بيت القصيد

برنامج حواري مع شخصية إبداعية ثقافية أو فنية، يتضمن فقرات مصوّرة، ويتم التركيز في حلقاته على القضايا الإبداعية الفكرية والثقافية والفنية وعلاقتها بالقضايا العامة من خلال استضافة شخصيات عربية متنوعة في المجالات المذكورة: فن، أدب، فكر، فلسفة، نقد، شعر، مسرح، سينما، دراما تلفزيونية، رسم، غناء، إعلام، بالإضافة إلى بعض السياسيين ورجال الدين المثقفين.

الفنانة السورية سناء بركات

 

زاهي وهبي: مساء الخير. صوتٌ فيه من رائِحة الأرض بعد الشتوة الأولى، يقع على سامعه وقوع الرذاذ الربيعي ويبعثُ في الروح نوعاً من الخدر اللذيذ الناعم المُشتهى، صقَلته صاحبته بالمِراس والدراسة والخِبرة. هي التي نشأت في بيتٍ يحترِم الفنّ ويُقدِّره فلم تشأ الانجرار وراء موجات السطحية والابتذال حتّى ولو كان ذلك على حساب الشُهرة والانتشار والأضواء. "بيتُ القصيد"، بيت المُبدعين العرب المُنحاز للفنون الجميلة الراقية ينحاز أيضاً للأصوات الشابة والتجارُب الجديدة المُحترمة ويفتح أبوابه الليلة للفنانة السورية الشابة السوبرانو "سناء بركات" أهلاً وسهلاً بكِ

سناء بركات: أهلاً وسهلاً أُستاذ "زاهي"، شكراً للمقدِّمة اللطيفة

زاهي وهبي: نوّرتِ. حضرتكِ من قرية (زَيدَل) في ريف (حمص) الشرقي في (سوريا)

سناء بركات: صحّ

زاهي وهبي: ماذا تعني كلمة "زيدل"؟

سناء بركات: "زيدل " كلِمة سريانية تعني "زيد إيل" بمعنى عطايا الله

زاهي وهبي: أتعلمين؟ حين قلتِ لي أنّك من (زيدل) ذهبت وبحثت في المُعجَم وفي القاموس ووجدت أنها تعني في اللغة العربية "تاج العروس"

سناء بركات: أوه، حلو. المعنى جديد وسنضيفه إلى القاموس  

زاهي وهبي: ولكن "عطايا الله" طبعاً أجمل بكثير. اسم حضرتكِ "سناء" على اسم الشهيدة البطلة "سناء محيدلي"، وهذا يعني أنّ حضرتكِ بنت بيت قومي سوري مُلتزِم

سناء بركات: صح

زاهي وهبي: أخبرينا عن أجواء البيت قليلاً

سناء بركات: تربّيت في جوّ قومي سوري يُمكنني أن أقول نعم، ولا أُحب كثيراً فكرة حزب ولكنها كانت بالنسبة لي شيئاً مُهم أيضاً. ربما صقلني الجوّ فنياً في أوّل فترة فكنت أسمع موسيقى من نوع مُعيّن، وهناك قضيّة في الموسيقى التي كنت أسمعها أيضاً وربّما تربيّت على هذه القصّة

زاهي وهبي: من الذي أسماكِ "سناء"، على إسم الشهيدة "سناء"؟  

سناء بركات: بابا

زاهي وهبي: كان يريد أن يُرسلكِ ربّما في إحدى العمليات الاستشهادية

سناء بركات: لربما أكون مُشارِكة في القضية ولكن في الفنّ

زاهي وهبي: على كلّ حال رمزيّة الإسم في حدّ ذاتها مُهِمّة ونحترِمها ونُقدِّرها. لكن أنا أقصد جوّ البيت، بما أنّه بيت ينتمي إلى حزب عقائِدي، حزب خرّج الكثير من المثقفين والشُعراء، فمعنى ذلك أنّ جو البيت يحتوي على مناخ أدبي وثقافي وفنّي، صحيح

سناء بركات: طبعاً أكيد، بشكلٍ كبير. إخوتي قبلي بدأوا في تعلّم الموسيقى وأنا كنت الوحيدة التي أكملت بينهم. وفي العائِلة كلّها، عائلة بيت جدّي كانت تستقبل مغنين ويقومون سهرات وعمّي كان مُرتلاً في الكنيسة

زاهي وهبي: على كلّ حال سنتعرّف أكثر على حضرتكِ وعلى تجربتكِ وعلى صوتكِ الحلو، وسنسمعه برفقة مُشاهدينا

سناء بركات: إن شاء الله

زاهي وهبي: ولكن دعينا نُشاهدكِ في البداية في "علامة فارِقة"

 

 

علامة فارِقة

سناء بركات:

- اسمي "سناء" وأنا مُغنّية، مغنّية شرقي ومُغنية أوبرا. أنا اختصاصي الغناء. درست "القانون" صح لكنّني لم أُكمِل على هذه الآلة وتخرّجت من المعهد العالي للموسيقى في (دمشق) ودرست فلسفة أيضاً في جامعة (دمشق). ببساطة أنا شخص يُحب أن يغنّي

- جيّدة الفلسفة في الحياة. جئت إلى (الشام) لأدرُس في المعهد العالي للموسيقى، لكن كان من اللازم أن أُحضِّر فسجّلت فلسفة في الجامعة ودخلت المعهد العالي وأكملت الدراستين معاً. لكن عندما درست فلسفة بعُمق أكثر أحسست بأنه من الجيد لكلّ فنّان أن يكون يعرِف القليل من الفلسفة. في الحياة الفلسفة جيدة، وأتمنّى أن أستطيع جمع الفلسفة والموسيقى معاً

- لولا أن صارت الحرب في (سوريا) لكنت بقيت في (سوريا) ولكنت أقوم بشيء لأُقدِّم موسيقى على مُستوى فنّي جيد، ولربما كنت تقدّمت أكثر في شغلي، لربما كنت حققت نجاحاً أكبر

- لم أُفكِّر في الهِجرة، نحن في هذا البلد تعرّضنا وقالوا لنا "اخرجوا من البلد" ولي أقارب خارِج البلد، لكنني لم أُفكِّر في أي يوم، خصوصاً في هذا الظرف

- كنت أُحاول أن أبحث عن مكان رفاقي الذين خرجوا وأحسست قليلاً بمشاعر كبيرة في داخليتهم وشعرت أنه ليس في إمكاني أن أتحمّل، وغير ذلك أنا أُريد أن أظلّ في البلد. كنت مسرورة لأنني بقيت في الفترة الصعبة وإن شاء الله الآن نكون قد أصبحنا في الفترة الأخيرة من الحرب، فعندما تبقين كلّ هذا الوقت أكيد الآن لن نغادر

- لم أُفكِّر ولا مرّة أو حاولت أن أكتب أو أُلحِّن أُغنية لي، أحس بنفسي بعيدة عن هذا المكان

