حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

جورج قرم - وزير لبناني سابق

 

وفا سرايا: يصف هنري كيسنجر في كتابه "النظام العالميّ" الحال الراهنة بقوله، إنّ من كانوا حرّاساً تقليديّين للنظام العالميّ أصبحوا يحجمون عن الدفاع عن هذا النظام.

فها نحن أمام إدمانٍ ترامبي أميركي على فرض عقوباتٍ اقتصاديةٍ وتهديدٍ للمجتمع الدوليّ، ليشكّلا العمود الفقريّ لنموذجٍ جديدٍ في إدارة الشؤون السياسية والاقتصادية العالمية، وليلعبا دوراً ضاغطاً تجاه الخصوم والمنافسين، وحصاراً اقتصادياً ضدّ قوى مقاومة تواجه وتنتصر عسكرياً وسياسياً على مشروعٍ واستراتيجيّةٍ تقسيميَّين أميركيين أو إسرائيليّين.

ولكن، هل استخدام هذه الأداة لتطويع الآخرين ومعاقبتهم سيمكّن الولايات المتحدة من الحفاظ على هيمنتها وغلبتها ورفع عصاها الغليظة في وجه كلّ من يعارضها في ظلّ إغفالها قواعد إدارة الصراع والتعاون الدوليّ والاقليميّ؟

فعدم التحمّل الأميركيّ لمزاحمة الأقطاب الدوليّين على قيادة الصراعات وبناء صرح نظامٍ عالمي جديد تغيّرت فيه موازين القوى دفعها بشكلٍ فجٍ إلى تهديد محكمة الجنايات الدولية في حال مقاضاتها أميركيين أو إسرائيليين.

وهذا الموقف ليس مفاجئاً ضدّ المنظمات الأممية، فقد اعتدنا الانسحاب الأميركيّ من الاتفاقات الدوليّة والتجاريّة، والتصادم مع المجتمع الدوليّ.

وفي الظرف العالميّ الذي تختلط فيه المعايير السياسية وتروّج فيه الدول الكبرى لسياسات الاستعمار الجديد، هل فقدت المؤسّسات الأممية الاستقلالية الكاملة؟ ألا تصبّ هذه السياسات الأميركية في الاتجاه الذي يزيد من عزلتها، وهي إضافة إيجابية للشعب الفلسطيني، وهو الذي تُرتكَب بحقّه كلّ أشكال العنصرية، فيما الخطوات والحيل الأميركيّة متسارعةٌ للتآمر وتصفية القضية الفلسطينية؟

عن التحوّلات الاستراتيجية وتصاعد الصراع الإقليمي والدولي في ظلّ الأزمات العربية المستمرة، نسأل ضيفنا في حلقة اليوم من حوار الساعة الوزير اللبناني السابق جورج قرم.

أهلاً بكم إلى حوار الساعة.

 

(فاصل)

 

وفا سرايا: صباح الخير معالي الوزير.

 

جورج قرم: صباح النور.

 

وفا سرايا: وأهلاً وسهلاً بك على شاشة الميادين.

يُقال إنه مخطئ من يظنّ أنّ السياسة هي المسؤولة عن الاقتصاد، بل الاقتصاد هو من يرسم خريطة التحوّلات السياسية الكبرى في العالم.

هل ما نشهده الآن ينطبق على هذه المقولة؟

 

جورج قرم: حالياً هناك تغييرات عملاقة تحصل في الاقتصاد العالمي، ولكن ليس تحت تأثير سياسات الولايات المتحدة، هي تحت تأثير الصين ودول البريكس التي تضع إن شئت مؤسّسات دولية الطابع بديلة للمؤسّسات الغربية الكبرى مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والبنك الأوروبي للاستثمار. فمن لا يأخذ بعين الاعتبار اليوم القوّة الصينية في العالم، أنا في نظري تحليله يكون ناقصاً جداً.

 

وفا سرايا: فقط الصينية أم دول البريكس التي تعمل على رأسها الصين وروسيا ربما معالي الوزير، التي تعمل على إرساء دعائم نظام نقدي جديد؟ ولكن ما هي المعالم؟ وهل يمكن القول بأننا نلاحظ تأثير هذه العولمة على الفترة المقبلة وهذا النظام الجديد؟

 

جورج قرم: بالتأكيد، حتى مثلاً في موضوع النزاع على سوريا وهو نزاع عالمي.

 

وفا سرايا: فتحت هي الباب على مصراعيه.

 

جورج قرم: نعم، الوجود الصيني كان فعّالاً جداً، بالنسبة لإيران أيضاً، الوجود الصيني ساعد إيران على الإفلات من العقوبات الأميركية المتعدّدة والمتكرّرة، فنحن على عتبة نظام عالمي جديد. الموضوع الأساسي هو ما هي إمكانية تخريب الولايات المتحدة لنظام اقتصادي جديد يكون متمحوراً حول محور روسي صيني والدول النامية التي أصبحت مع دول البريكس.

 

وفا سرايا: مثل الهند.

 

جورج قرم: مثل الهند على سبيل المثال. هذه هي الرهانات المستقبلية، ولكن طبعاً الصينيون باستمرار هم حذرون جداً، ويعملون.

 

وفا سرايا: من أية ناحية معالي الوزير؟

 

جورج قرم: إذا شئت عهد ماو تسي تونغ كان عهد ثورات ثقافية وكذا، انتهى، منذ دنغ شياو بينغ، دخلت الصين بتحديث اقتصادها بحيث أصبح اقتصاداً سوبر رأسمالي اليوم الاقتصاد الصيني، ولكن الدولة المركزية تلعب دوراً كبيراً جداً، وحتى في سوريا، كنّا نسمع قبل أن تنفجر الأزمة في سوريا، أنّ النموذج الذي ستتبعه سوريا في الموضوع الاقتصادي هو النموذج الصيني.

 

وفا سرايا: الاكتفاء الذي كانت تعتمد عليه، اكتفاء ذاتي في سوريا قبل العام 2011، نتحدّث اقتصادياً.

 

جورج قرم: سوريا طبعاً كان لديها إنجاز اقتصادي ضخم هو الاكتفاء الذاتي.

