أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

الحوار والتعددية الفقهية

من يتأمل واقع الأمة الإسلامية واجتياح التكفير والأحادية والاستئصال والإقصاء للعقول والجامعات والجماعات، وحتى الحكومات يكاد يجزم أن هذه الأمة لا علاقة لها بالتنوير والحوار والتعددية في أي فترة من تاريخها. من دلائل التعددية الفقهية في ذلك الزمان أن الفقهاء ألّفوا كتباً كثيرة في الاختلاف الفقهي وأدابه وأدب المناظرة والجدل وأسبابها ومسائلها.

 

يحيى أبو زكريا: حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثواكم.

من يتأمّل واقع الأمّة الإسلامية واجتياح التكفير والأحادية والاستئصال والإقصاء للعقول والجامعات والجماعات وحتى الحكومات، يكاد يجزم أن هذه الأمّة لا علاقة لها بالتنوير والحوار والتعدّدية في أية فترةٍ من تاريخها.

ومما قاله الشيخ محمّد أبو زهرة في هذا السياق، إنّ إختلاف الآراء في الفروع الفقهية لا يدلّ على انحرافٍ في الدين ما دام أساسه طلب الحق، وهو يفتح للعقول الطريق للاختيار الصحيح، فإنّه من وسط اختلاف الآراء تُعرَف أوجه النظر فيها وينبلج نور الحق ساطعاً.

ومن جهةٍ أخرى، فإنّ الصحابة كانوا يختلفون في فتاواهم، وإنّ هذا لم يؤثّر أبداً على مشاعر المودّة والتقدير المُتبادلة، وورث التابعون هذه الصفة عن الصحابة كما ورثها تابعو التابعين. 

وكانت وشائج التقدير والحب تربط بين الذين جمعهم وقت واحد مثل جعفر الصادق وأبي حنيفة ومالك والشافعي والليث ومحمّد ابن الحسن وأحمد وغيرهم.

ومن دلائل التعدّدية الفقهية أن الفقهاء ألّفوا كتباً كثيرة في الاختلاف الفقهي وآدابه وآداب المناظرة والجدل وأسبابها ومسائلها، ومن هذه الكتب اختلاف الفقهاء لإبن جرير الطبري وكتاب تأسيس النظر لأبي زيد عبيد الله الدبوسي وكتاب الإنصاف في التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم لإبن السيّد البلطيوسي، وغيرها من الكتب.

وكان الفقهاء المجتهدون يختلفون في أدبٍ، في أدبٍ من دون سبٍ وقدحٍ وذمٍ ولعنٍ وشتمٍ، كما هو السائد بين دُعاة الزيف والتزوير هذه الأيام.

قال الرازي في المحصول، وتبعه السراج في تحصيله والتاج في كتاب الإجماع، لو بقي من المجتهدين واحدٌ كان قوله حجّة، وقال الذهبي في طبقات القراء في ترجمة أبي عبيد القاسم ابن سلام، كان يجتهد ولا يقلّد أحداً.

وقال السبكي في الطبقات الكبرى في ترجمة إمام الحرمين، لا يتقيّد بالأشعري ولا الشافعي، وإنما يتكلّم على حسب تأدية نظره واجتهاده.

كانت الحُجّة والبرهان جناحي الرأي والحكم والنظر، وإلى وقتٍ قريب كانت الحواضر الإسلاميّة تدرّس كلّ المذاهب والآراء الإسلامية، الأمر الذي أدّى إلى إثراء الفقه وإغنائه. ولطالما سمعنا فقيهاً يقول، الفقيه الفلاني ذهب إلى هذا الرأي وهو لم يتأمّل قوله تعالى، أو استند إلى حديث ضعيف، أو مبانيه الأصولية لم تكن موفّقة، ولم يشتم هذا ولا ذاك ولا لعنَ ذلك أولئك.

كان هذا عندما كان العلماء الربّانيون في صدارة المشهد، وعندما كانت رسالة الفقه واضحةً، ولكن عندما بات الفقه مُلحقاً بالسلطة، وبات يُجيّر الفتاوى لصالحها ساعة تشاء فقد تبدّل كلّ شيءٍ.

الحوار والتعدّدية الفقهية عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من مصر المفكّر الإسلاميّ والعالِم الجليل الدكتور الشيخ أحمد كريمة أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر الشريف، ومن الأردن الحبيب المُحقّق الكبير والباحث الشيخ السقاف حسن.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

 

"رحمة الأمّة في اختلاف الأئمة" تأليف صدر الدين أبو عبد الله محمّد بن عبد الرحمن الشافعي الدمشقي العثماني:

الكتاب "رحمة الأمّة في اختلاف الأئمة في الفقه المُقارَن" جاء بإيجاز غير مخل بالمقصد بأداء حسن وعبارة واضحة بعيداً عن الصِيغ المُعقدة والألفاظ الصعبة.

وقد حوى جميع أبواب الفقه لكنه لم يذكر في الباب الفقهي كل فروع الباب بل اختار جملة من الأحكام بيّن فيها أقوال العلماء، ولم يقتصر على المذاهب الأربعة المتّبعة بل ذكر أقوالاً للصحابة والتابعين وما يُذكَر عن داود الظاهري.

