أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

من الداعشية إلى التقسيم

يعيش العالم العربي والإسلامي اليوم وضعا معقدا ومربكا في كل تفاصيله, وقد أصبحت الجغرافيا التي تدين بالإسلام من طنجة وإلى جاكرتا ووصولا إلى روافد العالم العربي والإسلامي في معظم القارات عرضة للاحتلال المباشر وغير المباشر عسكريّا وسياسيّا وإقتصاديّا وثقافيّا وأمنيّا, وقد كان الإعتقاد السائد أن العالم الإسلامي قد ودعّ وإلى الأبد الحركة الإستعمارية التوسعية الغربية والتي أرخت بظلالها على عالمنا الإسلامي في القرن الماضي, والتي كانت سببا رئيسا في تراجع المشروع النهضوي والتنموي, كما كانت السبب في إنتاج نخب أتاحت للفكر الكولونيالي في كل أبعاده السياسية والثقافية والإقتصادية أن يستمر محركا لتفاصيل الدولة الحديثة المستقلة إسما وشكلا يرى المفكر العربي المرحوم الدكتور عبد الوهاب المسيري صاحب اكبر موسوعة علمية متخصصة في الصهيونية أن اليقين العلمي يؤكد بأن الإستراتيجية الغربية تجاه العالم الإسلامي منذ منتصف القرن التاسع عشر تنطلق من الإيمان بضرورة تقسيم العالم العربي والإسلامي إلى دويلات إثنية ودينية مختلفة، حتى يسهل التحكم فيه. وهذا التصور للعالم العربي ينطلق من افتراض أن الشرق العربي مجرد مساحة أو منطقة بلا تاريخ ولا تراث مشترك تقطنها جماعات دينية وإثنية لا يربطها رابط وليس لها ذاكرة تاريخية ولا إحساس بالكرامة، فالعربي مخلوق تحركه الدوافع المادية الاقتصادية حسب ما ذهب إليه برنارد لويس صاحب مشروع التقسيم, وقبله كامبل بنرمان.

 

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم وجعل الجنّة مثواكُمُ.

يعيش العالم العربيّ والإسلاميّ اليوم وضعاً معقّداً ومربكاً في كل تفاصيله، وقد أصبحت الجغرافيا التي تدين بالإسلام من طنجة وإلى جاكرتا ووصولاً إلى روافد العالم العربي والإسلامي في معظم القارات عرضة للاحتلال المباشر وغير المباشر عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً وأمنياً.

وقد كان الاعتقاد السائد أنّ العالم الإسلامي قد ودّع وإلى الأبد الحركة الاستعمارية التوسعيّة الغربية، والتي أرخت بظلالها على عالمنا الإسلامي في القرن الماضي، والتي كانت سبباً رئيساً في تراجع المشروع النهضوي والتنموي، كما كانت السبب في إنتاج نُخَبٍ أتاحت للفكر الكولونيالي في كل أبعاده السياسية والثقافية والاقتصادية أن يستمرّ محرّكاً لتفاصيل الدولة الحديثة المستقلة إسمًا وشكلاً.

وتمكّنت الحركات الاستعمارية من غرس بذورٍ ثقافية وفكرية في التربة الإسلامية أينعت بعد حين، وعلى الصعيد الجيو سياسي ترك الاستعمار أزمة الحدود ملتهبةً بين كلّ الدول الإسلامية تقريباً، وهي التي سمّاها رئيس الدبلوماسية الأميركية الأسبق هنري كيسنجر عوامل التوتر التي تفيد الإدارة الأميركية عند الحاجة والضرورة. وما زالت أزمة الحدود بين الدول الإسلاميّة قائمةً، مهّدت لنشوء صراعاتٍ متفاقمةٍ، بل ما زالت تهدّد باندلاع صراعاتٍ حادّة على المدى المتوسّط.

ولأنّ العالم العربي والإسلامي هو قطب رحى المصالح الغربية، فقد عملت الإدارات الغربية على أن يبقى خط طنجة جاكرتا تابعاً لها، سابحاً في فلكها بالترغيب وإلا بالترهيب. فكان الإرهاب هو أبرز عصا رفعت على الدول المعتزّة بقرارها السيادي وعقدت آمالاً جبارة على الإرهاب الذي سيفضي كله إلى روما أو إلى الدائرة الاستكبارية كما كان يتم التخطيط.

ومع الضربات الموجهة إلى كبد الإرهاب أو اليد الاستعمارية الجديدة، عادت الدوائر الغربيّة إلى المشروع القديم، التقسيم وما أدراك ما التقسيم. ولا نتصوّر أنّ العرب تناسوا تصريح كوندوليزا رايس التي قالت أنّ الشرق الأوسط الجديد سيولد من رحم الفوضى الخلاّقة، بعد القضاء على حركات المقاومة في فلسطين ولبنان، وصولاً إلى تصفيةٍ نهائيةٍ للقضية الفلسطينية بما فيها القدس واللاجئين والشروع في تطبيق معادلة الأمر الواقع.

ويرى المفكّر العربيّ المرحوم الدكتور عبد الوهاب المسيريّ، صاحب أكبر موسوعةٍ علميّةٍ متخصّصةٍ في الصهيونية، أنّ اليقين العلمي يؤكّد أنّ الاستراتيجية الغربية تجاه العالم الإسلامي منذ منتصف القرن التاسع عشر تنطلق من الإيمان بضرورة تقسيم العالم العربي والإسلاميّ إلى دويلاتٍ إثنيّةٍ ودينيةٍ مختلفة حتى يسهل التحكم فيه. وهذا التصوّر للعالم العربي ينطلق من افتراض أنّ الشرق العربي مجرّد مساحةٍ أو منطقة بلا تاريخ ولا تراث مشترك تقطنها جماعات دينية وإثنية لا يربطها رابط وليس لها ذاكرة تاريخية، ولا إحساس بالكرامة، فالعربي مخلوق تحرّكه الدوافع المادية والاقتصادية حسبما ذهب إليه برنار لويس صاحب مشروع التقسيم وقبله أيضاً كمبل بينرمان.