 

وفا سرايا: برأيك، نحن نلاحظ منذ دخول ترامب إلى البيت الأبيض، كل من يعارض الأجندة الأميركية، السياسة الأميركية، ليس فقط الخصوم، بل أيضاً الحلفاء معالي الوزير، تُتّخَذ بحقه هذه الحرب التجارية، المعاقبة عبر العقوبات الاقتصادية.

برأيكم، لماذا، أنا أتحدّث من خلفية اقتصادية بناء على خبرتك الاقتصادية الواسعة، لماذا يعتمد أو ينتهج هذه السياسة؟ وهل هي ناجعة لما يجري بعد تراجع المكانة الدولية للولايات المتحدة الأميركية؟

 

جورج قرم: أنظري، لا يوجد هذا التراجع الكبير الذي نتحدّث عنه في موضوع أميركا. أنا على خلاف العديد من المحلّلين، أتصوّر أنّ ما يسمّى بالقوّة الناعمة للولايات المتحدة قوّة كبيرة جداً، خصوصاً مثلاً في الموضوع المعلوماتي، في موضوع الابتكارات الجديدة في المعلوماتية التي هي اليوم تسيطر على العالم.

 

وفا سرايا: صحيح، لأنّ الحروب اليوم ليست فقط حروباً سياسية عسكرية بل حروب ناعمة بعدّة أساليب تستخدمها.

 

جورج قرم: طبعاً، وهذه في معظم التحاليل لا يؤخذ بعين الاعتبار القوّة الناعمة الأميركية، وعدد العرب الذين يعيشون في أميركا، والمعجبين بالحضارة الأميركية إن شئت.

 

وفا سرايا: ولكن هل ما زلنا ضمن أحادية القطب؟ اليوم هناك موازين، نتحدّث عن الصين، عن روسيا، من أيام الحرب الباردة، بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، كانت أميركا هي المنتصر، هي القادرة على ضبط كل هذه المنظومة العالمية.

 

جورج قرم: ولكن انتهت الأحادية، لم يعد هناك أحادية. اليوم المشاريع الصينية مثل مثلاً طريق الحرير، إعادة طريق الحرير.

 

وفا سرايا: الذي وصل إلى إفريقيا.

 

جورج قرم: وصل إلى إفريقيا، هذا تحدٍ كبير جداً للمشاريع السياسية والاقتصادية الأميركية.

 

وفا سرايا: هل برأيكم مزايا ربما ومكاسب الحرية التجارية، عدم فرض القيود، أيضاً الرسوم التي تضمنها العولمة هي التي ساهمت في تقدّم الصين وروسيا، وهذا خسّر في مكانٍ ما أميركا؟

 

جورج قرم: لا، ما يحصل هو أنّه في الدول الغربية، هناك تململ كبير جداً من نظام سيطرة التجارة بين الدول على كل القرارات الاقتصادية. ترامب يمثل إن شئت وجهة النظر، وفي أوروبا هناك أيضاً العديد من الأحزاب السياسية التي يسمّونها يمينية أو شعبوية، التي تريد التخلّص من نظام العولمة كما يُطبَّق، نظام عولمة يفحص الفئات الأضعف.

 

وفا سرايا: الأضعف أو الأقل.

 

جورج قرم: يفحصها، نحن نرى كيف تركّز الثروات في العالم أصبح شيئاً لا يطاق.

 

وفا سرايا: هل نحن ندفع هذا الثمن كعالم عربي إذا لم نتحدّث كعالم الجنوب؟

 

جورج قرم: كعالم عربي، ندفع ثمن الضياع العربي بشكل عام، عدم تحديد مفهوم العروبة، اليوم، عندما عقدنا اتفاق الطائف، أنا ما لفت انتباهي أنّ لبنان أصبح عربياً مئة في المئة، لكن أية عروبة؟ العروبة التقدمية على التقليد، الناصرية، أو العروبة؟

 

وفا سرايا: هذا ما يُسمّى بصراع الهوية.

 

جورج قرم: نعم، أو العروبة حسب الوهّابية وسياسة المملكة العربية السعودية، وهذا من أيام عبد الناصر، كان هناك هذا الصراع بين وجهتي النظر، الوجهة العربية التقدمية الوحدوية، والسياسة السعودية.

 

وفا سرايا: تراجعت هذه السياسة أو هذه الوحدة القومية العربية التي كنّا نسمع بها أو كنّا نحلم بها كأبناء العالم العربي لصالح المنظمات التكفيرية ربما؟

 

جورج قرم: طبعاً تراجعت. فلنتذكّر بعد انكسار العراق في ظلّ صدّام حسين، خرجت شعارات جديدة، أنه مثلاً لبنان أولاً، فلسطين أولاً، سوريا أولاً، إيران أولاً أيضاً. باتت هناك هذه الموجة، أن نتخلّص من أية ارتباطات بالتعاون الوثيق في ما بيننا.

 

وفا سرايا: النزعة التقسيمية.

 

جورج قرم: نعم، هكذا كانت، نزعة تقسيمية، ومن ثمّ الغرب بسياساته وبأمواله، غذّى كلّ النزعات الانفصالية التي بدأت تظهر.

 

وفا سرايا: وما زال حتى اليوم يشجّع أيّ كيان يريد الانفصال عن هويته أو وحدته.

 

جورج قرم: وما زال، نعم، واليوم واضح حجم إعادة إحياء القبائل العربية، وأول رئيس جديد وقتها للعراق بعد سقوط صدّام حسين، أتوا بشخصية، كان رئيس قبيلة كبيرة جداً.

 

وفا سرايا: بعد العام 2003، أي بعد الاحتلال الأميركي، ولكن هل يمكن لهذه السياسة الأميركية أو عقوبات البيت الأبيض، أن تؤثر على السياسة الخارجية للدول المنافسة لأميركا معالي الوزير، أم من الصعب، هي إجراءات يمكن مواجهتها، إن كان بالنسبة لروسيا، بالنسبة للصين، حتى بالنسبة لإيران اليوم في ظلّ الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي؟

 

جورج قرم: الآن هناك تحديات كبيرة جداً، الأمر السلبي مئة في المئة هو هذا التشرذم الحاصل داخل كل قُطر عربي، تأخذين ليبيا، تأخذين سوريا.

 

وفا سرايا: اليمن.

