أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

العلامة الشيخ أحمد الخليلي - مفتي عام سلطنة عمان

في لحظة الفتنة الكبرى التي تعصف بالمسلمين , و في مرحلة إختلاط العلم بالجهل و العقل بالهوى, و في لحظة تأويل التنزيل و تحريف التأويل , و في مرحلة ندرة العلماء الربانيين الذين يستحضرون الله في كل صغيرة و كبيرة من أقوالهم و أفعالهم و فتاويهم.

المحور الأول

نكبة المسلمين الراهنة / أسبابها

  • المحور الأول
    المحور الأول

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم وجعل الجنة مثواكم.

في لحظة الفتنة الكبرى التي تعصف بالمسلمين، وفي مرحلة اختلاط العِلم بالجهل والعقل بالهوى والنصّ المقدّس بالفعل المغمّس في الدماء والموغل في القتل والذبح، وفي لحظة تأويل التنزيل وتحريف التأويل، وفي مرحلة ندرة العلماء الربانيين الذين يستحضرون الله في كلّ صغيرةٍ وكبيرةٍ من أقوالهم وأفعالهم وفتاواهم، ما أحوجنا إلى أن نستفي إلى أصحاب الحكمة والمنطق والعلم الشرعي الجامع للمسلمين، الموحّد لإرادتهم وقوتهم، على القاعدة الربانية "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا".

وفي هذا السياق، يقول ضيفي الفاضل فقيه العقلاء وعاقل الفقهاء، مفتي عام سلطنة عمان الشيخ أحمد ابن حمد ابن سليمان الخليلي، يقول "وقد ابتُليت كل أمة بالافتراق في ما بينها والانشقاق على نفسها، ولم تسلم من ذلك أمّة، حتى أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والتي اختصّت بمبعث أعظم رسولٍ إليها وإنزال أجلّ كتابٍ عليها وحُذّرت أيما تحذير من الافتراق ودواعيه وبُيّنت لها عاقبة السيئة في مُحكَم آيات الكتاب التي اختصّت به".

قال تعالى "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا"، وقال أيضًا "وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ"، وقال جلّ في علاه "وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَب رِيحكُمْ"، وقال لنبيّه عليه أفضل الصلاة والسلام "إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ".

لقد آن الأوان أن نعلن حالة طوارئ فقهيّةٍ وشرعيةٍ وفكريةٍ وثقافيةٍ وحضاريةٍ واستراتيجيةٍ وربانيةٍ ومحمدية لإنهاء حال الشقاق والقتل والعنف كمنهجٍ للحكومات أو الجماعات ليكون الحوار الراقي مسلكية لكل المسلمين كما أمرهم الله تعالى.

ومن العاصمة العُمانية مسقط سيكون هذا الحوار مع الفقيه الألمعي الشيخ أحمد الخليلي الذي ما فتئ يدعو إلى عصمة دماء المسلمين، وألّف كتابًا شيّقًا بعنوان "عوامل تقوية الوحدة الإسلامية في الشعائر الدينية". والشيخ الخليلي يرى أيضًا أنّ الأمير هو أجيرٌ لهذه الأمّة، وهو مسؤولٌ في ما بينه وبين الله سبحانه وتعالى، كما أنه مسؤولٌ في ما بينه وبين الأمة للبشر أن يحاسبوه في الحياة، كما أنّ الله سبحانه وتعالى يحاسبه في الدار الآخرة، وسياسة الأمة لا تقوم إلا على العدل بأن يكون الخليفة عادلا، وأن يحاسَب من جميع طوائف الأمة لأنه أجيرٌ قائمٌ على رأس هذا الأمر.

ومشكلة الإرهاب عند الشيخ الخليلي ينبغي أن تواجَه بمعالجة المشكلة من جذورها، أي تفقيه الناس وفق الأصول الشرعية الصحيحة من جهة واستمساك الأنظمة والحكام بالشرع الحنيف الذي يُعتبَر دواءً لكل داء، كما أشار إلى أنّ أخطاء الأنظمة لا ينبغي أن تُعالَج بالإرهاب والتفجير والترويع بل بالحكمة والكلمة الحسنة.

إن هذه أمّتكم أمّة واحدة عنوان برنامج أ ل م، وسيكون معنا مفتي عام سلطنة عُمان العلامة الشيخ الفاضل أحمد الخليلي، مباشرة من مكتبه في عاصمة السلطنة، سلطنة عُمان، مسقط. مرحبًا بكم جميعا.

سماحة الشيخ، مبدئيًا أحيّيك وأشكرك جزيل الشكر على ما أتحته لنا من تسهيلات وعلى رحابة صدرك لاستقبالنا في هذه اللحظة الإسلامية الحرجة.

 

أحمد الخليلي: وأنا بدوري أحيّيكم وأرحّب بكم وأسأل الله أن يوفّقنا جميعًا لسداد القول وصوابه ولصالح العمل، وأن يأخذ في أيدينا إلى ما يحبه ويرضاه.

 

يحيى أبو زكريا: إن شاء الله تعالى. راهن المسلمين سماحة الشيخ لا يبشّر بخيرٍ نهائيًا. ربما لأول مرة هنالك لحظة دموية حاسمة حيث افترق المسلمون إلى ما شاء الله من فرق، كما أنهم لاذوا بالعنف والسكّين للتعامل فيما بينهم. كيف تشخّص راهن المسلمين اليوم؟ وما هي الأسباب التي أفضت إلى هذا الانفراط في الإجماع وفي كلّ تفاصيل حياتنا؟

 

أحمد الخليلي: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حقّ حمده، والصلاة والسلام على من أرسله بالهدى والرشد من عنده وعلى آله وصحبه وعلى جميع أتباعه وحزبه.

أما بعد، فإني أحيّيكم جميعًا أيها الإخوة المشاهدون والمشاهدات بتحية الإسلام الطيّبة المباركة، فالسلام عليكم جميعًا ورحمة الله وبركاته، وإنني لسعيدٌ جدًا بهذه الفرصة التي نلتقي فيها من أجل قضيةٍ من أهم القضايا التي تشغل بال كلّ عاقل وتؤرّق كلّ من في قلبه إيمان، وهي هذا التنازع وهذا التفرّق وهذا التشتّت وهذا التشرذم وهذا العداء وهذا التنافر بين الأمّة، حتى أصبحت الأمة بأسها شديدٌ، صدق عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ كَمَا تَتَدَاعَى الأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا"، قالوا "أمن قلة يا رسول الله؟" قال "لا، إنّكم كثير، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ"، فالأمة بحاجة إلى ما يُخرجها من هذه الغثائية، ولا ريب أنّ الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مدنيًا بطبعه، اجتماعيًا بفطرته، فهو لا يستقل بمصالحه عن بني جنسه ولا يستقلّ بأعماله أيضًا عن بني جنسه، فكلّ عملٍ يعمله الإنسان لا بدّ أن يشاركه فيه غيره حتى ينجح ذلك العمل. لأجل هذا، كان التداخل بين الناس وكانت ضرورة التفاهم بينهم، لأنه إن لم يكن بينهم تفاهم كان بينهم تنافر، وأدّى هذا التنافر إلى الشقاق، وأدّى هذا التنافر إلى الفجوة، وأدّى هذا التنافر إلى العداء، وأدّى هذا التنافر بالتالي إلى الإقتتال كما هو واقع. فلذلك كان من الضرورة بمكان أن يكون هنالك ما يلملم هذا الشتات ويجمع ما بين هذا الشتيت من الناس.

ونحن نرى أن الله تعالى لم يترك عباده لأهوائهم ولم يتركهم لنزعاتهم ونزغاتهم وإنما أرسل إليهم رسله مبشّرين ومنذرين ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيا من حيّا عن بينة، وقد أتمّ النعمة على عباده بالرسالة الخاتمة الجامعة التي بعث بها عبده ورسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم على حين فترةٍ من الرسل وانقطاعٍ من الوحي وضلالٍ من العقول وفسادٍ من الأخلاق وانحطاط من القيم عندما تشرذم الناس وتفرّقوا، تفرّقوا في الفكر وتفرقوا في العمل وكانوا يعبدون آلهة شتّى وكانوا لا يلتقون على شيء، أرسل الله تعالى إليهم عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم بالقرآن، فجمع الشتيت، وكان من أكثر الناس تشتّتًا العرب عندما أرسل الله تعالى إليهم رسوله محمّدًا صلى الله عليه وسلم، كانوا في تشتتهم وتشرذمهم وعداء بعضهم لبعض وجهلهم وجاهليتهم كما يصفهم الأستاذ الكبير أستاذ الأدب مصطفى صادق الرافعي، عندما يقول في وصفهم كانوا بين راعٍ للغنم وداعٍ للصنم وعالمٍ على وهم وجاهلٍ على فهم وإنسانٍ كأنه من شرّه آلة لفناء الإنسان وشيطانٍ كأنه من خبثه مادة لوجود الشيطان. ولكن ماذا فعل فيهم القرآن؟ سرى في أرواحهم وسرى في عقولهم وسرى في أفكارهم وسرى في طبائعهم، فأتى على كل شيءٍ من تلكم الجاهلية الجهلاء التي كانوا عليها، وإذا بهم أمّة مثالية تختلف عن بقية الأمم، يصفهم الأستاذ الرافعي أي رب أنهم كأنما أخذ هذا القرآن بطرف جزيرتهم العربية فنفضها تحت شعاع الشمس، فتفرّقت ذراتها في الأرض وقع وراء كلّ ذرّةٍ عربي يحمل إلى الناس هداية القرآن، يدعوهم إلى الخير ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر.