من الداعشية إلى التقسيم عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من الجزائر الحبيبة الأستاذ حميد العربي الشريف الخبير الأمني والاستراتيجي، ومن مصر الحبيبة الدكتور محمّد السعيد إدريس المستشار في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

 

(مشاهد فيديو)

 

يحيى أبو زكريا: الأستاذ الدكتور محمّد، أبدأ معك إذا سمحت من مقولة لبرنار لويس طبعاً نُشِرت قبل فترة من الزمن، وبرنار لويس هو كما تعلم إنكليزي الأصل، أميركي الجنسية، ونشرت الدراسة في مجلة تابعة للبنتاغون الأميركي. ويقترح فيها إعادة وزيادة تفتيت العالم العربي من باكستان إلى المغرب، وإنشاء أكثر من ثلاثين كياناً سياسياً جديداً، ويقول أنّ العالم العربي محتاج إلى هذا التقسيم، لأنّ قوامه متوحشون برابرة وما إلى ذلك.

التقسيم مشروعٌ قديم جديد بالفعل. هل بدأت تداعياته، إفرازاته اليوم بعد بداية أفول الداعشية دكتور محمّد؟

 

محمّد إدريس: أولاً تحيّاتي لك ولصديقنا العزيز الأستاذ حبيب من الجزائر وإلى كل المشاهدين. وأشكرك على اختيار هذا الموضوع، لأنّه موضوع الساعة، ويضع النقاط على الحروف.

داعش وما سيلي داعش هي مجرّد أدوات مصطنعة في مشروع التقسيم، ولعلّ التباكي الذي أظهره رئيس حكومة الكيان الصهيوني بنيامين نتانياهو على هزيمة داعش في سوريا وفي العراق وشعوره بالخطر يؤكّد كما ذكر أنّ داعش كانت سداً منيعًا لحماية إسرائيل، فهي أداة من أدوات تحقيق الأمن، وهذه المنظّمات الإرهابية منظمات مصنَّعة داخل معامل المخابرات الأميركية وتوابعها في العالم العربي والإسلامي. هناك مؤسسات مخابراتية تابعة للمخابرات الأميركية، أذرع ممتدة للمخابرات الأميركية بكفاءتها وخبرتها تعمل ضمن مخطط واحد.

معروف تماماً، منذ بداية مفهوم الشرق الأوسط، أنّ هذه الأمّة مستهدَفة، وعندما اجتمع العالم الغربيّ الإمبرياليّ في بازل مع الصهاينة، وعُقِد أول مؤتمر صهيوني عام 1897، تلاه مباشرة ما أشرت إليه سيادتك، مشروع هنري كامبل بنرمان. هنري كامبل بنرمان كان وزير المستعمرات البريطاني سنة 1905، أي أنّ المسافة سبع سنوات بين مؤتمر بازل الصهيوني ومؤتمر بنرمان 1905، هذا المؤتمر امتدّ لعامين، جمع فيه عقول الدول الأوروبية المتقدّمة، وكان الاستعمار، أو أن تكون دولة استعمارية كان معياراً للتقدّم، جمع كل الدول الاستعمارية الأوروبية في مؤتمر جامع للإجابة على سؤال واحد، هو كيف يمكن حماية المشروع الاستعماري الغربي أو الأوروبي؟

وهنا الارتباط بين ما نعيشه الآن وبين المشروع الاستعماري، بين الكيان الصهيوني وبين المشروع الاستعماري الغربي. وهنا أيضاً مفهوم الصراع الذي تحدّث عنه هانتيغتون، صرع الحضارات يمتد من صراع ديني إلى صراع حضاري.

مؤتمر بنرمان الذي امتدّ عامين كان يجيب على سؤال كيف يمكن حماية المشروع الاستعماري الغربي، وصل إلى مجموعة من القناعات. أولاً هذا هو مؤسّس صراع الحضارات.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

محمّد إدريس: قال أنّ في العالم ثلاث حضارات، الحضارة الأوروبية هي منا ونحن منها، بمعنى أن الدول المستعمرة عليها أن تطوّر الدول الأوروبية المتخلفة التي ليس لديها مستعمرات. الحضارة الثانية هي الحضارة الآسيوية، الهندية الصينية، هي ليست عدواً وليست منّا، ولكن نتعامل معها على قاعدة التنافس.

أما الحضارة الثالثة بالنصّ، فهي الحضارة العربية الإسلامية، هي العدو، هي العدو، وإدارة الصراع، هو صراع على قاعدة التفكيك وإعادة التركيب مرّة أخرى، وقالوا أنّ منطقة الجنوب الشرقي للبحر المتوسّط، بمعنى بر الشام وبر مصر، وخلف بر الشام العراق، هي بؤرة الخطر الحقيقي على المشروع الاستعماري الأوروبي، وأجابوا لماذا، قالوا، أولاً يسكنها شعب واحد، ونحن نتحدّث عن الشعب اللبناني والأردني والشعب المصري والسوري، والآن سيكون هناك داخل سوريا شعوب، داخل لبنان شعوب، داخل مصر شعوب بمفهومهم، قالوا يسكنها شعب واحد يتحدّث بلسان واحد وله ثقافة وحضارة واحدة، لذلك هو الخطر، والحل بوجهة نظرهم أحد أمرين، أولاً الحيلولة دون توحيد هذه المنطقة والإمعان في تقسيمها وتجزئتها، وهذا لن يتحقق إلا بزرع شعب غريب في قلب هذه المنطقة، الشعب اليهودي في فلسطين، بالنصّ، الشعب اليهودي يُزرَع في فلسطين فينفصل بر الشام عن بر مصر ويبدأ التداعي، الحيلولة دون توحّدها والإمعان في تجزئتها وتقسيمها.