- أنا أتحدّث الإنكليزية والعربية لكنني أُغنّي بالسريانية. أنا من السريان ولكن لا أتحدّث اللغة، في المنطقة عندنا لم يعلّمونا اللغة لكن أكيد كنت أتمنّى لو تعلّمت اللغة السريانية. أهدف إلى تحرير الأُغنية السريانية من الطابع الديني لأن الناس يسمعون أكثر التراتيل وأنا تربيت على هذا ولكن كان عندي تجربة منذ سنتين وأقمت حفلة غناء بالسريانية وكان الهدف أن نُظهِر للناس أنّ هناك أُغنية سريانية موجودة. أكيد لوحدي لا أستطيع ذلك وهناك أشخاص كثيرون يُمكنهم أن يُساعدوا في هذا الشيء ولكن واجبي كمُغنية وكسريانية في الدرجة الثانية أن أُنجِز هذا الموضوع

- في وقت فراغي أستمع إلى أغنيات جديدة وأبحث عمّا يمكنني أن أقوم به لي وبما يُناسب صوتي. عندما يكون عندي حفلة جديدة أُحضِّر لها أستمِع إلى شيء جديد يُمكن أن أُقدِّمه في هذه الحفلة، وفي أوقات أُخرى يُمكن أن أمكث لوحدي، أُحبّ أن أمكث لوحدي كثيراً أحياناً. ما زلت أشتغل موسيقى، بعض الظروف التي مررنا بها في (سوريا) هي الوحيدة التي ربما أخرجتني من الجو الذي كنت أعيش فيه. في أوّل فترة كنت أشعُر أنه لم يعُد لي أي شيء وبعدها رويداً رويداً عدنا واشتغلنا موسيقى في البلد وعدنا لإقامة الحفلات التي تعطيني الطاقة الأكبر

- صرت أشكّ أحياناً بمصداقية الأشخاص، لا أدري، زمن الحرب صعب قليلاً والنفوس تتغيّر وربّما أعيش هذه القصّة أكثر في هذه الفترة، لكن مع ذلك أحاول أن أظلّ على رأيي وفي أنني لا أُريد أن أنجرِف في هذه الفِكرة وفي الشكّ في الأشخاص وأريد أن أظلّ أقوم بأي شيء يقنعني بأننا ما زلنا كما كنّا والكل لا يزالون ظريفين، يعني

- اليوم في الحلقة لا يوجد شيء ممنوع أكيد لأننا في "بيت القصيد" فطبعاً كلّ شيء مسموح. في هذه الأوقات صرنا نتحدّث مع كل شخص نلتقي به في السياسة، فأنا هذه القصة أُحبّ أن أكون بعيدة عنها. سياستي الموسيقى وأُحب أن أظلّ هكذا

زاهي وهبي: "بيت القصيد" بيتكِ، أهلاً وسهلاً بكِ

سناء بركات: أهلاً بك

زاهي وهبي: ومثلما قلنا هو بيت التجارب الجديدة، الشابّة، المُحترمة والراقية

سناء بركات: شكراً لوجود هكذا بيت يستضيفنا

زاهي وهبي: طبعاً مع احترامنا لكلّ التجارُب، لكلّ الأنماط الغنائية، لكن نقول أنّ الأنماط الغنائية الرائِجة تطلّ ولها مطارِح كثيرة لتطلّ فيها بينما الأنماط العميقة من الفنّ المُلتزِم، الملتزِم بالإنسان وبرقيّه، يكون له الكثير من المنابر في وسائِل الإعلام، فأهلاً وسهلاً بكِ، ومثلما يقولون "خير البِرّ عاجله". دعينا نسمع صوتكِ ونُسمِع مُشاهدينا صوتكِ ونبدأ في الحوار، إذا تريدن

سناء بركات: (تغني)

زاهي وهبي: ألف ألف شُكر. لاحظت أنك حينما تُغنّين أغنيات معروفة لمُطربين كبار لا تُقلّدين بل تغنين بأُسلوبكِ. هلّ هذا الانطباع في محلّه؟ انطباعي في محلّه؟ هل هذا الشيء صحيح؟

سناء بركات: نوعاً ما نعم صح، أكيد صح وفي محلّه. آخذ التيمة الأساسية من المُغني ولكن من الجيد أن أُضيف ما عندي وأُحاول ألّا أُكثِر في ذلك بمعنى لا أُحبّ أن أُكثِر من العِرَب وهكذا أشياء ولكن أُحب أن يكون في الغناء طبع خاص ربما لي، لربما أُحاول رويداً رويداً أن أرسُم هذا الطابع لربما ينطبِع عند الناس

زاهي وهبي: لماذا لا تُحبين أن تُكثري من العِرَب؟

سناء بركات: أشعر أحياناً أن هذه القصة صارت موجودة دائِماً وسائِدة فأُحب أن أُخفف قليلاً

زاهي وهبي: نعم استعراض القدرات الصوتية

سناء بركات: نعم، لا أُريد أن أكون في هذا الطريق

زاهي وهبي: نعم. حين بدأتِ الغناء كنتِ طفلة في عُمر الثماني سنوات

سناء بركات: صحّ

زاهي وهبي: في "أوّل قربانه"، أتتذكرين هذه الطفلة؟

سناء بركات: أتذكر جيداً وقفتي أمام الناس، كان الحضور من 400 أو 500 شخص في الكنيسة، كانت "أوّل قربانه" وينتقون منّا أولاداً يريدون أن يرتلوا وهذه الأشياء. حينها انتقوني وعندما سمعني الناس قالوا لأهلي " أكيد عندها صوت حلو جداً ويجب أن تهتمّوا"، وأهلي طبعاً لم يُقصِّروا

زاهي وهبي: كان عندكِ الشجاعة أن تقفي في عمر الثماني سنوات أمام حشدٍ كبير؟

سناء بركات: أوّل مرّة شعرت برهبة طبعاً، صحيح كنا صغاراً ولا أدري كم يشعر الصغير بالرهبة مثل الكبير. أكيد شعرت برهبة لكن الصغير يكون عفوياً ووضعه مريح أكثر. حين نظرت إلى باب الكنيسة شعرت بضوء وقلت في نفسي، "أُريد أن أُركِز ولا أريد أن أنظر إلى الناس ولا أن أرد عليهم وعلى ردّة فعلهم"

زاهي وهبي: ماذا كنتم تسمعون في البيت؟ من كنتِ تسمعين؟ هلّ هناك أصوات ساهمَت في تشكيل ذائِقتكِ الغنائية ووعيكِ الموسيقي؟

