حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

مسلم شعيتو - اسلام اوزكان

 

محمد علوش: لم تسر العلاقات التركية الروسية وفق منحنياتٍ خطية ثابتة منذ العام 2002.

دائرة العلاقات بين البلدين هي اليوم في أعلى مستوياتها بعد تدهورٍ كادت أن تصل معه إلى الصدام المسلّح أواخر العام 2015. يومذاك، أسقطت تركيا مقاتلة روسية على الحدود مع سوريا.

وقوف بوتين إلى جانب أردوغان بعد الانقلاب الفاشل أدخل العلاقة في شراكة استراتيجية عنوانها مدّ خط أنابيب الغاز الروسي إلى أوروبا عبر الأناضول وبناء محطة نووية في تركيا وصفقات صواريخ أس 400.

رغم ذلك، بين روسيا وتركيا كثير من التنافس وقليل من التنافر. من آسيا الوسطى إلى أوروبا الشرقية ونزولاً إلى الشرق الأوسط تداخلت المصالح وتضاربت بين الجانبين ولا سيما في سوريا، وكان التقارب يزداد مع تزايد الخلاف بين تركيا والولايات المتحدة.

فهل تحسّن العلاقة المستجد مع واشنطن قد يبعد أنقرة عن موسكو؟ إلى أيّ مدى قد يتطوّر التنسيق بين البلدين في ظلّ عضوية تركيا في الحلف الأطلسي؟ وإلى متى سيستمر التفاهم بينهما في سوريا؟ كيف يخدم تطابق الرؤى حول إيران في تخفيف العقوبات الأميركية عليها؟

 

للنقاش معنا في الأستوديو رئيس المركز الثقافي الروسي العربي في سان بطرسبرغ مسلم شعيتو، ومن إسطنبول الباحث السياسي التركي إسلام أوزكان.

 

(فاصل)

 

محمد علوش: حياكم الله وأهلاً بكم مشاهدينا في حوار الساعة، ونرحّب طبعاً بضيفينا. نبدأ معك أستاذ مسلم لنسأل في ما يتعلق بأفق العلاقات التركية الروسية، الآن هي في أية محطة، لا سيما أنها مرت عبر التاريخ بمحطات كانت ترتفع وتنخفض فيها؟

اليوم كيف تصنّف هذه العلاقة؟

 

مسلم شعيتو: مساء الخير لك ولمشاهديك ولضيفك الكريم. إذا نظرنا بالوقت الحالي تحديداً، العلاقات جيّدة، تصاعدياً تتّجه في اتجاه إيجابي لما من تفهّم روسي للوقائع السياسية المحيطة بالعلاقة مع تركيا، خاصةً لما تمتلكه تركيا من قدرة على إفشال كل الحلول في سوريا، وإعاقة ما قد تسعى إليه روسيا في سوريا تحديداً أو في منطقة الشرق الأوسط، لأنّ تركيا كانت وما زالت هي رأس الحربة لحلف الناتو في منطقة الشرق الأوسط، تحاول روسيا بالعلاقات السياسية، وبالإغراءات أيضاً الاقتصادية والسياسية لتركيا، من أجل أن تتحوّل وتتغيّر، تتحوّل قليلاً باتجاه مصالحها الذاتية وليس مصالح حلف الناتو أو الولايات المتحدة، وأعتقد هنا روسيا نجحت بزعامة الرئيس بوتين بإقناع الرئيس أردوغان في التوجّه في هذا المسار، وهذا أدّى إلى تطوّر جيّد في العلاقات، ساعد لاحقاً على إنشاء مجموعات اتصال، إلى أن وصلوا إلى الترويكا، إيران، تركيا، روسيا، وأنجزت الكثير في الملف السوري، وأعتقد أنّ هذه الترويكا سيكون لها دور فاعل لاحقاً في منطقة الشرق الأوسط.

 

محمّد علوش: هي في أحسن حالاتها أم أنها فقط جيّدة قياساً على ما هو مطلوب بين دولتين جارتين؟ البعض يقول إن العلاقات الروسية التركية الآن هي في أفضل حالات قياساً على تاريخ هذه العلاقة بين البلدين.

 

مسلم شعيتو: صحيح، العلاقة ما بين روسيا وتركيا تاريخياً علاقات متوتّرة، التاريخ يذكر، هناك 13 حرباً روسية تركية على مدى التاريخ، هناك ناتو موجود في الأراضي التركية، وأسلحة دمار شامل، أسلحة نووية، هناك تدخل تركي كان جداً مزعجاً لروسيا في دول الاتحاد السوفياتي السابق الإسلامي ودول القوقاز في الجمهوريات الروسية، هناك تغيير لكلّ القيم والمذاهب والانتماء الديني الروسي الإسلامي باتجاه التشدّد والإخوان المسلمين والتعصّب، عكس ما كانت تنتمي إليه هذه الفصائل أو بالأحرى هذه المذاهب الإسلامية، هناك طموحات تركية واسعة بإعادة السيطرة على كل من يتحدّث باللغة التركية في كل هذه المناطق من مناطق الإيغور في الصين وصولاً إلى القرم أو حتى وصولاً إلى البلقان أيضاً، وهذا مزعج جداً لروسيا، لأنه في الجغرافية الروسية أو في الامتداد الطبيعي للاسترايتجية الروسية على حدودها أو في داخلها، نجحت تركيا في فترة الكبوة الروسية أيام يلتسن في الامتداد في هذه المناطق بالتعاون مع الأموال العربية والأفكار العربية، لكن تحاول روسيا حالياً إعادة موازين القوى لصالحها، نجحت ونجح الرئيس بوتين، وأعتقد كلّ ما يقدّمه الرئيس بوتين للرئيس أردوغان ساعد، وآخرها اللقاء في تركيا مع الرؤساء الأربعة، هذه تسليف من الرئيس بوتين لمواقف الرئيس أردوغان لأنه كان يستثنى من الولايات المتحدة وما يسمّى أصدقاء سوريا.