الأمر الثاني الحيلولة بينها وبين العِلم وإمعان التخلّف، ولذلك لمّا بدأت مشروعات 1905، 1907، الحرب العالمية الأولى 1914، سايكس بيكو 16، وعد بلفور 17، وبدأ التداعي في مشروع التقسيم، وهذا امتد لسنواتنا الأخيرة، لـ11 سبتمبر 2001. وعلينا أن نبحث من الذي أحدث 11 سبتمبر، هناك انقسامات كثيرة جداً حول من ارتكب جريمة 11 سبتمبر، وهي كانت ذريعة.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد، لا شكّ هنالك الكثير من المحاور، دعني أمضي إلى الجزائر لاستكمال بقية الفكرة مع الأستاذ حميد.

الأستاذ حميد، من فضلك، ذكر الدكتور محمّد سعيد أنّ مرتكزَي الاستراتيجية الغربية، هما التفتيت ونشر الجهل أيضاً.

أليس من نشر الجهل هو تبنّي الأصولية الظلامية التكفيرية في العالم العربي والإسلامي؟ طبعاً، الاستراتيجيون الغربيون صريحون، فصحاء وهم يتحدّثون عن المشروع الإرهابي. أحيلك إلى كتاب "لعبة الشيطان" لروبرت دريفوس، عندما يقول أنّ أميركا هي التي خلقت الأصولية الإسلامية.

لماذا الآن يُطرَح مشروع التقسيم بعد انحسار ما يسمّى بالأصولية الجهادية، التكفير في المشرق العربي كما في مغربه؟ ما هي استراتيجيتهم؟ ما هي خططهم، وخصوصاً هم بلغاء ويعبّرون عن مشاريعهم في ضوء النهار، وللأسف العقل العربي والإسلامي لا يقرأ أبداً؟

 

حميد الشريف: شكراً دكتور. بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسوله الكريم.

سيّدي الكريم، نحن نعرف أنه بعد حرب أكتوبر 73 تفطّن الغرب أن العالم العربي والإسلامي لو توحّد فمستحيل، مستحيل أن يستطيع هذا الغرب الاستعماري أن يسيطر على خيرات هذه الأمّة، التي هي خيرات جد جد وفيرة، وهي فيها إمكانات وطاقات جد جد كبيرة، وتمتاز بمناخ جد مناسب لنهضةٍ مستقبليّة، ربما تهدّد مصالح الدول الغربية، ومصالحها تتمثّل في أخذ خيراتنا وتبيع لنا مصنّعاتها.

منذ ذلك الحين، أدركوا خطراً على ربيبتهم إسرائيل، أدركوا الخطر على مصالحهم، بدأ وانطلق مشروع تجسيد مشروع تقسيم العالم العربي والإسلامي، انطلق من مرحلة فكرية وهي التنظير إلى المرحلة العملية، وقامت استخبارات غربية بزرع ومنح الضوء الأخضر لانطلاق عملية كيف يجسّد هذا التقسيم على أرض الواقع، هم اختاروا عدّة طرق وعدّة زوايا، أولاً الاختلاف اللغوي، الاختلاف المذهبي، في الحقيقة هي اختلافات تعتبر عندهم ثراء وعندنا يعتبر اختلافاً ويجب التقسيم وتفتيت الأمّة.

هم انطلقوا من هذا المشروع، انطلقوا من مشروع جسّدوه في أرض الواقع، فزرعوا لنا عملاء كثيرين وقنوات وأموالاً كثيرة أنفقت من أجل اقتحام العالم العربي وخلق وتذكية نعرات الطائفية والحروب، كل هذه نجدها اليوم لم تعطِ ثمارها مطلع الثمانينات، لذلك لجأوا عام 1979 على الاعتماد على السلفية الجهادية في أفغانستان، السلفية الجهادية، نعرف أنها خدمت المشروع الأميركي في أفغانستان حيث قلصت النفوذ السوفياتي سابقاً وكانت نتائج مبهرة تقريباً بصفر خسائر لأميركا والغرب بالدرجة الأولى واستطاعت تقزيم الاتحاد السوفياتي سابقاً.

لذلك، اليوم إعادة زرع هذا الفكر التكفيري في العالم الإسلامي برعاية أميركية، كنا نرى الأميركان والبريطانيين كانوا أذكياء جداً، وعندما أذكر إنكلترا أذكر إسرائيل بالدرجة الأولى. أقول لك سيّدي، في المشروع الإسلامي، السلفية الجهادية، عمدوا إلى زرع هذا الفكر الذي لا علاقة له بالإسلام الحنيف، ومع الأسف هذا الفكر لا يكنّ العداء للغرب، لا يكنّ العداء للدول الاستعمارية، ولكن يكنّ العداء للمسلم، لأخيه المسلم داخل الدولة الإسلامية، يكنّ العداء لأخيه العربي حتى وإن كان من طائفة تختلف معه أو مذهب يختلف معه، لذلك هم أذكوا وشجّعوا هذا الفكر السلفي.

وفي النهاية، نحن نقول لو اتّجهتَ إلى السلفية تجدها في يد أميركا، لو اتجهت إلى السلفية الجهادية في يد أميركا، لو اتجهت إلى الأخونة لوجدتها في يد أميركا، تركيا أو السعودية، أتحدّث بصراحة، السلفية الجهادية من أسامة بن لادن إلى يومنا، بمختلف الأسماء، داعش أو النصرة أو غيرها، كلها في النهاية تصب في صالح ويد ومصلحة أميركا وتعمل لمشروع أميركا لبسط النفوذ والدعوة لتقسيم العالم العربي والإسلامي.

أقول لك سيّدي إنّ انتشار هذا الفكر لم يكن وليد الصدفة، إنّ داعش، حتى عندما ترى سجن بوكا في العراق، من كان في سجن بوكا؟ كان فيه أبو بكر البغدادي والنخب من الصف الأول من داعش، تلقّوا تدريبات ثم أطلق سراحهم عام 2014.