 

جورج قرم: تأخذين اليمن، أنا سمّيتها بأنّها من ديناميكية الفشل عند العرب إلى ديناميكية التدمير الذاتي، هناك تدمير ذاتي عربي، أمر غريب جداً.

 

وفا سرايا: في سياق هذا الحديث، وفي هذا الإطار، اسمح لنا معالي الوزير، عن السياسة الخارجية الأميركية، لا بدّ من التطرّق إليها لأنّها مؤثّر كبير في المنطقة، على وضع المنطقة، حتى على التنافس الاقليمي والدولي في الأجندة التي تمتلكها هذه القوى إن كان في سوريا كما ذكرنا، في ليبيا، حتى مصر، وأيضاً الحرب الأخيرة، الحرب الأبشع ربما تجاه اليمن، وتبقى القضية الفلسطينية كذلك.

سنتابع هذا المقال في صحيفة الأخبار التي نشرت مقالاً للكاتب وليد شرارة تحت عنوان السياسة الخارجية كفن استعراضي. فلنتابع ونعود لمواصلة النقاش.

 

الأخبار اللبنانية: السياسة الخارجية كفن استعراضي، وليد شرارة

يرى مصدر مطلع زار واشنطن أن الانقلاب المفاجئ الذي طرأ على موقف الرئاسة الأميركية من قضية سحب قواتها من سوريا يعود إلى حجم الضغوط التي تعرّضت لها بعد انعقاد قمّة هلسنكي بين الرئيسين الروسي والأميركي. لقد ظهر ترامب خلال القمّة بمظهر من استسلم تماماً لرؤى الرئيس الروسي وآرائه، وتحديداً في الموضوع السوري. الدولة العميقة، وعلى رأسها المؤسّسة العسكرية التي تخالف توجّهاته المُهادِنة لروسيا وسعيه المستمر للتوصّل الى تفاهمات معها، التقطت الفرصة التي وفّرتها الانعكاسات الكارثية للقمّة على صورته وسمعته، مع ما يعنيه ذلك من احتمال تراجع في نسبة شعبيته، ونجحت في إقناعه بضرورة الشروع في استدارةٍ كبرى حول سوريا كشرطٍ ضروريٍ لاستعادة مظهر الرئيس القوي.

يؤكّد المصدر أن أقطاباً في الحزب الجمهوري، منهم عضو مجلس الشيوخ ليندسي غراهام، قد أسهموا في الضغط على ترامب لتغيير سياسته السورية.

لم يثبت حتى الآن أن للولايات المتحدة أوراق قوّة تسمح لها بتغيير موازين القوى الميدانية لمصلحتها ولمصلحة حلفائها. ما ثبت حتى اللحظة قدرتها على تنفيذ عمليات استعراضية ليس لها تأثيرٌ يُذكَر في المجرى العام للتطوّرات الذي يسير في اتجاهٍ منسجمٍ مع مصالح أعدائها وخصومها. حقائق عنيدةٌ تثبت على الأرض لا يصمد أمامها تغيير بعض الوجوه ولا بعض مفردات الخطاب.

 

وفا سرايا: معالي الوزير، انطلاقاً ممّا جاء في هذا المقال، هل هذه السياسة الخارجية بالفعل هي فن استعراضي، أم أنها تجني ثمار ما تقوم به في المنطقة؟ إن شئت، لنبدأ من ساحة الصراع الأكبر طيلة السنوات السبع الماضية، من خلال سوريا تحديداً.

 

جورج قرم: نعم، ولكن لديك أنت مشاريع بالنسبة لسوريا، من الدوائر الغربية ودوائر الحلف الأطلسي إن شئت، لوضع اليد على سوريا بشكل كامل، حتى اليوم هناك مقال للأستاذ كمال خلف الطويل يعطيك ما هي النظرة الأوروبية لوضع اليد على سوريا. الآن، كم هناك واقعية في هذا الطرح الأوروبي، لأن الطرح الأوروبي منذ زمن يقول، نحن سنساهم بإعادة إعمار سوريا إنما خارج إطار النظام، باستبعاد النظام.

 

وفا سرايا: قابل للتنفيذ هذا السيناريو معالي الوزير، خصوصاً أنّ هناك نوعاً من الذبذبة أو عدم الاستقرار بالنسبة للرؤية الأوروبية التي في كثير من الأحيان، هي تنساق مع الموقف الأميركي، أم هنالك، يمكن القول، شرخ الآن، لأنّه يقال إن ما عجز عنه الرئيس بوتين تجاه الأوروبيين استطاع ترامب أن يوحّدهم ويتمسّكوا أكثر بسياستهم الداخلية كاتحاد أوروبي؟

 

جورج قرم: لا، أنا لا أتصوّر هناك أيّ نوع من الاستقلالية بالنسبة إلى دول الاتحاد الأوروبي.

 

وفا سرايا: أبداً.

 

جورج قرم: الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، كلهم لديهم مشاريع لإعادة إعمار سوريا، ولكن باستبعاد رئيس الدولة السورية الرئيس بشّار الأسد، وطبعاً هذا لا توجد فيه أيّة واقعية، كالعادة لا توجد واقعية.

 

وفا سرايا: ولكن كيف نقرأ الموقف السياسي الأخير لوزير الخارجية جان إيف لودريان؟ يقول إنّ الرئيس الأسد انتصر عسكرياً ولكن امنحونا وقتاً بالنسبة لبلورة حل سياسي. عن ماذا تبحث مثلاً فرنسا؟

 

جورج قرم: في الوقت نفسه ترين الرئيس ماكرون.

 

وفا سرايا: يهدّد بشنّ ضربات إذا استُخدم السلاح الكيميائي.

 

جورج قرم: ليس ذلك فحسب، بل أيضاً إحالة الرئيس السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية، وهناك كلام كبير جداً عن الموضوع، وهناك تخبّط في التصريحات. هذه السياسة الغربية هنا، إن شئت، ترين فروقات كبيرة بين الأفرقاء، ولكن في النهاية تصبّ في اتجاه واحد، نريد أن نتخلّص من رئيس الدولة السورية، والإعمار نريد أن نقوم به نحن، وهناك مشاريع أعدّها البنك الدولي والاتحاد الأوروبي لإعادة إعمار سورية ولكن من دون الرئيس بشّار الأسد. فلذلك هذا الأمر ليس فيه أيّ نوع من الواقعية.

