حوار خاص

هذا البرنامج مخصص للحوارات الخاصة مع شخصيات بارزة وفاعلة.

نزار الوحيدي - المدير العام للارشاد والتنمية لوزارة الزراعة في غزة

 

أليسار كرم: أهلاً بكم.

حربٌ من نوعٍ آخر تشنّها إسرائيل على سكان قطاع غزّة الذين، وللمرة الثانية خلال 11 شهراً، يلاحظون تسمّم تُربتهم ونباتهم بمواد كيميائية تُرشّ بالطائرات على أراضيهم الزراعية، ولا سيما تلك الواقعة على أطراف القطاع في المنطقة الشرقية منه حيث تُقدّر مساحة الأراضي الزراعية فيها بنحو 4000 دنمٍ تتوزّع على طول الخط الممتد من مدينة رفح حتى بلدة بيت حانون.

قد لا تكون هذه الحرب كيميائيّةً بالمعنى الحربيّ المُتعارَف عليه دولياً، لكنّها استهداف مباشر بالمواد الكيميائية لاقتصاد الغزّاويين ومعيشتهم وصحّتهم ومستقبلهم أيضاً لما تتركه هذه المواد السامّة من آثارٍ بعيدة المدى على التربة والهواء.

في هذه المقابلة مع السيّد نزار الوحيدي المدير العام للإرشاد والتنمية لوزارة الزراعة في غزّة، سنفصّل الانتهاكات الإسرائيلية في هذا المجال، وسُبل ملاحقتها ومحاسبتها دولياً، ونسأل عن الأضرار المباشرة على الزراعات وعلى عائدات هذه الزراعات بالنسبة إلى الغزّاويين.

أهلاً بك سيّد وحيدي.

 

نزار الوحيدي: حيّاكم الله وأهلاً بك وبالمشاهدين في ربوع العالم العربي وكلّ منطقةٍ يصلها بثّكم الكريم.

 

أليسار كرم: شكراً لك. بدايةً، يا ليت لو توضح لنا لماذا استهدفت إسرائيل هذه المنطقة بالتحديد، المنطقة الشرقية المُحاذية للحدود؟

 

نزار الوحيدي: أعتقد أن هذه المنطقة قد استُعيدت بدماء المجاهدين واستُعيدت بخسارة كبيرة جداً خلال ثلاث حروب طاحنة، أصلاً هي قامت على هذه الأرض وفي هذا الشريط المُحاذي للوطن المحتل، هم يريدون لسلّة الغذاء في غزّة أن تُضرَب في أعماقها، يريدون للأمن الغذائي في غزّة الذي تحقّق بجهود المزارعين وبفضل الله أولاً أن يعود إلى نقطة الصفر فيصبح همّ المواطن الحصول على الغذاء ولا يجده، أن يكون الغذاء مُرتفِع الثمن جداً، وهذه مشكلة حرب قائمة بيننا وبين الاحتلال. نحن نسعى إلى تحقيق الأمن الغذائي وهم يسعون إلى ضربه، لا نرى مبرّراً غير هذا للاحتلال.

 

أليسار كرم: يا ليت لو توضح لنا ما هي الزراعات الموجودة في تلك المنطقة؟ هل هي كلها زراعات غذائية أم هناك مثلاً ربما ورود أو شتول يمكن لغزّة أن تصدّرها إلى الخارج؟

 

نزار الوحيدي: أولاً أصحّح المعلومة التي وردت في بداية تقديم الموضوع. المساحة هي 22500 دنم تقريباً، هي مساحة الأراضي المُحاذية للوطن المحتل عام 48، بعمق كيلومتر تقريباً إلى 500 متر، وامتداد بطول 52 كيلومتراً، هو الحدود التي تحيط بغزّة من الشرق والشمال، يُضاف إلى ذلك أيضاً البحر الذي هو يُعتبَر منطقة تماس مع العدو في عُمق البحر.

 

أليسار كرم: على كلّ حال، نشكرك على هذا التصويب عِلماً أننا أخذنا الرقم من وسائل إعلامية فلسطينية وغزّاوية تحديداً، وشكراً للتصويب في جميع الحالات.

 

نزار الوحيدي: الرقم صحيح في جانب واحد، هو مجموع ما تم رشّه خلال الأسبوع الماضي، 4000 دنم، لكن هناك سلسلة من أعمال الرشّ بدأت من منطقة شوكة الصوفي جنوب شرق رفح وامتدّت حتى منطقة بيت حانون شمالاً، على مراحل متقطّعة. آخر رقم كان 4000 دنم.