سناء بركات: نعم، كنّا نسمع، في صغري أتذكرّ أنني كنت أرى أُختي تستمع إلى "زكي ناصيف" كثيراً وكنت أسمع معها. "جوليا بطرس" أيضاً من الأسماء التي كنّا نسمعها، وطبعاً إذا أردت أن أُجالِس والدي وأسمع فهو كان يسمع طرب وهكذا أشياء ثقيلة وأنا لم أكن أميل كثيراً إلى الغناء الثقيل. لكن مع الوقت وعندما كبِرت صار من اللازم أن أستمِع إلى مغنيين يُمكنهم أن يُضيفوا شيئاً لما عندي في الموسيقى ولما عندي من أغان وما يليق بصوتي أيضاً

زاهي وهبي: ماذا تشعرين يليق بصوتك أكثر اليوم بعدما درستِ وصار عندكِ خبرة ومِراس؟

سناء بركات: "فيروز" أشعر بأنني قريبة قليلاً لها وأرتاح في أغنياتها، صوتي يرتاح ربما. كنت أُحبّ أن أستمِع إلى "أسمهان" و"ليلى مراد" في بعض الأُغنيات، "نجاة الصغيرة". هناك بعض الأغاني القديمة التي أشعُر بأنها تليق بي ويُمكنني تأديتها

زاهي وهبي: أليقي شيئاً لو سمحتِ لـ "أسمهان" أو "ليلى مراد" أو "نجاة الصغيرة"

سناء بركات: أُريد أن أليق شيئاً لـ "نجاة الصغيرة"، "عيون القلب"

زاهي وهبي: هيّا

سناء بركات: (تغني)

زاهي وهبي: ألف ألف شكر. فعلاً صوت دافئ. في الغناء العربي أشعُر بوجود مدرستين، المدرسة الطربية التي تحتوي على الكثير من العِرَب والزخرفة

سناء بركات: صح

زاهي وهبي: وهناك المدرسة التي فيها تعبير إذا جاز القول، مثل "فيروز" و"عبد الحليم". هلّ تشعرين بنفسكِ أقرب إلى المدرسة التعبيرية كما قلتِ؟

سناء بركات: صحّ. هناك مُلاحظة أحياناً يقولونها لي، أنتِ حين تُغنين تُعبّرين كثيراً أو يصلنا إحساسكِ، فهذا أشعر بأنه أيضاً يُثبِّت لي هذه الفِكرة التي تتحدث فيها

زاهي وهبي: نعم. تعيشين الحالة؟ تعيشين الكلام؟ تعيشين المعاني التي تُغنينها؟

سناء بركات: أكيد أعيش، لا أدري، المغنّي هو فنان في النهاية، يشعُر بكلّ ما يمرّ أمامه. أحياناً أُحاول ألاّ يأخذني إحساسي كثيراً

زاهي وهبي: لماذا؟

سناء بركات: لأنني على المسرح أحياناً أغُصّ، وعندما أغُصّ لا يعود صوتي يغنّي كما هو لازم. لكن أكيد الإحساس موجود في الداخل

زاهي وهبي: مؤخراً كنتِ في (الجزائِر)

سناء بركات: صحيح

زاهي وهبي: مع الكورال

سناء بركات: مع كورال "الحجرة" بقيادة المايسترو

زاهي وهبي: وأدمعت عيناكِ على المسرح، صحيح؟

سناء بركات: صحّ

زاهي وهبي: لماذا؟ انطلاقاً مما كنتِ تغنّيه عشت حالة؟

سناء بركات: أجل، حينها عن جدّ توقفت عن الغناء ولم أستطع، لكن كان ذلك في "كورال". كنّا نُغنّي أُغنية " عليكِ منّي السلام يا أرض أجدادي" فالجمهور كان متفاعلاً جداً بطريقة حلوة جداً معنا، والمايسترو نظر إليهم وأشار إليهم بأن يُغنّوا معنا كونها أُغنية تراثية معروفة، عندها رأيت أن عينيه أيضاً أدمعتا ونظر إلينا وكان يؤشِّر لنا فتأثرت كثيراً. الفكرة في حدّ ذاتها وكلمات الأُغنية مؤثِّرة وكذلك تفاعُل الجمهور. ربما أشعُر بأنّ (الجزائِر) أيضاً شعبه عانى

زاهي وهبي: طبعاً طبعاً، والجزائريون محبّون للمشرِق عموماً ولـ (سوريا) بشكلٍ خاصّ، تشعرين بعلاقة؟

سناء بركات: نعم، في كلّ سفرة نسافرها إلى (الجزائِر) يعبّرون لنا عن كميّة الحبّ

زاهي وهبي: نعم، سأُتابع مع حضرتكِ ولكن اسمحي لنا أن نتوقّف مع موجز إخباري سريع ثمّ نُتابع "بيت القصيد"

المحور الثاني

زاهي وهبي: "سناء بركات"، كنّا نقول قبل قليل أنّ حضرتكِ لأوّل مرّة غنيتِ أو رتّلتِ كان عمركِ ثماني سنوات        

سناء بركات: صحّ

زاهي وهبي: طفلة أمام مجموعة من الناس. سؤالي هو، أيمتى أدركتِ في وعيك أنكِ تمتلكين صوتاً جميلاً وأنّ الصوت الجميل هو ميزة، أي الذي يمتلك هذا الصوت يتميّز عن أقرانه وعن أترابه ورفاقه؟

سناء بركات: صحيح. كنت في الصف الرابع أو الخامس ابتدائي حين بدأت أتعلّم على البيانو "صول فيج"، بدأوا إخوتي قبلاً ثم التحقت بهم في الدروس. أكملت معهم ثمّ تعلّمت على العود لكن الفكرة أنّ في الفترة الأولى كنت أُرتِّل فقط في الكنيسة وقد أُشارك في حفلات صغيرة، لكن عندما كبِرت وكبر صوتي معي صرت أُشارك في أغان. في الحقيقة من هم حولك ربما هم أكبر دعم لك في هذه القصة، الآن أنظر أنه لو لم يكن صوتي جميلاً فمن سأكون؟ أشعر بنفسي شخصاً بعيداً، فالحمد لله نعمة كبيرة من الله، نعمة كبيرة جداً وإن شاء ألله أتمكّن أن أشتغِل عليها بالشكل الصحيح

زاهي وهبي: تحملين إجازة في الموسيقى وإجازة في الفلسفة

سناء بركات: صح

زاهي وهبي: الموسيقى أمر طبيعي في الجو الذي نشأتٍ فيه، في الخيار وفي كونك مغنية لكن الفلسفة، لماذا اخترتِ أن تدرسي الفلسفة؟             

سناء بركات: حين نجحت في الباكالوريا أتيت كي أدرُس موسيقى في المعهد العالي للموسيقى لكن كان عليّ أن أُحضِّر كوني كنت في (حمص) وسأذهب إلى (الشام) فالفترة الأولى تكون صعبة، لكن تسجّلت في الفلسفة كجامعة مبدئياً وكان في إمكاني أن ألتحق بالمعهد العالي للموسيقى فتسجلت وبعده بسنتين حضّرت ودخلت إلى المعهد العالي. أكملت الدراستين معاً ولم أمتلك القلب لأترُك، وهناك أُناس سألوني، "لماذا لم تتركي الفلسفة؟" لكن لم أمتلك القلب لفعل ذلك. للحقيقية استمتعت لاحقاً في دراستها وصرت أحسّ أنّها كوّنت لي مُستوى أعلى بقليل في ثقافتي