أميركا قالت أنّها أطلقت سراحهم عن طريق الخطأ، ونحن نعرف أنا بخلفيتي كضابط سابق في المخابرات الجزائرية، أعرف أن هذه الطريقة صناعة الشخصيات والشخصية الكارزمية والقائد، كيف يخلقون له تاريخاً وجغرافية ويقصف ويبحث عنه ويصوّرونه لتسويقه زعيماً.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ حميد صحيح، خلق الزعيم ويوجد كتاب أميركي وهو رائع، لأنهم رائعون في صناعة الشر للأسف الشديد، "صناعة الصنم وصناعة الزعيم"، وأنا سأستفيد من خلفيتك الأمنية والعسكرية، وأعلم أنك عقيد وطني محترم، في تبيان المشروع القبائلي الذي يتحدّث عنه هذه الأيام في الجزائر، لكن بعيد إلى مصر رجاءً.

دكتور محمّد سعيد، طبعاً هم عندما يتحدّثون ويضعون خططاً، لا يعني أن هذه الخطط سوف ترى النور قريباً، لكن نيّتهم سيّئة، وعلى حد تعبير مؤسّس المخابرات الأميركية يقول "في العالم مصطلحان الخير والشر ونحن أول ما بدأنا العمل الأمني الاستخباري قتلنا الخير وأبقينا على الشر"، فهم شريرون بامتياز، مصّاصو دماء بامتياز، لصوص بامتياز.

الدراسة التي وضعتها دوائر البنتاغون الأميركي وأنا للأسف أطلعت عليها مستشار الرئيس السوداني قبل تقسيم السودان فضحك، قال لي لا يا دكتور يحيى أطمئنك أن السودان واحد، قلت له سنرى بعد شهر، وبعد شهر كان تقسيم السودان في يناير كانون الثاني 2011.

دكتور محمّد، هنالك جانب يتعلق بمصر وأن هنالك أربع دويلات في مصر، دولة سيناء وشرق الدلتا، الدولة المسيحية، دولة النوبة، ومصر الإسلامية. في السودان، هناك حديث عن دويلة النوبة، دويلة الشمال، دويلة الجنوب السوداني، وأيضاً دارفور. وأيضاً في الشمال الإفريقي هنالك دولة للأمازيغ، ونؤكّد أنّ الأمازيغ دائماً كانوا رجالاً وهم صنعوا الثورة الجزائرية. شبه الجزيرة العربية، أيضاً السعودية ستقسم إلى ثلاث دول، دويلة نجد السنّية، دويلة الأحساء الشيعية، ودويلة الحجاز السنّية.

بُعيد الفاصل، ستقرأ معي هذه الوثيقة وكيف سنواجهها في العالم العربي والإسلامي.

طبعاً سأذكر أيضاً العراق، دولة سنّية ودولة شيعية ودولة كردية التي انطلقت أخيراً في المشهد العربي.

مشاهدينا، فاصلٌ قصير ثم أعود إليكم، فابقوا معنا.

 

 

المحور الثاني

 

(مشاهد فيديو)

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. من أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالج موضوع من الداعشية إلى التقسيم.

دكتور محمّد سعيد إدريس، كنت قد سألتك عن مشروعهم، فتفضّل. هلاّ أجبتني عن سؤالي؟

 

محمّد إدريس: هناك مشروعات أميركية منظّرها طبعاً برنار لويس، هناك مشروعات إسرائيلية، مجلة "كيفونيم" الإسرائيلية سنة 82 نشرت وثيقة مهمة جداً، إسمها وثيقة إسرائيل للثمانينات، وهناك العديد من المشروعات، هناك مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي كان مشروع الحرب على العراق واحتلاله وتقسيمه، ونمتد بعد ذلك إلى مشروع داعش وما سيلي داعش. مشروعات التقسيم متعدّدة، وهي تقوم على دراسة سوسيولوجية للمجتمعات العربية، وكما قال توماس فريدمان في كلامه عن الدولة الفاشلة، وتبريره لأحداث 11 سبتمبر، وأنّ الإرهابيين الذين قاموا بتفجيرات 11 سبتمبر لم يكُ من أجل فلسطين وليس دفاعاً عن فلسطين وكراهية لإسرائيل، ولكن هذا تعبيره أنّ هذه دول فاشلة، دول تتكوّن من عرقيات متعدّدة، طوائف متعدّدة، ودول غير متجانسة، والحلّ عنده، وهذا جوهر المشروع، هو إقامة دويلات متجانسة، أي إعادة التفكيك والتقسيم مرة أخرى.

هذا هو الجوهر، تتّفق فيه إسرائيل مع الدول الغربية وبالذات الولايات المتحدة الأميركية. نحن هكذا، نحن دولنا كلّها، الدول المصطنعة، الحدود المصطنعة، تتضمن كل التناقضات، وهم لديهم مراكز بحوث متخصّصة لمسائل العرقيات والأقليات، دراسة الأقليات، نحن لم ندرس هذا، لم نهتّم بالوحدة الوطنية الداخلية. عندنا دول تعاني من التخلّف، دول تعاني من دولة تسلطية تحكم، احتكار السلطة والثروة، غياب الديمقراطية وغياب العدالة، وكما ذكرت في كلام مشروع بنرمن، مسألة التجزئة والتفتيت جانب والحيلولة دون التوحّد، والأمر الثاني التخلّف بكل عناصره، التخلّف الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، ومن هنا كانت تغذية العداءات الداخلية داخل الدول العربية وتفجير التناقضات.