 

محمّد علوش: نتحوّل إلى إسطنبول مع الباحث السياسي التركي إسلام أوزكان. نسأل من وجهة نظر تركية، كيف التقييم للعلاقات التركية الروسية؟ هل هي في أفضل حالاتها اليوم قياساً على التاريخ، أم لا يزال هناك بعض المُعطيات أو ما يعرف بإدارة الأزمة، لا سيما أنه يوجد بعض الخلافات او لنقُل التباينات في الرؤى وحتى في المواقف إزاء أكثر من قضية؟

 

إسلام أوزكان: نعم، صحيح، هناك تباينات في ما يتعلق ببعض المسائل، سواء في سوريا أو في موضوعات أخرى، ولكن أنا، أولاً المسؤولون في الحكومة التركية وأيضاً المحلّلون في الصحافة والجرائد ووسائل الإعلام والخبراء بشكل عام المقرّبون من الحكومة التركية، كلهم في جميع المستويات هم ممنونون، ومرغوبون وفرحون بهذه العلاقات. نحن بينما رأينا أو نرى، ما زلنا نرى انتقادات قاسية جداً، الموجهة ضد الدولة العربية السورية والرئيس بشّار الأسد أو حتى للرئيس الأميركي ترامب، ولكن نحن لا نستطيع أن نرى أقل، أصغر وأبسط انتقادات موجهة ضد الرئيس بوتين، وهذا يعني أنّ المسؤولين في الحكومة التركية والخبراء والمحلّلين والرئيس أردوغان، كلهم فرحون بهذه العلاقة، لا يوجد هناك أيّ انزعاج. ولكن هذا لا يعني أنه لا توجد هناك تباينات في ما يتعلق بهذا الموقف. أنا شخصياً أفضّل مصطلحاً جديداً في ما يتعلق بهذا الموضوع، هو المصطلح، تحوّل، علاقات متحوّلة، حالياً قد نستطيع أن نسمّي هذه العلاقات في أفضل حالها، ولكن هذا لا يعني أنه بعد ثلاثة أشهر، قد تتحوّل هذه العلاقات إلى أسوأ حالاتها بسبب بعض التحوّلات أو بعض التغيّرات في موضوع إدلب على سبيل المثال.

 

محمد علوش: تقصد أنها لم تصل إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية، هي تخضع لظروف وهذه الظروف تتغيّر معها وفق هذه المعطيات أو المصالح التي تعود لكل طرف منهما؟

 

إسلام أوزكان: صحيح، أنا لذلك أفضّل أن أسمّي هذه العلاقات، علاقات متحوّلة طبقاً للظروف الموجودة ووفقاً للمعطيات في سوريا أو في أماكن أخرى، ولكن طبعاً التعقيدات الأكثر في ما يتعلق بالعلاقة بين الطرفين، هو الشمال السوري، سوى الشمال السوري لا يوجد هناك أي تباين بشكل عام.

 

محمد علوش: لكن هذا لا يلغي التنافس.

 

إسلام أوزكان: صحيح، بحلف شمال الأطلسي مثلاً روسيا تريد أن تشكل أو أن تحدث تصدّعات في حلف شمال الأطلسي باستخدام تركيا كوسيلة الضغط على دول حلف شمال الأطلسي، خاصة في ما يتعلق بشراء أو بيع الصواريخ أس 400، أو أيضاً بإنشاء مفاعل نووي في تركيا، كل هذه هدفها، على الأقل في ما يتعلق بشراء صواريخ أس 400، الهدف هو خرق أو إحداث تصدّع في العلاقات بين دول حلف شمال الأطلسي، وحتى الآن نجحت روسيا في ما يتعلق بإحداث هذا التصدّع في صفوف دول حلف شمال الأطلسي، ولكن أيضاً هناك طبعاً أهداف أخرى لروسيا في ما يتعلق بهذا الموضوع.

 

محمد علوش: سنأتي على ذِكرها بكل تأكيد. إذاً المحرّك أو الفاعلون في العلاقات التركية الروسية هي لا تقتصر فقط على الدولتين، هناك أيضاً لاعبون آخرون، يؤثّرون على طبيعة هذه العلاقات، سواء تحوّلها إلى شراكة استراتيجية أو إلى استقرار هذه العلاقة كما ضرب مثلاً في ما يتعلق بحلف شمال الأطلسي.

تقديرك أنت، بالنسبة لمجالات هذه العلاقة التي هي في أفضل حالاتها اليوم، هل هي بالشراكة الاقتصادية؟ هل هي بالشراكة العسكرية التي نشهد فيها صفقات أسلحة لأول مرة من نوعها، وهي أسلحة نوعية وطبعاً لها تأثير كبير حتى في ما يتعلق بحلف شمال الأطلسي، أم لإدارة النزاع القائم على أساس التنافس بين الطرفين كون المجال الذي تتنافس فيه روسيا مع تركيا أو العكس هو نفس المنطقة، سواء كنّا في آسيا الوسطى أو في الشرق الأوسط أو حتى في البلقان؟

 

مسلم شعيتو: كلّ ما عدّدته يصلح لأن يكون سبباً لتطوّر هذه العلاقات أو لنموّها أو للبحث في مجال التاريخ ومستقبل الاستراتيجية الروسية في الشرق الأوسط مع تركيا.

نعم، الأساس الذي استعمله الرئيس بوتين في إغراء القيادة التركية هي الإغراءات الاقتصادية، حيث أعطى فرصة لتركيا، للحكومة التركية، أن تتحكّم بأوروبا عبر أنابيب الغاز. إذاً أوروبا ستتموّن بالغاز وكأنه تركي الغاز، وكأنّها هي تقرّر من تعطي وكيف تعطي.

 

محمد علوش: أي هناك فائدة اقتصادية وفائدة أيضاً سياسية استراتيجية لتركيا.

 

مسلم شعيتو: إضافة إلى أن ما تبنيه روسيا وعلى نفقتها، أي باستثمار روسي مئة بالمئة، محطات نووية لإنتاج الطاقة الكهربائية الرخيصة التي توفّر على الاقتصاد التركي وتعطيه دفعاً ليكون اقتصاداً منافساً، خاصة وأن الأسواق التركية لبيع منتجاتها هي الأسواق الروسية التي يطمح الرئيس أردوغان لإيصالها إلى مئة مليار دولار سنوياً.

 

محمد علوش: هي اليوم بحدود كم؟ 37 ملياراً ؟

 

مسلم شعيتو: ما بين 40 و35 مليار دولار، يطمح الرئيس أردوغان، وروسيا تزيل كل العوائق أمام تطوّر العلاقة الاقتصادية مع تركيا، أيضاً لا بدّ وألا ننسى أن روسيا حالياً، المشهد وكأنه صراع على تركيا، صراع على مستقبل تركيا السياسي وسلوكها السياسي في منطقة الشرق الأوسط والقوقاز.

