حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

وفيق ابراهيم - باحث في الشؤون الإقليمية

 

 

 

- وفاء العم: العقوبات الأميركية وتأثيرها في إخضاع الدول بات أمراً محط تساؤلٍ، ما جدواها؟

عقوباتٌ فشلت مثلاً في إخضاع كوريا الشمالية وها هي الأخيرة تلغي اجتماعاً بين وزير خارجيتها ونظيره الأميركي وتعلن العودة إلى التخصيب.

بالحسابات، واشنطن تُعفي ثماني دولٍ من العقوبات الأميركية ضد إيران، دولٌ رفضت منذ البداية هذه العقوبات، تراجعٍ أميركي أو مرونة تفرضها المعطيات مع الحلفاء؟

بين كوريا الشمالية وإيران تحضر الصين من بوابة الاقتصاد، تدير تحالفاً مع روسيا بهدف كسر هيمنة الدولار ودعم بيونغ يونغ وطهران في مواجهة السياسة والاقتصاد.

من يصرخ أولاً في لعبة عض الأصابع؟ هل تصمد إيران أم تنتصر واشنطن وأي معادلة سيرسمها الطرفان بل المحوران، الممانعة في مقابل المحور الأميركي؟ وبينما ترتسم معالم التسوية بحضورٍ إيراني قوي في سوريا وأقوى في العراق تتبلور إدارة التطبيع العلني بين إسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجي، فأي مصير للقضية الفلسطينية، تمر صفقة القرن أم لا تمر؟

واشنطن تؤدي سياسة تفكيك الحلفاء على خط إيران، العراق، دمشق، لبنان وفلسطين، وطهران بهدوء حائك السجاد تواجه الضغوط بسياسة النفس الطويل.

عن العقوبات ومآلاتها وتأثيرها وأخيراً نتائجها على مستوى المنطقة، نناقش الباحث في الشؤون الإقليمية الأستاذ وفيق ابراهيم، فأهلاً بكم في حوار الساعة.

صباح الخير أستاذ وفيق، نرحب بك من جديد في حوار الساعة.

لطالما نتحدث عن العقوبات الأميركية، هذه السياسة الأميركية في إخضاع الدول سواء عبر اتهامها بالإرهاب أو دعم الإرهاب وما إلى ذلك، هذا يدفعنا إلى التساؤل الآن مع إقرار العقوبات الأميركية الجديدة على إيران، كيف يمكن أن نفهم سياق هذه العقوبات وما الذي تريده الولايات المتحدة الأميركية، المشهد بالمجمل؟

- وفيق ابراهيم: بداية الولايات المتحدة الأميركية تريد منع تشكل محور عالمي كبير معادٍ لها، هو بدأ بالتشكل، وهي تقوم بسياسة العقوبات لإرباك هذا المحور ولمنعه من تشكيل حلف قوي جداً كان يمكنه بسرعة أن يؤدي إلى عالم متعدد القطب، هذه محاولات أميركية لن يُكتب لها النجاح للأسباب التالية:

أولاً، معظم الدول وخصوصاً الحليفة للولايات المتحدة الأميركية تستشعر أن هذه الإمبراطورية بدأت تتراجع، لذلك هي تحاول أن تنال حريتها لكي تحتل مواقع من تراجعات الإمبراطورية الأميركية، هذا حال أوروبا مثلاً. في حين أن روسيا والصين بدأتا منذ مدة طويلة، يعني منذ تقريباً عام 2010، بالسطو ووضع اليد على أراضٍ كانت لروسيا السوفياتية وتحاول روسيا الحالية التقدم إليها.

لذلك ما يشهده العالم اليوم من عقوبات وحتى من محاولات أميركية لعرقلة إعادة تأسيس سيادة سوريّة قوية كلها تصب في إطار منع إيران من التحول إلى دولة إقليمية وازنة.

لأنه أية دولة إيرانية وازنة في منطقة الشرق الأوسط  لن تقوم إلا على قسم كبير من النفوذ الأميركية، هذا واحد، إثنان، منع الدولة السورية من التقدم نحو إدلب لإرباك روسيا ومنعها من الخروج من سوريا إلى الإقليم، يعني هناك أهداف كبيرة للمشروع الأميركي.

لكن السؤال هو هل تنجح هذه العقوبات؟ هذا هو السؤال المركزي الذي كنتِ ستسألينني إياه، وأنا أعتقد..

- وفاء العم:  لكن قبل أن ننتقل إلى نجاعة هذه العقوبات ومدى نجاحها في الضغط على إيران، أولاً كخطوة أولى بماذا نُفسّر الخطوة الأميركية باستثناء ثماني دول من هذه العقوبات، في الأساس هذه الدول أعلنت رفضها للعقوبات الأميركية، هل هي نابعة من مرونة ومصلحة أم هي نابعة أيضاً من تنازل لأنه لا خيار بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية؟