هناك الكلام الذي قاله عاموس يادلين سنة 2010 تقريباً، عندما كان يقول إنّه لن يأتي رئيس لمصر بعد حسني مبارك يكون بمقدوره فعل شيء، فنحن فعلنا في مصر كل شيء من 79 بحيث لا تقوم لهذه الدولة قائمة، بمعنى هناك حروب، حروب توحّد الأمّة، حروب تستنهض الوطنية، وهناك حروب تفتّت، الحروب غير المباشرة، هذا ما فعلوه مع مصر، التفكيك، الرهان على الدولة الفاشلة، الرهان على التمييز، الرهان على التناقضات، الرهان على الوضع الاقتصادي المتردّي، هذا يؤدّي إلى التفكيك، دولة رخوة وجعل الدولة العربية دولة رخوة، دولة قابلة للانهيار، قابلة للسقوط.

نحن لم نهتّم بما لدينا من مكوّنات اجتماعية، كان يمكن أن تكون عناصر قوة عربية، ولكن نحن لم نهتّم، في الجزائر، المغرب العربي كلّه، المشرق العربي، العراق، لديك النموذج العراقي، النموذج التمييزي في مرحلة معينة، لا أقول أن نظام صدّام حسين كان يميّز السنّة عن الشيعة ولكن كنظام مستبد كان ضد السنّة والشيعة، ولكن الشيعة في العراق عانوا مظلوميّة حقيقية في ظل حكمه الاستبدادي، ولذلك استغلّ الأميركيون هذا، هذا المكوّن النفسي الاجتماعي داخل العراق، وسلّموا السلطة أو خاضوا الصراع بشكل يجعل فئة تتحكّم، ولا يُكتَب استقرار للعراق، أزمة حكم نوري المالكي في العراق، مجيء داعش مظلومية جديدة للسنّة.

إذاً الحكم العربي وأزمة إدارة السياسة العربية لا يجب أن ننساها أبداً، هناك مخطط أميركي، هناك مخطط إسرائيلي، ولكن أصل الفتنة عربيّ، أصل الفتنة هو غياب الدولة الوطنية الديمقراطية العادلة، هوغياب الثقافة، غياب العِلم، غياب الوحدة الوطنية والتجانس، والتجانس الوطني لا يقوم على القهر والدولة التسلّطية ولكن يقوم على الرضا، الرضا هو أصل الحكم الحقيقي والعدالة والديمقراطية والمواطنة، مبدأ المواطنة.

مشروع الشرق الأوسط الكبير.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد سعيد، دكتور، للأسف المفردات التي جئت على ذكرها، العدالة، المواطنة، المساواة، أن يغرس الحاكم بين رعيّته، هذه مفردات لا وجود لها في القاموس العربيّ للأسف الشديد، وهي واحدة من أسباب الانهيار الكبير في العالم العربي.

أستاذ حميد، أنت تعرف في الجزائر الأكاديمية الأمازيغية فتحت في الجامعات الفرنسية بعد استقلال الجزائر مباشرةً، والحمد لله لولا وجود وطنيين في الدائرة القبائلية، لكانت الجزائر في خبر كان. لكن الآن هنالك تبنٍ لمشروع تقسيمي على رأسه فرحات مهنا عميل الموساد الإسرائيلي الذي يقيم في فرنسا ويطرح مشروع التقسيم.

هل الجزائر بالفعل في دائرة الاستهداف؟ عندما نجت الجزائر من الإرهاب الأعمى هنالك ورقة أخرى سوف ترفع ضد الجزائر، وهنالك دول مجاورة للجزائر يهمها أن تتشظّى الجزائر؟

 

حميد الشريف: شكراً دكتور على هذا السؤال الوجيه، هذا السؤال هو أصل الحلقة. أقول لك نحن في الجزائر نحن ندرك منذ العام 1979 دخل الموساد على الخط لاستهداف الجزائر، فقام بربط علاقات مع بعض الإخوة في منطقة القبائل ومنطقة الإباضية وحتى في منطقة الصحراء، جنوب شرق الصحراء، وحاول كثير من العناصر خلق ما يعرف بالانفصال، وبالفعل ظهرت حركة ولكن تم وأدها في البداية خاصة من قِبَل الأعيان في الصحراء، ومع الأسف كل هذه العناصر الانفصالية متواجدون في المشروع الثاني القريب منه الاستعماري، وهو مشروع جماعة الدفاع عن الإسلام والمسلمين، كل العناصر الذين كانوا في مشروع الانفصال والتقسيم، وانفصال الجنوب عن الجزائر، اليوم متواجدون بقدرة قوة استخبارية قاتلة في تنظيم الدفاع عن الإسلام والمسلمين، والذي يضمّ مجموعة من الجماعات الإرهابية، من المرابطون، من القاعدة في بلاد المغرب، من بعض الجماعات الإرهابية التي تنشط في الساحل الإفريقي.

بدأ الاستهداف للجزائر مطلع الثمانينات، حيث بدأ الموساد الإسرائيلي يعمل ويستدرج بهدف تفكيك الجزائر، وأقول لك يا سيّدي، حتى الأحداث التي انطلقت عامي 90 و91 لم تكن بخلفيات بريئة وليس خلفيات اقتصادية واجتماعية، ونحن نعرف مواقف الجزائر، ولا تنسَ أنّ الجزائر سنة 1986 وأنت أدرى مني أستاذي، دكتور، جمعت الفلسطينيين بعد أن كانوا متناحرين ورعت الصلح بينهم، وعام 87 أعلن قيام دولة فلسطين، هذا كلّه دمّر وأجهض المشاريع الصهيونية التي كانت تعمل على تفريق الفلسطينيين والتناحر بينهم، كلّ هذا جعل إسرائيل تستهدف الجزائر وتضعها على قائمة، نحن نعرف أنّ هناك مشروع تقسيم يمسّ الدول بعينها وأتحدّث عن العراق وسوريا ومصر واليمن وليبيا والجزائر، أين هذه الدول؟ كلّ هذه الدول إما مرت أو تمر بمرحلة عصيبة، لماذا؟ لأن كل هذه الدول حاربت عام 73 في جبهة واحدة ضد أميركا وإسرائيل.