 

يحيى أبو زكريا: سماحة الشيخ، لكنّ هذا الانجاز الحضاري الكبير الذي أحدث تغييرًا في الجزيرة العربية وفي العالمين لم يطل كثيرًا. سرعان ما انقلب المسلمون على أعقابهم، سرعان ما تقاتل الصحابة في ما بينهم، سرعان ما تحوّلت الشورى إلى مُلكٍ عضود في العصر الأموي. إنّ الإنجاز الذي لا يحافظ على نفسه لا يمكن أن تقول أنه عظيم وعملاق لأنّ الإنجازات الكبيرة ما لم تستمرّ لقرون، تُحدث تغييرًا جذريًا في الخارطة الكونية، لا تُعتبَر انجازًا. من الذي فرط في هذا الإنجاز؟

 

أحمد الخليلي: هذا الإنجاز هو بذاته انجاز حضاري عظيم ولكنّ الذين ارتدّوا على أعقابهم وعادوا إلى نمط من أنماط الجاهلية التي كانوا عليها من قبل هم الذين انحرفوا بهذا الانجاز وهم الذين نزلوا بهذا الإنجاز إلى الحضيض، عندما تحوّل كما تفضّلتم أمر الخلافة من الشورى إلى أن أصبح استبدادًا تستبدّ به طائفة من الناس، تتحكّم هذه الطائفة في أموال الناس وفي أعراضهم وفي دمائهم وفي كلّ شيءٍ يتعلق بهم تحكّم المالك في ملكه، بحيث لا يمكن أن يجرؤ أحد فيقول لا، هذا هو الذي أدى إلى هذا الانحطاط، ونحن نرى بوناً شاسعًا وفارقًا كبيرًا بين الوضع الذي كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وما آل إليه الأمر من بعد، ففي عهد عمر مثلا رضي الله عنه كان يقول لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نقبلها إذا ما اتقوا الله، ولكن عندما جاء عبد الملك ابن مروان ( رقع) على المنبر وقال يا أيّها الناس إنكم لتأمروننا بأوامر تنسون منها أنفسكم، ثمّ قال لن يقول لي أحدكم بعد اليوم إتقِ الله إلا ضربت عنقه، جزاء من يقول له اتق الله أن يضرب عنقه، هذا هو الانحراف، هذا هو هو النكوث، هذا هو الهوي إلى الأرض، هذا هو الإخلال إلى الهوى.

 

يحيى أبو زكريا: شيخنا هذا النكوث، هذا الانحدار، هذا السقوط المروع، ما زال مسحوبًا على القرن الواحد والعشرين. اليوم عندما نأتي إلى فقه التكفير، الذي يذبح في العالم الإسلامي من الوريد إلى الوريد ويفصل الرقبة مكبّرًا قائلا الله أكبر، يقول سندي في ذلك مثلا ما ذهب إليه ابن تيمية أو سندي ما ذهب إليه فلان من التابعين على سبيل المثال، لماذا لم يجرؤ علماؤنا على تطهير الموروث الإسلامي من نصوص الذبح والقتل والسلخ والحرق وما إلى ذلك؟

 

 

أحمد الخليلي: هذا إنما يرجع قبل كل شيء إلى الموروث الفكري، تعمّقَ في هذه الأمّة، هذا الموروث الفكري انحرف بالناس عن النهج السوي، لا ريب أننا إذا رجعنا إلى القرآن الكريم فإننا نجد بأنّ القرآن الكريم إنما جاء بعقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر،  جاء بعقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر وجعل كلّ خيرٍ منوطا بالإيمان بالله واليوم الآخر. ولكن هل بقي الناس على الإيمان بالله واليوم الآخر كما جاء في القرآن؟

نجد الأمّة وقعت في تشبيهين، وقعت في تشبيه من يشبّه الله تعالى في خلقه، بحيث يصف الله تعالى بصفات الخلق حتى يجعله كأنّه صنم من الأصنام، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وفريق آخر يشبّه الخلق بالله فيجعل ما لله سبحانه وتعالى لعباده، بحيث يتصرف العباد في الكون تصرّف الخالق رب العالمين، مع أنّ النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان أعظم الناس رتبة وأرفعهم قدرا وأجلّهم شأنا، النبي عليه أفضل الصلاة والسلام يخاطبه الله سبحانه وتعالى بقوله "قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ"، هذا في جانب الآيات الكريمة الكثيرة التي تدلّ أنّ كلّ أحد ليس له شركة في هذا الكون، ليس له شركة في السموات ولا في الأرض، ما من أحدٍ له شركة في السموات والأرض وما من أحدٍ هو ظهيرٌ لله في خلق السموات والأرض. هذا من ناحية، ومن ناحية الإيمان باليوم الآخر أيضًا زهد الناس في الإيمان باليوم الآخر، فجعلوا الإيمان باليوم الآخر حاجة يمكن أن يطرأ عليها ما يطرأ، كما قال اليهود من قبل، عندما قالوا سيُغفَر لنا. الله سبحانه وتعالى يحكي مقولتهم هذه فيقول "فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا"، ويقول "ألم تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ". فالناس اهملوا النصوص التي جاءت في القرآن الكريم، نصوص تعريفهم لله سبحانه وتعالى وعظمته وجلاله ووحدانيته وكبريائه وأهلموا أيضًا النصوص التي تتعلق باليوم الآخر.

 

يحيى أبو زكريا: إذًا شيخنا، عفوًا، أنت تدفعني إلى مزيدٍ من طرح الإشكالات إن صحّ التعبير. قلت أنّ الأمّة الإسلامية بدأت بالتوحيد وكان التوحيد منقذًا للعالم الإسلامي آنذاك، وانتقلت إلى الشرك من خلال التشبيه. عندما نقرأ اليوم، اليوم، في صحاحنا، في صحيح البخاري ومسلم، أن الله يشبه غلاما أمرد وأن الله ينزل إلى السماء الدنيا على ظهر حمارٍ، معنى ذلك أنّ هذا التشبيه ما زال قائمًا اليوم؟

 

أحمد الخليلي: هذه الأحاديث مهما كانت، طبعًا البخاري ومسلم، وردت أحاديث لا بدّ من إعادة النظر فيها، لكن هذه أحاديث كثيرة ما جاءت عند الدارمي وعند غيره هذه الأحديث، ينزل شبه غلام أمرد وهكذا.

 

يحيى أبو زكريا: جنابك عالجت الكثير منها في الحقيقة الدامغة وفي كثير ممّا كتبته.

 

أحمد الخليلي: هذه أشياء فيها ما فيها من الريب، وأنا أقول بأنّ هذا التأثير على هذه الأمّة كان من عهدٍ قديم، عندما جاء عمر ابن عبد العزيز وسار في الناس سيرة العدل، وردّ الأمر إلى نصابه الشرعي وأنقذ الناس من براثن الجور والظلم في وقته، أراد من أتى من بعده أن يحذو حذوه تأثرًا به، ولكن ماذا كانت النتيجة؟ جيء إليه بـ40 شيخًا يشهدون له إنّ الخليفة لا حساب عليه ولا عقاب، جاؤوا له بـ40 شيخا يشهدون هذه الشهادة أن الخليفة لا حساب عليه ولا عقاب، مع أن الله تعالى ينادي عبدًا من عباده الصالحين استخلفه في الأرض وقد كرمه الله بالنبوة وهو نبي الله تعالى داوود عليه السلام إذ يقول له "يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ"، فهذه على أيّة حال أمور لا بدّ من معالجتها، لا بدّ من استئصالها.

 

يحيى أبو زكريا: جميل شيخنا، نعالجها، نستأصلها، لكن بربّك، اليوم، القرن الواحد والعشرون ضاغط إلى أقصى درجة وانتهى عصر العلماء الربانيين المحققين المدققين. في ما مضى وجنابك خير من يعلم ويعلّمنا أنّ العالم كان يتفرّغ لربّه ولعلمه ويوصل الليل بالنهار من أجل مطلب فقهي واحد.

