزيز أحدث تغييرًا خلال فترة حكمه القصير، وهذا يدلّ على قابلية الإسلام للتطوير إذا وُجِدت إرادة سياسية حقيقية تريد أن تُحدِث تغييرًا. فنحن نقول أنّ التغيير له أدوات ومنها وجود الإرادة السياسية. لا نستطيع أن ننكر دور الإرادة السياسية الداعمة لإرادة التغيير.

أما لماذا لم نستطع أن نغيّر ولماذا تشوّهت صورة الإسلام؟ فأيضًا هناك تآمر علينا من الغرب، وهناك أيضًا "فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ". كثيرون يقولون الغرب يتآمر علينا وهناك مخططات تآمرية وبرنارد لويس أراد أن يقسّم المنطقة وعبّر عن هذا. هذا لا ننكره لكن برنارد لويس لا يمتلك جهاز تحكم ليحرّك المسلم على أن يحمل السلاح في وجه أخيه المسلم. الذي يحمله على ذلك فهمه للدين فهمًا خاطئًا، وهنا يأتي دور العلماء على أن يقولوا أنّ الدم خط أحمر والصراع السياسي لا بدّ أن يُستفاد فيه من تجارب الأمم وأن يتحول إلى صراع مدني. هناك أدوات هي البرلمانات وغيرها، وأستشهد هنا بقصة لسالم ابن عبد الله ابن عمر، حيث أوتي له برجل في زمن الحجّاج، فأمره الحجّاج بقتله، فسالم قال للرجل أين صليت الفجر، قال صليت الفجر حاضرًا، قال لا أقتله وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى الفجر لم يزل في ذمة الله حتى يمسي، قال إنا لا نقتله لأنه صلى الفجر، هو معارض للسلطة، قال له وإن كان، وإن كان، فكأنه يريد أن يقول أنّ السياسة ينبغي أن تُقاد بالصراع المدني، وألا يُسمَح للقتل والقتال بين المتعارضين، هذا الفقه من سالم حينما عرضه على والده، قال لمكيّسٌ مكيّس إنما سمّيته سالمًا ليَسلم. ليتنا نحيي هذا الفقه أنّ الصراع السياسي أدواته ينبغي أن تكون سلمية، وأن نعود بالسياسة إلى أدواتها المدنية.

 

يحيى أبو زكريا: نعم، دكتور عبد الله، صحيح أنّ الغرب يتآمر ويهمّه إلى أقصى درجة أن يقضي على أيّة وحدة إسلامية، تكامل إسلامي، نمو إسلامي، تقنية إسلامية، لأنّ القاعدة التي أرساها العقل الغربي، العقل الصهيو أمريكي، يجب أن يبقى المسلمون متخلفين لنظلّ المنتجين الوحيدين، فالتخلّف يفضي إلى الاستيراد، يفضي إلى التبعية وما إلى ذلك. لكن بالمقابل، عندما ترى تجارب بعض الجماعات الإسلامية التي حكمت، مثلاً داعش أقامت حدودًا إسلامية في الرقة، في دير الزور، وقامت بما يسمّى بمفردات المجتمع الإسلامي. هذه التجربة مخيفة لكثرة القتل فيها ولكثرة قطع الرؤوس، أو ما فعلته جماعة التكفير والهجرة مثلاً عندما لاذت بأسيوط والصعيد المصري وأقامت مجتمعات بدائية حيث الخيام وحيث النياق والجِمال وما إلى ذلك. أي إما المسلمون غير قادرين على إقامة مجتمع او إذا استطاعوا أن يقيموه فهذه النماذج؟

 

 

عبد الله الكيلاني: أنا أوافقك تمامًا. أولاً داعش لا تمثل نموذجًا إسلاميًا إلا في الإدّعاء. الإسلام الذي نفهمه مرجعه القرآن والسنّة، والذي اختصر رسالة النبيّ بالرحمة. قال "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ"، وقد سمعتُ من بعض أدعيائهم عبارةً فيها تزوير لوصف النبي صلى الله عليه وسلم، الذي يقول بُعِث بالسيف رحمةً للعالمين، هذه عبارة غير موجودة، بُعِث بالسيف رحمة للعالمين، هو بُعِث رحمة للعالمين.