أعود لك، المشاريع التي ترعاها فرنسا اليوم، وهي الحقيقة مشاريع ناشطة فيها الاستخبارات الإسرائيلية أكثر من الفرنسية أو غيرها، هي اليوم تريد البحث في التناقضات، في الاختلافات، كما قلت لك هم لا يرون الاختلافات مثلما هي عندهم هي تونّع وثراء، ولكن يرونها فرصة يسعون عبرها لتقسيم المجتمعات، وأقول لك، التقسيم بعد داعش أو قبل داعش، كل التنظيمات الإسلامية، وأعود بالتاريخ لاحتفال النصر في باريس 14 تموز المنصرم كان بيان رئاسة الجمهورية الفرنسية وقال هناك اتفاق بين فرنسا والولايات المتحدة بعد زيارة ترامب على سوريا بعد داعش وعلى الساحل، أقول لك سيّدي الذي يفسّر الرسالة هو أنهم يحضّرون لسوريا، وهو ما يقوم به الأكراد في الشمال بمباركة أميركية وداعش التي تترك قوات سوريا الديمقراطية تمرّ حتى إلى الرقة ودير الزور من دون قتال، ورأينا كذلك كيف توحّدت الجماعات الإرهابية التي كان لديها مصالح متناقضة في الساحل الإفريقي وهي اليوم تتكاتف ولا تحاربها لا فرنسا ولا أميركا ولكن تدفع بها إلى الشمال، إلى الحدود الجزائرية، ونحن نعرف أن كذلك هناك استخبارات غربية تحرّك جماعة المرابطين المتواجدة في جنوب غرب ليبيا والجنوب الشرقي الجزائري، التي تريد وتسعى دائماً للدخول وضرب المعاقل الجزائرية، ولكن والحمد لله بثقة الشعب الجزائري وقيادته والعمل الدؤوب الذي تقوم به أجهزة الأمن لمنع دخول وإحداث اختراق أمني في الجزائر.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ حميد، إذا تسمح وأنت تعلم أن الجزائر تهمنا لأن الجزائر هي قلب العالم العربي، ونابوليون بونابرت قالها ذات يوم إذا احتللنا الجزائر سنحتل كل إفريقيا.

اليوم نلاحظ وهذه رسالة للمسؤولين الجزائريين، أن هنالك غارة موسادية على الجزائر، قوامها للأسف طلبة فلسطينيون يدرسون في الجزائر يقدّمون خدمات جليلة للموساد الإسرائيلي، كلٌ مكلَّف بمهمة معينة، في عنابة، في وهران، في قسنطينة، في الجزائر العاصمة، في تمنراست وما إلى ذلك.

هنالك غارة أيضاً قوامها بعض الأفارقة الذين يُسمَح لهم بالتسلّل إلى الجزائر ويرصدون ويصوّرون، وعبر تقنيات دقيقة، في الصحراء الجزائرية والجنوب الجزائري.

هنالك شركات غربيّة، هي صحيح شركات طماطم وبطاطا وقطع غيار وسيارات، لكن هي وكالات للموساد الإسرائيلي الذي يتحرّك للأسف الشديد بعلامات تجارية.

هنالك بعض السفارات العربية للأسف الشديد التي تنسّق في دولة عربية معينة مع مسؤولي موساد وتقدّم معلومات وتفرش معلومات عن الوضع الجزائري.

الآن للأسف الشديد، مدير المخابرات الجزائرية الجنرال توفيق محمّد مدين أقيل. هل تضرّرت المنظومة الأمنية في الجزائر بحيث يقال لا قدّر الله الجزائر صارت من دون غطاء أمني؟

 

حميد الشريف: دكتور يحيى، أطمئنك أنّ ما قام به فخامة رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة هو كان عين الصواب، لأنه أصبح لدينا منظومة أمنية ركيكة من عهد الثمانينات، لا تصلح للمستقبل، وهي حتى في الإرهاب أضحت، لم تستطع مواكبة الإرهاب، ولذلك المتابع للشأن الأمني الجزائري، بعد إقالة الفريق توفيق وإسناد مهمة مكافحة الإرهاب للسيّد الفريق عصام كنج وطني الشعبي، هناك نتائج جد مبهرة ودمّرت الإرهاب وقضت عليه واجتثته اجتثاثاً، كذلك إعادة هيكلة الأنظمة الاستخباراتية. اليوم أقول لك أن جهاز الأمن الخارجي مثلاً في الجزائر اليوم ينشط بقوة كبيرة أكثر مما كان ينشط بالسنوات السابقة، لأنه أعيدت عصرنته ودُعِم بطاقات مثقّفة وخلفيات أمنية قوية جداً. أقول لك اليوم بالعكس، الجزائر تستدرك ما فاتنا في أيام الإرهاب في العشرية السوداء، الجزائر عرفت اختراقات أمنية كبيرة، سواء من عناصر الهجرة السرّية أو حتى، مع الأسف نقولها، استخبارات دولة جارة استعملها الموساد لدخول الجزائر، وهي سهّلت كثيراً الطريق ومهّدت كثيراً الطريق للموساد، الذي ولعلم الجميع يصول اليوم ويجول في الساحل وفي الحدود الجزائرية، اليوم الموساد له يد كبيرة ويد طولى في منظمة غربي إفريقيا الاقتصادية، ونتنياهو هو من مهّد لعودة المغرب للمنظومات الإفريقية، وأصبحنا نرى اليوم أنهم يريدون تسويق نتنياهو كضيف شرف للمنظمة الإفريقية. اختراق إفريقيا هذا كان بتعاون الاستخبارات المغربية مع الإسرائيلية ولكن نرى الجزائر اليوم تقف مع جنوب إفريقيا لمنع تمدّد إسرائيل في القارة الإفريقية.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد سعيد، واحدة من الإشكالات التي أشرت إليها في سياق حديثك أن الدولة الوطنية العربية لم ترقَ إلى مستوى تحصين الأمن الداخليّ، وكأنّها متواطئة مع عواصم القرار في التقسيم. لا اهتممنا بالأمن الثقافي، لا اهتممنا بأمن الهويات، لا دقّقنا بأتمّ معنى الكلمة، ظهور الفساد في طبقة رجال الأمن والرشى والغنى وسرقة أموال الدولة، تجد رجال المخابرات صاروا تجّاراً، ما صاروا حماة للأوطان.