اليوم، أمّة إقرأ لا تقرأ، وأمة إقرأ تحولت إلى أمة اذبح، اليونيسكو تقول أنّ عدد القراء في العالم العربي 0 فاصل 05 بالمئة، وأدعو الله أن أكون من هذه الأصفار. فاليوم كيف نعيد ترتيب الموروث الإسلامي؟ بدأنا بالقرآن، انتقلنا من القرآن إلى السنّة، ومن السنّة إلى أقوال العلماء، ثمّ قدّسنا أقوال العلماء واعتبرناها قرآنا وسنّة. أنت أمام 14 قرنا من الوضع والتدليس والخلط بين التأويل والتنزيل، ولحدّ الآن شيخنا لم نبدأ مرحلة معالجة الموروث الإسلامي. إذا هذا الضياع في العالم الإسلامي سببه علماء الإسلام، سببه المسلمون أنفسهم.

 

أحمد الخليلي: مع هذا، نحن علينا، أولا علينا ألا نرمي التراث بحذافيره ونلقيه ونقول لا خير فيه، وإنما علينا أن نمحصه، فنميّز بين الصحيح والسقيم منه، وعلينا أن نأخذ بالصحيح ونضع السقيم، وألا نتحيّز إلى أحد وإنما نتحيّز إلى النص الشرعي. الله سبحانه وتعالى يقول "فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا"، فيجب أن يكون الردّ إلى الله بالرجوع إلى كتابه والردّ إلى الرسول بالرجوع إلى السنّة الثابتة الصحيحة التي لا تعارض القرآن والتي لا تشوبها شائبة، من شكّ في ثبوتها وصحتها إلى النبي عليه الصلاة والسلام.

 

يحيى أبو زكريا: سماحة الشيخ، أرجو أن تتحمّلني قليلا وأنت الصابر المحتسِب. اليوم، إذا أردنا أن نجري هذه المساءلة للموروث الإسلامي، ستجد كلّ طائفة، كلّ ملة، كل نحلة، كل مذهب، يستخدم مبانيه في معالجة هذا الموروث الإسلامي، وهذا سيؤدّي إلى الإبقاء على الخطأ. مثلاً الذي ينتمي إلى المدرسة السلفية سيستخدم مباني ابن تيمية في قراءة الموروث الإسلامي، وهذا سيعيد إنتاج ابن تيمية، وكذلك بقية الملل. أليس الأولى أن نُخرج المسلمين من المذهبية والطائفية إلى رحابة الإسلام، ومن ثمّ نجري تصحيحًا سليمًا؟

 

أحمد الخليلي: نعم هذه الفكرة نحن كم تمنّيناها وكم تمنّينا أن يكون التمسّك بالإسلام الذي يجمع ولا يفرّق، ويؤلف ولا ينفّر، ويقرّب ولا يبعد، وينصف ولا يظلم، أن يكون الإنتماء إلى الإسلام وندع هذه العصبيات، هذه العصبيات، لا شكّ بأنّ هناك اجتهادات، والاجتهادات كان الأئمّة السابقون، كلّ واحد يقول قولي صواب يحتمل الخطأ، ولكن مع ذلك صار الأتباع يقولون هذا القول هو الحق، وكلّ ما عداه باطل. هذه العصبيات هي التي أدّت ومن أئمتنا نحن، الإمام أبو نبهان يقول الشيخ عبد الله خميس الخروصي رحمة الله عليه يقول إياك أن تلتفت إلى من قال بل إلى ما قال، أنظر إلى ما قاله العالم فإن كان موافقًا للحق تمّسك به وإلا ردّه، لا تلتفت إلى من قال بحيث تأخذ بقول هذا وإن كان خطأ وتدع قول هذا وإن كان صوابًا. إياك أن تلتفت إلى من قال بل إلى ما قال، ويقول إمام السالبية رحمه الله في هذا المعنى نفسه ولا تناظر بكتاب الله ولا كلام المصطفى الأوان، معناه لا تجعل له نظيرا ولو يكون عالمًا خبيرا.

نحن علينا أن نأخذ بهذا المبدأ، بمبدأ الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، وعلينا أن نعتزّ بانتمائنا إلى الإسلام، كل فرقة، كل فئة من الفئات عليها أن تعتزّ بالانتماء إلى الإسلام لا بالانتماء إلى الطائفية. الإنتماء إلى الطائفية هو الذي عمّق هذه الهوة بين الأمّة وقسّم هذه الأمّة إلى أشلاء متفرّقة وجعلهم في وضعٍ لا يُحسَدون عليه من الانحطاط والبُعد. الأمّة الآن زادت على المليار ونصف المليار، تناهز الآن مليارين، ولكن مع ذلك أصبحت في غثائية، هي غثاء كغثاء السيل، نحن بحاجة إلى إخراج الأمّة من هذه الغثائية.

 

يحيى أبو زكريا: والعجيب أنّ هذه الأمة لمّا التصقت بالإسلام الحضاري المحمدي الأصيل صارت صاحبة قرار في المسرح العالمي، وعندما مالت إلى المذهبية والطائفية صارت أمّة تابعة للأسف الشديد. أليس كذلك شيخنا؟

 

أحمد الخليلي: بلى، بلى، وأنا أؤيد ذلك وأقول أنّ هذا التعصّب للمذهبيات هو الذي أدّى، وفي الأيام القريبة أنا كتبت رسالة لعلكم أطلعتم عليها بعنوان "أمّة الإسلام إلى أين.. مسيرًا ومصيرا"، مطالبة للأمة الإسلامية جميعًا إلى أن ترجع.

 

يحيى أبو زكريا: وأعجبتني النقاط التي أشرت إليها في ضرورة إخراج المسلمين ممّا هم فيه وطرحت مجموعة نقاط.

النقطة السابعة، إن شاء الله ذاكرتي جيدة، عندما قلت على المسلمين أن يخرجوا من دائرة التنقيب في مساوئ التاريخ الإسلامي ونبش عصر الفتن ليكونوا سادة من جديد.

وتعسًا للفواصل. هنالك فاصل أضطر إليه وصراحة معك لا أحبّ الفواصل لأنك مسترسلٌ ما شاء الله، لكن سأعود إليك بعيد الفاصل مباشرة.

مشاهدينا فاصلٌ قصير ثم نعود إليكم، فابقوا معنا.

المحور الثاني

التجني على الإباضية.

  • part 2.mp4
    part 2.mp4

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلا بكم من جديد. عدنا والعود أحمد. من أدرك حلقتنا الآن، نحن نحاور العلامة الألمعي الشيخ أحمد الخليلي من مسقط، من سلطنة عمان. مرحبًا بك سماحة الشيخ.

 

أحمد الخليلي: أهلا وسهلا ومرحبًا بكم.

 

يحيى أبو زكريا: سأنطلق في المحور الثاني من هذا اللقاء من كتابكم الرائع والشيّق، وكلّفني سويعات في الليل واقعا، "أمة الإسلام إلى أين مسيرًا ومصيرًا"، قلت إذا أراد المسلمون أن يخرجوا من دائرة التخلف إلى دائرة الفعالية الحضارية ومن الانفعال إلى الفعل، عليهم أن يتركوا مجموعة أمور منها، بحيث لا تُنبَش الفتن التي نجمت في القرن الأول مهما تأتّى ذلك، فإنّ الماضي لا يُدرَك، وقد مضى بحلوه ومرّه، فلا معنى لاجترار أحداثه، وهل يورث ذلك إلا تعميق الجراح وتنفير القلوب وإيغار الصدور.

اليوم، أعدنا في العالم الإسلامي إنتاج الفتنة الكبرى، استحضرنا كل صراع، استحضرنا كل حراب، استحضرنا كل كراهيةٍ، وجعلنا منها إسلامًا جديدًا. لماذا بنظرك؟

 

أحمد الخليلي: هذا إنما يعود إلى الغباء.

 

يحيى أبو زكريا: إذاً المسلمون أغبياء.

 

أحمد الخليلي: يعودوا إما إلى الغباء وإما إلى العمالة لمن يريد أن يفرّق الأمة ويتركها أوزاعًا مشتّتة لأنّ مصلحة العدو في هذا التشتت، ولو اجتمعت كلمة الأمة والتقت على حبّ الله تعالى ورسوله والتقت على دينه والتقت على ما أمِرَت به من التمسّك به من العدل والانصاف، لزالت هذه الفوارق كلها بين الأمة، ولكانت الأمّة أمّة عزيزة مهينة. الأمة اليوم لم تؤتَ من قلة وإنما أوتيت من الضعف والضعف إنما بسبب التشتت، "وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَب رِيحكُمْ"، فالأمّة تنازعت، وماذا يأتي بعد التنازل إلا الفشل مع أن الله تعالى حذر هذه الأمّة من التنازع الذي يتبعه بلا ريب الفشل، والنتيجة حتمية له.