زاهي وهبي: هلّ ساعدتكِ الفلسفة في فهمٍ أعمق للموسيقى أو في فهمٍ مُختلِف للموسيقى وللغناء وللفن عموماً؟

سناء بركات: أكيد هناك شيء مُرتبط ببعضه البعض. كان عندنا شيء اسمه علم الجمال يتحدث عن مناحي الموسيقى والفن ككل، لكنّي كنت أرغب أن أدرس لاحقاً دراسة تجمَع الموسيقى والفلسفة أو شيئاً من قبيله، فلسفة الفنّ مثلاً، لربما، لا أدري، إذا تسمح لي الأيام

زاهي وهبي: من الموسيقيين الذين تعاونتِ معهم واشتغلتِ تحت إدارتهم المايسترو "ميساك باغبودريان"

سناء بركات: صحّ

زاهي وهبي: دعينا نسمعه ونسمع ما يقوله عن حضرتك في فقرة "كلام يوصل"

سناء بركات: أوكي

كلام يوصل

ميساك باغبودريان – مايسترو: الغناء بشكلٍ عام يختلِف تماماً عن بقية فنون الأداء الموسيقي لأن باقي فنون الأداء الموسيقي فيها الآلة الموسيقية التي يمسكها العازِف ويتمرّن فيها ويُخرِج صوتاً منها، وفي الغناء آلتنا الموسيقية هي جسمنا وبالتالي لكي يتمكّن الإنسان من التعبير بشكلٍ صحيح في هذه الآلة الموسيقية من اللازم أن يكون إحساسه صحّ. هذه الفِكرة أقولها لأنني أسمع "سناء" أثناء غنائِها فلا أشعُر بأنّها مُغنية تؤدّي موسيقى، أحس بوجود روح تخرج من هذا الشخص وتصل إلى آذاننا ومنها إلى قلوبنا وهذا شيء مميّز جداً في "سناء" كونها إنسانة شغوفة، إنسانة عاشقة للموسيقى، إنسانة عاشِقة للغناء سواءً أكانت موجودة في الكورال أو تغني على المسرح موسيقى عربية شرقية أو موجودة تغنّي مع الأوركسترا فتجدها طوال الوقت في شغف، في إحساس موسيقي عال، في حبّ لما تؤديه وفي تعبير. هذه العوامل والعناصر حين تجتمع معاً تُعطي جمالية للموسيقى، تُعطي جمالية لشيء نسمعه ويصل إلى قلوبنا. "سناء"، أنا دائماً أسمع أنّكِ تغنين سرياني، أيمتى سنسمع "سي دي" كامل لأعمال سريانية من غناء "سناء بركات"؟

زاهي وهبي: جزيل الشكر للمايسترو "ميساك باغبودريان"

سناء بركات: أكيد، شكراً على هذه الكلمات المُعبِّرة جداً

زاهي وهبي: أيمتى سنسمع عملاً كاملاً سريانياً؟

سناء بركات: ماذا خطر في بال الأُستاذ "مسياك"؟

زاهي وهبي: لماذا؟ أنت تغنين سرياني!

سناء بركات: أنا أُغنّي سرياني صحّ لكنّي أشعُر أنّ عندي عائِق اللغة الآن ربما قليلاً كوننا لا نتحدث اللغة في المنطقة. في (حمص)، في قريتي كلّهم سريان لكنّهم لا يتحدّثون اللغة ولا يتعلّمونها، لم نتعلّمها. أحسّ أنه من اللازم ربما أن أشتغل على نفسي

زاهي وهبي: لكن أنتِ في كورال "الحُجرة" تغنين في لغات أحياناً لا تعرفينها ولكنكِ تحفظين الأغاني وتغنّيها

سناء بركات: صحّ

زاهي وهبي: في الإسبانية وغير الإسبانية، في لغات متعددة

سناء بركات: هناك الكثير من اللغات التي نشتغِلها في الكورال

زاهي وهبي: ويمكنك أن تقومي بالشيء نفسه بمفردكِ

سناء بركات: أجل، لكن أشعُر أنه من اللازم أن أكون مُخلِصة أكثر وأن آخذ القصّة من جذورها، ربما هكذا أُحبّ أن أكون. أكيد إذا سنحت لي فرصة أتمنّى أن أقوم بهذا الشيء. هذا المشروع الذي يتحدث عنه هو مشروع مهمّ جداً ونحن في حاجته، الآن في هذه الفترة نحن في حاجته كموسيقى سريانية تعود لتأخذ حقها

زاهي وهبي: الآن في انتظار العمل الكامل نهديه أُغنية أو ترتيلة على الأقل، أليس كذلك؟

سناء بركات: أوكي، نهديه ترتيلة الآن

زاهي وهبي: تفضلي

سناء بركات: (تُرتِّل)

زاهي وهبي: ماذا تقول؟

سناء بركات: هذه ترتيلة نرتّلها في طقوس "غسل الأرجل" في فترة "الجمعة العظيمة" في ليلة "العشاء السرّي"، عندما يقوم "المسيح" ويغسل أرجل تلامذته والملائِكة يتعجّبون، هل معقول أنت السيّد المسيح أن تغسل أرجل تلامذتك؟" وتُكمِل، وأنا رتلت مقطعاً منها

زاهي وهبي: طبعاً تلاحظين حضرتكِ أنّ الألحان السريانية في الكثير منها تركت أثراً في الموسيقى والألحان الشرقية، صح أم لا؟

سناء بركات: صحّ

زاهي وهبي: حسناً، هل هناك غناء سرياني أم هناك فقط تراتيل؟ أقصِد خارِج إطار الترتيل الكنسي هلّ يوجد غناء؟ هلّ توجد أُغنية سريانية؟

سناء بركات: أكيد توجد أُغنية سريانية. الأُغنية السريانية في المنطقة بدأت من بلاد "ما بين النهرين"، منطقة صدّرت حضارة يُمكننا أن نقول. الأغنية بدأت بشكلٍ شعبي ويتداولونها في أيّة جَمعة يتواجدون فيها

زاهي وهبي: بخصوص الحياة اليومية

سناء بركات: تماماً

زاهي وهبي: في الأفراح والأتراح والحصاد

سناء بركات: وكانت تنتقِل من جيل إلى جيل ولكن بعد ذلك حدث اهتمام وكُتبت النوتة لهذه الموسيقى. كانت هناك رغبة أيضاً ربما عند الأشخاص الذين كتبوا نوتة الأُغنية السريانية أن يخرجوا قليلاً من جانب الترتيل السرياني