سألتِ عن الأصناف المزروعة. أولاً، هذه المنطقة تعتبر من أجود أراضي غزّة خصوبةً. ثانياً، هي منطقة الرعي الوحيدة، لا تتوافر مراعٍ في قطاع غزّة إلا في هذه المنطقة. يوجد بها عدد كبير من الآبار. هذه المنطقة كانت مخزون غزّة الاستراتيجي من الحمضيات وأصبحت خالية جداً من الحمضيات بعد أن تم تجريف العمق لا يقل عن 500 متر. هذه المنطقة تنتج حوالى 25 بالمئة من الخضروات التي تزرع في هذه المنطقة تحديداً ولها جودة عالية جداً. الخضروات التي تم رشّها هي المحاصيل الشتائية وبعض محاصيل الربيع مثل البازلاء والفول والحمص والعدس ومحاصيل رعوية أخرى.

إذاً هي مسألة إبادة وإيذاء للإنتاج وللاقتصاد الزراعي وضرب لمنتجات المنطقة. يُضاف إلى ذلك أن الرعي انتهى تقريباً. تعوّدنا أن يمارس الاحتلال أو الكيان الصهيوني رشّ المُبيدات أثناء خلوّ المنطقة من المزارعين. هذه المنطقة تم رشّها في المرة الأخيرة بمُبيدات أثناء تواجد المزارعين ما كان له أسوأ الأثر على صحّتهم بالتأكيد وعلى البيئة عامةً.

 

أليسار كرم: إذاً هناك دلالة للتوقيت أيضاً. نحن على مشارِف فصيل الربيع.

 

نزار الوحيدي: نعم، هذه الفترة بالذات هي فترة.

 

أليسار كرم: هناك نيّة بإتلاف هذا المحصول؟

 

نزار الوحيدي: هي فترة أكبر معدّلات للإنتاج وأكبر معدّلات للمحاصيل الربيعية والمحاصيل الصيفية التي بدأت زراعتها.

 

أليسار كرم: نعم، في المرة السابقة، عندما قامت إسرائيل أيضاً بتسميم الأراضي الزراعية، كان ذلك أعتقد في كانون الثاني يناير من عام 2017؟

 

نزار الوحيدي: نعم، وجبتان من المُبيدات، الوجبة الأولى تكون في الشتاء لضرب المحاصيل الشتائية، الوجبة الثانية تكون في الربيع لضرب المحاصيل الربيعية والصيفية أيضاً، التي زُرِعت بغرض إنتاج الصيف.

 

أليسار كرم: إذاً الاستهداف ممنهج على ما يبدو؟

 

نزار الوحيدي: بالتأكيد ومدروس، دائماً هناك حاخام وعالِم خلف كل عملية للكيان الصهيوني في غزّة. نحن نتّهم رجل الدين عندهم ونتّهم العالِم، هناك تخطيط اقتصادي، تخطيط بيئي، تخطيط زراعي، تخطيط عقدي. كلّها مسخَّرة للجيش ليضرب في غزّة.

 

أليسار كرم: هل بدأتم بإحصاء قيمة الأضرار والخسائر أو حتى الربح الفائت الذي كان بالإمكان تحقيقه لو بقي الموسم سليماً؟

 

نزار الوحيدي: هي الفرصة الضائعة، عموماً غزّة تعرّضت لخسارة أصبحت الآن تزيد عن نصف مليار دولار في القطاع الزراعي فقط. هذا بالخسارة المباشرة وغير المباشرة وضياع الفُرَص، لكن ربما يرتفع الرقم إلى أكثر من ذلك بكثير إذا بقيت الأرض لا يمكن أن تنبت، هذه المواد التي تُلقى في الأرض لا نعرف تركيبها، لا نملك القدرة على تحليلها، لا نعرف فترة انتهاء صلاحيتها، ربما تطول فترة وجودها في التربة، وبالتالي تصبح خطراً كامناً وعلّة ساكنة في التربة، فلا يكون بعدها زراعة أو أن تكون فيها مواد مُسرطنة أو مواد مؤذية للإنسان والبيئة تتسرّب إلى الخزان الجوفي القريب من السطح أو تتسامى أو تتطاير في الهواء وتصبح سماً قاتِلاً ينتشر بين الناس. منطقة غزّة محصورة، منطقة الرشّ أول أمس كان عرضها لا يصل إلى 5 كيلومترات. إذاً الهواء الشرقي سينقل المُبيدات إلى الأحياء القريبة، إلى منطقة الزيتون ومنطقة الرمال والشجاعية، هذه المناطق ستكون عُرضة لانتقال السموم عبر تيارات الهواء، وبالتالي هذا تهديد لصحّة الإنسان غير وصولها إلى التربة ووصولها إلى الخزان الجوفي، أعني المياه الجوفية.