 

يحيى أبو زكريا: لكن متى استقامت هذه الأمة سماحة الشيخ؟ منذ وفاة رسول الله والفتن تنخر جسد الأمّة الإسلامية، للأسف حتى تاريخنا المزوَّر قيل لنا المسلمون كانوا طيّبين، المسلمون كانوا صنّاع حضارة، عندما تقرأ التاريخ الحقيقي للإسلام والمسلمين كله اقتتال على ولاية، على خلافة، على إمارة، أين هذا الجميل؟ عشنا فقط قرنين جميلين وبعد ذلك انتهى الإشعاع الإسلامي؟

 

أحمد الخليلي: لله الأمر من قبل ومن بعد، حبّ الدنيا كما يُقال رأس كل خطيئة، حبّ الدنيا هو الذي أورث الأمّة الإقتتال والتدافع والتناحر وما نجم عن ذلك من التكفير والتضليل الذي لم يقف عند أيّ حد، ولم يكن مؤطَّرًا قط في إطار الانصاف.

 

يحيى أبو زكريا: هذا التكفير شيخنا، اليوم عندما نعود إلى أدبيات داعش أو النصرة أو بقية فصائل الذبح والنحر، يقولون في روايات، ما ورد في صحيح البخاري، جئناكم بالذبح، أو آيات القتال التي يؤوّلونها تأويلا خاطئًا، أي القتال بين المسلمين والكفار يسقطونه على المسلمين. اليوم لا يمكنك أن تنشئ الأمن والأمان والسلام في العالم الإسلامي وهذه النصوص موجودة، حتى إذا حُلّت المسألة الأمنية عسكريًا، بعد عشر سنوات سيأتي جيل تثقفه نصوص القتل ونعود إلى الفتنة. دائمًا هذا وضعنا.

 

أحمد الخليلي: إسألوا الله تعالى السلام، الإسلام كان مثاليا حتى في حربه لأعتى العتاة وأقسى القساة، في حربه للذين يحاربون كان مثاليا في الأخلاق، الله تعالى يقول "وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ"، وينهى عن العدوان، وإنما يأمر بالقتال لأجل رد العدوان، "وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ"، اعتدوا عليكم بالقتال فأنتم تقاتلونهم لردّ هذا العدوان الذي صدر منهم، "وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ"، لأجل إنقاذ المستضعفين، بل الإسلام ينقذ حتى الأمم الأخرى التي لم تتبع هذا الدين، يأمر بالإنصاف إليهم ويأمر بمساواتهم بالآخرين في العدل، "وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى".

 

يحيى أبو زكريا: هنا في دائرة التكفير شيخنا، للأسف الشديد كلّ الذين كتبوا في موضوع التكفير، المتقدّمون والمتأخّرون يشيرون إلى الخوارج، أنّ الخوارج هم الذين بذروا هذه البذرة، وقبل الخوارج ذو الخويصرة التميمي الذي كان الرسول يودّ قتله بل أمر بقتله. لكن هنالك شبهة أكاديمية مفهومية، شبهة في الساحة الإسلامية، عندما يُتحدّث عن الإباضية يُقال هؤلاء خوارج، وبالتالي الذين اتهموا الإباضية يريدون إيصال معلومة إلى الناس أنّ الإباضية أيضًا قتلة أو خرجوا على المسلمين في ما، وهذه شهادة لله تعالى أنني رأيت فيك أعقل رَجُلٍ وفقيه في العالم الإسلامي، ما فتئت تدعو إلى التلاقي، إلى الحوار، إلى نبذ العنف، إلى نبذ التكفير. نريد أن تردّوا على هذه الشبهة، طبعًا ناصر الدين الألباني بلورها كثيرًا، المدرسة الوهابية أيضًا تحاملت عليكم إلى أقصى درجة، كما تحاملت على كلّ المسلمين. كيف تردّ على هذه الشبهة سماحة الشيخ؟

 

أحمد الخليلي: لا ريب أنّ هذه الشبهة أنمقت وأطّرت في إطار من الدعاية عن عمد، من أجل تضليل العقول. الخوارج، لا ريب نحن لا نتفق مع الخوارج، بل نجد علماءنا شدّدوا القول فيهم كما يقول الإمام السالمي، خوارجٌ ضلت فصارت مارقة صفرية دجلية أزارقة، إلى آخر ما قاله، ولا شكّ فيهم المروق يعرفنا ومنهم لا شك ( نبرأنا)، إلى آخره. لكن مع هذا كله أيضًا، حتى بالنسبة إلى الخوارج، أنا أقول بأن ما حصل من الخوارج إنما كان رد فعل للظلم الأموي، بدليل ما ذكره أحد المحدّثين، الذي كتب عن عمر ابن عبد العزيز، غاب عن ذهني اسمه، ذكر بأنه لما ولي عمر ابن عبد العزيز رضي الله عنه الخلافة وسار سيرة العدل اجتمع الخوارج فقالوا لا ينبغي لنا أن نحارب هذا الرجل، الظلم، البطش الذي كان لا يقف عند حد هو الذي أدى إلى ردة فعل، هذه ردة الفعل لم تكن منضبطة بضوابط الشرع، كانت بعيدة عن الاعتدال فأدت إلى هذا الغلو وهذا التطرف عند الخوارج، بينما الاباضية كانوا في جميع مواقفهم إنما ينشرون العدل والإنصاف، وأصدق مثال لذلك ما كانوا في محاربة بني أمية في عهد الإمام طالب الحق عبد الله ابن يحيى وقائده أبي حمزة الشاري، كيف ساروا تلك السيرة، سيرة الأصل، سيرة الرحمة، يأتي قائد من قواد الجيش الأموي فيقع أسيرًا في أيديهم فيصفحون عنه ويفرجون عنه، ثمّ بعد ذلك يقع أسيرًا للمرة الثانية ويعودون إلى الإفراج عنه، كيف معاملة بني أمية هذه مثل هذه المعاملة.

 

يحيى أبو زكريا: إذا الفقه الذي حمل عليكم هو الفقه الأموي الذي صار مذهباً اليوم في العالم الإسلامي، هو الفقه الأموي.

 

أحمد الخليلي: لا شك في هذا، وأيضًا بالنسبة إلى الأموال، النزاهة في الأموال، الإمام طالب الحق لما جيء إليه وجد خزائن الأموال التي كان جباها القاسم ابن عمر الثقفي، الأمير الذي كان في صنعاء من قبل الدولة الأموية ما استباح أن يأخذها لنفسه ولا ليعطيها أصحابه، وإنما أتى بها ووزعها بين أهل صنعاء جميعًا، من غير تفريقٍ بين مذهب ومذهب. قال هذه جُبيت بغير حق على أهل صنعاء وعلينا أن نردها إليهم.

 

يحيى أبو زكريا: والشهادة لله أنني من خلال تتبّعي لكلّ ما كتبت ولمواقفك الشريفة في العالم الإسلامي، أشهِد الله والمشاهدين على أنك ما تركت فتنة إلا دعوت إلى إطفائها، ودورك الجميل في الجزائر عندما أراد بعض السلفيين والوهابيين إثارة الفتنة بين الإباضية والمالكية، دعوت إلى التلاقي وإلى الإخوة والمحبة، وكذلك فعلت بالنسبة للفتن في العالم الإسلامي حيث دعوت إلى إطفائها.

طبعًا نحن في موضوع الفتنة الكبرى التي تعصف اليوم بالعالم الإسلامي، نحتاج إلى مؤونة إضافية كما يقول العلماء، فقط التذكير، فقط الخطب، فقط الكتب وربما البرامج التلفزيونية والإذاعية لا تكفي. ما الذي نحتاجه أكثر عمليًا؟ عفوًا، سماحة الشيخ، الذي يدعو إلى التكفير وإلى الانقلابات والثورة على الحكام فقهاء أيضًا، علماء، خرّيجو أزهر، خرّيجو زيتونة، خريجو قرويين، كيف تقول للناس أنّ هؤلاء لا يمثلون العلم الشرعي الحقيقي؟

 

أحمد الخليلي: لا ريب، نقول بجانب هذا، بجانب وجود فئة من العلماء تسعى إلى جمع الشمل ووحدة الصف وتأليف الكلمة والانصاف ما بين الجميع، الإنصاف من الخصم قبل الانتصاف منه، الذين يدعون لهذا من العلماء بجانبهم أيضًا لا بدّ من أن تكون هناك سياسة من الحكام تتوجّه إلى جمع الشمل وتأليف القلوب، وأنا أحمّل في هذا الأمر، أحمّل المسؤولية لمنظمة التعاون الإسلامي.

 

يحيى أبو زكريا: التي كانت منظمة مؤتمر العمل الإسلامي.

 

أحمد الخليلي: منظمة التعاون الإسلامي يجب أن يكون لها دور في جمع هذا الشتيت من الأمّة، في السعي إلى ردم الهوّة، في السعي إلى إطفاء نار الفتنة، في السعي إلى نبذ الخلافات بسبب الإقليمية أو العنصرية أو المذهبية. منظمة التعاون الإسلامي هي قادرة حسبما أتصور بأن يكون لها دور في تأليف هذه القلوب.