 

محمد علوش: بين مَن؟ بين روسيا والأطلسي؟

 

مسلم شعيتو: بين الناتو وروسيا وبين الولايات المتحدة وروسيا، نجحت روسيا في الكثير من دفع الإدارة التركية للتحوّل قليلاً باتجاه مصالحها، وليس باتجاه مصالح روسيا. كلّ ما تقوم به تركيا ينعكس عليها إيجاباً، إما سياسياً أو اقتصادياً أو حتى أمنياً، لأن الرئيس بوتين كان يكرّر دائماً، إذا انتهت سوريا في يد المنظمات الإرهابية الخطوة الثانية انتهاء تركيا.

 

محمد علوش: صحيح.

 

مسلم شعيتو: لم تكن مقتنعة الإدارة التركية بهذا القول، لكنها مع الوقت وبعد الانقلاب ونتيجة كل الوثائق التي قدّمتها روسيا، اقتنعت بأن المشروع هو تفتيت تركيا لتفتت دول الاتحاد السوفياتي السابق واستعمال المنظمات الإسلامية.

إذاً هناك الكثير من المجالات استطاعت روسيا إقناع تركيا بها، والإغراءات، وأؤكّد دائماً على الإغراءات الاقتصادية والسياسية، لأن تركيا ستكون لاعباً أساسياً لاحقاً في الشرق الأوسط، خاصة أنها ستحل محل الأميركي في منطقة مهمة جداً اقتصادياً.

 

محمد علوش: تقصد مَن؟ تركيا؟

 

مسلم شعيتو: نعم؟

 

محمد علوش: تركيا كبديل؟

 

مسلم شعيتو: كبديل نعم.

 

محمد علوش: شريك روسي في هذه المنطقة؟

 

مسلم شعيتو: هذا توجّه روسي.

 

محمد علوش: أي رغبة روسية أن يكون البديل لغياب الوجود الأميركي في المنطقة هو التركي؟

 

مسلم شعيتو: التركي، لكن روسيا في نفس الوقت تسعى جاهدة لأن تكون مصر الدور المتوازن مع تركيا لاحقاً في منطقة الشرق الأوسط، وهي تطوّر مع مصر بشكل أسرع العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية منها مع تركيا، وهذا القليل من يلاحظه لكنه يسير بشكل مُتسارع جداً.

 

محمد علوش: لكن هو التساؤل إلى أي حد مصر قادرة على أن تلعب هذا الدور في ظل الإشكاليات التي تعيش فيها.

يبقى طبعاً الأزمة السورية هي الحاضر الأبرز في النقاش السياسي، في العلاقة بين روسيا وتركيا، لأنّها مرّت في محطات مختلفة وتباينت فيها الرؤى.

مها محمّد الشريف تناولت في صحيفة الشرق الأوسط الموقفين التركي والروسي من مجريات الحل السياسي في سوريا. نشاهد معاً.

 

الشرق الأوسط: بعض الحقائق العميقة مؤلمة، مها محمّد الشريف

لم يتغيّر تاريخ البشرية كثيراً، فهو بين شدٍ وجذب، بين سلامٍ وحرب، وها هو الشرق الأوسط يتشكّل من جديد بخصائصه الجغرافيّة والثقافيّة. بل بكلّ مكوّناته، فالقمّة الرباعية في إسطنبول أخبرت بأن مصير سوريا سوف يكون الملف الرئيس في القمة، فهل تخلّت الجامعة العربية عن قضاياها المصيرية ومشاركة الدول المعنية بالسلام والتي يهمّها صوغ الدستور السوري؟! أم أن صوغ الأحداث التي تؤثر في السياسة الدولية تظل مقيّدة إلى أن يتم تعطيلها وعرقلتها، فيصبح الأمر متعلقاً بتصحيح توقعاتنا المندفعة، وتحجيم الشكوك بمستقبل السلام في المنطقة، نظراً إلى الوضع الراهن وملفاته الشائكة؟

ومن زاويةٍ أخرى للموضوع ذاته، أضاف مارك بيريني، الباحث في مركز "كارنيغي" بأوروبا قائلاً: "إن روسيا تعوّل كثيراً على الدور التركي في القمة المُرتقبة لمساندتها في الضغط على الاتحاد الأوروبي للدخول شريكاً في عملية إعادة إعمار سوريا، التي لن تستطيع روسيا وحدها أن تتحمّل تكلفتها، ما يضفي على الدور التركي في الملف السوري أهمية متزايدة، ويبدو أن هناك توافقاً دولياً على السماح بتعاظم هذا الدور".

إن ما يجري في العالم اليوم يعتمد اعتماداً كلياً على استكمال الحرب على سوريا والعمل على وقفها، كما ذكرنا سابقاً، ويبقى علينا أن نحلم بسلام شامل لمنطقتنا، ولا يفوق إدراكنا انعكاساته على باقي الدول ومنها الكانتونات الفلسطينية، ووقف تمدّد الاستيطان الإسرائيلي، وأن يكون لمعاناة فلسطين نصيب في ما يعقد من قمم دولية.

لهذا السبب، مهما اختلفت الأولويات في المنطقة المدجّجة بالمخططات والأسلحة، لا بد من أن نهدّئ من روع العنف المرسوم بخطوات استباقية لتنجح الأمّة في الغاية بتوحيد القلوب وإحلال السلام، لكي تبقى الشعوب المنكوبة في مأمنٍ من الاضطرابات والمطامع السياسية، وهذا أضعف الإيمان.

 

محمد علوش: بالعودة إلى إسطنبول مع إسلام أوزكان، الموقف التركي بعد التقارب مع الروسي في ملفات عديدة داخل سوريا، إلى أي حد وصل التطابق بين الموقفين، أم لا يزال هناك نوع من التباين قد يفجّر هذه العلاقة؟

 

إسلام أوزكان: رغم أن تركيا حققّت مكاسب كبيرة جداً ضدّ خصومها في عملية آستانة على رأسها ضدّ وحدات حماية الشعب الكردية في شمال سوريا، وبفضل شراكتها مع روسيا في آستانة، إلا أنها مقابل ذلك تريد، تستخدم هذه المكاسب للخروج عن المسيرة التي رسمتها روسيا لتركيا.