متى نحن كعرب نخلق دولاً وطنية تقدّس الوطن، وكما قال هواري بومدين الذي يريد الثروة لا يكون ضمن الثورة، إما ثروة أو ثورة؟ ماذا نختار دكتور محمّد سعيد؟

 

محمّد إدريس: دكتورنا العزيز، تتذكّر المقولة المهمة التي نردّدها دائماً في الظروف الصعبة أنّ السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، وبالتالي هناك تناسب طردي، عندما السلطة تزداد تسلطاً، فالفساد يزداد، يستشري بشكل بشع. الاستبداد هو قرين الفساد. مجتمعاتنا قائمة على هاتين الركيزتين، لأنّه ليست هناك محاسبة، الشعب ليس طرفاً في السلطة، الشعب مُبعَد، السلطة مُحتكَرة، محتكرة إما في حزب أو مشخصنة في شخص أو في قبيلة أو في عائلة، هذه هي السلطة العربية. الدخول إلى السلطة العربية له أثمانه وله شروطه. شروطه من أبرزها الفساد، الفساد، فنحن نواجه الآن خطراً، اسمح لي أن أقول إنّنا، إذا كانت الأسباب متعدّدة استطعنا أن ننتصر أو في طريقنا إلى الانتصار على تنظيم داعش وتنظيم القاعدة، فيجب ألا ننسى الأمور التالية: أولاً أن القاعدة صنعت في دائرة المخابرات الأميركية مع مخابرات عربية وأنها اصطنعت ما يسمّى بالجهاد العقيدي، ذهبوا إلى أفغانستان بهدف حماية العقيدة، وكانوا يحاربون الاتحاد السوفياتي بأموال عربية وبأسلحة أميركية، ومن رحم القاعدة، أبو مصعب الزرقاوي ابن القاعدة، وكادر من كوادر القاعدة، صنع تنظيم الدولة في بلاد العراق، ثم تطوّر إلى دولة العراق والشام. أبو بكر البغدادي ابن غوانتانامو، ابن المخابرات الأميركية، درّبوه، عندما نرى السيناتور الكبير جون ماكين، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونغريس، مجلس الشيوخ الأميركي، يقلّد، يلبس القلاّدات لزعامات داعش والإرهابيين، عندما يقول جون ماكين أنّ التقسيم هو الحل في العراق، هذا الكلام كلام مؤكد، التقسيم هو الحل، عندما نرى الطائرات الأميركية تنقل قيادات داعش من سوريا إلى أماكن لا نعرفها. أين داعش؟ هل هي بخار؟ أين ذهبت؟ داعش في العراق أين ذهبت؟ أين هم؟ داعش في سوريا أين هم؟ أين يذهبون؟ هل يصعدون إلى السماء أم ينزلون إلى الأرض؟ أين هم؟ لا أحد يجسّد لنا، 2500 شخصية و10000 مقاتل داعشي هم الآن في سجون عربية أو هذه رفاتهم؟ نحن لا نرى أحداً. أياً كان الأمر، إذا كنا نحقّق انتصارات فنحن مؤهَّلون لانتكاسات أخرى.

الآن ما يحدث في شمال العراق، الدولة الكردية، وما يحدث في شمال سوريا الفدرالية.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد، قبل الدولة الكردية، إذا سمحت، أحد علماء الجنائيات يقول، عندما لا تجد دليلاً على جرم جنائي، فاعلم أنّ يد المخابرت فيه، هذا دليل على أن داعش لعبة مخابراتية بامتياز.

نعود إلى الدولة الكردية من فضلك.

 

محمّد إدريس: هذا مؤكّد. الآن أنا سأحلّل موقفاً واحداً، الموقف الإسرائيلي من الدولة الكردية. أنا ذكرت أنّ هناك ثلاثة أهداف إسرائيلية، عندما تفرّدت إسرائيل عن العالم كله، علناً، هناك دول أخرى تدعم الدولة الكردية في شمال العراق، من الباطن دول عربية وأميركا وغيرها، ولكن علناً الدولة الوحيدة التي باركت هي إسرائيل.

الهدف الأول كان هو، أنّه يجب ألا يعود العراق أبداً إلى عافيته، يجب ألا يعود العراق أبداً في أي ظرف من الظروف قادراً على تهديد إسرائيل، أبداً، ولذلك فإن المعركة البديلة أو الصراع البديل لصراع الدولة العراقية مع داعش هو صراع الدولة العراقية مع الكيان الكردي، أن تسيل الدماء على قاعدة الصراع بين الكرد وبين العرب في العراق، وأن يكون هذا هو الصراع الجديد، يستمر 10 سنوات، 15 سنة، لا أحد يعرف مدى الصراع القادم، هو أن يكون الصراع العربي الكردي هو الصراع البديل لاختفاء داعش.

الهدف الثاني أن يكون هذا مدخلاً لتفتيت العراق، دولة كردية، ثم دولة سنّية، ثم دولة شيعية، هذه هي الدويلات الثلاث المعروضة للعراق، ومنها يبدأ تفتيت سوريا ثم لبنان، ثمّ نأتي إلى الخليج ومصر والجزائر والمغرب العربي.

الهدف الثاني التفتيت والتفكيك. الهدف الثالث هو هدف جديد ناتج عمّا آلت إليه الصراعات داخل سوريا، أنّ إيران استطاعت أن تكون جاراً اقليمياً لإسرائيل في لبنان أولاً، وفي سوريا ثانياً، وهذا مذهل بالنسبة لإسرائيل، أنّ إيران لم تعد قادرة على تهديد إسرائيل من طهران، ولكن أصبحت قريبة على حدود الجولان السوري، وهذا ما تقاتل، من أجله إسرائيل، زيارة نتنياهو لروسيا وذهاب رئيس المخابرات الإسرائيلية إلى واشنطن كله من أجل أن تنجد إسرائيل ومنع أي وجود لحزب الله ولإيران داخل سوريا.