 

وفا سرايا: ولكن ألم نشهد تمايزاً للموقف الأوروبي؟ إذا كنت تقول لا في الساحة السورية، ولكن بالنسبة للاتفاق النووي الإيراني، كان هنالك موقف مختلف، تمسّك أوروبي بالاتفاق النووي مع إيران، في مقابل انسحاب كامل لأميركا. ولكن هل تُرجِم هذا الموقف الأوروبي؟

 

جورج قرم: لم يترجَم لأننا رأينا شركة توتال انسحبت من إيران.

 

وفا سرايا: انسحبت بشكل كامل.

 

جورج قرم: في دقيقتين.

 

وفا سرايا: أي ليس هناك ضمانات أوروبية لكي تضمن هكذا اتفاق دولي؟

 

جورج قرم: أوروبا لا تستطيع أن تضمن، ليس لديها القوة حتى تضمن أيّ شيء. أوروبا اليوم خاضعة للحلف الأطلسي 200 في المئة، 200 في المئة.

 

وفا سرايا: اليوم هذا يدفعنا أيضاً إلى سؤال حول الدور الأميركي. هي ممسكة أو قادرة على الإمساك بكل الأطراف في المجتمع الدولي، وهي مَن تدير الدفة معالي الوزير، خصوصاً إذا أردنا الحديث عن القضية الفلسطينية، ولكن ربما هناك ستتشعّب الأمور، الكلام الأخير لجون بولتون، تحديداً بعد قرار إغلاق مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية، وقال الفلسطينيون بأنّهم سيتوجّهون إلى المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة إسرائيليين، قال بشكل واضح.

 

جورج قرم: لا نعترف بها.

 

وفا سرايا: لا نعترف بها، بل هدّد من يقوم باتخاذ هكذا قرارات بعقوبات أميركية.

 

جورج قرم: نعم، أميركا لا تزال قوية. التنظيرات أنّ أميركا تتراجع.

 

وفا سرايا: لماذا إذاً نتمسّك بهكذا مجتمع دولي أو بمنظمات أممية مثلاً؟

 

جورج قرم: الذي لديه بعض الاطّلاع، كلّ أجهزة الأمم المتحدة أميركا تسيطر عليها، وأميركا تدفع أكبر حصّة مالية لتسيير منظمات الأمم المتحدة، والأمر نفسه مع صندوق النقد الدولي، والأمر نفسه مع البنك الدولي، وهنا لديك دول البريكس تطلب أن يكون لها صوت أكبر في صندوق النقد الدولي وفي البنك الدولي، وطبعاً الدول الغربية تقاوم هذا الطلب.

 

وفا سرايا: بدلاً من أن تكون هذه المنظمات الدولية أقوى من أية دولة في العالم، نتحدث عن واشنطن، هي المهيمن يمكن القول بشكل صريح بكافة الملفات؟ ولماذا نحن نعوّل على 124 دولة، مثلاً كمحكمة الجنايات الدولية، قامت بتأسيس هكذا منظمة غير قادرة بالمقابل على محاكمة دولة كالولايات المتحدة الأميركية وكيان مغتصب كإسرائيل؟

 

جورج قرم: أنظري، الجيش الأميركي، ما فعله الجيش الأميركي.

 

وفا سرايا: في العراق وأفغانستان.

 

جورج قرم: في العراق، هذه جريمة ضدّ الإنسانية، وكانت هناك مصادر غربية وكان هناك مثقّفون غربيون، باحثون غربيّون، قالوا ذلك، حتى العقوبات التي فُرِضت على الشعب العراقي، عندما تكون هناك عقوبات رئيس الدولة لا يتأثر، رئيس الدولة وجماعته لا يتأثّرون والشعب المسكين هو الذي يتأثر. 13 سنة من العقوبات الاقتصادية المجنونة على العراق هي جريمة ضد الإنسانية.

 

وفا سرايا: واليوم على إيران التي عانت 31 سنة مسبقاً من هذه العقوبات.

 

جورج قرم: صحيح، ولكن الفارق اليوم أنّ هناك الصين التي تدعم إيران.

 

وفا سرايا: فقط الصين؟ أم هناك الصين والهند وروسيا؟

 

جورج قرم: نعم، هناك روسيا، طبعاً.

 

وفا سرايا: وحتى تركيا بموقفها من هذه الناحية هي حليف أساسي لإيران، متزعزعة الموقف في بعض الأمور.

 

جورج قرم: ولكن تركيا لها أدوار ملتبسة كما نعلم، وبشكل خاص على تمويل الإرهاب في سوريا.

 

وفا سرايا: سنترك هذا الملف للنهاية ربما، معركة إدلب، ولكن في ما يتعلق بالسياسة الخارجية تجاه سوريا، نحن تحدّثنا ربما عن الموقف الأوروبي المنسجم والمنساق بطبيعة الحال للأميركي، ولكن قبل فترة، كان الرئيس ترامب يقول، نحن نريد سحب القوات الأميركية من سوريا، أتى القرار بعد فترة، خصوصاً بعد هذه الإدارة وصقور هذا النظام ككوشنر وبولتون وبومبيو، يقول لا، هذا مرهون بخروج القوات الإيرانية، ومن يدفع ثمن بقائهم هي الدول الخليجية.

 

جورج قرم: أنظري، دونالد ترامب.

 

وفا سرايا: كيف نفهم هذه السياسة؟ وما تداعياتها؟

 

جورج قرم: لا، ولكن دونالد ترامب لديه تصريح ربما يناقض التصريح الذي أدلى به قبل يومين أو قبل يوم. هو لا يجب أن ينظر المرء إلى ما يقوله ترامب، بل يجب أن ينظر إلى الدولة العميقة الأميركية، المؤسّسة العسكرية والصناعية التي نبّه ضدّها الرئيس أيزنهاور، هي الحاكمة في أميركا في نهاية الأمر، ومن ثمّ من يحكم أميركا هي الأموال، الانتخابات الرئاسية أو حتى انتخابات المجلس النيابي أو مجلس الشيوخ، كلها تجري بالأموال. مؤخراً عرفنا أيضاً من مقالة من المقالات بأنّ إسرائيل تدفع أموالاً لممثلي الشعب الأميركي.