في بداية الأمر، كانت هناك عملية ربما أو مهمة، عملية تصفية مشروع الثورة السورية، هذه بين مزدوجين طبعاً، وبعد ذلك جاءت شراكة تركيا مع روسيا، ولكن طبعاً نحن رأينا هذه التباينات في قمّة طهران، أو في بعض الاعتراضات التي قام بها السيّد أردوغان أثناء القمة، ولكن طبعاً هذا الاعتراض ربما لاقى قبولاً لدى السيّد بوتين في ما يتعلق بإقناع المعارضة الراديكالية أو المجموعات المسلّحة أو إخراج هؤلاء العناصر من مدينة إدلب، وهذا الأمر لاقى قبولاً لدى السيّد بوتين، ومهلت روسيا لتركيا لمدّة على الأقل ربما شهرين، وحتى منتصف أكتوبر كان من المفترض أن يتم حل هذه المسألة، ولكن على ما يبدو أن تركيا لم تستطع حل هذه المسألة بشكل نهائي، ونحن رأينا بعض التصريحات من قِبَل المسؤولين الروس، من قِبَل الوزراء في الحكومة الروسية، من قِبَل بعض الخبراء في الصحف والجرائد الروسية، بأنّ روسيا لم تعتبر ولا تعتبر ما حصل حالياً في مدينة إدلب كافياً لتلبية ما تم القبول والاتفاق عليه في آستانة أو في اتفاقية سوتشي. لذلك ربما روسيا تضغط على تركيا بشكل مباشر أو غير مباشر من دون طبعاً إزعاج تركيا بهذا الموضوع، وربما أمهلت لتركيا لنهاية هذه السنة، ولكن كانت هناك بعض التحليلات، بعض الرؤى في الصحف الروسية، تقول --إنه إذا لم تتم تلبية هذه المطالب الروسية من قِبَل تركيا، قد يؤثّر هذا الأمر على العلاقات بشكل سلبي. ولكن بحسب رأيي أن تركيا تبذل قصارى جهدها من أجل حل هذه المسألة، وحتى قبل اتفاقية سوتشي كانت هناك محاولات من أجل إحداث انشقاقات في صفوف هيئة تحرير الشام، ونحن شاهدنا بعض التصفيات وبعض الاغتيالات في صفوفهم، في صفوف هيئة تحرير الشام، وهذه المحاولات كانت من قِبَل المخابرات التركية، وهذه كانت واضحة، وأظن أن تركيا لها مصداقية في ما يتعلق بهذا الموضوع، على الأقل تبذل قصارى جهدها، ولكن سوف نرى في الأيام المقبلة هل سوف تنجز تركيا، سوف تحقّق إنجازات في هذا المجال.

 

محمد علوش: يبقى الأمر مرهوناً بنقطتين كما أشرت، النقطة الأولى هي قدرة تركيا بالفعل على أن تقوم بالدور المنوط بها تطبيقاً لاتفاقات سوتشي وتفاهماتها، وأيضاً النقطة الأخرى التي أكّدتها حضرتك، والآن تؤكّدها أن تركيا مارست بالفعل عمليات أو أنها سهّلت عمليات اغتيال لتفتيت هيئة تحرير الشام المعروفة بجبهة النصرة التي كانت تتبع القاعدة أو هي تتبع للقاعدة.

أعود إلى ضيفي هنا في الأستوديو لأسأل، الرؤية الروسية في ما يتعلق بالدور التركي في الداخل السوري خاصة في إدلب اليوم. هل يعتبر أنّ التركي بالفعل يقوم بما يقدر عليه في تسهيل وتطبيق اتفاق سوتشي أم أنه يمارس لعبة تقطيع الوقت تمهيداً لإعادة ترتيب العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية التي بدأت بالتحسّن بالفعل وبدأت ترجمتها في العمليات المُسيّرة المشتركة عسكرياً في مدينة منبج؟

 

مسلم شعيتو: هنا لا بدّ من التوقّف أيضاً عند التقرير الذي عرض، وذُكِر أنّ روسيا تعوّل الكثير على تركيا من أجل الضغط على أوروبا للتعاون لاحقاً اقتصادياً.

 

محمد علوش: في الحل السياسي السوري.

 

مسلم شعيتو: نحن نعتقد العكس تماماً، إنّ هذه القمّة التي عقدت في إسطنبول كانت تسليفاً كما قلت للرئيس أردوغان لأنه استثنى من الاجتماع ما يسمّى أصدقاء سوريا في باريس حيث اجتمعت بزعامة الولايات المتحدة كل الدول ولم تدعَ تركيا المعنية مباشرة وهي جزء من الحلف الأطلسي، فكانت المبادرة الروسية، مبادرة الرئيس بوتين هي دعم لتوجه الرئيس التركي في مسائل الشرق الأوسط وتحديداً في سوريا في صراعه مع الدول الأوروبية.

 

محمد علوش: مقابل ماذا؟ ماذا يستفيد الأوروبيون؟ حضر الرئيس الفرنسي والمستشارة الألمانية هذه القمّة، ما الذي يعود بالنفع على هاتين الدولتين؟

 

مسلم شعيتو: أولاً، تركيا تستطيع ومارست الابتزاز عبر اللاجئين من أراضيها إلى أوروبا، والمتضرّر هو ألمانيا في الأساس، ولاحقاً الأحداث الأمنية التي حدثت في فرنسا، هي جزء من كل هذه اللعبة التي تقوم بها الولايات المتحدة، نتيجةً لعدم الاستقلالية التامة للسياسة الخارجية للدول الأوروبية، تحاول اللعب قدر المستطاع أحياناً ما بين تركيا وروسيا والولايات المتحدة، لتقوم الدول الأوروبية ببعض الإنجازات وتحقيق بعض المكتسبات للحفاظ على أمنها واقتصادها، وتعرف تماماً أنّ روسيا وتركيا تتّجهان لأن تكونا اللاعب الأساسي اقتصادياً عبر الغاز، بالإضافة لمسألة سوريا التي تعني مباشرة فرنسا والتي تحاول العودة إلى الشرق الأوسط من خلال هذه البوابة، وقامت عبر روسيا ببعض المساعدات الإنسانية، وهذه رسالة أنها مستعدة للقيام بدورٍ معيَّن لكن ضمن إطار سياسي تحاول رفع مستوى تمثيلها في الحل.