- وفيق ابراهيم: تأكدت أميركا أن هذه الدول لن تطبّق العقوبات، لذلك قامت بحركة استباقية عفتها وهي لم تطلب ذلك، هذه الدول تحديداً، تركيا نفسها لم تطلب عفواً أميركياً، يعني مجرد القبول بطلب عفو من أميركا إقرار بسيادتها الدولية في حين أن الولايات المتحدة تضرب اليوم ولا تعترف بكل المؤسّسات الدولية، من الأونيسكو إلى الأمم المتحدة، إلى جامعة الدول العربية، إلى منظمة الوحدة الإفريقية، كلها مؤسّسات لا تقرّ بها أميركا، تقرّ بنفوذها هي، تعتبر نفسها هي الميزان، أشبه بمدرسة إبتدائية تعاقب فيها الأطفال، كل طفل يخرج ولو قليلاً عن نفوذها تعاقبه على الفور. أميركا علينا أن نعترف، اليوم مثلاً إذا ما قرأنا ما هو أهم لباس أميركي في العالم؟ ما هو أهم لباس عالمي؟ الجينز الأميركي، ما هو أهم طعام؟ الفاست فوود الأميركي، ما هو أهم سلاح؟ السلاح الأميركي، لذلك أميركا دولة عظمى، أميركا هي واحدة من أقوى الدول التي تشكلت في التاريخ، لذلك عندما أقول لك أن سوريا وروسيا وإيران تمكنت من مجابهة هذه القوة صدقيني هذا عمل إبداعي وإعجازي، لأن أميركا حتى اليوم لا تزال هي القوة الإقتصادية المدمّرة الأولى في العالم. لذلك العقوبات سامحت هذه الدول ليست عن تفضل، اضطرت لأنها شعرت أن هذه الدول ماضية نحو هذا الأمر وشعرت أن تركيا ماضية، وأمس تركت العراق يتعاون مع إيران كهربائياً، هذا يعني الطاقة، لاحظي وهي تعرف أن العراق يعني التشابك السكاني والحدودي والتاريخي بين البلدين، لذلك هذه العقوبات حتى لو أصابت إيران فلن تصيبها أكثر من 10%، وأنا أعتقد أن دولة مثل إيران بغناها وقدراتها التاريخية على المرور خلف المعابر والحواجز، هناك ديناميكية إيرانية بارعة جداً لا علاقة لها بمفهوم الدولة الإسلامية مثلاً، هناك قيمة تاريخية، يعني مثلاً هناك تراكم دبلوماسي إيراني عمره 6000 سنة، هذا كله تستفيد منه إيران بالخروج من هذا المأزق الذي تتسبّب به الولايات المتحدة الأميركية لها.

- وفاء العم:  قبل أن نتحدّث عن النتائج أستاذ وفيق، ربما من المهم أن نطرح الأسباب، ما الذي تريده الولايات المتحدة الأميركية؟ هل صحيح هي تريد الحد من قدرات إيران الصاروخية أم تريد سحب إيران إلى طاولة المفاوضات للتفاوض على نفوذها على مستوى المنطقة، ما الذي تريده الولايات المتحدة الأميركية؟

- وفيق ابراهيم: الدولة الوحدية التي استطاعت منذ عام 1990 حتى اليوم بالدخول إلى قلب النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط هي إيران، تمكنت إيران رغم الحصار ورغم حالة الحصار المنصوبة عليها من عام 1980 تمكنت من بناء تحالفات بدأتها إسلامية من أفغانستان إلى لبنان، ثم اضطرت تحت استعمال الفتنة السنّية الشيعية إلى التمحور الشيعي في هذه المناطق، نجحت، الحقيقة أنها بنت تحالفات في قلب النفوذ الأميركي، يعني العالم الإسلامي هو جزء من النفوذ الأساسي الأميركي منذ عام 1945، تمكنت إيران من نسج التحالفات في لبنان، في سوريا، في العراق، في اليمن، في أفغانستان، في باكستان، في هذه الدول اقتصر الأمر على القسم الشيعي، يعني تصوّري مثلاً هناك 30 مليون شيعي في باكستان، يعني استطاعت أن تبني نفوذاً كبيراً في قلب النفوذ الأميركي، فأصابت أميركا.

- وفاء العم:  ولكنها لم تبن فقط نفوذاً في الأوساط الشيعية والدليل بأنها دعمت حركات المقاومة أيضاً في فلسطين بالتالي لاعتبارات ليست مذهبية؟

- وفيق ابراهيم: أنا قلت في البداية أنها بدأت إسلامية، بكل تحالفات إيران، فلسطينية، لبنانية، مقاومة، كلها تحالفات إسلامية ووطنية، إلى أنها اضطرت تحت ضغط انهيار مصر، استبدال السعودية بمصر وبدء السعودية باللعب على خط الفتنة السنّية - الشيعية فكان علينا أن نعترف أن السعودية نحجت بأسلوب الفتنة، باستدراج مواقع كبرى في العالم الإسلامي، هو أسلوب الفتنة والتعاون الأميركي وكل ذلك.

فإيران قامت بهذا المحور الكبير من لبنان إلى أفغانستان نجحت فيه وأثرت فيه، مثلاً النصير الأول للمقاومة الفلسطينية هو إيران، لولا إيران بعدما انسحبت مصر نهائياً وانقلبت وباعت الصراع العربي الإسرائيلي، لولا دخول إيران بديلاً منها لانهارت القضية الفلسطينية.

لذلك إيران أنا أقول أنها متهمة بالعمل داخل البيئة الشيعية لكنها الحقيقة تصيب كل البيئات الإسلامية وهي التي تجعل من هذه البيئات قادرة على الوقوف في وجه الطغيان الأميركي. يعني مثلاً، لولا وصول سلاح إلى لبنان منذ عام 1982 حتى اليوم أكنا حررنا جنوب لبنان؟ لولا الدعم الإيراني لسوريا أكانت سوريا استطاعت أن تصمد؟ هو دعم مالي، سلاح، بكل شيء. لذلك هناك دور إيراني، هذا الدور أساء لمن؟ أساء لدورين، الدور الأميركي العام في المنطقة والدور الإسرائيلي، لذلك لاحظي أن كل الاعتداءات أميركية، إسرائيلية وسعودية.