 

يحيى أبو زكريا: لكنها نائمة، بكلّ صراحة، أعذرني وأنا رجل صريح، نائمة، ربما لو جاء أهل الكهف لقالوا لمنظمة التعاون الإسلامي، بورك فيكِ، لكأنك أطول نومًا منّا، حقيقة الفتنة الكبرى في ليبيا وتدخل الناتو في ليبيا، مصر وما يحدث فيها من انفجارات، سورية وشعبها الذي يُذبَح من الوريد إلى الوريد بمباركة دولية وعربية.

ما رأينا هذه المنظمة تكلمت، للأسف الشديد، الأزهر على سبيل المثال قبل فترة وافق على رسالة دكتوراه لطالب يتحدث عن موضوع لا أستطيع أن أشير إليه. نحن ابتعدنا عن العلم الإسلامي الأصيل. هكذا نقول لرسول الله يوم القيامة عندما يقول لنا كيف أخلفتموني؟ نقول له خدعناك يا رسول الله، خناك يا رسول الله؟

 

يحيى أبو زكريا: لا،( زحت )عن السلام والعفو.

 

يحيى أبو زكريا: هذا هو واقعنا شيخنا العزيز.

 

أحمد الخليلي: سبحان الله ينبغي هذه الرسائل كما يقال أو أي كتابة أو أي سعي أو أي خطوة تؤدي إلى تمزيق الأمة أن يكون الجميع ضدّها.

 

يحيى أبو زكريا: اليوم شيخنا، واقعيًا، تدير الشاشة الصغيرة العربية، تقريبًا 75 قناة طائفية، بعض المسلمين كفّار، أنجاس، مجوس، عبدة أصنام. اليوم للأسف الشديد إرادة التفريق فاقت إرادة التوحيد وجمع الشمل.

 

أحمد الخليلي: وهذا عكس ما يدعو إليه القرآن، لأنّ القرآن الكريم يقول "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا"، ويقول "إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّـةً وَاحِدَةً وَأَنَـا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ" ويقول "وإنّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ".

 

يحيى أبو زكريا: الله يقول، لكنّ المسلمين لا يلتزمون بقول الله تعالى للأسف الشديد.

 

أحمد الخليلي: ولذلك انحدروا مع عدم الإلتزام بقول الله.

 

يحيى أبو زكريا: أريد أن أفهم شيخنا بصراحة، هل المسلمون لديهم مناعة، مناعة، كلمة جميلة مناعة، لكن اسمع التتمة، مناعة ضد التقدم، مناعة ضد الإزدهار، مناعة ضد التوحد؟ أنت تقول للمسلمين مصدر قوتكم قرآنكم، هم يقولون لك لا أقوال الفقهاء هي مصدر القوة، أقوال العلماء ومفسّري المذهب هي مصدر قوتنا. شيخنا بربك، عفوًا، أنت عندما تقول كنتم خير أمة أخرجت للناس، أين هي هذه الأمّة؟ أريد أن أعرف.

 

أحمد الخليلي: عندما كانت كما وصفها الله تأمرون بالمعروف وتنهون عن  المنكر وتؤمنون بالله، عندما كانت الأمّة كذلك كانت خير أمّةٍ أخرجت للناس. هذه هي مقوّمات وحدة الأمة ومقوّمات نظام هذه الأمة. عندما تتخلى عن هذا، تكون قد تخلت عن رسالتها في العالم، كما قال رفعي ابن عامر عندما قال لرستم إنّ الله قد ابتعثنا لنُخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة. على أيّة حال، أنا اقف بناءً على كلامكم عن القرآن وما يقوله، نحن وجدنا من فقهاء أو علماء الأمّة، ومن يُعَدّ من الأئمة الكبار وهو البربهاري في كتابه "شرح السنّة"، يقول إذا رأيتَ الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده ويريد القرآن فاعلم أنه قد احتوى على الزندقة فقم من عنده ودعه.

 

يحيى أبو زكريا: سبحان الله.

 

أحمد الخليلي: هذا كلام عجيب، ومع هذا يمجد الرجل إلى الآن ويطبع كتابه وينشر في آفاق الأرض، مع أنه يقول هكذا، يقول بأنه إذا وجدت من يريد القرآن ويُعرِض عن الآثار، والآثار فيها ما فيها من عجائب وفيها ما فيها مما يحط أقدارها، حتى أنتج العلماء الرواية من حيث الأسانيد فضلاً عن المتون، والله سبحانه وتعالى يصف القرآن في كتابه بقوله "هُدًى لِلْمُتَّقِينَ"، ويقول "هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ"، ويقول "هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ"، ويقول "هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ"، ويقول الله سبحانه وتعالى "وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى"، ويقول في نفس السورة قبل ذلك " وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا"، ويقول "وَنُنَزِّل مِنْ الْقُرْآن مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَة لِلْمُؤْمِنِينَ"، ويقول "وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى للمسلمين"، ويقول " هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ"، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة ولكن مع ذلك يأتي من علماء الأمة من يُعتبَر من أئمّتها مَن يقول بأنّ إرادة هذا القرآن والإعراض عن الآثار التي تخالف القرآن إنما ذلك من شيمة أهل الزندقة.

 

يحيى أبو زكريا: سماحة الشيخ، سلطنة عُمان تتميّز بالحكمة، وهذا أنا ما تعودت على أن أجامل أحدًا لكن هذا ما لاحظته، تتميز بالحكمة وكثير من المصالحات الإقليمية أضطلعت بها، هذا في السياسة. لماذا لا تنبري جنابك وأنا أرشّحك أن تقود حملة علمائية في العالم الإسلامي في خط طنجة جاكرتا لإطفاء الحريق في العالم الإسلامي؟ ألا يمكنك أن تجمع في سلطنة عمان العلماء الغيارى على دينهم وعلى رسولهم وعلى أمّتهم الضائعة وتضعون لنا هنا في سلطنة عُمان خطوات عملية للخروج من الفتنة الكبرى، وإذا تطلّب الأمر تذهب أنت شخصيًا إلى مواطن النزاع والتقاتل بين المسلمين لتقول توقّفوا عند حدّكم بأمرٍ من الله ورسوله؟

 

أحمد الخليلي: ما أحسن ذلك، ونتمنى أن نجد تجاوبًا من إخواننا بهذا الأمر، وأنا في آخر ندوة كانت هنا في ما يتعلق بتطور العلوم الشرعية، في الافتتاح عرّجت على هذا الأمر ودعوت إلى إطفاء هذا الحريق ونزع هذا الفتيل، وإلى سعي العلماء إلى تحوّل العلماء إلى حكماء، وأن يسعوا جميعًا إلى معالجة هذه المشكلة لإطفائها.

 

يحيى أبو زكريا: وقلت مقولة شهيرة، على الفقهاء أن يطفئوا الحريق.

 

أحمد الخليلي: قلت، نعم، وأنا أناشد، وأطالب بهذا.

 

يحيى أبو زكريا: على الصعيد العملي نستطيع أن نبدأ، نستطيع أن نفتح نافذة أمل للمسلمين؟ والله العظيم يا شيخنا تبكي بدل الدمع دمًا عبيطا عندما ترى مسلمًا يفصل رقبة وهو يكبّر، يفجّر مسجدًا وهو يكبّر، يقتل شرطيا ودركيًا وهو يكبّر، الله أكبر. هل يعقل أن الله الذي صنع الوجود يأمر بالعدم في نفس اللحظة، يوجِد ويعدم؟ هم أشركوا بالله بهذه الطريقة، أليس كذلك شيخنا؟

 

أحمد الخليلي: نحن نتفادى كلمة الإشراك بقدر المستطاع، ولكن نقول قد ضلوا ضلالا بعيدًا بهذا التصرف.

 

يحيى أبو زكريا: سبحان الله. هذا ديدن أجدادكم، جماعة الدعوة والاستقامة منذ الأزل، منذ القدم، كان عندكم هذا الاحتياط الجميل في الواقع.

 

أحمد الخليلي: نحن على أيّة حال نحرص على الجمع لا على التفريق، ونأسف كثيرًا لمثل هذه التصرفات التي تؤدي إلى هذه الحماقات في التعامل بين الأمّة.

 

يحيى أبو زكريا: جيد. ألا يؤثر هذا الذبح على العالم الإسلامي والغربي أيضًا؟ اليوم، هذا الأوروبي، وأنا جلت في أوروبا، سابقًا كنت إذا طرحت الإسلام الحضاري قد يقبل منك، اليوم رأسًا يشير إلى الرقبة، تقصد الذبح، إسلام الذبح؟ كيف نقدم الإسلام للعالم سماحة الشيخ في ظل هذه الواقعية الحمراء الدموية؟

 

أحمد الخليلي: تقديم الإسلام من خلال مبادئه، وكما يُقال المبدأ لا يدان بانحراف أهله إنما يُدان أهله بانحرافهم، والمبدأ السليم يبقى سليمًا كما هو.