وهو إذ ينقل الأحكام، ينقلها بإيجاز وكأنه يقدّم مادة أولية لأرباب الاختصاص وللراغبين في الشروح الطويلة مع مُقارعة الأدلّة، ولذا كان الكتاب مُختصراً في بعض أبوابه.

وأياً كان الأمر، فالكتاب مادة فقهية غنية يظهر لك رفع الحرج عن الأمّة في تعدد الحلول والأحكام التي يمكن للمكلّف أن يعمل بها، ويأخذ ما يراه مُحقّقاً لمصلحة الدينية والدنيوية فيها.

في آخر الكتاب، فهرسٌ بأسماء الفصول، وقد صدر الكتاب بنصوصٍ من كتاب "الحجّة البالغة" لوليّ الدين الدهلوي ومن كتاب "الجواهر والدُرر" للعارف الشعراني.

كلّ ذلك في بيان أسباب اختلاف الصحابة والتابعين في الفروع وفي بيان أسباب اختلاف مذاهب الفقهاء وأن جميعهم على هدى من ربّهم ليعلم المرء أن اختلاف الأئمة رحمة ودليل عافية.

 

يحيى أبو زكريا: سماحة الدكتور أحمد كريمة، هل بالفعل عصر السلف، عصر العلماء، عصر المُجتهدين، كان فيه التنوّع والتعدّدية، أم أنّنا ندّعي شيئاً لم يكُ في واقعنا الثقافيّ، ولا في واقعنا الاجتهاديّ، ولا في واقعنا الفقهيّ؟ فما هي الحقيقة العلمية يرحمك الله، لأنه عندما يتحدّث البعض عن السلفية، يقرن السلفية بالأحادية، بالاستئصال، بالإقصاء، بل وذبح الآخر، وعندما نعود إلى المراجع المُعتبرة نكتشف أن الآراء المتعدّدة كانت سائدةً في المشاهد الثقافية العربيّة والإسلامية؟

 

أحمد كريمة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين قال في كتابه الكريم " فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ"، وقال أحسن الحاكمين "وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ"، والصلاة والسلام على سيّدنا ومولانا محمّد نبيّ الرسول الذي قال "إن المجتهد إذا اجتهد فأصاب فله أجران، فإن أخطأ فله أجر"، ورضي الله تبارك وتعالى عن آله الأطهار وأصحابه الأخيار ومن تبعهم بإحسانٍ وصدقٍ إلى يوم القرار ما تقلّب ليلٌ ونهار.

أما بعدُ، فإنّ الموضوع المُتفرّد الذي طرحه الأخ الفاضل الكريم صاحب المفردات العلميّة العميقة الدقيقة الإعلاميّ الأستاذ الداعية يحيى ابو زكريا وفّقه الله بهذا البرنامج أ ل م الواعِد، هو يتّصل اتصالاً وثيقاً بحال التشرذم والتعصّب والتمذهب التي هي الآن في المجتمعات المنسوبة إلى الإسلام، لأننا بالاستقراء الأمين نجد أنّ الدين صار تابعاً لمذهب، وهذا خللٌ فاضحٌ وفادح.

قال الإمام الشيخ محمود شلتوت عليه رحمة الله، حينما كان يسعى مع الشيخ القمي والبروجردي في وسائل التقريب بين المذاهب الإسلامية المعتمدة، قال ما نصّه إنّ شريعة الله عزّ وجلّ ليست تابعة لمذهب، وما كان دين الله تعالى تابعاً لمذهب، ولا بأس أن يتعبّد المسلم لله تعالى على أيّ مذهب، فالكلّ مصيبٌ ومأجورٌ بإذن الله عزّ وجل.

هذه الكلمات النورانية من شيخ الأزهر الراحل فضيلة العالِم التقريبيّ الإصلاحيّ الشيخ محمود شلتوت تعطي الأضواء الكاشفة على الحقائق والنفائس والزخائر في دين الإسلام، وكان الوضع في صدر الأمّة المسلمة، وأرجو ألا يغلَّف بغلاف سلف أو خلف، لأنّ هذه اللفظة دخيلة على الثقافة الإسلامية الحقيقية، فالله تعالى سّمى هذا الجيل أو وصف هذا الجيل كما قال في سورة التوبة "وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ"، وقال عن الأجيال بعدهم "وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ"، فكان التنوّع العلمي سائداً سواء في المجالات العقائدية أو المجالات العملية وهي بيت القصيد.

نحن نعلم أن في تاريخ الفقهاء كان أول فقيه تخصّص تخصّصاً دقيقاً هو سيّدنا محمّد الباقر عليه رضوان الله، وتبعه الإمام كما نعلم جعفر الصادق عليه رضوان الله، وأنا أرجو من المسلمين السنّة والشيعة وإباضية، أنّ هذا الفقه يُنسَب إلى آل البيت وليس إلى أشخاص، فلا يُقال الفقه الجعفري ولكن يُقال فقه آل البيت، وهو ما نبّه عليه الإمام الشوكاني في "نيل الأوتار" حيث كان يذكر مثلاً العترة أو الهداوية أو آل البيت.