 

وفا سرايا: هذه اللوبيات تاريخياً كان لها هذا الدور معالي الوزير، وهو ليس بالأمر الجديد.

 

جورج قرم: نعم، ولكن هذا بمباركة الدولة العميقة.

 

وفا سرايا: ترامب إذا كان لا يمتلك هذا القرار، هل يمكن أن يذهب إلى مواجهة، أم أنّ هذه المؤسّسات هي رادعة له من تفجير الوضع والذهاب إلى المواجهة المباشرة؟ هل ستقتصر إن كان مع إيران أو مع روسيا أو مع الصين فقط تحت شعار الحرب التجارية والحرب الاقتصادية؟

 

جورج قرم: أنا لست مؤمناً بأنّ هناك حرباً كبيرة مقبلة على المنطقة، إلا إذا تحرّكت إسرائيل في لبنان مثلاً، وأنا أشكّ أيضاً بأن تقوم إسرائيل بعمل عدائي عسكري في لبنان لأنه بات هناك توازن رعب بين لبنان ممثلاً بحزب الله وبقدرات حزب الله وبين دولة إسرائيل. هم أتوا بسيناريو حرب على صعيد المنطقة بين أميركا وإيران، لا.

 

وفا سرايا: حتى الدليل أنّ مجموعة وزراء مَن يسمّون وزراء الحرب مثل موشيه يعالون أو عاموس غلعاد، كان هنالك مؤتمر قبل أيام، قالوا نحن نستبعد أية ضربة عسكرية لإيران، سوف تبقى ضمن إطار العقوبات الاقتصادية.

سنكمل هذا الحوار معك معالي الوزير، الحوار الشيّق معك على جميع الأصعدة.

 

جورج قرم: شكراً.

 

وفا سرايا: ولكن بعد هذا الفاصل القصير. ابقوا معنا مشاهدينا الكرام.

 

 

المحور الثاني

 

وفا سرايا: من جديد أهلاً بكم مشاهدينا الكرام إلى الجزء الثاني من حوار الساعة التي نستضيف فيه اليوم معالي الوزير جورج قرم.

أهلاً وسهلاً بك من جديد معالي الوزير. ولكن سنستأنف هذا الجزء، اسمح لنا، بهذا المقال من صحيفة رأي اليوم الإلكترونية تحت عنوان علينا تحديد هويتنا.

 

رأي اليوم: علينا تحديد هويتنا، عبد الحي زلوم

غسيل دماغ ممهنج عبر برامج تعليمية وضعها خبراء من الاستعماريين وعلمائهم في علوم النفس والاجتماع والسياسة، فأصبحنا قطيعاً من البشر لا يربط بيننا رابطٌ فكري.

لذلك بات من الواضح أن تغيير رأس النظام ليس هو الحل كما أثبت الربيع العربي، فمع النظام هناك دولة عميقة منظمة، تقابلها جماهير من دون أي رابط مجتمعي أو سياسي أو عقائدي.

وأخيراً وليس آخراً لا يمكن محو قرون من التجهيل وغسل الدماغ بإزاحة رئيس أو ببلاغ رقم واحد من العسكر.

لكن هذه الأمّة كما أثبت التاريخ تجدّد نفسها كلما ظنّ أعداؤها بأنها قد انتهت. دمّر المغول بغداد وقتلوا خليفتها وأحرقوا كتبها وفي النهاية احتوتهم هذه الحضارة وحاربوا من أجلها. كان من وحّد مصر وبلاد الشام وهزم الصليبيين كردياً بلغة اليوم ومسلماً بلغة الأمس.

وعن فكرة التغيير، تحدّث البابا فرنسيس في سانتا كروز فقال: "نحن بحاجة إلى التغيير، بل نحن نريد التغيير، بل أنا أصرّ أن نقولها من دون خوف وبأعلى صوت: نريد تغييراً حقيقياً في هيكلية النظام الحالي. إنّ النظام الحالي أصبح لا يُطاق. نحن بحاجةٍ إلى تغيير النظام على مستوى العالم حيث أن الترابط بين الشعوب في عصر العولمة بحاجة إلى حلول عالمية". ولعلّ هذه نقطة بدايةٍ جيدةٍ تجمع ما بين 1.5 مليار مسلم وبين مثلهم من المسيحيين الكاثوليك.

 

وفا سرايا: معالي الوزير، نحن بحاجة إلى تغيير النظام على مستوى العالم. سأنطلق من كلام البابا فرنسيس، ولكن ما هي الأسس القادرة على تغيير هذا النظام في ظلّ زرع اليوم كيانات دينية، طائفية، عرقية وإثنية؟

 

جورج قرم: نعم، هذه سياسة القوّة الناعمة الأميركية تسير بموجبها. مثلاً، أنا ألاحظ بالنسبة للبنان، عندك هجوم صحافيين أجانب، يريدون أن أتحدّث عن الفينيقية.

 

وفا سرايا: أي تضييع بوصلة حتى الهوية العربية بالنسبة لتقسيم الدول العربية.

 

جورج قرم: نعم، ضاعت العروبة، وهذه أنا كتبت الكثير حولها، الالتباس بين عروبة وإسلام كان مشكلة كبيرة جداً، فالقومية العربية كما تأسّست في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين كانت تفصل بين الهوية، معظم المفكّرين الكبار كانوا يفصلون بين الهوية الدينية والهوية الإثنية إن شئت العربية. فمن ثمّ حصل لديك فكر متنوّر، فكر إسلامي متنوّر للغاية، حتى في السنوات الأخيرة تقريباً، إن رأيت أعمال محمّد شحرور مثلاً، سيّد القمني وغيرهما، وفي مصر، فرج فودة الذي تمّ اغتياله، وواضح أنّ الحركات الإسلامية هي حركات أصبحت أيضاً دمى بين أيدي العالم الغربي، فعندما يقولون لك هناك صِدام حضارات، هذا كلام من دون قيمة. كيف هناك صراع حضارات وكل الأنظمة العربية باستثناء سوريا متحالفة مع أميركا؟ كلّ العرب الأغنياء يرسلون أولادهم للدراسة في الغرب، أليس كذلك؟ وثالثاً، كلّ العرب الفقراء يغامرون بحياتهم من أجل قطع المتوسّط للوصول إلى هناك، ولا يزالون يحدّثوننا عن صراع حضارات. هذا كلام سخيف. يقولون دعونا نقوم بحوار أديان، القضايا الدنيوية لا تُحَلّ باللجوء إلى الأديان، بل تُحَل بالعقل وبفهم.