- وفاء العم:  سأعود للحديث أكثر ربما نسلّط الضوء أكثر بعد أن نستعرض هذا التقرير عما تريده الولايات المتحدة الأميركية من هذه العقوبات، ولكن صحيفة الشرق الأوسط تعنون "الأميركيون والإيرانيون والأشياء الأخرى"، هذا المقال لرضوان السيّد.

تقرير: الشرق الأوسط: الأميركيون والإيرانيون والأشياء الأخرى - رضوان السيّد

هناك ثلاثة فرقاء وليس فريقان في إيران، وكل منهم يقترح على المرشد حلاً أو مخرجاً. الفريق الأول، وهو فريق الحرس الثوري، يعتبر أن الصمود وعدم التراجع هو سبيل النصر في الحرب. وهؤلاء يستشهدون على ذلك بالعقدين الماضيين في ظل رئاستي بوش الإبن وأوباما. أما الفريق الثاني من حول رئيس الجمهورية ووزير الخارجية، فيرى أنه ليس بالوسع الصمود أكثر، ولنذهب باتجاه منافذ للتفاوض من خلال العُمانيين والإسرائيليين... والبريطانيين. في حين يرى الفريق الثالث أن العلّة ليست في الولايات المتحدة، بل في الحكم القائم ومطامحه وسياساته الداخلية والخارجية، ومنذ أمد بعيد.

لكن ما الذي يريده ترامب من إيران بالفعل؟ هو يريد لكسب أصوات اليهود في الانتخابات النصفية والرئاسية ألا تشكل إيران تهديداً حالياً أو مستقبلياً لإسرائيل.

والأمر الثاني: ألا يدفع لإيران الأموال المحتجزة لدى أميركا منذ أواخر السبعينات وقد صارت بالمليارات، التي بدأ أوباما في نهاية عهده يرسلها إليها على دفعات، يعد رفع العقوبات عام 2015. والثالث: ألا تظل إيران تشكل تهديداً لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، وللممرات البحرية بمضيق هرمز والبحر الأحمر وبحر العرب.

الطرفان سيكون من مصلحتهما التفاوض بعد أشهر، وإذا بدأ التفاوض فلن يبقى سراً، لأن إيران محتاجة إلى اعتباره نصراً، بحجّة أن إدارة ترامب مضطرة إليه بعد أن كانت ترفضه. وهذا غير صحيح، ذلك أن "إعادة التفاوض" كانت مطلب ترامب الأول. لكن الإيرانيين معتادون على الإنكار في حالتي الفوز والانكسار!

- وفاء العم:  هذه الأسباب مقنعة؟ ما ذكرها رضوان السيد في الشرق الأوسط؟

- وفيق ابراهيم: لا أعتقد أن لها أي ةعلاقة بالإقناع باعتبار أنه هو نفسه، أنا آتي إليك بمقالات مع بدء العقوبات كان يقول أن هذه العقوبات ستقضي على إيران نهائياً، اليوم يقول أن هناك مجالاً لفرار إيران باتجاه المفاوضات، هم دائماً يركّبون، بعد خسارة المشروع، يركبون نتائج على ذوقهم. أولاً، في إيران تياران صحيح، تيار يدعو إلى التفاوض وتيار يريد الصمود، لكن التيارين يجتمعان على ضرورة الصمود في وجه الولايات المتحدة الأميركية. نحن نذكّر الأستاذ السيّد أن إيران تصمد منذ عام 1980، يعني هناك 38 سنة من الصمود والمقاطعات وحصار وحروب، يعني كل هذه المدة لم تقنع الدكتور السيّد أن إيران بدت قوية في الداخل؟! ولاحظي شاه إيران احتاج إلى أسبوع من التظاهرات حتى سقط، وكان لديه أكبر جيش في المنطقة وأقوى قوّة اقتصادية في المنطقة، أسقطته تظاهرات إيرانية بأسبوع. لو لم يكن هذا النظام الموجود في إيران مدعوم على المستوى الشعبي أما سقط أمام كل هذه المضايقات؟! يكفي هذا الكلام. أنا أقول له أنظر بين جانبين، جانب إيران وجانب خليجي، الجانب الخليجي لا يصنع إبرة وهو يمتلك نصف موارد الأرض، في حين أن إيران بلد محاصر أصبحت بلد شبه صناعي على المستوى العسكري، المطلوب أن نرى بشكل عملي لا أن نبرّر التخلّف.