كان التنوّع العِلمي، ولم يرَ أبو حنيفة ولا مالك رضي الله عنهما وهما من تلاميذ الإمام فقيه أهل البيت سيّدنا جعفر الصادق، وقبل ذلك سيّدنا محمّد الباقر، لم يجدا أدنى غضاضة أن يرجعا إلى الأصل الأصيل، إلى الوعاء النبويّ، إلى السّنَد منهم، إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، مروراً بسيّدنا علي زين العابدين إبن الحسين.

 

يحيى أبو زكريا: نعم، دكتور أحمد، أتصوّر هذه المنطلقات كفيلة بالولوج أكثر إلى صلب الموضوع.

فضيلة الشيخ حسن السقاف، بهذا اللحاظ، هل كانت التعدّدية نعمة أم نقمة؟ وهل كانت مسلكيّةً سائدةً بين جمهور الفقهاء تاريخئذٍ؟

 

السقاف حسن: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد النبي الأمين وعلى آله الطيّبين الطاهرين ورضي الله تعالى عن أصحابه البررة المُتقين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تحيّة لكم جميعاً وللجمهور الكريم.

سيّدي الكريم، أقول إنّ التعدّدية الفقهية كما تعلم ونعلم جميعاً، كانت موجودة في عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وفي الحديث المشهور الذي فيه قول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم "لا يُصلّين أحدكم العصر إلا في بني قريظة"، هذا الحديث كما هو معلوم، اختلف الصحابة فصلّى بعضهم في الطريق وصلّى بعضهم عند وصولهم إلى بني قريظة والنبي صلّى الله عليه وسلّم لم ينكر عليهم، على أحد من الفريقين.

وهذا يثبت لنا أن التعدّدية الفقهية مشروعة في كتاب ربنا الذي قال فيه "وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ"، وفي قول النبي صلّى الله عليه وسلّم في هذا الحديث عندما أقرهم.

إذاً في زمن الصحابة هناك آراء مختلفة فقهية وقد أقرّها النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ولم يبيّن بأن هذه نقمة أو أن هذا عذاب أو أن هذا مخالف لنهج القرآن الكريم ولما أمر الله تعالى به.

ثمّ هذا مشهور في زمن الصحابة، أنّ إبن مسعود رضي الله عنه خالف حذيفا إبن اليمان في مسألة الاعتكاف، وفلان خالف فلاناً، وكلّهم عندما كانوا يقصدون وجه الله تعالى، ويقصدون الوصول إلى الحقيقة، كان هذا الاختلاف اختلافاً مباركاً محموداً، وليس فيه أيّ شائبة، كما قال تعالى "فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ".

ثم لما دخل في آخر عصر الصحابة، في زمن معاوية، دخل شيء من حظوظ النفس وأصبح هنك نوع من الخلاف المذموم. الخلاف المحمود، الخلاف الفقهي الذي كان موجوداً بين الصحابة انتقل إلى عصر التابعين وأتباع التابعين، وكما تفضّل الأستاذ أحمد كريمة حفظه الله تعالى، فإن التابعين وأتباع التابعين أخذوا عن بعضهم إلا في حالاتٍ، أي عندما تدخّلت السياسة بين الفقهاء وأوجدت شرخاً، والأصل هو التوافق.

فالإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى روى عن الإمام محمّد الباقر كما في تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر، والإمام مالك رحمه الله تعالى روى عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام ورضي الله عنه، وثمّ مثلاً الإمام الشافعي روى عن مالك، وأخذ العِلم عن مالك. إذاً كان في ذلك العصر هناك اختلافات فقهية لأنّ عقول الفقهاء طبعاً غير متّحدة، بمعنى غير، الإنسان عندما يفكّر في قضية، المُجتهد، لاختلاف الدليل وتصحيحه مثلاً لحديث وتضعيفه لحديث، نظره اللغوي لبعض مفردات القرآن الكريم، فإنّ هذا لا بدّ من أن تختلف الآراء وهذا ما كان في زمن الصحابة رضي الله عنه.

ففي زمن التابعين وأتباع التابعين، مثلاً أنا أورد مثالاً مهماً هنا، وهو أنّ الشافعي رحمه الله تعالى كما أخذ عن الإمام مالك إمام دار الهجرة، أخذ أيضاً عن إبراهيم إبن محمّد إبن أبي يحيى، وهذا الإمام إبراهيم إبن محمّد إبن أبي يحيى، رموه أهل الجرح والتعديل بأنه رافضي مُعتزلي، ومع ذلك أخذ الإمام الشافعي عنه، وكان في ما بعد، في آخر حياته عندما يروي أحاديث يكنّيه بالثقة، ويقول حدّثنا الثقة، أو يقول أحياناً حدّثني من لا أتّهمه، مع أن الكثير من أهل الحديث رموه بالعظائم للإمام إبراهيم إبن محمّد إبن أبي يحيى.