زاهي وهبي: أنا قرأت أنّ عندكِ طموح أو حلم أو مشروع لأن تُقدّمي الغناء السرياني

سناء بركات: للحقيقة، منذ سنتين أحييت حفلة في "دار الأوبرا" وكانت حفلة غناء سرياني

زاهي وهبي: نعم، في (الشام)

سناء بركات: في (الشام) نعم، في "دار الأوبرا" في (دمشق). هذا المشروع كان مُتعِباً بالنسبة لي وفي الوقت نفسه كان من الصعب أن أُفكِّر في القيام به كوني لا أتحدث اللغة وكون اللكنة المُستخدمة تختلِف عن اللكنة التي نستخدمها نحن في الترتيل فنحن نستخدم اللغة الفُصحى السريانية وفي الغناء نستخدم اللهجة العاميّة في المنطقة. حينها كان الأُستاذ "راني إلياس"، وهو موسيقي سوري، الذي ساعدني كثيراً في هذا المجال، عنده موسوعة أعني من الأغاني السريانية، ساعدني في اللغة والألحان وكلّ شيء. أعطاني كلّ ما عنده من أغنيات وموسيقى سريانية واخترت منها ووجدت أنّ هناك جمهوراً حلواً جاء وحضر العرض وأحبّ القصّة. شاهدوا للمرة الأولى أنه يمكن أن يُقدّم هذا النوع وكانت المرّة الأولى التي يُقدّم عرضاً لمدة ساعة كاملة من الغناء السرياني من دون ترتيل. عادة اعتاد الناس أن تُقدّم تراتيل

زاهي وهبي: ربما لأنّ المقامات والشجن الموجود قريب جداً للأشياء التي اعتدناها واعتدنا على سماعها، أعني هناك شيء في الغناء السرياني قريب جداً لما اعتدنا عليه

سناء بركات: الغناء السرياني فيه الكثير من المشاعر، فيه الكثير من المواضيع الشعبية جداً

زاهي وهبي: حتّى لو لم نفهم الكلام، الإحساس يصِل

سناء بركات: تماماً، صحّ

زاهي وهبي: قبل قليل، عندما حضرتكِ رتّلتِ، يمكن للمرء أن يتفاعل حتّى، وهذه عظمة الفنّ بشكلٍ عام

سناء بركات: صحيح. حينها في الحفلة، هناك أشخاص حضروا الحفل ولا يعرفون اللغة السريانية. هناك أُغنية غنيتها لحنها حزين جداً فقالوا لي، " ماذا تقول هذه الأُغنية؟ شعرنا أن فيها الكثير من الألم والحزن" وبالفعل كانت تتحدث عن فراق حبيب عن حبيبته وما شابه

زاهي وهبي: والتراث الغنائي في بلاد (الشام) والموسيقي في بلاد "ما بين النهرين" متنوِّع وغني وثري جداً

سناء بركات: صحّ  

زاهي وهبي: أعتقد أنّك غنّيت أشوري إن لم أكن مُخطئاً

سناء بركات: أشوري لم أّغنِّ لكن حين كنت أسمع وأُحضّر لبرنامج الحفلة مرّت معي أغان كثيرة أشورية وكنت خائِفة قليلاً لأن اللكنة تختلِف قليلاً عن السريانية

زاهي وهبي: هذا ليس موقفاً؟

سناء بركات: لا أبداً، نفس الأصول في النهاية

زاهي وهبي: قبل أن نتوقف مع استراحة أيضاً، إذا تريدين، نسمعكِ

سناء بركات: نسمع أوكي (تغني)

زاهي وهبي: ألف شكر لحضرتكِ، وألف رحمة لـ "زكي ناصيف". لحظات ثمّ نُتابع "بيت القصيد"

المحور الثالث:

سناء بركات: (تغنّي)

زاهي وهبي: ألف ألف شُكر. طبعاً السيّدة "فيروز" اُسطورة ومحبوبة ومسموعة أينما كان، ولكن أحسّ أنه في (سوريا) بشكلٍ خاص الاستماع إلى "فيروز" ومحبّة "فيروز" عارِمة وعالية جداً

سناء بركات: صحّ. أشعر أنّ كلّ المغنين، سواء من رفاقي أو غيرهم، كلّهم تقريباً يختارون "فيروز" دائماً. "فيروز" هكذا

زاهي وهبي: تُمثِّل قيمة مُختلِفة وعالية وراقية

سناء بركات: صحّ

زاهي وهبي: لو سمحتِ لي، أيضاً نريد أن نسمع رأياً في صوتكِ وفي حضرتكِ من المايسترو الأُستاذ "عدنان فتح الله"، نسمعه معاً

 

 

كلام يوصل

عدنان فتح الله – مايسترو: (يعزِف على العود). أحببت أن أبدأ حديثي بالقليل من التقاسيم لأنّ "سناء بركات" تُحبّ التقاسيم وخاصةً على آلة العود. "سناء بركات" صديقة وأُخت، هذا إلى الجانب الشخصي، فقد جمعتنا أيام حلوة جداً في هذا المكان، عشنا ربما على الحلوة والمرّة. إنسانة تتميّز بحساسية عالية، إحساسها عال جداً في الأشخاص، مُحترمة، لبقة، صاحبة ذوق بالتأكيد، كلّ الناس أكيد يشهدون بذلك وأنا ربما شهادتي مجروحة، كلّ الناس يتحدثون عن "سناء" كما أتحدث أنا ربما وأكثر. على الجانب الموسيقي "سناء بركات" من المغنّيات المُحترِفات، من المغنيات السوريات المحترفات، تعتني جداً بتفاصيل شغلها. كلّ ما يوكَل لـ "سناء"، أن تُقدِّم حفلاً مثلاً أو أن تُغنّي "صولو" أو حتّى مثلاً أن تُمرِّن أو حتّى تُدرِّس، تجدها تُحاول إنجاز ما يوكَل إليها على أتمّ وجه وتراعي في ذلك أدقّ التفاصيل وهذا ما يعجبني جداً في "سناء" على الصعيد المِهني. أتمنّى لها من قلبي التوفيق في المُستقبل. ربما أكيد عندها الكثير من الأفكار أو المشاريع، فأتمنّى لها أن تحققها جميعها في القريب العاجل وأن نراها من أهمّ المغنيات سواء الأوبراليات أو الشرقيات على مستوى العالم العربي والعالمي. "سناء"، أرغب أن أطرح عليكِ سؤالاً. ربما حالكِ مثل حال الموسيقيين السوريين الذين اتخذوا قرارهم في البقاء في (سوريا) أثناء الأزمة، كان عندنا إيمان أكيد بتأثير الموسيقى على الجميع أو في عدة أصعدة سواء على الصعيد التربوي أو على الصعيد الثقافي أو على الصعيد الإنساني أيضاً. أرغب في أن أسألك، "سناء" أنت أكيد أنجزت الكثير من الأشياء في السنوات التي مرّت وأنا أرغب في سماع تفاصيل إنجازاتكِ منكِ