ليس هناك إمكانية لأن تتخطى الدور التركي، لا أوروبا، لا فرنسا ولا ألمانيا.

هل تركيا تقوم بما يتطلب منها الاتفاق الذي وقّع في سوتشي أو ما تم الاتفاق عليه في آستانة؟ حتى الآن روسيا تقيّم ذلك جيّداً خاصة وأن وزير الخارجية التركي في اجتماعات آستانة وافق على الوثائق التي تتحدّث عن وحدة سوريا وسيادتها على كل أراضيها، لكن هناك مسألة ما زالت عالقة ما بين الولايات المتحدة وتركيا باستعمال أوراق المنظمات الإرهابية وخاصة.

 

محمد علوش: تقصد بالملف الكردي؟

 

مسلم شعيتو: بالملف الكردي.

 

محمد علوش: سنفصّل به بعد الفاصل، إضافة إلى موضوع الغاز في المتوسّط، طبعاً هناك شراكة أو هناك طبعاً نوع من التوتر في التصريحات التركية لجهة بعض حلفائها في ما يتعلق بالتنقيب خاصة قبالة بعض السواحل السورية أو حتى القبرصية.

في ما يتعلق بالعلاقة مع إيران بعد فرض العقوبات عليها، كيف يمكن أن تساهم روسيا وتركيا في تخفيف هذه العقوبات؟

هذه المواضيع التي سنناقشها بعد الفاصل. مشاهدينا أرجو أن تتفضلوا بالبقاء معنا.

 

 

المحور الثاني

 

محمد علوش: أجدّد بكم الترحيب مشاهدينا. تطابق الموقف التركي والروسي لجهة العقوبات الأميركية المفروضة على إيران، في حين كان الموقف الأميركي متبايناً بين الحال السعودية والحال الإيرانية.

هنا يقارن ناصر قنديل في صحيفة البناء اللبنانية بين الموقف الأميركي تجاه السعودية في قضية جمال خاشقجي وموقفها من إيران بإعادة فرض العقوبات عليها. نشاهد معاً.

 

 

البناء اللبنانية: مهازل القانون: حول خاشقجي والعقوبات الأميركية، ناصر قنديل

في قضية خاشقجي ظهرت سلسلة من المواقف المتناثرة تشارك فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وحكام عرب وقادة وسياسيون لبنانيون. واستعملت فيها المفردات نفسها، والتي تقول إن الجريمة وحشية وتجب ملاحقة مرتكبيها، لكن يجب الانتباه إلى عدم المساس بالحكم السعودي لأنه ركيزة في المواجهة مع إيران وضمانة لما يسمّونه الاستقرار والتوازن في المنطقة.

السؤال الطبيعي الذي يطرحه الكلام المذكور هو هل يمكن الجمع بين شطري المعادلة، تحقيق وحقيقة وعدالة بلا انتقاص في قضية خاشقجي، وحرص على عدم إلحاق الأذى بالنظام السعودي كضمانةٍ للمواجهة مع إيران والتوازن في وجهها؟

في قضية العقوبات على إيران، ما يدعو للاستغراب كيف أن الكثيرين ينظرون للقضية وكأنها مجرد قضية ثنائية بين واشنطن وطهران، أو قضية مصالح نفطية تفضي ببعض زبائن إيران إلى التمرّد على العقوبات الأميركية من باب المصلحة، والقضية الفعلية في مكان آخر. فالقضية أنّ هناك للمرّة الأولى دولة هي عضوٌ دائمٌ في مجلس الأمن الدولي تفرض عقوبات على من ينفذ قرارات مجلس الأمن ذاته، بدلاً من أن تكون وجهة العقوبات الدول التي لا تتقيّد بتنفيذ القرارات الدولية. فالتفاهم النووي الذي أقرّه مجلس الأمن بالإجماع، هو الموضوع الذي تثيره العقوبات وتتمحور حوله، ومضمون العقوبات الأميركية هو رسالة للعالم مفادها، أن مَن يُطبّق القرار الأممي سيدفع الثمن ويعاقب.

 

محمد علوش: أعود إلى ضيفي في إسطنبول الباحث السياسي التركي إسلام أوزكان. في آخر موقف رسمي تركي تجاه العقوبات الأميركية على إيران هو قول وزير الخارجية بأن هذه العقوبات لن تثمر شيئاً، في حين شهدنا نوعاً من التباين الواضح بين الموقفين الأميركي والتركي، إلى حد ما طبعاً، في ما يتعلق بالعلاقة مع السعودية على خلفية مقتل جمال خاشقجي. تركيا كيف تقيّم الموقف أو هذا التباين في الموقف التركي بين القضيتين؟

 

إسلام أوزكان: في ما يتعلق بفرض العقوبات على إيران، هذا الموضوع تركيا صرّحت، صرّح المسؤولون في الحكومة التركية أمس، بأنّ تركيا معفيّة من هذه العقوبات، لأنّ هناك اتفاقية بين الطرفين ربما تم توقيعها قبل عشرات السنوات، تمّ توقيعها بين الطرفين، وتركيا مضطرة لدفع هذه المبالغ حتى لو لم تستخدم تركيا الغاز الطبيعي لإيران، لذلك كان قبول هذه العقوبات مستحيلاً بالنسبة لتركيا والموافقة عليها لأن هناك اتفاقيات مبرمة بين الطرفين، وأيضاً هناك مشكلة كبيرة جداً، وأمر غير عادل، لأنّ إيران رغم تطابقها، رغم تنفيذها جميع الشروط التي تم الاتفاق عليها في اتفاقية 5 زائد 1 قبل سنتين، رغم ذلك، تمّ إلغاؤها من قبل الرئيس الأميركي ترامب بشكل أحادي وهذا الأمر غير مقبول بالنسبة لتركيا، لأنّ تركيا، هناك علاقات متبادلة بين الطرفين، تركيا بحاجة إلى إيران وإيران بحاجة إلى تركيا في جميع المجالات. لذلك حتى قبل هذه الاتفاقيات، كانت هناك علاقات مميزة، خاصة في المجال الاقتصادي بين الطرفين، حتى في الموضوع السوري، كانت هناك علاقات متوتّرة بين الطرفين، أو في الفترة التي حصلت علاقات متوتّرة بين الطرفين، رغم هذا الأمر، كانت هناك علاقات مميّزة في المجال الاقتصادي، التوتّرات والأزمات السياسية لم تؤثّر في العلاقات الاقتصادية.