والإمام إبراهيم إبن محمّد إبن ابي يحيى تتلمذ على بعض علماء أهل البيت، وهذا يفيدنا أنّ هناك اتصالاً، وأنّ الأئمة رضي الله عنهم ومنهم الشافعي، لم يلتفتوا إلى بعض الحالات التي حاول بعض أهل الحديث أن ينفّر ما بين طائفة وطائفة، وسنتحدّث في ما بعد عمّا كان ما بين، عند أهل السنّة والجماعة ما بين مدرسة أهل الحديث وبين مدرسة أهل الرأي.

عند العقلاء والعلماء كان هناك توافق، ولكن عند بعض المُتشدّدين والمُتعصبين من أهل الحديث أوجدوا بعض التنافُر والتباغُض ما بين علماء مدرسة واحدة.

 

يحيى أبو زكريا: أرجو أن تبقى معي شيخ حسن.

دكتور أحمد، طبعاً في كتابك الجميل والرائع "فتنة المُتسلّفة"، وهو كتاب شيّق، وفيه الكثير من التفاصيل، وذكرت فيه حتى الفتاوى المُعاصرة السلفية التي مزّقت عُرى هذه الأمّة.

إذا كان الزمن الأول الفقهي جميلاً، وكان اللقاء قائماً والحوار مُتجدّداً، وكلٌ يأخذ من الآخر بكلّ حبٍ واحترامٍ وتوقير وإقرار بالانتماء إلى هذا الإسلام العظيم، كيف نشأ الاستئصال، الإقصاء، تكفير المذهبي، والحكم على الآخر بأنه خارج عن دين الله وملّة رسول الله؟

تجيبني دكتور أحمد كريمة لكن بُعيد الفاصل.

مشاهدينا فاصلٌ قصير ثم نعود إليكم بعيد ذلك.

 

كتاب "الإشراف على نكت مسائل الخلاف" للإمام القاضي أبي محمّد بن عبد الوهاب إبن علي إبن نصر البغدادي المالكي:

من أشهر كتب الخلاف الفقهي التي أنتجتها المدرسة المالكية في العراق ولا تخفى جلالة مؤلّف الكتاب ومكانته، القاضي عبد الوهاب أحد أركان مذهب مالك وأساطينه في العراق في القرن الخامس الهجري الذين انتهت إليهم رئاسة المذهب هناك.

وتأتي منزلة كتاب "الإشراف على نكت مسائل الخلاف" في كونه يمثل مرحلة متقدّمة في مشروع القاضي الوهّاب في تقريب الفقه المالكي، وذلك بعد المرحلة الأولى التي يمثلها كتاب التلقين الموجّه أساساً إلى المُبتدئين والذي اقتصر فيه على القول المختار ثم المرحلة الثانية مع كتاب "المعونة الموجّه للجادّين في الفقه" الذي لم يكثر فيه من الأدلّة واقتصر على الواحد والإثنين.

ثم في مرحلة ثالثة الإشراف على نكت مسائل الخلاف الذي جمع فيه ما يمكن الاحتجاج به واورد فيه من الاستدلال بالآثار على اختلافها والأقيسة بكل أنواعها، والتعديلات والأدلّة التي يعتمد عليها للاستنباط في المذهب، ما يُطمئن القارئ إلى سلامة اختياره بحيث أصبح عمدة المالكية ومصدراً لمعرفة المذاهب الأخرى، وقد طاف هذا الكتاب الأرض منذ عصر مؤلّفه ودخل أقصى بلاد المغرب والأندلس على يد القاضي أبي الوليد سليمان إبن خلف الباجي مع طائفةٍ من كتبه الأخرى.

 

 

المحور الثاني

 

كتاب "الأساس في فقه الخلاف"، الدكتور نوار بن الشلي:

يشير الكاتب إلى المعايير التي يُعرَف بها ما يُعتَدّ به من الخلاف مع ذكر بيان الأسباب التي تدعو إليه، وتمييز الصحيح الدائم منها من الضعيف الموقوت، والخلاف رحمة، وإن جادل في هذه المقولة ثلّة، ولا يضيق بالخلاف إلا تيق العطن وعر العريكة وإن كان الصحابة رضوان الله عليهم قد اختلف بعضهم على بعض فكيف بغيرهم، وما حديث النبي الأكرم لا يصلّين أحدكم العصر إلا في بني قريظة فمنهم من فهم أن المراد بالحديث هو التعجّل ومنهم من أخذه على ظاهره فضلاً عن اختلافهم في الوضوء مما مست النار وغير ذلك كثير.

فالخلاف المحمود غذاءٌ للعقل وغربلةٌ للفكر وقوة في الحجّة وهذا خلاف التنوّع، وهناك خلاف مذموم، خلاف تضاد حذّر منه النبي الأكرم بقوله "وإنه مَن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين"، وحديثه أيضاً "ستفترق أمّتي على 73 فرقة كلها في النار إلا واحدة".

فهذا النزاع والشقاق يجب ردهما إلى الكتاب والسنّة وأن يحكَّم في ذلك أهل العلم، فهما مذمومان لأن منشأهما التنازُع والتباغُض وتقديم الرأي على النقل أو البُعد عن الوحي أو قلّة العلم أو قلّة الفهم.