الهدف الثالث، وهو الأهمّ، أن تكون الدويلة الكردية هي أرضيّة وجود إسرائيل، دولة جوار لإيران، أن تتواجد إسرائيل مباشرةً على الحدود الإيرانية، مثلما تتواجد إيران على الحدود الإسرائيلية من الجولان ومن جنوب لبنان، تتواجد إسرائيل مع إيران عبر حدود الدولة الكردية.

مثل هذا الصراع ليس عبثياً، هو صراع مخطَّط، أين نحن الآن بعد داعش؟ ما هي المخاطر؟ إذا لم نعِ أنّ الخطر له بعدان، المخطط الخارجي والموساد والمخابرات الأميركية، وأتحدّث كما تريد، الخطر الثاني هو الخطر الداخلي، الخطر الداخلي والتهديد الداخلي، نحن نتحدّث عن مصادر التهديد، نتحدّث عن مصادر تهديد خارجية فقط، مصادر التهديد الداخلية أكثر خطورة. يجب أن نعي أن العدو داخلنا، أنّ سياستنا، أنّ من يحكموننا، إذا لم نبنِ الدولة العصرية المتحضّرة المتقدّمة، دولة وطنية ديمقراطية متقدّمة، دولة حرية وعدالة، دولة قادرة على صنع التقدّم، أن نكون شركاء في العالم. ابحث معي عن جنوب شرق آسيا، أين هذه الدول من التقدّم الآن؟ أين فيتنام، فيتنام التي كانت تمزَّق من الأميركان في الستينات، الآن دولة تصدّر لأميركا؟ أين نحن؟ نحن لسنا شركاء في القرار الدولي، لسنا شركاء في الاقتصاد الدولي إلا من خلال بعض النفط والغاز الذي لدينا فقط، نحن لا ننتج شيئاً، نحن نستورد الغذاء، نستورد الدواء، نستورد السلاح ونستورد المياه.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد، نحن مهمَّشون بالكامل، حتى النعمة التي خصّنا الله بها وهي النفط والغاز، قلنا لأميركا لبّيكِ وسعديكِ خذي ثرواتنا، خذي ثرواتنا وأعطينا سلاحاً وإرهاباً وإفساداً.

أستاذ حميد، طبعاً الغرب تحدّث كثيراً عن التقسيم، فقط أذكر فإن الذكرى تنفع القرّاء، وليام غا كار"أحجار على لعبة الشطرنج" التطبيق العملي لبروتكولات علماء صهيون، طبعاً العرب يقرأون رجوع الشيخ إلى صباه.

هل التقسيم سوف يتجلّى في المشهد العربي كما تجلّى الإرهاب بوضوحٍ كامل في كل هذا العالم العربي والإسلامي؟

 

حميد الشريف: دكتور يحيى، أستسمحك، أقول لك أنّ داعش أو النصرة أو القاعدة أدّت دوراً رئيسياً جداً ومتقدّماً في التقسيم، لعبوا دوراً كبيراً في تقسيم المسلمين بحد ذاتهم بين الشيعة والسنّة وخلق الكراهية بينهم وتغذيتها، مع الأسف بعض الشيوخ العملاء الذين لعبوا كثيراً في الفضائيات والإعلام الثقيل على زرع فكر الشقاق في الدول الإسلامية.

نحن في الثمانينات كنا نعرف أن العالم الإسلامي فيه مليار مسلم، اليوم أصبحنا نتحدّث عن الشيعة، عن السنّة، حتى في السنّة نحن مقسّمون، هذا قبوري، هذا سلفي، اليوم الخطر، الجماعات الإسلامية لعبت دوراً كبيراً، مقدّمة كبيرة في التقسيم الفكري والمذهبي وخلق فتن وصراعات داخلية.

اليوم الصراعات الداخلية، المقدمة كانت الجماعات الإرهابية التي تنشط، نشطت في الجزائر ومصر والعراق وسوريا، كل هذا الفكر أضعف التماسك الاجتماعي في الدول العربية والإسلامية بصفة خاصة، ويسهّل الطريق على التقسيم المستقبليّ، ولكن أقول لك سيّدي، ربّ ضارةٍ نافعة، أنا متفائل جداً لأنّ ربما الأزمة هذه تكون لها انعكاسات سلبية ونراها اليوم، مثلاً ما خطّطت له إسرائيل اليوم من استفراد بتدمير سوريا وحزب الله والمقاومة الفلسطينية، اليوم نرى العكس، أنّ المقاومة الفلسطينية وحزب الله جد قوية من الأزمة السورية والجيش العربي السوري تخلّص من العملاء وأصبح قوياً وراكم وامتلك خبرات وأسّس لشيء مهم جداً هو التنسيق العالي بين حزب الله وسوريا، والآن في القبل كنا نسمع عن صراع بين حزب الله وإسرائيل، بين جنوب لبنان وإسرائيل.

اليوم الصراع سيكون والحرب والصراع المستقبلي سيضم حزب الله وسوريا، بدعم من إيران، إيران التي كانت تخشاها إسرائيل ولديها صواريخ لمسافة 1000 كيلومتر، اليوم إيران هي جارة وتقف اليوم أمام تمدّد إسرائيل.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ حميد داهمني الوقت، لا شك سنكون في حلقات أخرى.

حضرة العقيد حميد العربي الشريف شكراً جزيلاً لك، كنت معنا من الجزائر الحبيبة أمّنها الله وكان الله في عونكم.

الدكتور الفاضل محمّد سعيد إدريس كنت معنا من مصر الحبيبة أمّنها الله تعالى.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.