 

أليسار كرم: هل تواصلتم مع جهات دولية مُتخصّصة، ربما منظمة الفاو مثلاً، لمساعدتكم على تحديد حجم ومدى الضرَر العلمي والزراعي للتربة والهواء وكل ما تفضّلت بذكره، وحتى لملاحقة إسرائيل ومحاسبتها إذا أمكن؟

 

نزار الوحيدي: الشق المتعلّق بمُقاضاة الاحتلال ومحاسبته، هذا متروك طبعاً لقيادة الوزارة، لمعالي الوزير والسادة الوكلاء، لكن بالنسبة للتواصل مع منظمات مثل الفاو والصليب الأحمر، تواصلنا مع الجميع، لكن هل هناك حلول؟ نرى بعض التعويضات البسيطة لا ترقى إلى حجم المشكلة. المزارع يشكو ويتّهم الوزارة بالتقصير ونحن في الوزارة نبذل قصارى جهدنا لنقل الصورة الحقيقية للعالم وللمؤسسات الدولية، فإن تأخّرت المعونات أو تأخّرت المساعدات ولا أقول تعويضات لأن الذي يجب أن يعوّض هو الذي تسبّب في تلف المحاصيل، الاحتلال هو مَن يجب أن يعوّض، لكن نحن دائماً نبحث عن وسائل لتحقيق مساعدة ولو جزئية للمزارعين، ولا زالت من دون الحد الأدنى المأمول. لا زلنا أيضاً نعاني من حزن المزارع، ونعاني معه مشكلته، ونحاول ونسأل الله عزّ وجلّ أن تكون هناك حلول لدى معالي الوزير أو لدى الحكومات التي تعين غزّة أو للمنظمات الدولية، أن ترى هذه القضية من قُرب، وأن تنظر إليها بمنظور يتناسب مع حجم المشكلة.

 

أليسار كرم: نعم. هل علمتم سيّد نزار من أين تأتي هذه المُبيدات السامّة؟ هل هناك دولة مُصدّرة إلى إسرائيل وبالتالي قد تكون متواطئة معها، أم أنها ربما تصنَّع داخل المستوطنات الإسرائيلية؟

 

نزار الوحيدي: أعتقد أن الكيان الصهيوني هو أكثر منطقة في العالم تنتج السموم ولها خبرة فيها من سموم البشر إلى سموم النباتات والآفات. أعتقد أن لديهم مصانع في منطقة حيفا وفي مناطق عديدة تنتج ما يكفي لتدمير العالم كلّه بالمُبيدات، لديهم مصانع كبيرة للمُبيدات وأعتقد أنهم لا يستوردونها. أعتقد أنهم هم الوحيدون المُتّهمون. لا نريد أن نوسّع دائرة الاتّهام، نحن لا نرى مُتّهماً في هذه القضية سوى الطائرة التي ترشّ المُبيدات ومن خلفها حكومتها. هذا ما نراه، لا نريد أن نوسّع دائرة العداء، كل شعوب العالم نأمل أن تتعاطف معنا، ولكن الكيان الصهيوني هو الوحيد المُتّهم بإيذائنا.

 

أليسار كرم: هل تواصلتم مع دول أخرى بإمكانها أن تضغط على إسرائيل في هذا المجال؟ تتحدّث عن تضامن وعن أنكم تعوّلون على الشعوب الصديقة إلى آخره، ولكن هل قمتم باللازم للتواصل معهم، لحشد الجهود والضغط على كيان الاحتلال؟

 

نزار الوحيدي: نعم، أعتقد أن قيادة الوزارة مارست دوراً كبيراً في نقل الصورة، ولكن ردود الأفعال سنراها إن شاء الله لاحقاً، لعلّها تثمر هذه المراسلات، لا أحد يُقصّر بحق المزارع، كلنا نبذل جهدنا لكي يصل إلى المزارع حقه أو يجنَّب هذا العدوان المستمر المفتوح. نأمل أن تكون هناك حلول، لكن حتى الآن لا زلنا ننتظر.