وتناول الكتاب الخلافات التي كانت في عهد الصحابة، عارضاً بعض الأمثلة والمواقف التي وقعت في عهد النبي الأكرم، والتي تمثّل دليلاً واضحاً على فهم الصحابة والسلف للخلاف وأدبه، مثلما رواه إبن العاص عندما قال "احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صلّيت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي الأكرم، فقال يا عمرو صلّيت بأصحابك وأنت جنب، فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت إني سمعت الله يقول ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما، فضحك الرسول الأكرم ولم يقل شيئاً، فالرسول الأكرم بسكوته أقرّ عُمراً على اجتهاده وإنّ ما فعله كان صواباً وانحسم الخلاف في هذه المسألة".

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. من أدرك حلقتنا الآن نحن نعالج موضوعاً في غاية الأهمية يتعلّق بالحوار والتعدّدية الفقهية.

فضيلة الدكتور أحمد كريمة، كنتُ قد سألتك، كيف وقع التحوّل من التعدّدية إلى الأحادية، من الإقرار بالآخر إلى استئصال وإقصاء الآخر؟

 

أحمد كريمة: بسم الله الرحمن الرحيم. حينما كان الفقه والعلوم الإسلامية الأخرى في أصول الدين والفقه واللغة العربية وآدابها وما سوى ذلك، حينما كان ذلك بأخلاقيّات البحث العلميّ، وفي الإطار العلميّ، ويوم أن تحرّر الخطاب الإسلامي من عواد ومؤثّرات السياسة الداخلية والقوى المخابراتية العالمية، كما هو الواقع المؤلم الآن، حينما كان الخطاب العلمي مُحرَّراً من التدخّلات والضغوط والتوجّهات والتوجيهات والإملاءات، وُجِدت الحركة العلمية الراشِدة. ولكن حينما انحرف العلم أو الخطاب الإسلامي عن مساره الصحيح، عن أدوار القرآن الهادية وعن سنّة النبي محمّد صلّى الله عليه وآله الراشدة، وحينما حصل التجريف في صحيح الإسلام، بدايةً من العهد الأموي والعهد العباسي وربائبها فإن الخطاب العلمي أو الخطاب الإسلاميّ صار مُكبَّلاً بالأغلال، فانقلبت المذهبية العلمية الفقهية إلى طائفيّة. وأول ما ظهر ذلك، ظهر على يد إبن تيمية، فكان شديد الوطأة على العلماء بالتجريح والقدح والذمّ والطعن، إلى أن وصلنا إلى عصر محمّد إبن عبد الوهاب، منظّر التكفير وراعي العنف الفكريّ في العالم الإسلامي بأسره، ووكلاؤه، ووجدنا مثلاً مثل الألباني يشتم أبا حنيفة شتائم مُقزعة، ووجدنا الغلمان والصبيان والبهاليل من وكلاء الوهّابية المُتسلّفة يجوسون خلال الديار يريدون أن يحوّلوا العلوم الإسلامية وهي أصلاً اجتهادية، إذا كان في مجال العقيدة فالقول لإبن تيمية ولو عارض القرآن والسنّة، ووجدناهم في الفقه الإسلاميّ، التطويح بآراء فقه آل البيت وبمدرسة الحديث كما تفضّل أستاذنا وشيخنا الشيخ السقاف الله يبارك به ويكثر من أمثاله، وجدناهم يطوّحون بآراء مالك وأحمد إبن حنبل في مدرسة الحديث، ويطوّحون برأي الإمام أبي حنيفة في مدرسة الرأي، والمدرسة الوسطى بين النقل والعقل يمثلها الإمام الشافعي رضي الله عن الجميع، وجدناهم يطوّحون بمدرسة العراق وما أخرجت، وبمدرسة المصريين كالليث إبن سعد وبمدرسة إخواننا في الشام وعلى رأسهم الإمام الأوزاعي، كل هذا وطأه السلفية أو المُتسلّفة محمّد إبن عبد الوهاب حيث أراد أن يختزل الإسلام في آرائه، وهي أيضاً في الحقيقة معارضة للقرآن والسنّة، ووجدنا الوكلاء بأموال النفط يؤصّلون هذه الطائفية، فالآن أنا أقولها بصراحة وأنا الحمد لله سنّي الثقافة في الأزهر الشريف، فقه مقارن، أقرّ بالفقه السنّي والفقه الشيعي والفقه الإباضي، ولكن عندنا خلل حتى في ترتيب مصادر أو أصول التشريع في أصول الفقه، فكان من الواجب أن يقدَّم القرآن الكريم أولاً، ثمّ ما صحّت نسبته إلى النبي محمّد صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ ثالثاً آراء آل البيت، وقد أصل هذا سيّدنا عُمر نفسه رضي الله عنه حينما قال لا يفتي وعليّ في المسجد أو المدينة، فكان الواجب على الأمّة أن تجعل آراء آل البيت، لا سيما من كبار الأئمة كسيّدتنا فاطمة والإمام علي والأئمة الحسن والحسين وعلي زين العابدين وسيّدي محمّد الباقر وسيّدي جعفر الصادق، كان من المفترض للأمّة أن تجعل هذا هو المصدر الثالث، ثمّ بعد ذلك إجماع الصحابة رضي الله عنهم، ثمّ إجماع الأئمّة، ونحرّر الخطاب الفقهي من مقولة ظالمة.