 

وفا سرايا: وهنا، نعود إلى الحرب الاقتصادية والقدرة الاقتصادية وهذه الدول الضعيفة غير القادرة إلا أن تكون وتطلب الحماية من هذه الدول المُهيمنة والمُسيطرة التي تستعمل شكلاً جديداً من أشكال الاستعمار ربما معالي الوزير.

 

جورج قرم: لا ننسى، كانت هناك نظرية الفوضى الخلاّقة الأميركية، لا تزال موجودة.

 

وفا سرايا: صحيح، خلق شرق أوسط جديد.

 

جورج قرم: لا تزال موجودة، لا تزال هي نفسها. ترامب لم يأتِ بشيء جديد في الموضوع، لأنّ الدولة العميقة الأميركية هي التي تعمل، ونحن لدينا إحصاءات أنّ نصف عدد الطلاب العرب الذين يذهبون للدراسة في أوروبا وأميركا لا يعودون إلى الوطن، وهناك استفتاءات عند العنصر الشاب.

 

وفا سرايا: سرقة العقول العربية.

 

جورج قرم: وهناك استفتاءات، أكثر من 50 في المئة من عنصر الشباب يريد أن يترك وطنه.

 

وفا سرايا: في ما يتعلق بالسياسة الخارجية الأميركية تجاه، سوف أعود إلى نقطة المنطقة، تحديداً إلى تصفية القضية الفلسطينية. كل الوقت السابق، نحن نسمع بشكل مبطّن وإن لم يكن علنياً، ما تمّ الحديث عنه من صفقة القرن وما يروّج له كوشنر وأيضاً ترامب في المنطقة.

 

جورج قرم: أنظري، لا يوجد شيء جديد.

 

وفا سرايا: هي تسمية جديدة فقط.

 

جورج قرم: منذ البداية ومنذ اتفاق أوسلو، أنا كتبت ورحمه الله إدوارد سعيد كتبه، وغيرنا أيضاً، أن اتفاق أوسلو طريقة لعدم الاعتراف بالحقوق الفلسطينية.

 

وفا سرايا: صحيح.

 

جورج قرم: من يقرأ قانونياً اتفاق أوسلو يجنّ، يجنّ. وأنا كانت منظمة التحرير الفلسطينية تستشيرني في الموضوع الاقتصادي، وقلت لهم هذا انتحار، ما تقومون به انتحار، تسلّمون رقبتكم للدولة الإسرائيلية.

 

وفا سرايا: تحديداً لم يُحدَّد مستقبل اللاجئين الفلسطينيين وخصوصاً بعد مرور ربع قرن، بالأمس كانت ذكرى مرور ربع قرن على اتفاق أوسلو. هل هذه هي الفرصة الملائمة كما تقول قوى المقاومة في المنطقة للانسحاب من هذا الاتفاق؟ وهل قادرة القيادة الفلسطينية على اتخاذ هذه الخطوة؟

 

جورج قرم: أنظري. أنا اليوم أنظر إلى أمر آخر، الأمر الخلاّق، المُبدِع، والذي فيه تضحيات رهيبة، ما يجري في غزّة.

 

وفا سرايا: الحصار الاقتصادي.

 

جورج قرم: كل الغزاويين الذين كل يوم يعبرون الحدود مع الكيان الصهيوني ويقدّمون حياتهم في نهاية الأمر، شيء مذهل، شيء مذهل كمقاومة فعلية.

 

وفا سرايا: حتى ابتكار أسلحة كانت مخيفة لإسرائيل كطائرات ورقية أو بالونات حارقة.

 

جورج قرم: نعم، شيء مذهل، هذا الذي يجب أن نركّز عليه، وأنا مثلاً أرى، وأحزن كثيراً بالأخبار العربية لم يعودوا يتحدّثون عن الموضوع. تحدّثوا لبضعة أيام، ثمّ توقفوا.

 

وفا سرايا: في هذا الإطار، هنالك يقال، بالأمس تحديداً، كشفت مصادر سياسية أميركية ليل أمس عن حيلة جديدة من إدارة الرئيس ترامب بمشاركة دول خليجية وأوروبية لإجبار السلطة الفلسطينية على القبول بما يُسمّى صفقة القرن أو العودة إلى طاولة المفاوضات.

اسمح لي، بشكل مقتبس، كما ذكر بموقع غلوبس الإسرائيلي، بأنّ الولايات المتحدة اقترحت على السلطة الفلسطينية تقديم خمسة مليارات دولار مقابل العودة إلى طاولة المفاوضات، على أن تُدفَع في ما بعد هذه الأموال من الجيب الخليجية أو الجيوب الخليجية.

هل يمكن أن تُمرَّر هكذا حيل، لأنّ أميركا لا تكفّ عن اتخاذ خطوات لتصفية القضية؟

 

جورج قرم: سامح الله محمود عباس، لعب لعبة المفاوضات عن مسار السلام، وأنا كتبت مقالاً منذ زمن، في العام 1994، أن هذا مسار سلام من دون سلام، هناك مسار ولكن لا يوجد سلام في النهاية، سار باللعبة، والانتخابات التي حصلت في الضفة الغربية، الانتخابات الأخيرة التي أخذت فيها حماس حصّة كبيرة جداً من الأصوات.

 

وفا سرايا: واليوم هناك لوم من قِبَل القيادة الفلسطينية عما كان يُحكى باتفاق أو تسوية لتهدئة ما بين حركة حماس وما يسمّى بالكيان الإسرائيلي.

 

جورج قرم: نعم، سمعت ذلك.

 

وفا سرايا: لأنّ هذه من ضمن المخطّط الذي قيل ضمن صفقة القرن، محاولة إسرائيلية وأميركية.

 

جورج قرم: ولكن أنا في نظري القضية الفلسطينية لن تموت، وأنا أيضاً أرى أن الكيان الإسرائيلي ذاته أصبح ضعيفاً، وأنّ العالم كلّه تعب من هذا الكيان، استفتاءات الرأي العام في أوروبا مثلاً أو حتى في أميركا، هناك تململ.