 

يحيى أبو زكريا: حيّاك الله وبيّاك. سأعود إليك بعيد الفاصل إذا سمحت، لأنّ المخرج طرق رأسي، نريد الذهاب إلى الفاصل فأنا مضطر إلى فاصل سماحة الشيخ.

مشاهدينا فاصل قصير، ثمّ نعود إليكم فابقوا معنا.

المحور الثالث

إعادة صياغة الأمة

  • المحور الثالث
    المحور الثالث

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. من أدرك حلقتنا الآن، نحن نحاور العلامة الألمعيّ مفتي سلطنة عُمان الشيخ أحمد الخليلي.

سماحة الشيخ، في كتابك "إعادة صياغة الأمّة"، أشرتَ إلى العلماء والهوى، سبحان الله الذين صنعوا التاريخ كانوا أقرب إلى الله، كانوا يذوبون في ذات الله تعالى، كانوا يستحضرون الله، حتى أحد العرفاء بالله كان إذا نام لا يمدّ قدمه، دائمًا ينام نوم القرفصاء، فقيل له لمَ؟ قال إني استحي أن أمد قدمي بحضرته تعالى.

فقلت في كتابك "إعادة صياغة الأمة"، ونحن وجدنا كيف أصاب هذه الأمة الوهن، وجدنا شيخًا معمّمًا يقود حركة جهادية وينتصر على الأعداء ويمكّن الله له، ثمّ بعد ذلك يتنازع هو مع الآخرين من أجل السلطة ومن أجل الوصول إلى المراكز القيادية، وعندما يهمَّش ويتولى القيادة غيره، ويأتي العدو بعد ذلك ليضرب هذا الغير، يُبدي راحة بسبب ما يصيب أبناء ملّته وأبناء بلدته، فيتواطأ مع العدو تمامًا كالشيطان الذي كان في زمرة الرحمن وصار في زمرة إبليس.

ما هي أهمية التربية التقوائية والأخلاقية والذوبان في ذات الله لعلماء الإسلام؟

 

أحمد الخليلي: أهمّ أمرٍ في ذلك ترسيخ خشية الله تعالى في القلب، هذه الخشية ليست من وعيده فحسب، بل حتى من عظمته، لأنّ هيبة العظيم هيبة هي من أعظم، هي تؤثّر على النفس تأثيرًا بالغًا، وأيّ عظمةٍ كعظمة الله الذي خلق هذا الوجود كله، والذي يوجّهه توجيهًا بحيث لا تخرج ذرّة من ذرّات هذا الوجود عن أمره، ثمّ أنه من المعلوم أنّ ذلك يقتضي بطبيعة الحال أيضًا حبّ الله سبحانه وتعالى، وقد قالوا بأنّ الحبّ إنما ينبعث في نفس الإنسان لسببين، إما ان يكون المحبوب عظيمًا فيحبّه لعظمته، وإما أن يكون محسنًا فيحبّه لإحسانه، وعلى كلا الامرين، أيّ الأحقّ بالحبّ من الله سبحانه وتعالى؟ فالله عز وجل هو الذي أسبغ النعم على كلّ موجود، كلّ موجود إنما يسبح في خضم نعم الله سبحانه وتعالى.

الإنسان كما قالوا، ولا أودّ الدخول في اختصاصات الآخرين، لكن يقولون بأنّ الإنسان يحتوي على ملايين الملايين من الخلايا. هذه ملايين الملايين من الخلايا أو الترليونات من الخلايا، هذه الخلايا كم فيها من عجائب، كم فيها من مصلحة لهذا الإنسان، يستهلك الإنسان في الثانية الواحدة 125 مليونًا من الخلايا، في الدقيقة الواحدة 7000 مليون من الخلايا، وكما قرأت أخيرًا بأنّ الجزيئة التي يُعبَّر عنها بالكروموزوم، هذه الجزيئة فيها من عجائب صنع الله سبحانه وتعالى ما لو شرح لملأ 900000 صحيفة، أي 40 ضعف الموسوعة الطبية البريطانية التي تتكون من 40 مجلدًا، ومعنى ذلك أن هذه الجزيئة شرح ما فيها من عجائب صنع الله يملأ 1600 مجلد، فأيّ عظمة تقارب هذه العظمة. عظمة الله سبحانه وتعالى لا تُحَدّ بحد، فهو جدير بأن يحب لأجل ذلك، ومع ذلك هذا الإحسان يغامر هذا الحذف لهذا الإنسان يشرب الإنسان، لو كانت هذه الشربة لا تسوقها عناية الله وتوجهها عناية الله لأدّت إلى حتف الإنسان، كذلك لقمة من العيش يأكلها لولا عناية الله لأدت إلى حتفه، الله سبحانه وتعالى. فإذاً غرس هذا الحب لله تعالى وغرس هذه الخشية من الله ومن عقابه والرغبة في ثوابه هي التي تدفع الإنسان إلى مراقبة الله تعالى في السرّ والعلانية.

 

يحيى أبو زكريا: ذكّرتني بابن رشد، لديه نظرية جميلة وهي قرآنية لا شك، نظرية الفيض الإلهي. يقول ابن رشد، مثلما أوجدك الله أول مرة فهو يفيض عليك بالوجود في كلّ ثانيةٍ لأنه لو انقطعت علّة الإيجاد لحظة لتوفيت. لماذا لا نستحضر المولى عز وجل الله تعالى بهذه الصورة؟ أليس العلماء وكلاء الأنبياء وورثة الأنبياء؟ لماذا نجد بعض الخطباء عندما يرتقون المنبر إنّ ربكم سوف يشوي لحومكم وشحومكم ويدكدك عظامكم ويعلقكم من أشفار عيونكم، بينما هو عندما يخاطب الإنسان في القرآن لغة الحنان، "مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ"، ما قال سأقسم ظهرك يا كافر، يا إنسان؟ لماذا لا نتعلم من ربّنا أساليب الدعوة الصحيحة سماحة الشيخ؟

 

أحمد الخليلي: هذا لأننا كما قلت بعدنا عن القرآن وأخذنا منه الشكليات وأضعنا الجوهر.

 

يحيى أبو زكريا: ابتعدنا 60 مليون كيلومتر. أين صرنا؟ القرآن أين والمسلمون أين؟

 

أحمد الخليلي: نسأل الله العافية.

 

يحيى أبو زكريا: بإذنه تعالى. في موضوع آخر سماحة الشيخ، التقريب بين المذاهب الإسلامية، وأنت باركت كثيرًا، حتى أعجبني فيك سعة الإطلاع، أشرت إلى مفكرين إسلاميين معاصرين من أمثال محمد باقر الصدر، وقلت أن القراءة للآخرين توسّع الأفق. هل آن الآوان أن نُحدِث على الأقل نقلة في التقريب بين المذاهب الإسلامية لنذهب في نهاية المطاف إلى جمع شمل العالم الإسلامي ككل؟

 

أحمد الخليلي: نعم، نحن نؤيّد هذا الأمر. من أول الأمر، نحن وضعنا أيدينا بأيدي الذين يسعون إلى التقريب ونتمنى أن يتحقق ذلك ونتمنى أيضًا إخلاص النيات لهذا الأمر، ألا يكون التقريب شعارًا يُرفَع وإنما ان يكون رسالة تؤدى بين العلماء.

 

يحيى أبو زكريا: جميل، طبعًا هنا الحواضر العلمية، مثلاً الأزهر الشريف، رأينا فتوى الشيخ شلتوت الذي ذكرها بجواز التعبد بالمذهب الجعفري، ورأينا خطوات لاحقة لكن هذا الجهد توقف للأسف الشديد. من المسؤول؟ هل البترودولار، هل المال هو الذي لطّخ للأسف الشديد أخلاق العلماء؟

 

أحمد الخليلي: نحن نكيل أمر ذلك إلى الناس إلى ضمائر الناس أن تحاسبهم ضمائرهم ويحاسبوها.

 

يحيى أبو زكريا: لكن يا سماحة الشيخ، صدقًا، المال السياسي اليوم صار يصنع الفتوى. في ما مضى عندما نقرأ شروط الفقاهة، يجب أن يكون الفقيه عارفا بالقرآن، الخاص والعام، المطلق والمقي، الناسخ والمنسوخ، المكّي والمدني، واشترط بعضهم علمًا كاملا باللغة العربية. اليوم صار الدولار الأمريكي هو الذي يصنع الفتوى دون جهد واجتهاد.

 

أحمد الخليلي: أحسنت.

 

يحيى أبو زكريا: هي حالة مُربِكة شيخَنا.

 

أحمد الخليلي: نسأل الله تعالى السلامة.

 

يحيى أبو زكريا: هي حالة مُربكة.