يؤلمني حينما أقرأ، سواء في الفقه السنّي أو الفقه الشيعي أو الفقه الإباضي، مثلاً يقولون اتفق الأئمة كذا وكذا والحق لا يخرج عنهم، هذه مقولة خاطئة وهذه مقولة ظالمة لأن فيها تطويحاً بآراء المجتهدين، وفيها الافتياء على النتاج العلمي للأئمّة في الماضي والحاضر، ومن هنا صارت المذاهب العلميّة الفقهيّة، بعد أن كانت ثروة فقهية، صارت بظهور الحركة الوهّابية التي على صلة، وستكشفها دراسات تاريخية قريبة بالصهيونية العالمية، انقلبت هذه المدارس العلمية الفقهية إلى قائدية.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور أحمد، سأعود إلى المذاهب المُعاصرة. دعني أفهم طبيعة الإشكالية والتحوّل في العقلانية الإسلامية من عصر العقل والتلاقي إلى عصر النصّ والجمود عليه، وبالتالي الشقاق، وحتى الانعتاق من الأبوّة وجسور الموّدة.

شيخ حسن، سؤالي ذو شقّين. أما الشقّ الأول، ما رأيك في ما ذهب إليه الدكتور الفاضل أحمد كريمة من أنّ إبن تيمية هو الذي أوجد هذا الصِدام بين المذاهب الإسلامية؟

ثانياً، كانت السياسات تلاحق علماء قبل إبن تيمية، سواء السلطة الأموية، أو العباسية، ولا داعي ها هنا لعرض نماذج من تابعين تعرّضوا للاعتقال، للقتل، للرمي من الأسطح، وكانت هذه السلطات تدفع بعض الفقهاء لإيجاد فتاوى تبرّر قتل هذا وذبح ذاك وسلخ ذلك أو حرق ذلك.

ماذا تقول في الأمرين معاً؟

 

السقاف حسن: بارك الله فيكم يا سيّدي. أما بالنسبة للنقطة الأولى وهي إبن تيمية، لا شك ولا ريب أن بين المدارس الإسلامية تآلفاً في السابق واللاحق كما قلت لك، إلا عندما يتدخّل الهوى والهوى، هو عبارة عن نقطتين، إما سياسات بعض الخلفاء السابقين الذين كانوا يزرعون الفتنة لتحقيق مصالحهم، أو دخول عنصر العقيدة، كانت بعض المدارس أو بعض العلماء يحملون بعض الأفكار العقائدية التي كانت، هذه الأفكار تدفعهم للنيل من خصومهم.

نعود إلى إبن تيمية. من العجيب الغريب أن إبن تيمية ركّز هذه الفُرقة، ويكفي أن نضرب مثلاً واحداً ذكرته قبل حوالى 15 سنة للناس على التلفاز، وهو أنّه أفتى في الفتاوى الكبرى لإبن تيمية، أول فتوى، سُئل عمّن يجهر بالنية في الصلاة، تصوّر، ولنتأمّل في هذه القضية، يُسأل ما حكم رجل يقول بأن الجهر بالنية، أي أنه يتلفّظ بالنية، هذا سُنّة، فيجيبه بأن هذا لا يُعرَف لا في الكتاب ولا في السنّة ولا عن أحد من الأئمة، مع أن هذا مذكور في كتب فقهية للمذاهب الأربعة كالشافعية والأحناف، ثم يقول فإن أصرّ على ذلك فإنه يُستتاب فإن تاب وإلا قُتِل.

فلنتصوّر كيف يُدخِل في عقول الناس المصليّن في ما بينهم، أنه يجوز تشريع القتل، أنّ مُخالفي في مسألة فقهية ليست من أصول الدين، هل أجهر بالنية أم أكتفي بالنية القلبية، فأنظر لجاري الذي يقف بجنبي في الصلاة في المسجد، أنه إن جهر بالنيّة، فهذا رجلٌ يستحق القتل، أي هذا التعصّب وهذه الدموية في أعلى أشكالها وألوانها.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح، صحيح.