- وفاء العم: هو ذكر أسباب، قال بأن هذه الأسباب هي التي تدفع الولايات المتحدة الأميركية إلى هذه العقوبات، هل هذه الأسباب صحيحة أم هناك أسباب أخرى تدفع الولايات المتحدة الأميركية أيضاً لاتخاذ مثل هذه الخطوات إزاء إيران؟

- وفيق ابراهيم: الولايات المتحدة الأميركية من مصلحتها تغيير النظام الإيراني، تغييره واستبداله بنظام أقرب إلى نظام الشاه، وهذا ما تعمل عليه حالياً، وهذا ما عمل عليه الغرب منذ عام 1980 وإلا لماذا يسمح ويغطي الغرب هجوماً عسكرياً كبيراً قام به صدّام حسين في الثمانينات على إيران ودعمته السعودية بالمال وكانت إيران لم تتحرك بعد نحو الإقليم؟! يعني عندما هاجم صدّام إيران قالوا له هاجمها مسبقاً قبل أن تأتي إليك فنظّم حرباً دامت عشر سنوات بتمويل سعودي - خليجي وتغطية أميركية، هذا يدل على أن موضوع إيران أنها دولة تحمل أيديولوجية لا تتوافق مع المصلحة الأميركية في المنطقة وتعارض وتناقض كل الأيديولوجيات القائمة حالياً، ليس على المستوى الديني أنا أتكلم، أنا أتكلم على المستوى السياسي، يعني هناك تحرّر إيراني يريد مجابهة النفوذ الأميركي بما هو نفوذ يعطل المنطقة في حين أن الطرف الآخر هو جزء من هذا النفوذ ورأس حربته، هذا هو الصراع بشكل علمي.

- وفاء العم:  ما الذي تمتلكه إيران من أوراق في مواجهة هذا الحصار؟

- وفيق ابراهيم: أولاً، المسألة الداخلية، إيران بلد قديم ولأنه بلد قديم فيه وحدة اجتماعية داخلية، هذه الوحدة الاجتماعية الداخلية تتبدى في الأزمات عندما تحدث أزمة على إيران تلاحظين تصلّب الجو الداخلي الإيراني مع بعضه بعضاً. ثانياً، لديها إيران إمكانات بلد، يعني فيها تكامل اقتصادي، عسكري، صناعي، فيها تكامل، ثم بنت نظام تحالفات، نظام التحالفات الإيراني الموجود حالياً في سوريا أيضاً هو واحد من أعمق التحالفات التي يمكن أن تؤدي إلى المزيد من تراجع الامبراطورية الأميركية، إيران اليوم منفتحة على روسيا، منفتحة على صين، منفتحة على العراق، على سوريا، يعني هذه الانفتاحات ليست قليلة ولا تشكل جزءاً من الصدفة التي تحمي إيران حالياً. إيران مثلاً تخيف أميركا بقوّتها الداخلية وأيضاً تخيفها بتحالفاتها، يعني ماذا مثلاً لو قامت تحالفات إيران بدفع المنطقة إلى مزيد من التوتر بإنشاء حركات تحرّر شعبي، من اليمن إلى العراق، إلى سوريا، إلى لبنان، نحن لا نتكلم عن عواصم تسيطر عليها إيران، نحن نتكلّم عن تحالفات إيران، إيران قدمت مساعدات إلى هذه التحالفات، لماذا تتركها تحالفاتها في أوقات الضيم والشدة، أنا أتساءل وأرد على الدكتور السيّد لأقول له، إن المعركة مع إيران ليست معركة مع إيران بمفردها، إنها معركة مع المنطقة وسترون قريباً إذا ما تمادت أميركا أن المنطقة كلها قابلة للاشتعال، اشتعال بشكل جدي...

- وفاء العم:  ولكن أيضاً لا مصلحة إيرانية باشتعال المنطقة أصلاً.

- وفيق ابراهيم: إذا تمادت أميركا بهجوم عسكري على إيران المنطقة ستشتعل.

- وفاء العم:  يصل الأمر إلى الهجوم العسكري؟

- وفيق ابراهيم: في حال يئست الولايات المتحدة الأميركية أو أصيبت بيأس أكبر، لأنه دائماً هناك تراجع في موضوع الإمبراطورية الأميركية، هذا التراجع يصل إلى وقت قد تقوم أميركا بهجوم جوي مثلاً، يكفي قنبلة واحدة في مضيق هرمز حتى يتم وقف تصدير نحو 6 ملايين برميل سيصبح سعر البرميل إلى 300$ فقط.

- وفاء العم:  إلى أي مدى الآن وضع الكونغرس الأميركي بشكله الحالي، حصول الديمقراطيين على الأغلبية مقابل مجلس الشيوخ للجمهوريين، إلى أي مدى هذا قد يعيد صوغ التركيبة الداخلية في الداخل الأميركي وبالتالي يقوّض سياسة ترامب في الخارج؟

- وفيق ابراهيم: هذا أمر صحيح، أولاً علينا أن نتفق أن الديمقراطي والجمهوري يهمهما أولاً مصلحة الولايات المتحدة الأميركية الخارجية، المصلحة الأميركية الخارجية هي في السطو على كل مقدرات العالم إنما بأساليب مختلفة جزء منها على طريقة ترامب بالتهديد والصراخ والصخب، وقسم منها بالأسلوب الهادئ على الطريقة الديمقراطية، الديمقراطيون سرقوا العالم إنما بأسلوب هادئ غير مكشوف يحترم المسروق، ترامب يسرق ويعتدي على المسروق بالقوّة، هذا هو الفرق.

بالنسبة للداخل نعم الديمقراطيون سيكبحون جزءاً من عشوائية ترامب، بكل تأكيد، يعني مثلاً هم قادرون - تعرفين هناك سنتان للانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة - الطرفان سيعملان داخلياً وخارجياً على استجلاب الناخب الأميركي، لذلك الديمقراطيون سيعرقلون الكثير من حركات ترامب في الخارج وخصوصاً مع أصداقاء أميركا، يعني وجهته الأوروبية المعادية لأوروبا، محاولات التحريض على روسيا، على الصين، لاحظي مثلاً ماذا فعلت روسيا أمس بحركة بارعة، قام الروس باستدراج أميركا إلى التصويت على إلغاء العقوبات على كوريا الشمالية فانكشفت الولايات المتحدة أنها لا تريد إلغاء هذه العقوبات، يعني تم استدراجها بسهولة، لافروف الروسي استدرجها وأوقعها مع كوريا الشمالية من جديد، لذلك الولايات المتحدة الأميركية مصابة اليوم في الداخل، أن هناك قوتين ستتصارعان، قد تجدان تسويات في بعض المناطق لكن الوجهة الأكبر هي وجهة الصراع ما يؤدي إلى كبح موضوع ترامب في الخارج.