 

أليسار كرم: نعم. سنتوقّف مع فاصل قصير سيّد نزار الوحيدي. فاصل، لن نطيل الاستراحة، ونعود بعده.

إذاً مشاهدينا فاصل ونعود.

 

 

المحور الثاني

 

أليسار كرم: أهلاً بكم من جديد مشاهدينا، وأهلاً بك السيّد نزار الوحيدي المدير العام للإرشاد والتنمية لوزارة الزراعة في غزّة.

قبل الفاصل، حدّثتنا باقتضاب عن بعض الجهود التي تقومون بها في الوزارة لمساعدة المزارعين. يا ليت لو تفصّل لنا أكثر، ما هي هذه الجهود؟ إلى مَن تتوجّهون بالتحديد؟ وهل من تنسيق بينكم وبين السلطات في رام الله؟

 

نزار الوحيدي: بالتأكيد نحن حكومة واحدة وجسد واحد ووزير واحد وهموم واحدة، ونحن باستمرار نوصل للوزير كلّ ما يحدث في غزّة، ننقله مباشرة وعبر القنوات الإدارية والتسلسل الإداري بالتأكيد، لا يوجد قراران أو وزارتان. لا، هي وزارة واحدة بالتأكيد. لكن نحن والحكومة في رام الله في نفس المشكلة، ليس الكل يسمع صوتنا، ليس الكل يتفاعل معنا، ليس الكل مهتّماً بقضايانا. هناك قضايا كبرى وأكبر من قضايا البيئة أو المُبيدات في المنطقة وحروب طاحنة وعبث سياسي ضخم في المنطقة. ربما هذا هو الذي يعيق تفاعل الحكومات والدول المانحة معنا أكثر في قضايا الزراعة والبيئة، الكل مهتم بالسياسة وترك الزراعة والبيئة، عِلماً أنّ قضية الزراعة هي قضية أمن غذائي.

 

أليسار كرم: أكيد، ولكن مَن تقصد من بين هذه الدول المانِحة؟ مع مَن تواصلتم بالتحديد؟

 

نزار الوحيدي: لا أعلم تماماً، هذه تعلمها الإدارة العامة للتخطيط والسياسات في الوزارة، تعلمها القيادة السياسية في الوزارة، أنا أتحدّث كفنّي، أنا من القيادة الفنية ولست من القيادة السياسية، ولكن ما نعلمه تماماً أنّ الوزارة تراسل منظمة الفاو، تراسل أيضاً الصليب الأحمر، ترسل برسائل باستمرار إلى دول العالم حول قضايا، تستجلب مشاريع، تستجلب مساعدات باستمرار، رأيناها على مدى السنوات الثماني عشرة الماضية، نحن بدأت مشاكلنا عام 2000 تقريباً، ولم تبدأ حديثاً التجريف بدأ من العام 2000 وحتى عام 2004، كان أكبر معدل تجريف ثم إلى 2007، بدأت الحرب ودخلنا في سلسلة الحروب والمواجهات المباشرة وقصف المزارعين وقتل المزارعين.

الأخبار تصل إلى العالم باستمرار، وتصل إلى المؤسسات المعنيّة باستمرار، لكن ما نتمنّاه ردود فعل أكبر ودعم أكبر للمزارعين وحلّ حقيقي لمشاكل المزارعين، نتمنّى الضغط من العالم على حكومة الاحتلال كي تمتنع عن رشّ المُبيدات. ما هو المُبرّر؟ نحن لا نجد لها مُبرّراً. قالوا لا تُزرَع هذه المنطقة بمحاصيل يرتفع طولها عن 50 سنتيمتراً، كل ما هو مزروع محاصيل ورقية ومحاصيل زاحفة وقمح وشعير ونباتات، لا ترتفع أكثر من 50 سنتيمتراً، ثم أنهم بنوا جدار تراب بارتفاع ستة أمتار، ما الذي يجنونه الآن من وراء رشّ المُبيدات؟ أليس الجدار كافياً ؟ حفرتم في الأرض أنفاقاً وقنوات عميقة جداً، ألا تكفي هذه؟ نقطة المراقبة موجودة في كل مكان والكاميرات والبالون المزوّد بكاميرا مراقبة. إذاً ما هي جدوى التجريف؟ وما هي جدوى حرق الناس، قتل البيئة؟ الكائنات الحيّة النباتية والحيوانية أبيدت في هذه المنطقة تقريباً، ناهيك عن منع دخول وتواصل الكائنات الحيّة بين شطري الوطن، شرق السياج وغربه. هناك أزمة حقيقية تحتاج إلى دفاع بيئي وزراعي وإنساني وأخلاقي.