 

السقاف حسن: ثم هو يردّد كثيراً في كتبه قصة قتل خالد القصري، وهو الأمير الأموي، للجعد إبن درهم، مع كون هذه القصة غير صحيحة وهي قصة خيالية لم تحدث، كما بيّنت ذلك في عدّة كتب بالأسانيد وبالتواريخ وغير ذلك، لكن المقصود بأنّ هذا الرجل يردّد، هذا الرجل الذي زرع البغضاء ما بين المسلمين، ركّز زراعة البغضاء ما بين المسلمين، يركّز على أنّ خالد القصري الأمير الأموي الظالم، إلى آخره كما وصفه أهل الجرح والتعديل، قام بذبح والتضحية بجعد إبن درهم في يوم عيد الأضحى، قال يا أيها الناس ضحّوا تقبّل الله منكم فإنّي مضحٍ بالجعد إبن درهم، ونزل فذبح الجعد إبن درهم، قال وشكر السلف له هذا الصنيع، تصوّر، وهي قصة كلها خيالية وقصة مخترَعة، فهذا ترويج لثقافة القتل والدماء وثقافة استباحة المسلم للمسلم، فضلاً عن استباحة المسلم لغير المسلم، فهذا بالنسبة لإبن تيمية. ولذلك نجد أنّ العلماء في عصره في كافة المذاهب الأربعة السنّية، استتابوه وعقدوا له المحاكمات، وسُجِن ومات في السجن إلى غير ذلك.

نعود إلى السؤال الأول الذي تفضّلت به جنابك الكريم، وهو كيف استغلّت السياسة، قبل إبن تيمية، موجود هذا الكلام، فإن على سبيل المثال سنة 234 هجري، الخليفة المتوكّل العباسي والذي يقول عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء بأنه كان فاسقاً وكان جلفاً إلى آخره، هذا الرجل المتوكّل، أيضاً اعتمد المُحدثين المُتعصّبين، فاستقدم كما يقول السيوطي والذهبي المُحدّثين إلى سامراء، وأجزل صلاتهم، أعطاهم أموالاً وأمرهم أن يحدّثوا بأحاديث الرؤية والصفات، وليكمل هذا المتوكّل أعماله الشريرة، قام بهدم قبر سيّدنا الحسين عليه السلام والرضوان ومنع الناس من انتيابه، حتى قال البسّامي أبياتاً أسفوا على ألا يكونوا شاركوا في قتله، فتتبّعوه رميما.

فهذا نموذج عن تسلّط بعض السياسيين العباسيين وتحكّمهم في إيجاد الفرقة والخلاف بين المذاهب والمدارس الإسلاميّة، وكذا حدث تقريباً نفس الأمر سنة 408 هجري، القادر بالله العباسي اعتمد بعد أن وصل إليه الحنابلة المُجسّمة، وصلوا إليه وأقنعوه بعقيدتهم، وأمر بتلاوة عقيدة أبي أحمد القصّاب الحنبلي على المنابر، وتوعّد أنّ كلّ مُخالِف من الحنفية وغير الحنفية يخالف هذه العقيدة سيُفعَل به كذا وكذا، وكما تفضّلت جنابك قاموا بقتل جماعة من العلماء وسجن جماعة وتشريد جماعة وإيذاء جماعة إلى آخره.

إذاً هناك تدخّلات سياسية كانت في العصور السابقة الغابِرة أثّرت في إيجاد الفرقة حتى بين أهل السنّة أنفسهم، وحتى بين المذهب الواحد السنّي، أوجدوا هناك فُرقة، فعلى المسلمين أن يتعقّلوا هذه الأمور وأن ينبذوا ما بينهم من الخلافات، وألا يمكّنوا هذه الفرقة المعروفة طيلة حقب التاريخ بأنها فرقة تستغل السياسة، وتركب على موجات السياسة لإيجاد الفرقة والتنازع والتخاصم بين المسلمين، وأن يفرضوا رأيهم، ويقولوا إن رأيهم هو الرأي الصحيح وأن خلافهم هو الضلال المبين، جهمي، يصفون المخالف أنت جهمي، أنت معطل، أنت رافضي، خبيث، أنت كذا، أنت كذا، الألفاظ المعروفة والمشهورة، حتى أنهم في زمن أحمد اإبن حنبل وما بعده حذّروا من الإمام البخاري، فلو رجعنا كما قلت مراراً وتكراراً إلى ترجمة الإمام البخاري في كتاب إبن أبي حاتم الرازي الجرح والتعديل لوجدنا أنهم تركوه لأجل أنه قال لفظي بالقرآن مخلوق، قال إبن أبي حاتم تركه أبي وأبو زرعة لما كتب لهم محمّد إبن يحيى الذهلي أنه قال لفظي بالقرآن مخلوق، فنبذوه وتركوا حديثه، وهو إمام كبير من أهل السنّة والجماعة.

فإذاً المدارس الفقهية هذه كانت متوافقة ومتآلفة عندما لا يدخل فيها التعصب العقائدي، أو (الأز) السياسي، التحريض السياسي. عندما كان يدخل فيها، وكثيراً استغل الحنابلة الاختلاف العقائدي فعلوا الأفاعيل مثلاً في إبن جرير الطبري، إبن جرير الطبري عندما صنف كتابه اختلاف الفقهاء، لم يذكر خلاف أحمد إبن حنبل، واعتبر أن أحمد إبن حنبل محدّث وليس فقيهاً، فجاء له الحنابلة وقالوا لماذا لم تذكر قول إمامنا، قال إمامكم ليس له أقوال، هو محدّث وليس فقيهاً، فأذوه أشد الإيذاء وضربوه وطينوا عليه بيته حتى أنقذته الحكومة.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ حسن، قبل ذلك دعني أمضي إلى الدكتور أحمد كريمة، وشكراً على هذا التفصيل والتدقيق أيضاً.