زاهي وهبي: شكراً للمايسترو "عدنان فتح الله". إذاً أنتِ أنجزتِ أشياء كثيرة في السنوات التي مرّت، هو يرغب في أن يسمع أو أن تُذكّرينا بأبرز إنجازاتكِ في السنوات الماضية

سناء بركات: على صعيد الحفلات الخاصّة كان عندي حفلة الغناء السرياني التي أحييتها، ومنذ فترة قريبة كان لي حفلة في "دار الأوبرا" كتحيّة لـ "زكي ناصيف" وكانت هذه حفلات "صولو" في "دار الأوبرا" في دمشق. كانت هناك حفلات أُخرى في (حمص) وفي (طرطوس) وفي (صافيتا) وهذه كانت حفلات غناء شرقي

زاهي وهبي: نعم

سناء بركات: كان لي مُشاركات طبعاً كغناء "صولو" في غناء أوبرالي. شاركت من زمان مع الأُستاذ "فيكتور بابينغو" رحمه الله وكنت أُغنّي صوت "ألتو" في قُدّاس "الأُم الحزينة"، كان قُدّاساً كاملاً، ثم شاركت المُشاركة نفسها مع كورال "غاردينيا" وأيضاً غنّيت صوت الـ "التو" مع المغنية السوبرانو "غادة حرب" 

زاهي وهبي: نعم. الآن حضرتكِ تغنين شرقي وتغنين غربي

سناء بركات: نعم، غربي بشكلٍ أقلّ 

زاهي وهبي: ربما سؤالي تقليدي لكن لا بدّ منه، أين ترتاحين أكثر؟ أين تجدين نفسكِ أكثر؟ أين تُعبّرين أكثر وتكون إمكانياتك الصوتية والروحية حاضرة أكثر؟

سناء بركات: صراحةً، عندما بدأت في الموسيقى كنت قد تربيت على الموسيقى السريانية والأغاني الشرقية، لكن حينما بدأت الدروس مع مدام "أراكس شيكيجيان"، وهي كانت معلّمتي في الغناء

زاهي وهبي: وسنسمع رأيها هذه الليلة

سناء بركات: هي التي فتحت لي الأبواب أمامي للحقيقة لأن صوتي يُمكن أن ينجح في الأوبرا. لكن للأسف لم أعُد أستطيع أن أُكمِل معها دروساً منتظِمة، وبالتأكيد كي أستمرّ في الأوبرا من اللازم من أقوم بتدريبات كبيرة على صوتي. لكن على صعيد أنّه درّستني، فقد أعطتني المدرسة الصح وهذه المدرسة أفادتني كغناء أوبرالي وكغناء شرقي

زاهي وهبي: طبعاً

سناء بركات: أعني في الفترة الأولى كانت تقنعني بأنه من اللازم أن أُغنّي أوبرا وبعد ذلك صرت أُحبّ هذا النوع من الغناء. المُشاركات قليلة إجمالاً في الأوبرا ولكنها لا تزال موجودة

زاهي وهبي: تخصّصتِ حضرتكِ في العزف على آلة "القانون"

سناء بركات: على آلة "القانون" نعم. كمرافقة للغناء لكن بعد أن تخرّجت كان همّي فقط الغناء

زاهي وهبي: لماذا آلة القانون، ما الذي تُحبّينه في هذه الآلة؟

سناء بركات: كانت هناك آلة أُخرى يمكن أن أُضيفها كمادة في المعهد

زاهي وهبي: تقصدين العود؟

سناء بركات: لا، آلة ثانية غير الغناء، فـ "القانون"

زاهي وهبي: غير الصوت

سناء بركات: نعم. أعني من الجيد أن يكون المُغنّي يجيد العزف على آلة. أنا أتضايق لأنني أهملت هذه الآلة قليلاً ولم أعد أُمرِّن يداي عليها كما كنت في البداية، لكن المهم أن يعرف المغني كيف يعزف

زاهي وهبي: المهم أن تمرّني صوتكِ

سناء بركات: تماماً

زاهي وهبي: كيف؟ هلّ تمرّنين صوتكِ وتحرصين عليه وتُدارينه؟ كيف؟

سناء بركات: أهم شيء الّا أذهب إلى حفلة ولم أكن قد مرّنت صوتي هذا أهم شيء. الأمر كالرياضة، عندما تتوقف عن ممارسة الرياضة لجسمك لا يعود مرناً، والصوت أيضاً يحتاج إلى الشيء نفسه، يحتاج إلى تمارين ويحتاج إلى استعمال العضلات والنَفَس بشكلٍ صحيح، طبعاً هذه أهمّ فكرة في الغناء. حتّى لو غناء شرقي وحتّى لو لم أُغنِّ أوبرا، من الجيد أن يكون الصوت من الصدر لأنني حين أُغنّي شرقي يخرُج صوتي من الصدر وفي الغناء الأوبرالي أستعمل تقنيات أكثر في جسمي

زاهي وهبي: نعم هذا النوع من الغناء الذي تُقدّمينه اليوم حضرتكِ سواء كان غربياً أو شرقياً، راقي مثل "زكي ناصيف" ومثل "فيروز" وكلّ هذا الغناء، هلّ له جمهور؟ هلّ له سمّيعة؟ يلقى رواجاً؟ هلّ من يختار هذا النوع من الغناء يختار ما هو صحيح؟ يمشي على الطريق الصحيح؟ يؤتي ثماره هذا الغناء؟

سناء بركات: من خلال التجربة أجل، أشعُر أن هناك نتيجة حلوة، لكن من اللازم أكيد أن تضل تسمع الناس والرأي العام ولا أريد أن أقول الموضة لكن هناك موضة أيضاً عند هؤلاء المُستمعين الراقين تسود ربما. تشعر عند الشباب الصغار بأنّ هناك حفلات ترغب في تقديمها لتعرض شيئاً تسمعه شريحة مثلاً من الشباب الصغار. أحياناً تقول لا، أُريد أن أقدِّم ما يُطرب قليلاً وحين يسمعه الكبار يُسرّون. لكن في هذه الفِكرة إجمالاً على المُغنّي أن يُرضي جميع الأذواق طبعاً ضمن ما يشعره

زاهي وهبي: حضرتكِ تُدرِّسين الموسيقى أيضاً، صحّ؟

سناء بركات: نعم، أُدرِّس في مدرسة

زاهي وهبي: أولاً كيف تجدين علاقة الإنسان العربي، الطفل العربي أو الفتى العربي، حسب الأعمار، كيف تجدين علاقتنا بالموسيقى؟ لأننا نشأنا على مقولة أنّ الإنسان العربي أذنه طربيّة أي اعتاد على سماع الموسيقى مع كلِمة، اعتاد أن يسمع الغناء وليس موسيقى فقط. في الغرب ربما هناك تراكُم وتراث في العلاقة مع الموسيقى في أشكالها المُختلِفة، الموسيقى الخالصة من دون كلمات ولا صوت، بينما نحن ربما نحتاج إلى وقت لكي نبني علاقة وطيدة مع الموسيقى العارية إذا أردت أن أسمِّها هكذا