هذا التلفيق بين النصوص يدلّ على عقليّة مريضة يجب أن تذهب إلى الأصحاء ليعالجوها. التلذذ بإراقة الدم هذا ليس من الإسلام في شيء.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور عبد الله ارجو أن تبقى معي، وأؤكد على ما ذهبت إليه بقوله تعالى "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ"، والما ها هنا حصرية قطعية، أي أنّ سبب الإرسال والابعاث والإيفاد إلى البشر أن تكون في خط الرحمة، فالرسول هو الرحمة المهداة، وبالتالي أيّ خط مخالف لخط الرحمة لا شكّ هو ليس من الإسلام في شيء.

دكتور يسري من مصر الحبيبة، اليوم عندما نتحدّث عن المجتمع الإسلامي، نتحدّث عن العفاف، نتحدث عن الحجاب، عن الطهر، نتحدّث عن الحياء، نتحدّث عن المحبّة، نتحدّث عن الإيثار، نتحدث عن كلّ قيمة إنسانية جميلة، لأنّ الإسلام هو مفجّر القيم الإنسانيّة الفطريّة الجميلة التي يتوافق حولها كلّ البشر في القارات الخمس. لو ذهبتَ إلى الساكن في الإسكيمو، وهو لا عهد له بالنبوات وحركة النبوة، وقلتَ له ما رأيك في العدل، لقال لك حَسَن، ما رأيك في عدم السرقة، يقول لك حَسَنٌ، بمعنى أنّ الفطرة البشرية تقرّ القبح وتقرّ الحسن، تقول للحسن حسن وللقبيح قبيح. لكن اليوم، في عالم الإعلام الذي يفجّر الشهوات ويدفع باتجاه التلاعن والتساب والتشاتم والتخابت والتكفير ويحرّض على كلّ فجور، كيف يمكننا أن نضبط المجتمع الإسلامي؟ بمعنى ما جدوى إذا كنتَ بانيًا وأمامك وربّك مليار هادم يا دكتور يسري؟

 

يسري جعفر: حياكم الله وسأنتقل من عبارتك يا أستاذ يحيى بارك الله فيك حينما قلت لن نجلس في بيوتنا، نحن سننزل ونخاطب الناس، وهذا واجبٌ شرعيٌ علينا، وأنا حقيقةً من خلال هذا اللقاء الطيّب، أدعو الإخوة الأفاضل إلى أن نتواصل جميعًا لكي نحمي مجتمعاتنا من هذا الإضلال والتضليل الحاصل.

اسمحوا لي، هناك مصطلحٌ أطلقه للذين عَمِيت أبصارهم وبصائرهم عن معاني النصوص الربّانية، هذا المصطلح أطلقه وأسمّيه عبادة النص. نحن مأمورون بأن نعبد ربّ النص الذي أنزل القرآن، لكننا مأمورون بأن نتدبّر النص، ولذلك الله قال "أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا‏"، في سورة محمد التي تسمّى بسورة القتال، وهذه لها معانٍ كثيرة، وفي سورة النساء "أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآن وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْد غَيْر اللَّه لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلَافًا كَثِيرًا".

إذاً، إذا أردنا أن نبيّن للناس ما نطلق عليه المجتمع المثالي الواقعي الذي يمكن أن يتمّ تطبيقه في الواقع، يجب أن نحارب هذه العقول، ولذلك أنا قلت في أول الأمر، الذين حرّموا دراسة وتدريس الفلسفة، قالوا الفلسفة حرام، المنطق حرام، التفكير العقلي حرام، هو يريد أن يجعلك أمام النصّ فقط ليقوم هو بإدخال النصّ في عقلك وفي نفسك بطريقةٍ معيّنة، لا يريد أن تجادله ولا أن تناقشه، وأنا أتصوّر هذه مصيبة كبرى. نحن في أمسّ الحاجة إلى أن نعلّم أبناءنا وأن نعلّم المجتمع الإسلامي كيف يتحاور، كيف يتناقش، كيف يطرح ما لديه.