إذاً شيخ الدكتور أحمد كريمة خلصنا إلى ما يلي. أولاً وحدة الأمّة وتلاقيها رغم اختلاف الآراء وأن المحبة كانت سائدة وأن التكفير كان مُستبعداً إلى وقت قريب، اندلعت الفتنة الكبرى.

جاء قوم في العصر المعاصر، عندما أقول العصر المعاصر أي المئة سنة الأخيرة، فأحيوا تاريخ السياسة العربية والإسلامية، تاريخ بني أمية والعباس وما تلاهم على أنه الإسلام، وأخفوا تاريخ الوفاق والحوار والتعدّدية بين المسلمين، واعتبروا كلّ ذلك بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالةٍ في النار.

أليس هذا ما جرى بالفعل دكتور أحمد؟

 

أحمد كريمة: نعم سيّدي الكريم، الواقع المؤلم المُسيء المُشين يقرّر هذا بوضوح، وقد تفضّل العالم الكبير المُحقق المُدقق سيّدنا الشيخ السقاف بارك الله فيه، بأن ساق أمثلة فعلاً هي في الثقافة أو في التاريخ الديني.

يكفي إذا عدنا قليلاً إلى إبن تيمية وإلى وكلائه محمّد إبن عبد الوهاب وإبن باز وإبن عثيمين وإبن جبرين إلى آخره، أولاً فنجد تكفيرهم للأشاعرة، وهم السواد الأعظم إن صحّت التسمية، ونجد أيضاً التكفير لأئمة آل البيت عليهم رضوان الله، ونجد التطاول والتكفير من الوهُابية أو المُتسلّفة بصفةٍ عامّة للفقه الإباضي، ولا ننسى أنّ الفكر المُنغلق ساد للألباني حتى تكون الأمّة على وعي، الألباني يدعو إلى إخلاء فلسطين من سكانها الفلسطينيين وتركها للإسرائيليين بدعوى أن أرض فلسطين دار حرب. عبد العزيز بن باز حرّم العمليات الاستشهادية للفدائيين في فلسطين المحتلة حتى يتم الخضوع والخشوع للصهاينة.

الأمثلة مريرة ويكفي أن إبن تيمية دافع عن يزيد إبن معاوية في المؤامرة على استشهاد الإمام الحسين رضي الله عنه، فقال ما نصّه، قال إبن تيمية "إن يزيد ما أمر بقتل الحسين ولكن أمر بدفعه"، والأمثلة مريرة، وأقولها بصراحة وفي برنامجك الواعد أ ل م وأقولها للمسلمين، نحن الآن حتى في تجديد الخطاب الإسلامي، الحجر العثرة الذي يقف أمام انطلاق العلماء في الأزهر الشريف، سواء في الجانب التعليمي أو الجانب الوعظي أو الجانب الإعلامي، هي المتسلّفة الوهّابية، يسمّوننا أننا العوام في المساجد وفي غير المساجد، بأننا عندنا زيغ في العقيدة وفساد في العقيدة، وأنّ أبا الحسن الأشعري ضالّ مضلّ. ومن هنا تزايد الإلحاد حتى وصل إلى ملايين، ثلاثة ملايين ملحد الآن من الشباب بسبب الغثاء المُتسلّف الوهّابي الذي يشكّك حتى في العلماء المعاصرين، هم الآن يكفّرون الأزهر نفسه وكلاء إبن عبد الوهاب وإبن باز وإبن عثيمين وإبن جبرين وطوفان الكتب، أنظر إلى كتاب فتاوى علماء البلد الحرام ما وجدوا عالِماً ولا مذهباً من المسلمين إلا كفّروه.

الآن هم يشتغلون لخدمة إسرائيل ولخدمة الولايات المتحدة الأميركية بتحويل الصراع العربي الإسرائيلي إلى سنّي شيعيّ، أي تُقام مراكز الحوارات والحضارات من موطن النشأة عندهم، مع الكاثوليكي المسيحي. أما مجامع التقريب بين المسلمين، فأصبحت سباً وعاراً وشناراً وتشيّعاً وإلى آخر ما يندى له الجبين ويدلّ دلالة واضحة على أن هذا الفكر المُنحرف هو الفكر السلفي أو المُتسلّف، هو الصورة المقيتة السوداء للفكر الإسلامي.

 

يحيى أبو زكريا: لكن بحمد الله تعالى، مع محقّقين كبار ومُدققين أصلاء، أمثال الدكتور أحمد كريمة والشيخ العزيز الفاضل حسن السقاف، وغير ذلك من الأحرار الشرفاء الذين يبحثون عن المعلومة والحقّ، ولا يصبون إلا للحقّ، سوف يتنفّس الصبح حقيقةً وعلماً، وسوف تنتهي الديكتاتورية العلمية والتزوير العلمي والبطلان العلمي إن شاء الله.

الدكتور أحمد كريمة من مصر الحبيبة شكراً جزيلاً لك. الشيخ حسن السقاف من الأردن الحبيب شكراً جزيلاً لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم، هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.