- وفاء العم:  إلى أي مدى يمكن أن تقف روسيا بجانب إيران في هذه العقوبات وأيضاً الصين إذا كانت الصين الآن تسعى لتشكيل تحالف مع روسيا بغرض كسر هيمنة الدولار الأميركي في المقابل أيضاً يتم دعم بيونغ يانغ من جهة وطهران ولكن إلى أي مدى وما هي حدود هذه الحماية ربما؟

- وفيق ابراهيم: ليست مشكلتنا نحن العرب إننا نتعامل مع الدول على أساس أنها دول عربية، روسيا ليست دولة عربية والصين كذلك، إلا أن هاذين البلدين مؤمنان بأن دورهما يلي إيران، أميركا تحاول تنظيف كل ما يعترض سبيل الإمبراطورية الأميركية، يصادف أن إيران أولاً تليها روسيا والصين، يعني هناك حرب مكشوفة، لذلك من مصلحة روسيا والصين أن تقفا وقفة جدية إلى جانب إيران، لقد أعلنت روسيا منذ يومين أنها لن تقف فقط مع إيران بل ستساعدها على بيع نفطها، يعني لاحظي مستوى التوغل الروسي في بناء دور، الصين أيضاً، هؤلاء لا يتعاملون مع العالم على الطريقة العربية بالخطابات والصراخ، يبنون سياسات هادئة تؤدّني إلى هدف، روسيا والصين ستقفان إلى جانب إيران حتى آخر دور في العقوبات على أميركا لأنهما مرتبطتان مصلحياً بهذا الأمر ولا تستطيعا أن تخرجا وهما تعرفان أن دورهما آتٍ بعد إيران مباشرة، لذلك لا يمكن لهما أن تتركا إيران بمفردها.

- وفاء العم:  هذا ربما بفتح لنا أيضاً المجال للنقاش والحديث عن مسألة العقوبات بحد ذاتها، سياسة العقوبات التي تتبعها الولايات المتحدة الأميركية، هذه السياسة ليست فقط إزاء إيران، إزاء أيضاً كوريا الشمالية، تفرض عقوبات على السودان، فرضت عقوبات على تركيا التي هي حليف رئيسي للولايات المتحدة الأميركية وبالتالي ما سبب هذا الإدمان الأميركي على العقوبات ضد الدول سواء ضد دول أو كايانات حتى؟

- وفيق ابراهيم: أولاً هذا عدم اعتراف أميركي بكل المؤسسات الدولية، أميركا تنصّب نفسها وصياً دولياً شرعياً على كل العالم، لماذا؟ لأن أميركا تمر اليوم بالمرحلة الثالثة من تطوّر إمبراطوريتها، المرحلة الخلدونية، التي نعتبرها مرحلة السقوط، لذلك هي تحاول إشغال العالم بأثره، إشغال العالم بأثره لكي تمرر هذه المرحلة بأقل قدر ممكن من الخسائر، يعني مثلاً، هل يعقل أن أميركا تعاقب بلدين هما جزء من الإمبراطورية الأميركية منذ عام 1945، اليابان وألمانيا، يعني لاحظي، هناك جيش أميركي لا يزال يحتل قسماً من اليابان وقسماً من ألمانيا منذ الحرب العالمية الثانية وهما بلدان حليفان بالعمق، إلا أن الإمبراطورية الأميركية ارتأت أن هذين البلدين استطاعا بوسط العولمة أن يخترقا الأسواق الاقتصادية في أميركا وغيرها، لذلك هي تعاقبهما، هذا الأمر ليس معقولاً، يعني بعلم الجيوبوليتيك الأميركي كيف يمكن لأميركا أن تعاقب أصدقاءها، لذلك لاحظي مدى التأزّم الأميركي الذي يجعلها تعاقب كل العالم في محاولة منها لتمرير ما تخسره حالياً، إلا أن هذا الأمر بحسب الديمقراطيين يؤدّي إلى تحالف العالم ضد أميركا، يعني اليوم تحاول أميركا أن تعاقب، تنتقي، إلا أن الديمقراطيين سيمنعون ترامب من إستكمال هذا الأمر لأنه سيؤدي في خاتمة المطاف إلى وقوف كل العالم في وجه الولايات المتحدة الأميركية، لذلك لاحظي كل السياسيات الأميركية في العالم، أميركا تدعم الكنائس، أميركا تدعم الإرهاب، أميركا تدعم الصديق، أميركا تدعم العدو، كل شيء، يعني هذه إمبراطورية متنوّعة، يعني تستطيع أن تغتال وتقتل وتؤيّد الأديان في وقت معاً لأنه ما يهمها هو المصلحة الاقتصادية الأميركية، الهيمنة الأميركية المعاصرة، وهذه الهيمنة بكل أسف لا تزال قائمة حتى اليوم، إلا أن الصعود الروسي الكبير يهدد هذه الإمبراطورية ويسمح للصين بالدخول. إذا دخلت الصين على المربع الأميركي وتربّعت تأكدي إننا سنشهد عالماً متعدّد الأقطاب في وقت قريب من خلال الميدان السوري، يعني الميدان السوري سمح لكل هذه القوى بالعودة والتفلّت ومقارعة الأميركيين، لذلك أميركا تقوم بعقاب الكل، مثلاً اليوم تسامح عمر البشير..