لذلك تركيا حتى لو كانت هناك إملاءات أميركية على تركيا، وعلى أردوغان، تركيا لن تتخلّى عن علاقاتها مع إيران، ولا يمكن بالنسبة لتركيا تنفيذ شروط ترامب أو فرض العقوبات على إيران أو مشاركة تركيا في هذه العقوبات.

 

محمد علوش: من باب المقارنة، كأنّي أفهم، أنّ العلاقات مع إيران، العلاقات التركية مع إيران علاقة ثابتة، رغم وجود خلافات كانت لا سيما في الملف السوري، في حين أن العلاقات مع روسيا هي علاقات غير مستقرّة، وإن كانت الآن في أفضل حالاتها، هذا صحيح؟

 

إسلام أوزكان: صحيح، نعم، صحيح، طبعاً حالياً تركيا، لا يمكن بالنسبة لتركيا، لا تجرؤ تركيا على إساءة علاقاتها مع روسيا، لأن حتى علاقتها مع إيران مرتبطة بعلاقتها مع روسيا، ليس في المجال السياسي، ليس في القضية السورية وليس في الغاز الطبيعي أو صواريخ أس 400، هناك مجالات عديدة جدا للتعاون التركي مع روسيا، لتعاون الحكومة التركية مع روسيا، وهناك مجالات عديدة، لذلك لا يمكن لتركيا أن تتخلّى عن علاقتها مع روسيا، وهناك أمر أيضاً يجب التركيز عليه أو الانتباه إليه بأن أحياناً هذا الأمر مختلف تماماً عن علاقتها مع روسيا، بأن تركيا أحياناً تستخدم روسيا كورقة ضغط ضد الولايات المتحدة وتستخدم الولايات المتحدة كورقة ضغط على علاقتها مع روسيا.

 

محمد علوش: توظّف علاقاتها في ما يتعلق بتحقيق مصالحها، وإن كانت أحياناً على حساب طبيعة هذه العلاقة.

أعود إلى ضيفي في الاستوديو السيّد شعيتو، لأسأل، طبعاً الموقف الروسي في ما يتعلق بقضية الصحافي جمال خاشقجي كان موقفاً البعض قرأ فيه أنه قريب أو إلى حد ما متناغم أو يلاطف السعوديين، خلافاً للموقف الأميركي وهو حليف تاريخي للسعوديين، بدا عالي النبرة قليلاً، في حين أنه بالملف الإيراني والعقوبات المفروضة على إيران كان الموقف الروسي واضحاً وصريحاً وجازماً على أن هذه العقوبات هي مضرّة وليست لصالح لا الولايات المتحدة الأميركية ولا لصالح الأمن والسلم الدوليين؟

 

مسلم شعيتو: نعم، الموقف الروسي من مسألة الخاشقجي، واضح تماماً أن الموقف الروسي يعتبر أن هذه جزء من لعبة مخابراتية تركية أميركية من أجل ابتزاز المملكة العربية السعودية.

 

محمد علوش: هذه قراءة رسمية روسية؟

 

مسلم شعيتو: نعم، ابتزاز المملكة العربية السعودية سياسياً واقتصادياً ومالياً، ولن يدخل في هذا البازار. أعتقد أن السعودية تحاول تقدير هذا الموقف الروسي، وهي استثمرت في روسيا عشرة مليار دولار بعد الحادث مباشرة.

 

محمد علوش: حتى رغم الاعتراف الرسمي السعودي بعملية القتل، لا تزال روسيا رسمياً تعتقد بأنه نوع من العمل الاستخباراتي التركي الأميركي للإضرار بالمملكة العربية السعودية؟ على ماذا تستند؟

 

مسلم شعيتو: لابتزاز المملكة، الخاشقجي كان يمكن أن يذهب إلى أية قنصلية في أوروبا أو في الولايات المتحدة، فكل ما جرى هو ضمن عملية منسّقة مُحضّر لها، ولكن ليست بالمستوى الذكي جداً فقط من أجل إبرازها، كان يمكن أيضاً عدم الكلام عن هذا الموضوع تماماً، لكن تركيا والولايات المتحدة، إظهاره وكأنه مسألة خطيرة جداً في العلاقات الدولية هو للابتزاز. السعودية تقصف اليمن يومياً من دون أية إشارة، إذاً هذه عملية محض.

 

محمد علوش: حتى من الروس، رغم كل الإجراءات التي تفعلها السعودية في اليمن لم نسمع يوماً صوتاً روسياً مستنكراً لعديد المجازر التي تقع؟

 

مسلم شعيتو: روسيا لها موقف مختلف تماماً، ترفض هذه الحرب هناك وتدعو إلى تطبيق مقرّرات مجلس الأمن والأمم المتحدة، عكس ما يقوم به التحالف الدولي أو التحالف العربي خارج نطاق الأمم المتحدة، وهذا ما تسعى إليه الولايات المتحدة تحديداً، الخروج من كل القوانين والعلاقات الدولية والمنظمات الدولية، وهذا ما فعلته بالخروج من الملف النووي مع إيران.

انطلاقاً من ذلك، روسيا تدافع بشكل واضح تماماً عن الموقف الدولي، عن العلاقات الدولية، عن المنظمات الدولية عن كل المسائل ومنها إيران، وليس فقط عن إيران كحليف، كصديق، كشريك في منطقة الشرق الأوسط.