سناء بركات: بحتة نعم. الجيل الناشئ الآن نعم، عنده هذا المنحى. ربما بعيد قليلاً عن سماع موسيقى بحت ولكن إذا أردت على مُستوى موسيقى كلاسيكية مثلاً بعيد تماماً، على مستوى الموسيقى الشرقية رويداً رويداً الآن، إذا أردت أن أقول لك نسبة من المراهقين يسمعون لكنهم قلائِل. أنا أكون مسرورة حين أرى أحدهم يسمع مثلاً عود فقط أو كلارينت شرقية أو موسيقى شرقية فقط، تشكيلة صغيرة حتّى لو تخت شرقي، لكنهم قلائل وليسوا كُثراً

زاهي وهبي: أنا أقول أنّ هذا الموضوع أيضاً له علاقة بطبيعة التربية في البيت، له علاقة بالمناهج الدراسية والتعليم وكم هي مادة الموسيقى مادة أساسية أم ليست أساسية إلى آخره. موضوع يحتمل نقاشاً كثيراً. سأُتابع مع حضرتكِ ولكن أيضاً مرة أُخرى نتوقف مع استراحة سريعة ثمّ نتابع "بيت القصيد"

المحور الرابع:

سناء بركات: (تغنّي)

زاهي وهبي: ألف ألف شُكر. قبل أن أطرح ما تبقّى من أسئِلة، دعينا نسمع رأياً أيضاً في صوتِك من المُغنية الأوبرالية والأُستاذة "أراكس شيكيجيان". نسمعها معاً

كلام يوصل

أراكس شيكيجيان – مغنية أوبرا: أولاً أريد أن أُمسّي على الأُستاذ "زاهي وهبي" وعلى هذا البرنامج الذي نُشاهده كلّ أُسبوع وأنا أتذكّر حواري معه والحوار كان ممتِعاً جداً فأُمسّي عليه وأهنئه على هذا البرنامج. بالنسبة لـ "سناء بركات"، أنا صار لي تقريباً 25 أو 26 سنة أُدرِّس ومرّ عندي طلّاب كثيرون وقلائِل منهم من يظلّون في بالي، أكيد كلّهم سيظلون في بالي لكن قلائِل منهم تركوا انطباعاً جيداً جداً ومنهم "سناء بركات" و"ليندا بيطار" وهناك كثيرون لأنني لا أستطيع أن أُسمّي الكل. عند "سناء" شخصية مميزة جداً وأخلاقها راقية جداً وهذا ينعكِس على أدائها. "سناء" كانت في البداية في فرع الغناء وكانت تعزف على "القانون" وبعد ذلك تعرّفتُ عليها واشتغلنا واتضح أن صوتها أوبرالي جميل جداً، صوت "سناء" يتميّز بخامة مُخمليّة. نبرتها جداً جميلة، فيها روحانية وصوتها ليس بعيداً، فمن أجل هذا هي ربما عادةً اختارت التراتيل الدينية والسريانية وعندها مرونة حلوة جداً في الصوت. القليل من المغنين يُمكنهم أن يغنّوا "أكابيلا". "أكابيلا" معناها من دون أيّة آلة موسيقية، فـ "سناء" من المغنيات اللواتي يستطعن غناء "أكابيلا" وكأن فرقة موسيقية تُرافِقها، صوتها ملائِكي. كلّما كان عندي درس مع "سناء" كنت أحس وكأنني أحضر Concert. أريد أن أتمنّى لـ "سناء" التوفيق والنجاح الدائِم، ولكي تُحافظ على طراوة صوتها يجب أن تنتبه على نفسها. من اللازم أن تؤدي التمارين التي كنّا نؤديها حينما كنّا نعمل معاً لأن الصوت من دون تمارين كما يعلم جميع طلّابي يغدر، الصوت يغدر ويخونك في يوم وليلة تُضيِّع كلّ إمكانات الصوت. أمّا بالنسبة إلى سؤالي لـ "سناء"، هذا السؤال يهمني كثيراً لكنني أرغب في سماع الجواب منها لأنني منذ فترة طويلة لم أرَها. كونها الآن مخطوبة وعلى وشك الزواج أُريد أن أسألكِ يا "سناء"، كيف ستسيّرين أمورِك مع الزواج والفنّ؟ كيف ستتدبرين أمورك؟ فمثلما أنا أعرِف خطيبها موسيقي وأنا من داخلي متأكدة أنه بالتأكيد سيدعمها ولكن أرغب في أن أسمع الجواب من "سناء"

زاهي وهبي: حلو كثيراً ما قالته السيّدة "أراكس" عن حضرتكِ وعن صوتِك

سناء بركات: كثيراً

زاهي وهبي: ويبدو أنها خائِفة عليكِ ومن أن يأخذك الارتباط من الغناء

سناء بركات: هي جدياً تُعاملنا وكأننا أولادها فعندها هذا الخوف ربما

زاهي وهبي: كما هي قالت، كَون خطيبك موسيقياً

سناء بركات: تماماً، نظلّ معاً في هذا المجال. نفس الهموم ونفس المشاكل ونفس المُتعة أيضاً في الموسيقى التي نعيشها والحفلات التي نقيمها. ربما أنا وهو لا يُمكننا أن نعيش من دون حفلات، نحبّ هذه الحياة، نُحبّ أن يكون عندنا حفلات وبروفات، هذه أمور ممتعة بالنسبة لنا فأنا متأكدة مئة في المئة أنّه معي وسنُكمل في هذا الطريق

زاهي وهبي: رغم امتلاكك لموهبة جميلة ولصوت حلو مثلما وصفته السيّدة " شيكيجيان"، لكن لحدّ اليوم لم تنتج بعد سوى أُغنية واحدة خاصّة وتكتفين بالحفلات، سواء تُغنّين أغاني لمُطربين عمالقة كبار أو في كورال "الحُجرة" أو كورال "غاردينيا" مع السيّدة "غادة حرب". ما السبب؟ هلّ هو الإنتاج وعدم توفُّر منتِج؟ عدم توفّر راع أو متبنّ لهذه الموهبة، لهذا الصوت؟

سناء بركات: نعم، سألتني وأجبتني

زاهي وهبي: السؤال جواب

سناء بركات: نعم، عندي أُغنية خاصة وحيدة اسمها "هالوردة" من كلمات وألحان "نسيم ديب" وتوزيع "شعلان حموي". التجربة كانت حلوة جداً بالنسبة لي وكتجربة أولى طبعاً يظلّ لها أثرها الخاص