- وفاء العم: سأعود إلى هذه النقطة بعد الفاصل لأن لدينا تركيا، العقوبات على تركيا وأيضاً لدينا العقوبات على السودان، هي تأتي في ضمن النقاش حول العقوبات الأميركية في إدارة السياسة الدولية ولكن فاصل سريع نعود بعده لمتابعة النقاش مشاهدينا ابقوا معنا.

المحور الثاني

- وفاء العم: أهلاً بكم مجدّداً في هذه الحلقة من حوار الساعة. نبدأ الجزء الثاني من الحلقة مما نشرته الميادين نت تحت عنوان " ما هي فعالية العقوبات الأميركية على إيران" لليلى نقولا.

تقرير: الميادين نت: ما هي فعالية العقوبات الأميركية على إيران؟ - ليلى نقولا

بعد تقييم مبدأ العقوبات الأميركية على قطاع النفط بالتحديد، يبدو أنها - وبالرغم من أنها ستكون مؤلمة وستؤثر سلباً على الاقتصاد الإيراني - إلا أنها تبدو حتى الآن عاجزة عن تحقيق أي من أهدافها، وذلك للأسباب التالية:

أولاً: يُصرّح العديد من الخبراء والمسؤولين الإيرانيين أن العقوبات السابقة دفعتها إلى الاعتماد على الذات وتطوير صناعات محلية، ما كانت لتطوّرها لو كان باستطاعتها استيرادها بسهولة من الخارج.

ثانياً: إن إعادة فرض العقوبات على إيران والخروج من الاتفاق النووي، أظهر الولايات المتحدة الأميركية شريكاً لا يمكن الوثوق به، وهذا ما يدفع بعض الفئات في الداخل الإيراني التي عوّلت على الانفتاح على الغرب إلى الإحباط والإيمان بعدم الاتكال على القوى الغربية للمساعدة، وبالتالي إن المراهنة على تغيير في سلوك النظام لا تبدو في محلها.

ثالثاً: إن الإعفاءات التي منحتها إدارة ترامب لثماني دول "حليفة" للاستمرار بشراء النفط الإيراني لفترة محدودة، تقوّض نظام العقوبات قبل أن يبدأ.

رابعاً: إن اليمينية الشعبوية التي يحاول ترامب نشرها، بالإضافة إلى المعاملة السيّئة والكلام القاسي الذي وجهه في وقت سابق إلى حلفائه الأوروبيين، يدفع هؤلاء إلى مزيد من التحدّي للإدارة الأميركية الحالية، وبالتالي ستستفيد إيران من هذا التباين بين الطرفين للظهور بمظهر المحافظ على العلاقات الدولية والإلتزام بالقانون الدولي، في حين يقوّض ترامب أسُس القانون الدولي.

إذاً، وفي المحصّلة، إن الصعوبات الاقتصادية التي سيعانيها الإيرانيون من غير المرّجح أن تدفعهم إلى الاستسلام لشروط ترامب، فالإيرانيون يتقنون فن التهرّب من نظام العقوبات، هذا بالإضافة إلى امتلاك إيران للعديد من أوراق القوّة الاستراتيجية في المنطقة والتي لم تستخدمها حتى الآن.

- وفاء العم:  أرحّب بك مجدّداً أستاذ وفيق ابراهيم الباحث في الشؤون الإقليمية.

كنا نتحدّث عن العقوبات الأميركية وسياسة العقوبات الأميركية في إدارة السياسات الدولية، ضربت مثالاً مهماً في ما يتعلق بالسودان مثلاً وتصنيف السودان على قائمة الإرهاب أو الدول الداعمة للإرهاب، أساساً هذا يدفعنا للسؤال عن تصنيف الإرهاب وفق المزاجية الأميركية، من الذي يحدّد ما هو الإرهاب؟

- وفيق ابراهيم: المصلحة الاقتصادية الأميركية، كل عمل يتصدّى للنفوذ الأميركي هو عمل إرهابي وفق القراءة الأميركية للتفاعلات العالمية، السودان كان إرهابياً عندما كان قريباً من إيران، اليوم بدأت مفاوضات أميركية - سودانية لإعفائها من العقوبات لماذا؟ لأن هناك تغييراً سياسياً في السودان، انتقل السودان من الضفة الإيرانية إلى الضفة الأميركية - الإسرائيلية، حتى أنه أبدى استعداداً للاعتراف بإسرائيل والتعاون معها، لذلك هناك منطق القوة، يعني ليس هناك قانون دولي.