 

أحمد الخليلي: نسأل الله العفو والعافية.

 

يحيى أبو زكريا: جيد، بلحاظ المستقبل الآن سماحتكم كيف ترى مستقبل العالم الإسلامي؟ هل سنخرج من الفتنة الكبرى؟ هل سيصبح المسلم يحبّ المسلم؟ تصور الرسول يقول تحابوا تدخلون الجنة، نحن تقاتلنا لندخل إلى الجنة.

 

أحمد الخليلي: نسأل الله تعالى العفو. مهما كان، نحن نحسن الظنّ بالله، ونرى من سنّة الله سبحانه وتعالى أنه إذا احلولك الظلام واشتدّت وحشة الليل البهيم، كان ذلك إيذانًا بانبلاج الفجر، فنحن نثق بأن هذا الليل البهيم المعسعس الذي دجا وأظلم وأوحش والذي نمرّ به سوف يسفر عن صبحٍ باسمٍ إن شاء الله تلتقي فيه الأمّة على الحبّ والحنان والتقوى والعمل لأجل رفعة هذا الدين ولأجل حفظ وسيادة هذه الأمة.

 

يحيى أبو زكريا: هذا وعدٌ ربّاني بالتأكيد، ولا شكّ أنه سيأتي اليوم، غدًا بعيد غد، لكن أيضًا وجعل الله لكلّ شيء سببًا.

 

أحمد الخليلي: لا بدّ من الأخذ بالأسباب.

 

يحيى أبو زكريا: إذا أردت أن أرتّب معك الأسباب اليوم، نهوض العالم الإسلامي، اليوم عندما يكتبون عن نهضات لآخرين، هناك حديث عن نهضة الصين، مفكّر فرنسي آلان بريفت يقول "عندما تنهض الصين يهتزّ العالم"، هناك من يتحدث عن نهضة دول أمريكا اللاتينية، نهضة المسلمين مؤجلة في السياق الأكاديمي، لا تُبحَث نهائيًا. هل سيكون هذا النهوض بنظرك في محور معيّن دون آخر أم سيكون النهوض جماعيًا، لا بدّ من الاجتماع من أجل النهوض؟

 

أحمد الخليلي: أنا أرجو أن يتحقق ذلك للكل، ولكن مع ذلك أقول بأنّ ميزة هذه الأمّة الأخلاق، وإذا كانت كلّ حضارة من حضارات الأمم تميّزت بشيء، فإنّ حضارة أمّة الإسلام إنما تميّزت بأخلاقها، فلذلك نحن نرجو أن تتربّى هذه الأمّة من جديد على الأخلاق التي كان عليها الرسول صلى الله عليه وسلم، والتي جاء بها القرآن.

 

يحيى أبو زكريا: ذكرتَ في بعض كتبك أنّ المسلمين اليوم عادوا إلى أسوأ من الجاهلية، وخانوا عهد الصحابة وعهد الإسلام الأول، وبالتالي يحتاجون كما تفضّلت إلى تأهيل كامل مجدّدًا. في هذه اللحظة، كيف نتعامل معهم؟ نتعامل معهم على أنهم مسلمون؟ لأنّ المسلم له شروطه، لا يمكن أن أقول أنا مسلم وأقتل وأكذب وأفعل كل الموبقات.

 

أحمد الخليلي: على أية حال، لا نستطيع أن نُخرج من دان بالشهادتين من الإسلام، إلا إن أنكر معلومًا من الدين بالضرورة، ولكن مع ذلك أيضًا نعامله على أنّه مخطئ وننزله في مكانته التي أنزل نفسه فيها. لا بدّ من أن يُقال للمخطئ إنك مخطئ وعليك أن ترجع إلى الصواب وعليك أن ترجع إلى حظيرة الجماعة الإسلامية بالتمسك بأهداف هذا الدين وأخلاقياته.

 

يحيى أبو زكريا: عندما تتحدّث عن مشروع نهضوي في العالم الإسلامي، أنت تتحدّث عن مشروع أخلاقي، مشروع ثقافي، مشروع تربوي، اقتصادي، استراتيجي، لأنه لا يمكن أن يكون المسلم فعّالا وهو فقير. المسلم اليوم للأسف الشديد يستورد كلّ أدويته من الغرب، كل ملابسه من الغرب، وإذا تحدّث عن الغرب يقول هو الغرب الكافر، الغرب ولي نعمة وكافر في آن. سماحة الشيخ هل هنا يجب أن تتعاضد كلّ المؤسسات، الإعلام، المثقفون، العلماء الربانيون مثل جنابكم، الحكّام أيضًا، الحكام لهم دور كبير لأنه بقرار سياسي يمكن أن يغيّر كل الأوضاع؟

 

أحمد الخليلي: لا بدّ من أن تتضافر الجهود سواء جهود المفكرين أو جهود الساسة من أجل ردم هذه الهوة بين المبادئ والواقع.

 

يحيى أبو زكريا: وهنا قدتني إلى قطب الرحى. أشرت في ما أشرت إليه في كتبك الغزيرة، وأنا أدعو المسلمين كافة إلى قراءة كتب الشيخ أحمد الخليلي فإنها نافعة بإذنه تعالى، ذكرت مسألة التغيير السياسي. اليوم الذي حدث في العالم العربي أنّ شعوبًا ثارت، طبعًا ثارت بإرادتها، بضغط من برنار هنري ليفي، الإرادات الغربية، المهم كان هناك إشكال على ظلمها. كيف نعالج من الناحية الشريعية ظلم الحكام؟

 

أحمد الخليلي: لا بدّ من إنصاف الشعوب. نحن ندعو إلى أن تكون العلاقة بين الحكام والمحكومين هي العلاقة التي أشار إليها القرآن والتي كانت بين الرسول وصحبه. قال الله تعالى "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ". العلاقة هي هذه، علاقة رفقة ورحمة، علاقة استغفار ومشورة ورجوع إلى الأمّة حتى تحسّ الأمّة بأنها بشّرت، بأنها أشركت في القرار السياسي، لا أن تكون العلاقة  علاقة تسلط، علاقة قوة، لا، وإنما علاقة قوي بضعيف، وإنما علاقة أخوة ومحبة وانسجام ما بين الجانبين.

 

يحيى أبو زكريا: والعدل أساس الملك، لكن إذا أراد هذا الشاب العربي هنا او هناك أن يغيّر واقعًا ظالمًا، رأينا الأساليب التي اتّبعت في أكثر من دولة عربية حيث خربت هذه الدول ودمّرت بناها التحتية. ما هي نصيحتك للشباب المسلم اليوم إذا أراد أن يحيا؟

 

أحمد الخليلي: نحن ندعو هؤلاء الشباب إلى أن يتفقهوا، وأن يتفقهوا بفقه القرآن لا بفقه العلماء الذين كتبوا في السياسة الشرعية وفق سياسة الحكام، وإنما عليهم أن يتفقهوا بفقه القرآن وأن يعودوا إلى أخلاق القرآن.

 

يحيى أبو زكريا: إذاً ضرورة اللين، ضرورة المثابرة، في التعاطي مع الوضع السياسي القائم، أليس كذلك؟ لكن هل يقبل منك حكام العرب النصيحة؟ إذا قلت لحاكم عربي اعدل على سبيل المثال، هل يقبل منك هذا القول؟

 

أحمد الخليلي: هذا واجب علينا أن ندعوهم إلى العدل والانصاف وواجب عليهم أن يستجيبوا لهذا الدعاء.

 

يحيى أبو زكريا: وطبعا نحن من خلالك ندعو حكامنا جميعًا أن يحكموا بالعدل لأنّ العدل يؤمّنهم ويؤمّن عروشهم وكراسيهم، لأنّ العدل محصّن أمني بأتمّ معنى الكلمة حتى نتجنّب كل الصراعات والفتن الكبرى في العالم الإسلامي.

في ما تبقى لي من وقت سماحة الشيخ، وأشكر لك رحابة صدرك، نحو فقهٍ جديد. اليوم عندما يأتي الشاب المسلم ويقرأ المدوّنات الفقهية، يجد عبارات قديمة جدًا من العصر العباسي الأول أو الطور الأموي الثاني، استئجار الفحل الدراب، استخدام الكرسف مثلا وما إلى ذلك من الأمور، وعندما يقرأ مثلا لكارل ماركس، يقرأ لدوركايم، يرى فكرًا واقعيًا يخاطب العقل، فيميل إلى الليبرالية الغربية على أن ينخرط في المتن الإسلامي المعقد. أما آن الأوان أن نجدّد الفقه الإسلامي؟

 

أحمد الخليلي: لا بدّ أن يُجدَّد والتراث الفقهي أيضًا كما قلت، يجب أن ينقى من كل الشوائب، ومن بين هذه الشوائب الجانب الذي يتعلق بالفقه السياسي، كالفتوى التي قالها بعض الفقهاء، وهي بأنّ الحاكم له أن يقتل ثلث شعبه من أجل إصلاح الثلثين، فتوى بعيدة عن الشرع.