 

محمد علوش: كيف يمكن لروسيا أن تساهم كونها دولة جارة لإيران إلى جانب تركيا المجاورة لإيران أيضاً بطبيعة الحال، وهناك تطابق في الرؤى في ما يتعلق بالعقوبات الأميركية على إيران، القارئ للتصريحات الروسية الرسمية وللتصريحات التركية الرسمية، يجد تماهياً جداً في ما يتعلق بالرؤية حول هذه العقوبات، هل هناك من تنسيق تركي روسي في ملف العقوبات على إيران؟

 

مسلم شعيتو: لا أعتقد أنّ هناك تنسيقاً، هناك موقف ينطلق من خلفية أن الولايات المتحدة إذا نجحت بشكل متكرّر بالخروج من الاتفاقات والقوانين الدولية سينعكس سلباً حتى على أوروبا التي ترفض حتى الآن هذا التوجّه الأميركي وعلى تركيا وعلى روسيا. إذاً الكل يجمعهم التمسّك بالقانون الدولي والمنظمات الموجودة حالياً، رغم أن الولايات المتحدة تحاول إعادة صوغ علاقات دولية جديدة نتيجة لخسارتها في الكثير من المواقع في الشرق الأوسط تحديداً، ولم تعد القطب الأوحد، ما زالت القوية، ما زالت الأقوى اقتصادياً، عسكرياً، لكنها لم تستمر ولن تستمر قطباً أوحداً وحيداً في العالم، هذا ما أزعج الولايات المتحدة وتحاول التملّص من كل هذه الاتفاقات لصوغ قوانين جديدة وعلاقات دولية جديدة تبدأ بإيران لما له.

 

محمد علوش: قبل أن أذهب إلى الأستاذ إسلام، بالأمس كان معنا ضيف، نتحدّث كنا عن محاولة الدول الأوروبية، إضافة إلى روسيا للخروج من ضغط الدولار في التعامل مع إيران عبر ابتكار نظام مالي جديد، يُعرَف اختصاراً بـ s b y  بدل السويفت الأميركي. الروس في ظل الحديث عن تأكيد على عدم وجود أو بقاء نظام دولي قطب واحد تقوده الولايات المتحدة الأميركية، هم يركّزون على ذلك كثيراً.

في ما يتعلق بالعقوبات الآن على إيران، إلى أي حد قد تكون فرصة لروسيا أن تستثمر في هذا النظام الأوروبي المالي للخروج من العباءة الأميركية، وضغط النفوذ الأميركي في ما يتعلق بالمعاملات المالية؟

 

مسلم شعيتو: روسيا حذرة جداً بالانتقال إلى نظام جديد بالتعامل الدولي نتيجة لعوامل متعدّدة، أولاً طبيعة الاقتصاد الروسي الذي ينمو، ولكن يسعى الرئيس بوتين لأن لا يصطدم بحالات معيقة لتطوّر هذا الاقتصاد، بالإضافة إلى أن الرئيس بوتين خاطب الأميركي، إننا لن نتخلى عن الدولار شرط أن تمارسوا سياسة مختلفة، مالية واقتصادية عمّا هي عليه حالياً.

أوروبا المتضرّر الأساس من كل ما تقوم به الولايات المتحدة في ضغطها على إيران وحتى في ضغطها على الأسواق الأوروبية، تحاول روسيا التستّر وراء الموقف الأوروبي من أجل التخلّص من هذه الضغوط، لكن روسيا لن تكون هي البادئ في السعي للتخلّص من نظام السويفت العالمي الذي يرتبط بالولايات المتحدة، لاعتبارات متعدّدة قد تدفع الإدارة الأميركية إلى حروب أكثر ساخنة في العالم.

 

محمد علوش: عودة إليك أستاذ إسلام. الموقف التركي إلى أي حد قد يستطيع أن يذهب بعيداً في التمرّد على العقوبات الأميركيّة على إيران، خاصةً أنّ إعفاء تركيا من هذه العقوبات هو مشروط ولمدة محدّدة؟

 

إسلام أوزكان: نعم، طبعاً كما ذكرت قبل قليل، كانت هناك ظروف تجبر تركيا على عدم المشاركة، وعدم التعاون والتنسيق مع الطرف الأميركي، وهذا أمر، في أي من الحالات لا يمكن بالنسبة لتركيا المشاركة في هذه العقوبات.

النقطة الثانية المهمّة هي، نحن نعرف أنّه تمّ إطلاق سراح القس الأميركي برونسون، وبعد عملية الإطلاق هذه، صار نوع من الإنفراج في العلاقات بين الطرفين وبدأت الدوريات التركية الأميركية تسير في مدينة منبج، وأيضاً كانت هناك عقوبات مفروضة على وزيرين في الحكومة التركية، هذان الوزيران حالياً، تم إلغاء هذه العقوبات على هذين الوزيرين، وأيضاً هناك بعض التطوّرات في ما يتعلق بالعلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا، لذلك كلّ هذه الأشياء، وأيضاً تمّ إعفاء  تركيا من العقوبات المفروضة على إيران، كلّ هذه الأمور مرتبطة بالموقف التركي تجاه الولايات المتحدة، وأيضاً في ما يتعلق بموافقة الحكومة التركية على إطلاق سراح القس، ويُقال إنّ المحكمة التركية هي التي اتّخذت قرارات في ما يتعلّق بهذا الموضوع، لكن نحن نعرف أن هناك تشكيكاً في ما يتعلق.

 

محمد علوش: ونحن نسأل عن المفاضلة، المفاضلة التركية أستاذ إسلام، عن المفاضلة التركية، إمكانيات تركيا لو عرض عليها أو إذا لم يكن أمامها إلا خيار، إما الخضوع للولايات المتحدة الأميركية في فرض العقوبات على إيران والالتزام بها أو بين مصالحها مع إيران، أيهما قادرة تركيا على أن تغلب؟

 

إسلام أوزكان: نحن نعرف أن سياسات أردوغان وسياسات حزب العدالة والتنمية سياسات براغماتية، لذلك لا توجد هناك ثوابت لا يمكن تغييرها في سياسات تركيا، خاصة خلال السنوات الخمس الأخيرة، هذا أمر واضح جداً، أحياناً تركيا تتعامل مع طرف، وبعد يوم أو شهر أو مدة تتعامل مع طرف ضد هذا الطرف. لذلك إذا لم يبقَ هناك خيار سوى التعامل التركي مع العقوبات الأميركية ضد إيران، من المؤكّد أنّ تركيا رغم تأثّرها ورغم تضرّرها من هذه العقوبات، سوف تفضّل، من المؤكّد سوف تفضّل تنفيذ القرارات الأميركية في ما يتعلق بالعقوبات المفروضة على إيران. ولكن المصالح التركية حالياً تستدعي وتقتضي التعامل مع إيران ضدّ هذه العقوبات، ولكن على ما أعتقد أن الحل الأوسط حالياً تم خلقه، لذلك من دون إساءة علاقة تركيا مع الولايات المتحدة، تستطيع التعامل مع الطرف الإيراني، وهذا الحل الأوسط في ما يتعلق بتركيا.