إنّ ما نراه من تيارات إلحادية يا دكتور يحيى، والكلام للجميع وللمشاهد، سببه ما رآه الشباب من انفصام وانفصال بين الدعاة وبين الواقع. نحن نتكلم عن أنّ الكذب حرام، ثمّ نؤسّس، معذرة، لأساليب أخرى، نتكلم عن أنّ النفاق حرام، فيأتيني إنسان ويقول لي المداراة أمرٌ مشروع وربما هذا الأمر يُغضِب كثيرًا من الناس. لا، لا يوجد ما يسمى بمصطلح المداراة إلا في إطار ضيق معين، والضرورة تقدَّر بقدرها، مداراة، تقية، نفاق، إلى غير ذلك، فتركنا المجتمعات تنهدم وسكتنا وجلسنا في بيوتنا. لا، نحن لا ينبغي أن نجلس في بيوتنا، وأنا أقول حقيقة الحكّام مطالَبون الآن بعد أن رأوا هذه الفوضى التي حدثت، مطالَبون شرعًا ومطالَبون عقلاً ومطالَبون واقعيًا بأن يقرّبوا أهل العلم وأهل التفكير، خاصة، أنا لا أتعصّب لتخصّصي، لكنني أقول الحقيقة، الشباب الآن يريد أن تُقنعه بالنص لا أن تلقي بالنص على أذنيه وتقول له اسمع ونفذ وما إلى ذلك. حتى نظرية الاقتداء بالإمام أو الاقتداء بالمشايخ لم تعد نافعة ومفيدة الآن. الشباب لديهم أطروحات جديدة، ولذلك لا ينبغي أن نتركهم لهذه القنوات التي تبث سمومًا.

أما قضية داعش فهذه لعبةٌ خبيثة، هي ضمن المؤامرة الكبرى، ولا يقولنّ لي أحد لا داعي لنظرية المؤامرة. لا، هناك مؤامرة، لكن هناك عوامل جعلت المؤامرة تنتشر في مجتمعاتنا. لماذا يوجد بين هؤلاء الجنود من الغرب ومن أوروبا، من الرجال والنساء، أناسٌ كثر وفتياتٌ كثيرات؟ لماذا؟ إذًا هناك، لا بدّ وأن نقرأ الواقع، لا ينبغي أن نكون هكذا. المؤمن كيّسٌ، فطن، ذكي. أنا لا أدري حقيقة ما الذي يُفعَل بنا ونسكت، ثمّ إنّ الكلام في هذه القنوات أو هذه اللقاءات قد يكون طيّبًا ونافعًا وهادفًا ومفيدًا، لكننا في حاجةٍ أكثر من هذا. نحن نريد بالفعل أن يستمع إلينا الناس وأن يتركوا هذه التيارات.

كما أنني أناشد ايضًا كلّ الذين يتحدثون باسم الإسلام من سلفيين وغيرهم، وأنا أعلمهم جيّدًا، إذا أرادوا أن ينجّوا الأمّة ممّا هي فيه الآن، فعلينا أن نتعاون. القضايا الخلافية التي تُثار ينبغي، لا أقول أن تُترَك جانبًا، لا، ينبغي أن تُرمى خلف ظهورنا. أنا أحيانًا حقيقة أستمع الى بعض العبارات، لكنني أتجاوز، ربما الأخ الفاضل قال نحن لم نجب على هذا السؤال، أنا لم أهتمّ أن اقف أمام الجدليات والمناقشات التي نراها في بعض القنوات، هذا لا يليق. نحن لا ننتصر لأنفسنا إنما ننتصر لديننا، فمن لم يعجبه ديننا فنحن ننتصر للقيمة الأخلاقية العامة. هل هذه تُغضِب أحدًا؟ لا أتصوّر أنّ الانتصار للقيمة الأخلاقية العامة، كما قلتُ منذ قليل، أنّ العقل يرى الأمر حسنًا أو قبيحًا. يأتيك من يقول لك هذه من مقولة المعتزلة، نعم، أنا أعلم جيّدًا بأنّها من مقولة المعتزلة، لكنّني أيّها السلفي المتعصّب لمنهجك، يا من تعبد النصّ دون تعقّل، أقول لك أنا في أمسّ الحاجة الآن إلى أن أوظّف مقولة المعتزلة بين الشباب الذين يُعجبهم هذا الطرح ويُقنعهم هذا الطرح ويجعلهم يقتنعون بروح الإسلام، نعم التحسين والتقبيح.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور يسري، قبل المعتزلة والأشاعرة والماتريدية وما إلى ذلك من المصطلحات التي ابتُلي بها المسلمون واقعًا، الله تعالى يقول "هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ"، ونحن نقول له لا يا رب، نحن سلفيّة، نحن معتزلة، الله يقول سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ.