زاهي وهبي: ألا تنوين أن

سناء بركات: أكيد أنوي لكن كما قلت، هناك مشكلة بسيطة 

زاهي وهبي: ما العائِق؟                          

سناء بركات: العائِق أنك تحتاج إلى دعم طبعاً لكي ينتج لك هذا العمل الذي تريده. أكيد عليّ أن أُحضر كلاماً ولحناً لائِقاً ولكن أحتاج إلى تطبيقه في الاستديو بعد أن أُحضِر عازفين لكي نُطبِّق العمل ككل ويكون كاملاً

زاهي وهبي: لو توفّر لكِ المنتج أو الداعم، هل عندكِ تصوُّر لخياراتكِ الغنائية؟ لمشروعكِ الغنائي ولاتجاهه؟ لأنه كما تعلمين الغناء اليوم أنماط ومدارِس ومذاهب وتيارات مُختلِفة، من الشعبي البسيط الترفيهي لنصل إلى أعلى الأنواع. هلّ عندكِ تصوُّر مُعيّن؟ هلّ عندكِ نموذج أو اسم، أو يُمكن أن تقولي "أنا أُريد أن أسلك الطريق التي سلكها فلان أو فلانة"؟

سناء بركات: للحقيقة لا يوجد عندي اسم معين، أنا أختار ما يُناسب صوتي، لكن أنا أُحبّ أيضاً أن أُقدِّم مثلاً، أغنيتي الأولى كانت نوعاً ما هادِئة وربما قد أُفكِّر في أُغنية أُخرى لأنني أحب أن أُغني شيئاً يحتوي على حركة قليلة، المهم ألّا أُكرّر. لكن الأهم أن أختار ما هو مناسب لصوتي

زاهي وهبي: أعطني نموذجاً مثلاً تشعرينه مناسباً لصوتكِ

سناء بركات: تعني أُغنية؟

زاهي وهبي: مثلاً

سناء بركات: "غريبين وليل" من الأُغنيات الغالية على قلبي ومن الممكن أن أجد نفسي

زاهي وهبي: في هذا النوع من الغناء

سناء بركات: نوعاً ما  

زاهي وهبي: اليوم لا يُمكننا أن نتحدّث مع أحد من (سوريا) دون أن نتذكّر ما تعيشه (سوريا)

سناء بركات: أكيد

زاهي وهبي: ما معنى الموسيقى والغناء والفن في ظلّ الظروف التي تعيشها (سوريا)؟ في ظلّ الحرب والمأساة والشُهداء والجرحى والضحايا؟ لماذا نُغنّي أو نعزف موسيقى أو نكتب الشعر حتى والموت يحيط بنا ويعم كلّ مكان؟

سناء بركات: أنا في وظيفتي ربما كموسيقية وكمغنية هذا ما أستطيع أن أُقدِّمه كدعم إذا أردنا أن نسميه دعماً مع أنه ربما لا يُشكِّل شيئاً ملموساً للأشخاص الذين يعانون ولكن ربما هذه قدرتي. بخلاف هذه الفِكرة واجبي كموسيقية لا تزال في (سوريا) أن أشتغل أكثر في الموسيقى وعلى تطويرها، إذا كنت أحد الأشخاص الذين يقدّمون موسيقى في (سوريا)، وطبعاً معي جملة من المغنيين والمغنيات الموجودين والموجودات. لكن الهدف أن نظلّ نُحافِظ على ما هو ثقافي

زاهي وهبي: لا أظنّ أبداً أنّ هذا شيء بسيط وسهل وقليل حتّى ولو كان كذلك في نظر بعض الناس الذين ربما لا يُقدِّرون أو لا يعرِفون قيمة الفنّ الحقيقي. سأُعطيكِ مثالاً بسيطاً، في (لبنان)، كم هي مكانة السيّدة "فيروز" عالية كفنانة وكصوت وإحساس في كلّ ما قدّمته عبر تاريخها المسرحي الغنائي، لكن بقاؤها في زمن الحرب اللبنانية، بقاؤها في (لبنان) وبقاؤها إلى جانب اللبنانيين وإصرارها على الغناء وعلى البقاء في (لبنان) رفع أيضاً مكانتها وحفر في وجدان اللبنانيين

سناء بركات: أكيد

زاهي وهبي: فبقاء اليوم أيّ فنّان في (سوريا) وإصراره على أن يُغنّي أو أن يُمثِل أو أن يكتُب أو أن يعمل، أعتقد أن الذاكرة الجماعية والذاكرة العامة تحفظ له هذا الأمر

سناء بركات: إن شاء الله، أكيد عندما تكون هناك تجارب كبيرة مثل السيّدة "فيروز"، نشعُر بأننا ربما نكون على هذا الطريق أيضاً

زاهي وهبي: نرى اليوم، أنا أرى سوريين كثيرين وأُحاور. بقاء "دريد لحّام" مثلاً في (سوريا) وبقاء "منى واصف" في (سوريا)

سناء بركات: طبعاً

زاهي وهبي: بقاء أسماء كثيرة، ولا أريد أن أُحصي أسماء، هذا يعني للناس. وفي زمن الحرب أن يصرّ المرء على القيام بشيء، أن يُقدِّم مسرحاً، أن يُقدِّم أُغنية

سناء بركات: أكيد، وأنا كموسيقية أكون مسرورة حين أرى رفاقي ما زالوا موجودين أو أجيالاً مثل الأُستاذ "ميساك" والأُستاذ "عدنان" وغيرهم كثيرون لا يزالون موجودين، هذا يعطينا دعماً أيضاً

زاهي وهبي: على كلّ حال أنا أتمنّى لكِ كلّ التوفيق وكلّ النجاح

سناء بركات: شكراً

زاهي وهبي: ومن خلالكِ للشعب السوري دعاء حار بالخلاص من كلّ الأزمات وفي كلّ مناطق الوجع في أوطاننا العربية. ومسك الختام مع حضرتكِ

سناء بركات: شكراً. أريد أن أشكرك قبلاً وأن أشكر كلّ الذين تعبوا كي أكون اليوم في "بيت القصيد". أريد أن أُنهي بأُغنية سريانية ولكني أرغب أن أتحدث قليلاً عن المعنى. تقول أنّ سنوات وأعوام مرّت على هذا البلد وكلّ شخص صار في مكان، لكن سنعود إلى حراثة هذه الأرض ونعاود الزرع ونُخرِج كلّ الزيوان ونعاود زراعة هذه الأرض من جديد

زاهي وهبي: تفضلي

سناء بركات: (تغني)

زاهي وهبي: "سناء بركات" شكراً، فريق العمل شكراً، مخرِج البرنامج "علي حيدر" والمنتجة "غادة صالِح" شكراً، والشُكر الأكبر دائِماً لمُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم. نلتقيكم الأُسبوع المقبل على خير بإذن الله

 

 

 

التعليقات