 

يحيى أبو زكريا: طبعًا، طبعًا، أصلاً كلّ قتلٍ، كلّ إضرارٍ بالإنسان، الذي لم يفهمه كثير من العلماء للأسف الشديد، علماء النحر وجز الرقاب، علماء النحر لو قرأوا وانسجموا مع المطالب القرآنية، القرآن كلّه تقديس للإنسان، والإنسان محور الحضارة ومحور الكون، وهكذا تعامل معه القرآن الكريم. وبالتالي هناك خطأ في التكوين العلمي. أنت عندما أشرت إلى العلماء، هل الخطأ في العلماء، في المباني التي تعلموها، في المنطلقات الفقهية؟

 

أحمد الخليلي: لأنهم أخذوا فقههم من التقليد، ولم يأخذوه من منابع الإسلام.

 

يحيى أبو زكريا: لكن حتى الفقهاء الذين يفتون بحرمة الدماء، أيضًا يقلّدون، الكلّ يقلّد، لكن كيف نقلد؟

 

أحمد الخليلي: لابد الرجوع إلى القرآن، التأثر بالقرآن، لا أن يُهمَّش القرآن.

 

يحيى أبو زكريا: لكن سماحة الشيخ، عذرًا، على طريقة الفلسفة، الجواب يصبح إشكالاً عند الفلاسفة. حتى القرآن فيه مئات التفاسير، وبعض التفاسير للأسف الشديد تصطدم في ما بينها.

 

أحمد الخليلي: "وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ"، مهما كان، لكن القرآن يبقى منارة شاهقة، تسطع على العالم كله، تبصّر الناس بالمسالك الصحيحة.

 

يحيى أبو زكريا: سلّمتُ معك أنّ القرآن سيظل فصيحًا، بليغًا، واضحًا، حتى الرسول جاءه الأعرابي، بقي معه خمس دقائق فقال الرسول لقد فقه الأعرابي. لا يحتاج الأمر إلى كلّ هذا التعقيد. لا، صدقًا، في مجال التأويل، تأويل القرآن الكريم، هناك مدارس متضاربة للأسف الشديد.

 

أحمد الخليلي: مدارس متضاربة، لكن يمكن أن تُفنّد هذه المدارس، واللغة العربية يجب أن يُركَّز عليها. من الأهمية بمكان أن يُركَّز على اللغة العربية، لأنّ الله اختارها وعاءً للقرآن. لمّا كانت وعاءً للقرآن، فالوصول إلى القرآن وإلى فهم القرآن وإلى فقه القرآن إنما يتوقف على الوعي بهذه اللغة.

 

يحيى أبو زكريا: هنا أيضًا جررتني إلى إشكالية كبيرة، تدمير اللغة العربية في الوطن العربي. للأسف الشديد، الأجيال تقدّس الإنكليزية والفرنسية أكثر من اللغة العربية، واتُّخذ من اللغة العربية موطئ هزءٍ كما نرى في المسلسلات المصرية وغيرها، الصلة بيننا وبين مصادر التشريع، القرآن أولاً، ضُرِبت.

أريد أن أقول شيخنا، الذي يحيّرني، أنه من أين تبدأ بالإصلاح في هذه الأمة؟ لغة الأمة ركيكة، فقه الأمة مزوّر، تاريخ الأمة مزور، علماء الأمة لاذوا بالنحر والقتل. من أين نبدأ؟ هل نحتاج إلى نبي جديد؟

 

أحمد الخليلي: إنما نحتاج إلى دورة تاريخية تكون امتدادًا للدورة التي قادها النبي عليه الصلاة والسلام وبذلك نصل إن شاء الله إلى الغاية التي نطمح إليها.

 

يحيى أبو زكريا: في ما تبقى لي من دقائق فقط، إعادة هذه الدورة التاريخية بشرطها وشروطها، توينبي في كتابه "تاريخ البشرية"، يقول ثبت لي أنّ الإنسان هو كان صانعًا ومسقطًا للحضارة، لا توجد حضارة تأتي من فراغ، بدليل أنّ مليار و600 مليون مسلم، العدد الفعلي للمسلمين اليوم، يدعون اللهم حرر فلسطين، فالكيان الصهيوني يزداد قوة وفلسطين تزداد عنّا بُعدًا.

 

أحمد الخليلي: نسأل الله تعالى السلامة.

 

يحيى أبو زكريا: سماحة الشيخ لو كان الدعاء يصنع حضارة لكنا الآن نقود القارات الخمس.

 

أحمد الخليلي: علينا أن نُخلص في دعائنا وأن نُخلص في عملنا وأن نكون صادقين مع أنفسنا في ما نسعى إليه من الخير، والعزيمة تفعل في الحياة العجب العُجاب.

 

يحيى أبو زكريا: المهمّ أن يتحقّق هدفي، أقرب الآجال إن شاء الله.

 

أحمد الخليلي: نسأل الله ذلك.

 

يحيى أبو زكريا: السؤال ما قبل الأخير، عندي سؤالان، السؤال ما قبل الأخير هو، هل المدارس التي أعادت إنتاج نصوص التكفير والتي شقت عصا المسلمين والتي اتخذت من رمي هذا وذاك بالزندقة سيُكتَب لها الخلود أيضًا مجدّدًا أم سوف تندرس كما اندرست بقية المدارس الإسلامية؟

 

أحمد الخليلي: هذه المدارس تحمل حتفها إلى نفسها بأيديها لأنها لا تتفق مع الطبيعة، لا تتواءم مع الطبيعة، وكلّ شيءٍ لا بدّ من أن ينكشف ولو بعد حين، وكل بناءٍ بُني على فساد فإنه سينهار.

 

يحيى أبو زكريا: في ما تبقى لي من وقت، كنّا طيلة الحلقة نتحدث عن عصمة الدماء بين المسلمين وحرمة الدماء، اليوم يوجد دول إسلامية صارت تتقاتل بالطائرات وبالقنابل الفتاكة. إذا أخفقنا في إقناع المسلم بحرمة الدم، كيف تقنع الآن دولاً بحرمة الدم سماحة الشيخ؟ ما الذي يجب علينا أن نفعله؟

 

أحمد الخليلي: إرادة الأمة سيكون لها تأثير على الجميع إن شاء الله، فلا بدّ من أن تكون للأمّة إرادة، والأمّة تتمثل في حكمائها. هؤلاء الحكماء هم العلماء الربانيون القادرون على قول الحق والدعوة إليه والسعي إلى ردم هذه الهوة بين شرائح الأمة.

 

يحيى أبو زكريا: درجت على إنهاء حلقتي دومًا بدعاء، وسوف أترك لك اختيار هذا الدعاء، لندعو خلفك ويدعو المسلمون خلفك، فما الذي تدعو ربك وربنا به سماحة الشيخ؟

 

أحمد الخليلي: أسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدي قلوبنا إلى الخير وأن يؤلف بين هذه القلوب المتنافرة وأن يجمع بين هذه الفئات المتداثرة وأن يُفرِغ في هذه القلوب الحبّ والحنان والتعلّق بالله سبحانه والسعي من أجل مرضاته، إنه على كل شيءٍ قدير، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وشكرًا لكم.

 

يحيى أبو زكريا: حياك الله وبياك. أمن يجيب المضطر إذا دعاه.

سماحة العلامة الألمعي مفتي سلطنة عمان الشيخ الفاضل أحمد الخليلي، شكرًا جزيلا لك، وجعل الله كل ذلك في ميزان حسناتك.

 

أحمد الخليلي: وأنا أشكركم شكرًا جزيلا وأسأل الله تعالى.

 

يحيى أبو زكريا: وتعدني بلقاءاتٍ أخرى إن شاء الله تعالى.

 

أحمد الخليلي: إن شاء الله.

 

يحيى أبو زكريا: أعزّكم الله. لا يسعني مشاهدينا في سياق هذه الحلقة التي كانت من مسقط، في سلطنة عمان، إلا أن أشكر وزارة الإعلام العمانية التي هيّأت لنا ويسّرت لنا كلّ الأسباب لإجراء هذا الحوار، كما أشكر تلفزيون سلطنة عمان، التلفزيون العُماني، على ما قدمه لنا من خدمات ومن ترتيب كلّ القضايا اللوجستية، كما أشكر مدير مكتب سماحة الشيخ الأستاذ سيف الخليلي، وشكرًا أيضًا لسلطنة عمان على حفاوة الاستقبال، ونسأل الله تعالى أن يديم عليهم وعلى المسلمين جميعًا الأمن والأمان.

إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبدًا أبدًا ابدًا ودائعه.

 

أحمد الخليلي: بارك الله فيك.

 

يحيى أبو زكريا: حيّاك الله وبيّاك، سماحة الشيخ، أدامك الله.