 

أليسار كرم: تماماً. هذا كله يُبطل المزاعم الإسرائيلية بأنّ تحديد طول النبات هدفه أمني عسكري لمنع تحرّك المقاومين في تلك المنطقة. يبدو أن هناك استهدافاً لحياة الغزّاويين، استهدافاً لأمنهم الغذائي ولصحّتهم حاضراً ومستقبلاً.

 

نزار الوحيدي: أعتقد أن قصة التذرّع بالأمن وبالهاجس الأمني، لديهم أكبر قوّة تخيف العالم وتعبث في كل منطقة العالم العربي، وليست القضية أكثر من قتل للفلسطينيين المقيمين في غزّة. هم يريدون لغزّة أن تُلقى في البحر كما تمنّى المقبور رابين، هذه قصتهم مع غزّة. نحن أصحاب قضية وأصحاب حق ومدافعون عن حقنا في العودة وفي بناء دولتنا على ترابنا الوطني. نحن من حقنا أن نأكل وأن نزرع وأن نجني أرباحاً من أرضنا، هذا حقنا. هل يريدون أن يحوّلوا غزّة إلى مستوردة للطعام من الاحتلال؟ أي أنهم يريدون حرباً شاملة، إبادة جماعية لسكان غزّة الذين لا يجدون المُرتّبات، الذين يعيشون في وضع حصار منذ سنوات طويلة، الذين ارتفعت نسبة البطالة إلى أرقام مخيفة وارتفعت نسبة الجوع كذلك، وإلى نسبة التلوّث؟ هناك قتل بيئي يُمارَس من خلال هذا التلوّث. غزّة لا تريد أكثر من أن تعيش آمنة مُطمئنة مُستقرّة وأن تحقّق أحلامها الوطنية. إذاً لماذا تُحرَق المزروعات؟ هذا الذي أتّهم به بالاحتلال، بالجريمة المنظمة وحرب إبادة وحرب كيماوية.

 

أليسار كرم: أوصلتني للنقطة التي أودّ أن نتحدّث عنها، وهي المكاسب الاقتصادية التي يمكن أن تجنيها إسرائيل من هذا العمل.

ألا ترون أنّها تريد تعزيز التبعية الاقتصادية من قطاع غزّة لها لكي يضطر القطاع لاستيراد كلّ حاجاته الغذائية من إسرائيل؟

 

نزار الوحيدي: بالتأكيد، هذه قضية أصبحت معلومة لدى كل خبراء الاقتصاد، ولدى كل المعنيين بالشأن الزراعي. هناك محاولة لربط لقمة الغذاء في غزّة، لربط الأمن الغذائي في غزّة بمستوطنات الكيان، ليتمّ التحكّم أكثر والضغط على غزّة أكثر. أعتقد أنّ قطاع الزراعة هو الضامِن الوحيد لاستمرار المقاومة الآن في غزّة، لأنّه لو جاع الشعب لن يستطيع المقاوم أن يستمر في مقاومته، سيستسلم. هم يعلمون هذه المعادلة جيّداً ولا يريدون للقطاع الزراعي أن يحقّق الأمن الغذائي مثلما حدث في الأعوام الماضية، نحن حقّقنا الأمن الغذائي في كل الخضروات تقريباً وفي اللحوم البيضاء، الدواجن وفي البيض، ونسعى بجهد كبير جداً لتحقيق تحسّن أكبر في قضية اللحوم الحمراء والألبان.

إذاً هناك حرب غير مُعلنة بيننا وبين الكيان في قضية توفير الغذاء، تحقيق أمن غذائي أفضل لسكان غزّة. نحن الآن نربو على 2 مليون إنسان في غزّة، احتياجاتنا ضخمة، ورغم هذا ورغم محدودية المساحة التي تبلغ 172000 دنم تقريباً، نستطيع أن نحقّق ما يزيد عن نصف كيلوغرام لكلّ مواطن صباح كلّ يوم من الإنتاج النباتي لوحده فقط.