 

يسري جعفر: لو أذنت لي هنا.

 

يحيى أبو زكريا: فقط أكمل الفكرة، رسول الإسلام يقول كلّ مولودٍ يولد على الفطرة، أي أنّ الفطرة الإنسانية فطرة توحيدية ربانية، هي التي ترشد الإنسان إلى الخير، وإذا ما وصل الإنسان إلى مرحلة الوعي الذهني والعقلي، تبدأ الموروثات الثقافية والفكرية تحرّفه باتجاه الدروب وباتجاه الديانات المتعدّدة.

 

يسري جعفر: هذا صحيح وأنا أذكّر هنا بكتابٍ جميل لعالمنا وشيخنا الدكتور مصطفى الشكعة الذي ألّف كتابًا بعنوان "إسلامٌ بلا مذاهب"، "إسلامٌ بلا مذاهب"، هذا ما نريده لكن يا دكتور يحيى ماذا تفعل في الواقع العلمي أيضًا والفكري؟ إذا كانت هناك قناعات لدى البعض، فأنا أقول لا أهاجمها بل أوظّفها. هذه الفكرة، أنا في أمسّ الحاجة إلى أن أوظّف الحسن والجميل من المعتزلة، وإلى أن أوظّف الحسن والجميل من الأشاعرة، وإلى ان أوظف الحسن والجميل من التيارات السلفية سواء كانت السلفية الدعوية أو السلفية الجهادية أو ما شاكل ذلك.

 

يحيى أبو زكريا: نعم أنا معك يا دكتور يسري. والله إذا تطوّرنا أكثر، حتى الفكر الإنساني الذي فيه خدمة للإنسان ولا يتضارب مع الشريعة الإسلامية يُعَدّ فكرًا إسلاميًا. أرجو أن تبقى معي.

 

يسري جعفر: أنا أستشهدت منذ قليل بقول الله تعالى "وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ".

 

يحيى أبو زكريا: "اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى"، نعم.

 

يسري جعفر: هذا ما أردته، أن آخذ الحقّ من أيّ إنسانٍ كان. تفضّل سيّدي.

                               

يحيى أبو زكريا: أنت قلت قال تعالى "إعدلوا هو اقرب للتقوى"، وأنا أريد أن أعدل في برنامجي في توزيع الوقت دكتور يسري، فأريد أن أطبّق الآية.

 

يسري جعفر: كنت أظنّ أنني آخذ وقتًا قليلا، لكنّني أثق في عدالتك.

 

يحيى أبو زكريا: حيّاك الله. أنا ألتزم بالتوقيت الذي هو أمامي.

دكتور محمد الحسين، اليوم هنالك مجتمعات في الخارطة الكونية حقّقت نوعًا من الرفاهية، بل رفاهية مطلقة، أنا تجوّلت في أوروبا رأيت وحق الله تعالى في بعض الدول الأوروبية لا يُظلَم عندهم أحد، البطال يأخذ راتبًا، الموظف إذا كان يعمل في شركة أو في قطاع عام ويُصرَف من عمله يأخذ راتبه لمدّة سنة، المرأة إذا رُزِقت بأولاد كثيرين تُعطى بيتًا بحسب عدد الأولاد. لماذا نجح الغربيّون في إقامة مجتمعات عادلة فيما نحن ما زلنا نبحث حول يجوز أو لا يجوز حتى صارت أمّة الإسلام كالعجوز؟

 

محمد الحسين: جيّد. أقول كما قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله في مقدّمة كتابه "ناسخ القرآن ومنسوخه"، يقول رحمه الله "إنّ نفع العلم بدرايته لا بروايته". مشكلتنا اليوم نحن أننا نتقن ونحفظ النصوص الكثيرة، لكن تطبيقها على الواقع نحن من أبعد الناس عنه، وهذا ما دعا بعض العلماء أن يصنّف كتابًا يسميه "الإسلام بين عجز علمائه وضياع أبنائه".