- وفاء العم:  عذراً منك، ولكن في حال السودان ألا يمكن أن نقول بأن العقوبات جاءت بنتائج على اعتبار أنه تم فرض عقوبات على السودان وتصنيفها من الدول الإرهابية؟

- وفيق ابراهيم: السودان لم يعد بإمكان الذين كانوا يدعموه أن يدعموه، ثم عمر البشير لديه أزمة دولية، أميركا نصبت له فخاً هي العقوبات الدولية، ثم رمت له بحبل نجاة هو أنك تستطيع أن تعود إلى التفاعلات الدولية وأن تبقى رئيساً، كما قلتي نفعت العقوبات مع السودان، إلا أنها نفعت مع السودان، لكن خارج سياق السودان لا أعتقد أنها ستنفع، سأعطيك مثلاً، عندما يتجرّأ رئيس أميركي للمرة الأولى منذ سقوط شارل ديغول حتى اليوم ويقول نحن في أوروبا يجب أن نبني جيشاً مستقلاً يدافع عن أوروبا، ماذا يعني هذا الكلام؟ يعني إسقاط الحلف الأطلسي، يعني الخروج من تحت المظلة الأميركية إلى مظلة أوروبية، هناك تمرد عالمي على الولايات المتحدة، لا تقيس الأمر بالسودان، السودان ليس دولة، السودان هي مجموعات تركب، تسقط، لا أحد يعرف لماذا، يعني الذي يدفع أكثر. هناك دول، مصر حالياً تلعب نفس دور السودان بكل أسف، مصر هذه الدولة العربية العريقة سقطت أصبحت مثل السودان، لمن يدفع أكثر. لذلك عليك أن تذهب إلى القوة الأساسية في العالم، أين هي اليوم؟ أوروبا، الصين، روسيا، الهند، كل هذه الدول متمرّدة حالياً على الإمبراطورية الأميركية، وقد لمحّت في المقالة التي نشرتوها الكثير من الكلام الذي تكلّمنا عنه على أن إيران قوة داخلية وقوة بتحالفاتها الخارجية وقد أسموها هم التحالفات الإستراتيجية وهو ما تكلمنا عنه. لا يمكن لأميركا أن تهزّ إيران حالياً لأنه بالوضع الداخلي إيران بلد متماسك تاريخياً، ليس مثل العالم الآخر، نحن الطائفية، المذهبية، العرقية، القبلية تهزّنا.

- وفاء العم: ماذا عن تركيا مثلاً، الآن هناك رفع لعقوبات متبادلة مع تركيا، ماذا الذي يحكم هذه العقوبات؟ ما الذي قدّمته تركيا للولايات المتحدة الأميركية؟

- وفيق ابراهيم: تركيا خرجت عن النصّ الأميركي عندما دعمت مشروع الإخوان المسلمين في المنطقة فأثارت ريبة وشكوك الولايات المتحدة الأميركية منها، منذ ذلك التاريخ أسقط الإخوان المسلمون في مصر بطريقتين شعبية واحتوتها أميركا فأتت بالسيسي، إلا أن طريقة إسقاط الإخوان المسلمين كان طريقة شعبية في مصر، لذلك منذ ذلك التاريخ هناك تباين أميركي تركي، تركيا هي دولة قديمة لديها مصالح، يعني عندها مثلاً بدأت مشروعاً عثمانياً، مشروع التحاق بالإتحاد الأوروبي، مشروع كونفدراليات إخوان في المنطقة، كلها فشلت، لذلك الصراع الأميركي التركي حاد إلا أنه قابل للإحتواء من قِبَل الولايات المتحدة الأميركية. على الرغم من ذلك، تركيا تعتبر أن علاقاتها مع إيران هي علاقات تاريخية وهي علاقة جوار جغرافي لا يمكن أن تتحوّل إلى عداء، حتى في المراحل الماضية، كان هناك عداءً إلا أنه لم يترجم على مستوى حروب عسكرية، لذلك هناك علاقات إقتصادية تركية إيرانية لا يمكن فكاكها لا بعقوبات ولا بغير عقوبات. أميركا تحاول إعادة تركية كما كانت في مرحلة الاتحاد السوفياتي، هذا الأمر لم يعد ممكناً، اليوم تركيا أصبحت تقترب من 80 مليون نسمة، لديها مصالح، عندها علاقات سيّئة جداً بسوريا والعراق، تحاول اختراق هذه العلاقات السيّئة بطريقة ما بالعلاقات الجيدة مع إيران وروسيا في سبيل تحسين وضعها لأنها تعرف أن السياسة الأميركية قد تتخلى عنها في أي وقت، في أي وقت، لذلك هم يحطاطون، يبنون قوى خاصة بهم في سوريا، يفاوضون الأميركيين، يفاوضون الروس، يعني دولة محورية في حال تكلّمنا بشيء من الرصانة، نحن معادون للسياسة التركية، إلا أن هذا لا يعني أنها غير موجودة، هي موجودة في شمال سوريا، موجودة في إدلب، موجودة في اليمن عن طريق حزب الإصلاح، موجودة في العراق، يعني لاحظي هذا المغزى، إيران طبعاً موجودة بشكل أقوى لكن تركيا أيضاً موجودة، لذلك أميركا تعاقبها لاستعمال قواها ضد المشروع الإيراني وهي لا تريد ذلك، يعني تريد فقط أن تكون موجودة..