 

وفا سرايا: حتى هناك تصعيد باللهجة، موغيريني منذ أيام تطلب بشكل واضح وحازم من إسرائيل التراجع مثلاً عن هدم قرية الخان الأحمر الذي جرى بالأمس.

 

جورج قرم: أنا في تقديري الكيان الصهيوني أصبح أضعف بكثير، وكنا نقولها منذ زمن، أنّ هذه مثل الحروب الصليبية، وفي النهاية الصليبيون ذهبوا، وأنا في نظري الصهاينة سيذهبون أيضاً، ولكن قد تأخذ وقتاً.

 

وفا سرايا: بفضل ماذا؟ ما الذي أدّى ربما إلى ذلك؟ الصليبيون انتهوا بحروب صليبية، اليوم إذا كان الفكر الصهيوني وهذه اللوبيات وإسرائيل بما تحمله من فكر استيطاني واضح، والقضاء على الأرض الفلسطينية، كيف؟ بالمقاومة؟ مثلاً سوريا كانت تحاول التدخّل بشكل مباشر وغير مباشر لحماية أمن إسرائيل بدايةً، وبتغطية أميركية.

 

جورج قرم: سوريا؟ سوريا لم تكن، نظرية حافظ الأسد كانت أنه يريد التعادل الاستراتيجي من ناحية العتاد العسكري حتى يقوم بحربٍ لتحرير الجولان.

 

وفا سرايا: أنا أتحدّث عن التدخّل الإسرائيلي الذي كان واضحاً منذ البداية، إن كان عبر تنظيمات إرهابية، طيلة سبع سنوات، أو بشكل مباشر كانت تنفّذ الاعتداءات على سوريا. هذه الخسارة التي دفعت ثمنها إسرائيل أيضاً بمقابل صعود تيار المقاومة، إن كان حزب الله في لبنان على الجبهة الشمالية، أو حتى إيران، هو قد ينهي هذا الوجود الإسرائيلي في المنطقة وهذا الكيان؟

 

جورج قرم: أنا أعتقد.

 

وفا سرايا: أنا أتحدّث عن العوامل معالي الوزير.

 

جورج قرم: على الأمد البعيد، إذا بقيت شعلة المقاومة الفلسطينية كما نراها حالياً، طبعاً هذا يساهم في زعزعة ثقة الكيان الإسرائيلي بنفسه، ونحن نعرف اليوم أنّ هذا الكيان الإسرائيلي مزروع في المنطقة حتى يزرع أيضاً الفتنة بين العرب، كم هناك خطط إسرائيلية منشورة ومعروفة أصبحت، أنا ما يحزنني هو عدد اللبنانيين الذين لا يرون في إسرائيل عدواً كيانياً للبنان.

 

وفا سرايا: فقط لبنانيين أو عرب أيضاً؟

 

جورج قرم: هناك عرب أيضاً، ولكن الآن أتحدّث كلبناني. اليوم، يتحدّث المرء مع بعض اللبنانيين، نسوا ماذا فعلت إسرائيل في لبنان، كم فتكت بالشعب اللبناني، كم ضربت، شيء مذهل.

 

وفا سرايا: ما الذي غيّر هذا الفكر، الانتقال من عدو مثل إسرائيل، هي عدو لكل العرب وليس فقط للبنانيين معالي الوزير، إلى خلق أميركا وإسرائيل لعدو آخر، وإقناع العالم العربي بأنّ هنالك عدواً سوف يُهيمن على القرار العربي، نتحدّث عن إيران بطبيعة الحال؟

 

جورج قرم: هناك مقال لصحافي أميركي مشهور جداً سيمور هيرش، يعود إلى العام 2003 أو شيء من هذا النوع، يتحدّث عن تخطيط إثارة فتنة بين السنّة والشيعة في المنطقة. هذه السياسة الأميركية الجديدة للاحتفاظ بمكانة أميركا في المنطقة، هو قالها، واضحة، مكتوبة، وهو من الصحافيين المرموقين في الولايات المتحدة الذين لديهم مصداقية كبيرة جداً.

 

وفا سرايا: فضلاً، معالي الوزير، بشكل سريع، قبل أن نذهب إلى المقال في الميادين نت، حجم الضغط الإسرائيلي الأميركي على الفلسطينيين، إنهاء قضية اللاجئين، من بعد نقل السفارة الأميركية إلى القدس، أتى أيضاً إنهاء وتقليص الميزانية للأونروا، أيضاً تصفية قضية اللاجئين هي ربما أكبر مثال على المحاولة لتصفية القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني. هناك مساعٍ أميركية واضحة للضغط على الدول التي يتواجد على أرضها اللاجئون الفلسطينيون مثل لبنان والأردن، تحت شعار أو تحت تنفيذ قانون التوطين، وقرار التوطين. اليوم ما دور هذه الدول مثلاً كلبنان والأردن في مواجهة هذا المخطط؟

 

جورج قرم: يجب أن يصمدوا، وأتصوّر أنه سواء الأردن أو لبنان، ليس لديهما أية مصلحة للسير في خطّة كهذه، لأنّه في الأردن لديك قضية العلاقات بين السكان الأصليين وبين اللاجئين الفلسطينيين، ونحن لدينا المشكلة نفسها في لبنان، وأتصوّر هذا يحتاج إلى تنسيق بين الدولة الأردنية والدولة اللبنانية، حتى نمنع التوطين، بالتأكيد، ومن ثمّ حتى دستور الطائف في لبنان يمنع التوطين، ممنوع التوطين.

 

وفا سرايا: تحدّثنا، للأسف تقول منذ اتفاق الطائف هنالك تقدّم أكثر لهذا الفكر الوهّابي، خلق هكذا تنظيمات إرهابية، تمّ استخدامها من قبل الغرب وحتى من العدو الإسرائيلي. في هذا الإطار، سوف نتابع أيضاً هذا المقال، المقال الأخير معنا في الحلقة معالي الوزير.

في الميادين نت، كتب عبد الله سليمان علي مقالاً حذّر فيه من عودة داعش. فلنتابع معاً.