 

محمد علوش: القائم حالياً بالنسبة للأتراك. بالنسبة للروس أستاذ مسلم، طبعاً هناك قلق تركي واضح يخرج بشكل دائم على ألسنة المتحدّثين الرسميّين، وتكاثر في الفترة الأخيرة لجهة التنقيب عن الغاز في المتوسّط، خاصةً على الحدود أو في المناطق القريبة من السواحل التركية، أو قبرص التركية.

الرؤية الروسية في هذا التنافس التركي الأوروبي الأميركي على موضوع الغاز في المتوسّط، إلى أيهما أقرب؟

 

مسلم شعيتو: هذه المسألة تحكمها علاقات دولية ومواثيق واتفاقات، هناك الجغرافيا البحرية التابعة لسوريا، واضحة تماماً، لكن تركيا تحاول الصراع مع قبرص ومع دول أخرى في ما تمتلكه، محيط قبرص من بعض حقول الغاز، تعتبر تركيا أنه حق لها لما لها في قبرص مقاطعة، أو تتقاسم قبرص اليونانية والتركية. لا أعتقد أن هناك خلافاً سيكون مع الروسي في المناطق البحرية الروسية، هناك اتفاق واضح، هناك حدود مرسومة، ستحاول تركيا استعمال هذه الورقة للضغط السياسي، لكنها لن تكون هي الورقة الأساسية أو ورقة.

 

محمد علوش: الروس هل توصلوا إلى قناعة أن تركيا راضية وقابلة بهم كنفوذ مستجد في الشرق الأوسط، لا سيما على حدودها الآن، بشكل كبير جداً، خاصة في سوريا؟

 

مسلم شعيتو: تركيا كما قال زميلنا من اسطنبول الأستاذ إسلام، هي سياسة عقلانية إلى حد ما في المصالح، وانطلاقاً من ذلك تعرف تركيا وكل دول المنطقة أنّ روسيا في الشرق الأوسط لن تخرج قبل أن يُحَلّ حلف الناتو. إذاً روسيا باقية لفترة طويلة جداً استراتيجياً واقتصادياً، وستعلب دوراً مهماً في كل الأزمات في المنطقة بحكم كونها الوسيط الموثوق به من كل أطراف الصراعات الموجودة في هذه المنطقة، وتركيا تعرف تماماً أنّ وجود روسيا يأتي لصالحها في منطقة الشرق الأوسط من خلال الابتزاز الأميركي وبعض الدول العربية لاحقاً أو أوروبا بعلاقاتها الجيدة مع روسيا.

إذاً هذه مصلحة لتركيا وهي تتفهّمه وتتعامل مع هذا الواقع انطلاقاً من هذه الرؤية.

 

محمد علوش: سؤال أخير أستاذ إسلام قبل أن نختم، كيف يمكن لتركيا أن توظّف هذه العلاقة مع روسيا في استعادة حضورها وترميم حضورها في الشرق الأوسط، خاصةً بعد ما يُسمّى بالانتفاضات العربية التي تضاعف فيها الحضور التركي أقلّه على المستوى الرسمي؟

 

إسلام أوزكان: تركيا بعد تفهّمها بأنّها سوف تخسر في سوريا، في القضية السورية، في الملف السوري، إذا لم تتعامل مع روسيا ومع بوتين، لذلك انتقلت تركيا، وغيّرت موقفها في ما يتعلّق بسوريا، وانتقلت إلى الصفّ الروسي، في نهاية المعركة السورية، ومنذ تلك اللحظة ومنذ ذلك الحين، تركيا تستخدم علاقتها من أجل ترميم حضورها وتأثيرها ونفوذها في المنطقة، منطقة الشرق الأوسط أو الوطن العربي، ولكن هناك، مثل تركيا، أنّ روسيا أيضاً براغماتية جداً. حالياً أنا لا أعرف هل الضيف الكريم هو يشارك بهذا الرأي، هناك توجّه روسي تجاه المملكة العربية السعودية، تجاه الإمارات، وهذا الحلف الموجود بين مصر والبحرين والإمارات والسعودية، نحن نعرف موقفها، موقف هذا الحلف، ونحن نعرف ما هي مخطّطات هذا الحلف في المنطقة، والتوجّه الروسي مستقبلاً تجاه هذا الحلف، والتسريع في تطوير علاقتها مع هذا الحلف، على ما اعتقد أنه سوف يؤثّر أو سوف ينعكس سلباً على علاقتها بتركيا وإيران.

 

محمد علوش: نقطة جد جوهرية، أحيلها إليك بإجابة مُقتضبة، إذا أمكن، أنّ العلاقات الروسية مع دول الخليج، تحديداً المحور الذي ذكره، تتطوّر في حين ترى تركيا فيه أنه محاولة لإجهاض كل ترتيبات ما يُعرَف بالحل السياسي سواء كان في سوريا أو في الرؤية العامة للمنطقة؟

 

مسلم شعيتو: كما قلت، روسيا تمتلك علاقات مع كل الأطراف في الشرق الأوسط المتصارعة في ما بينها، وهذا الحلف مع تركيا هو ضمن هامش الصراع الأميركي المسموح به ما بين هذه الأطراف، تركيا كانت تطمح للسيطرة على الشرق الأوسط، فشلت بذلك، تحاول التعويض عنه بعلاقات جيدة مع روسيا ومع إيران. هذا صراع داخلي لما تمثله الولايات المتحدة في المنطقة، روسيا ليست طرفاً به ولن تكون طرفاً.

 

محمد علوش: ولا تريد أن تقطع مع أحد، حتى مع إسرائيل؟

 

مسلم شعيتو: حتى مع إسرائيل.

 

محمد علوش: هذا واضح بالنسبة لروسيا. شكراً جزيلاً لك رئيس المركز الثقافي الروسي العربي في سان بطرسبرغ مسلم شعيتو كنت معنا في الاستوديو، ونشكر من إسطنبول الباحث السياسي التركي إسلام أوزكان.

وشكراً لكم مشاهدينا لحُسن المتابعة، وإلى اللقاء.