حينما تخدّم النص للواقع الاجتماعي الذي تعيش انت فيه كما تفضّل الدكتور يسري جزاه الله خيرًا والمشاركون، تفضّل وقال نحن بحاجة إلى تخديم النص للمجتمع وأن نأخذ النصوص التي تساعد المجتمع للرقيّ به، فاليوم غالب من يكون من الدعاة يحاول أن يلوي أعناق النصوص لصالح فكرة يعتقدها أو يريد أن تروج هذه الفكرة، فلذلك ابن الجوزي نقض هذه الناحية، فقال إنّ نفع العلم بدرايته لا بروايته، وأصل الفساد الداخل على عموم العلماء تقليد سابقيهم وتسليم الأمر إلى معظّميهم من غير بحثٍ عمّا صنّفوه ولا طلبٍ للدليل عمّا ألفوه.

فاليوم نحن بحاجة إلى عالمٍ رباني يحيي النص الذي يلائم المجتمع، يحيي النص الذي يرفع همّة المجتمع إلى العلالي. النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق كما تعلمون وكان المسلمون محاصَرين من كلّ الجهات واعترض المسلمون صخرة عظيمة، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع روح اليأس أو اليأس الذي أحبط نفوس بعض الناس من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ الفأس وضرب الصخرة فتفتّتت الصخرة، وقال الله أكبر إني لأرى الشام وبُصرى وما إلى ذلك، وإنّي لأرى صنعاء وأبوابها. يرفع النبي عليه الصلاة والسلام همم الصحابة، فاليوم نحن بحاجةٍ إلى العالِم الربّاني الذي يستطيع إسقاط النصوص على واقع الأمّة.

 

يحيى أبو زكريا: وما أحوجنا إلى العلماء الربّانيين الذين يجمعون ولا يفرّقون، الذين يوحّدون ولا يشتتون.

 

محمد الحسين: فقط اسمح لي دكتور يحيى.

 

يحيى أبو زكريا: لا إذا سمحت، انتهى الوقت تمامًا.  فقط أريد أن أقول ما لم نعلن حالة الطوارئ لإرجاع مجتمعاتنا الإسلامية إلى ما كان عليه السلف الصالح، الصالح بالفعل، سوف تكثر قوارب الموت باتجاه أوروبا، سيهاجر المسلمون ويموتون في البحار بحثًا عن لجوءٍ سياسي هنا ولجوءٍ اقتصادي هناك ولجوءٍ إنساني هنالك.

الدكتور محمد الحسين من سورية الحبيبة شكرًا جزيلاً لك، الدكتور عبد الله الكيلاني من الأردن الحبيب شكرًا جزيلاً لك، الدكتور يسري جعفر من مصر الحبيبة أمّن الله بلادكم جميعا شكرًا جزيلا لك.

يا أَمانَ الْخآئِفِينَ، وَيا مُجِيبَ دَعْوَةِ الْمُضْطَرِّينَ، وَيا ذُخْرَ الْمُعْدِمِينَ، وَيا كَنْزَ الْبآئِسِينَ، وَيا غِياثَ الْمُسْتَغيثِينَ، وَيا قَاضِيَ حَوائِجَ الْفُقَرآءِ وَالْمَساكِينِ، وَيا أَكْرَمَ الأَكْرَمِينَ، وَيا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، لَكَ تَخَضُّعِي وَسُؤالِي، وَإلَيْكَ تَضَرُّعِي وَابْتِهالِيْ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُنِيلَنِي مِنْ رَوْحِ رِضْوانِكَ، وَتُدِيمَ عَلَيَّ نِعَمَ امْتِنانِكَ، وَها أَنَا بِبابِ كَرَمِكَ واقِفٌ، وَلِنَفَحاتِ بِرِّكَ مُتَعَرِّضٌ، وَبِحَبْلِكَ الشَّدِيدِ مُعْتَصِمٌ، وَبِعُرْوَتِكَ الْوُثْقى مُتَمَسِّكٌ.

هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه أبدًا أبدًا، وفي أمان الله تعالى.