 

الميادين نت: إعادة استخدام داعش تلوح في الأفق، عبد الله سليمان علي

في ظلّ هذا الاحتقان الدولي المتصاعد على خلفية التطوّرات السورية، ثمة أمر بالغ الخطورة يكاد يختفي عن الأنظار بعد أن كان مالئ الدنيا وشاغل الناس، وهو الحرب ضد تنظيم "داعش" ومصير الآلاف من مقاتليه، واحتمال عودته على شكل شبكةٍ سريةٍ تعمل تحت الأرض بعد أن فقد كل شيء فوق الأرض.

ويمكن تسليط الضوء على ثلاثة تطوّرات مهمّةٍ قد ينطوي كل واحدٍ منها على مخاطر كبيرة يمكن لتنظيم "داعش" أن يجد فيها طوق النجاة. وهذه العوامل هي: الأول تأزّم الوضع السياسي في العراق الذي شهدت مدينة البصرة أوضح تجلياته العنفية ولم يكن خافياً أن "الحشد الشعبي" القوّة الضاربة الأولى التي هزمت داعش كان المستهدف الأبرز في هذه الأحداث. والثاني، تغيير الولايات المتحدة لأولوياتها من محاربة "داعش" إلى مواجهة نفوذ إيران وربما إلى ما هو أبعد من ذلك، وصولاً إلى منع روسيا من ترسيخ نفوذها في منطقة الشرق الأوسط. وأخيراً استخدام بعض الأطراف الدوليين معركة إدلب كمنصّةٍ لتفكيك المعادلة الثلاثية القائمة بين روسيا وإيران وتركيا، وانعكاس ذلك على سيناريوات الحل النهائي للأزمة السورية.

التطرّف والإرهاب لا يكبران بقدراتهما الذاتية وحسب، بل تساعد التعقيدات الإقليمية والدولية والثغرات الناشئة عن التنافس بين الدول، التنظيمات المتطرفة من أمثال "داعش" وغيره على النمو وتوفّر لها البيئة المناسبة للبقاء على قيد الحياة.

 

وفا سرايا: سأنطلق من ساحتين أساسيتين، العراق وسوريا، اللتين ذُكرتا في المقال. هذه التعقيدات الدولية والاقليمية، أو الصراع الذي ينشأ، المستفيد منه هكذا تنظيمات مثل داعش، يعود ليرمّم أكثر هذه البنية الأساسية له.

هل المستقبل الآن ليس فقط الخوف من هكذا تنظيمات إرهابية بل كيف يمكن استخدامها في المستقبل القريب معالي الوزير، إن لم يكن عسكرياً، ففكرياً كذلك؟

 

جورج قرم: هناك تقليد قديم عائد إلى الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، إن شئت، الولايات المتحدة استخدمت دعم الإخوان المسلمين أينما كان، وكلّ الحركات المتطرّفة أو المتشدّدة الإسلامية، وشجّعتها، وكانوا في الكثير من الأحيان يلجأون إلى بريطانيا أو إلى أميركا عندما كانت الأنظمة تحاربهم، فهذه لا يوجد جديد فيها، ما زلنا مستمرين على لعبة الحرب الباردة، إن شئت توظيف الإسلام السياسي في المعركة ضد الأنظمة العربية المعادية للاستعمار، التي كانت تقف في وجه الولايات المتحدة. ولكن نحن أيضاً ارتكبنا أخطاء كعرب، يمكنك أن تفكّري كيف أنّ الوحدة بين سوريا ومصر بعد سنة ونصف السنة انفكّت، يمكنك أن تفكّري أيضاً بتصرّف صدّام حسين الذي ذهب، كل العالم ينسى أنّ صدّام حسين لحساب الممالك والإمارات الخليجية ذهب هو وهجم على إيران، وليس الإيرانيون من دخلوا واحتلوا العراق، العكس كان.

 

وفا سرايا: ووقفت وقتها سوريا، مع الرئيس حافظ الأسد، إلى جانب إيران، لأنها قالت المعتدي كان صدّام حسين. حتى حرب الكويت التي لا يزال العراق يدفع حتى الآن أثمان هذه الحروب.

 

جورج قرم: هناك أخطاء جسيمة ارتُكِبت بشكل كبير جداً.

 

وفا سرايا: اليوم ما هي السبل لمواجهة هذا التطرّف والإرهاب الذي تحت هذا الشعار كانت تتدخّل أميركا وتقول أنا متواجدة هنا، أنا أحارب لأجل هذا التطرّف والإرهاب. في المقابل، كنّا نلاحظ أنّها هي من تدعمها. حتى تركيا، كان هناك أمل كبير منها في القمّة الأخيرة في طهران، تبيّن بتقارير أخيرة عسكرية أنها تقدّم الدعم الكبير بالنسبة لمعركة إدلب لهذه التنظيمات الإرهابية المتواجدة هناك.

 

جورج قرم: نعم، أردوغان أيضاً يلعب على الحبلين إذا لم يكن أكثر.

 

وفا سرايا: هل ستلعب، يمكن القول، معركة إدلب هي ستحدّد خطوط الصراع والحل السياسي في سوريا، وفي المقابل أيضاً المشهد العراقي سيرسم مَن يمتلك النفوذ في المنطقة معالي الوزير؟

 

جورج قرم: أنا أخاف أن تبقى المنطقة مُشتّتة. أهم تطوّر أنا بنظري هو التطوّر في غزّة، التضحيات التي يقدّمها الغزّاويون يومياً، وهذه بالفعل أكثر من الانتفاضات الفلسطينية السابقة، التي دفع أولاد ثمن حياتهم، لكن ما يحصل حالياً، أنا بنظري هذا الذي يجب أن تسلّط كل الأضواء عليه، لأنّ هذا الرد على سياسات ترامب.

 

وفا سرايا: يرسم ربما ملامح جديدة.

 

جورج قرم: نعم، يرسم ملامح جديدة.

 

وفا سرايا: للمشهد أو للصورة في المنطقة.

 

جورج قرم: للمشهد طبعاً.

 

وفا سرايا: على أمل أن تكون هذه الصورة مضيئة كما ذكرت نتيجة هذه التضحيات للشهداء، إن كان الفلسطينيون والمقاومون، أشكرك جزيل الشكر معالي الوزير جورج قرم.

 

جورج قرم: أهلاً.

 

وفا سرايا: والشكر الأكبر لكم مشاهدينا الأكارم على طيب المتابعة لحلقة اليوم من حوار الساعة. في أمان الله.