إذاً نحن في حال أمن ربما يحسدنا عليها الكثير من الدول الشقيقة العربية التي نتمنّى لها الخير.

 

أليسار كرم: هل من مصادر بديلة للحصول على مُنتجاتٍ زراعيّة في حال استمرّت إسرائيل بهذا العدوان واضطرّرتم إلى الاستيراد؟

 

نزار الوحيدي: المصدر البديل هو ربما في مدخلات الإنتاج، يكون مهماً أكثر، لكن هم أيضاً تجّار، يريدوننا أن نستورد منهم حتى مدخلات الإنتاج، لكن ما شهدناه خلال الأسبوع الماضي من دخول مواد غذائية من الشقيقة مصر هوّن كثيراً علينا وفتح باب الأمل أن يكون هناك دخول للمواد الغذائية ومدخلات الإنتاج من دولة شقيقة وهذا أقصى أمانينا، ألا يكون هناك استيراد مربوط برزنامة سياسية أو أخلاقية أو بيئية تشكّل لنا مشكلة في قطاع غزّة. لو فُتِحت أبواب العالم العربي وخاصة عبر الشقيقة مصر سيكون هناك تحسّن كبير جداً وواضح في قطاع غزّة وفي حال الأمن الغذائي وأيضاً الاقتصاد في غزّة، نتمنّى أن يحدث هذا، نحن لا نريد الارتباط ولا الارتهان للاحتلال في قضية توفير غذائنا، نسعى لأن يكون الغذاء بعيداً عن أجندة السياسي المحتل.

 

أليسار كرم: وما أبرز مدخلات الإنتاج التي تحتاجونها سيّد نزار؟

 

نزار الوحيدي: هي قائمة كبيرة جداً، تبدأ بالأسمدة الكيميائية والأسمدة العضوية التي يضع عليها الاحتلال قيوداً كبيرة جداً، يمنع استيراد معظم الأسمدة التي تحتوي على نسبة نايتروجين عالية أو نايترايت أو أمونيوم. الاحتلال يمنع كثيراً من مدخلات الإنتاج بدعوى أنها ثنائية الاستخدام مثل أدوات التصنيع والبلاستيك والمواسير. كثير من المواد ولا تحضرني أسماءها كلها، لكن التلميح يغني عن التفصيل والتصريح، معظم مدخلات الإنتاج إما تأتي بسعر مرتفع جداً أو تأتي بنسبة غشّ عالية أو تأتي أقلّ من التركيز المطلوب لإنتاج زراعي مُتميّز.

 

أليسار كرم: هل تخشون سيّد نزار من أن يتوسّع ويمتدّ هذا النمط من العدوان وينتقل من قطاع غزّة إلى الضفة الغربية أيضاً؟ أتحدّث عن التسميم بالمُبيدات.

 

نزار الوحيدي: أعان الله الضفة الغربية وأعان أهلها على ما يعانيه المزارع هناك من قطعان المستوطنين، ما بين حرق المحاصيل وسرقة الإنتاج، ولكن يبقى وضع المزارع في الضفة الغربية أسهل، الضفة الغربية غير مُحاصَرة بأسيجة مثل ما هو في غزّة، الضفة الغربية يستطيع أن يسوّق المزارع داخل فلسطين المحتلة 48، يستطيع أن يستورد مباشرةً، أحيانًا يكون هناك دخول لبعض البضائع مباشرةً من المستوطنات إلى المدن، فالوضع أفضل نسبياً، ولكن أيضاً الضفة الغربية تعاني العدوان المستمر وكما ذكرت وتجريف الأراضي والاستيلاء عليها وحرق المحاصيل وسرقتها.

 

أليسار كرم: على كلّ حال، للمقاومة أشكال متعدّدة، ولعلّ المزارع الذي يتمسّك بأرضه ويواظب على زراعتها لتأمين هذا الأمن الغذائي هو أيضاً مقاوم على طريقته.

 

نزار الوحيدي: بالتأكيد.

 

أليسار كرم: نشكر لك هذه المشاركة القيّمة السيّد نزار الوحيدي المدير العام للإرشاد والتنمية لوزارة الزراعة في غزّة، نشكر لك كلّ المعلومات التي قدّمتها والإيضاحات.

والشكر موصول لكم مشاهدينا على حُسن المتابعة. إلى اللقاء.

 

التعليقات