- وفاء العم: من الواضح أن المملكة العربية السعودية أيضاً مستثنات من العقوبات الأميركية على الرغم من ما حدث في قضية مقتل جمال خاشقجي رغم تلويح الولايات المتحدة الأميركية في فرض عقوبات ولكن في نفس الوقت دائماً ما تذهب إلى أن هناك مصالح لدى الولايات المتحدة الأميركية مع المملكة العربية السعودية، هذا ألا يثير التساؤل ولا يثير السؤال أيضاً حول ازدواجية السياسة الأميركية في التعاطي مع الدول، يعني لو حدثت حادثة كمقتل خاشقجي تورّطت فيها إيران كيف سيتم التعاطي معها فيما هذا الحدث الكبير حدث في المملكة العربية السعودية؟

- وفيق ابراهيم: أولاً اغتيال الخاشقجي حدث عادي، إلا أنه لم يعد عادياً لأنه تزامن مع علاقات سيئة لترامب بالداخل الأميركي ومع أوروبا ومع الصين ومع تركيا، مع كل العالم، لذلك تحوّل اغتيال خاشقجي مسألة كان يمكن أن تمر كحال مئات آلاف القتلى الذين قتلتهم الدولة السعودية منذ مدة آخرهم شيخ اعتقلوه لأنه قال كلمة واحدة، الشيخ النمر، قال لهم نحن لم نذهب إليكم أنتم أتيتم إلينا، اعتقلوه وأعدموه بالسيف، ولم تتكلم دولة أوروبية واحدة ولم تتكلم أميركا، ما الذي استجد حتى هبّ العالم من أجل قتل الخاشقجي، هبّ لأن المرحلة هي مرحلة تراجع أميركي، لذلك يحاول..

- وفاء العم: ولكن أيضاً الولايات المتحدة الأميركية حتى الآن لم تأخذ موقفاً مما حدث؟

- وفيق ابراهيم: لن تأخذ، أميركا اليوم عندها آل سعود، هي تحاول إيجاد فارق بين آل سعود وبين وليّ العهد، يعني تحاول تحميل الأزمة من وليّ العهد وما دون على أن تبقي آل سعود لأنه ليس لديها بديلاً عنهم، الموقع الأساسي الذي يؤمّن النفوذ الأميركي في المنطقة هو آل سعود، لذلك يريدون شكلياً تحميل المسؤولية إلى المكتب الأمني لوليّ العهد محمّد بن سلمان، إبعاد محمّد بن سلمان وتركيب محمّد بن سلمان آخر أبداً شبيه به وربما من نسله أو أخيه أو من أولاد أحمد بن عبد العزيز الذي أعيد منذ عدّة أيام إلى السعودية على عَجَل، ما يدلّ على أن هناك تسوية على مستوى العائلة السعودية. أميركا بالنسبة إليها لا وجود للقانون الدولي، هناك وجود للمصلحة الأميركية، هذه المصلحة الأميركية هي القانون بالنسبة إليها كل من يقترب من هذه المصلحة هو محمي وكل من يبعد هو مستهدف، أميركا أخذت من السعودية كل ما تريد، إذا أوقعت عليها العقوبات لماذا؟ حتى لو أوقعت عليها عقوبات جديدة الآن بسبب الخاشقجي لن تكون أكثر ايلاماً بخمسمئة مليار دولار سرقتهم والسعوديون مسرورون، اليوم محمّد بن سلمان مستعد لدفع ألف مليار ليس فقط خمسمئة مليار من أجل أن يخرج من هذه الأزمة وهم يكبرون مع الأتراك لكي تقع تسوية مالية ضخمة يدفعها السعوديون ويزدادون ولاءً للولايات المتحدة الأميركية.

- وفاء العم: إسمح لي أن نستعرض أيضاً ما قالته صحيفة رأي اليوم، العقوبات الأميركية تفقد مفعولها في الأسبوع الأول والحلفاء العرب أبرز الخاسرين.

تقرير: رأي اليوم: العقوبات الأميركية تفقد مفعولها في الأسبوع الأول والحلفاء العرب أبرز الخاسرين

بعد سماح الولايات المتحدة لأفغانستان بالاستمرار في استيراد احتياجاتها من النفط الإيراني، وحصول العراق على استثناء من أية عقوبات بسبب استيراد الكهرباء الايرانية أيضاً، تبدو الحزمة الثانية من العقوبات الأميركية المفروضة على القطاعين النفطي والمصرفي الإيرانيين مثل "الجبنة السويسرية" مليئةً بالثقوب، وشبه معدومة الفعالية بالتالي.

إدارة الرئيس ترامب التي توعّدت بشل الحياة كلياً في إيران، تمهيداً لتركيعها، وإجبارها على تنفيذ 12 شرطاً، أبرزها وقف صناعتها الصاروخية والامتناع عن دعم حركات المقاومة باتت في وضع يثير السخرية، لأن هذه العقوبات فقدت زخمها وتأثيرها في اليوم الأول لبدء تطبيقها. إعفاء ثماني دول هي الصين والهند واليونان وتركيا وإيطاليا وتايوان واليابان وكوريا الجنوبية، من أية عقوبات، لم يأت "مكرمةً" من الرئيس ترامب وإدارته، وإنما رضوخاً للأمر الواقع. ومن المفارقة أن قائمة الثمانية هذه تستورد النسبة الأعظم من الصادرات النفطية التي تصل إلى مليونين وخمسمئة ألف برميل يومياً. ربما يكون من السابق لأوانه القول بأن إيران التي لم تظهر أي تأثر بالعقوبات هذه، بل تحدّتها بشراسة، وأكّدت أنها ستلتف عليها، خرجت "منتصرة" من هذه المواجهة وفي أسبوعها الأول، وهذا في حد ذاته هزيمة للرئيس ترامب وحلفائه الإسرائيليين والعرب معاً.

زمن الهيمنة الأميركية يتآكل بسرعة، ومن المؤسف أن هناك بعض العرب يضعون كل بيضهم في السلّة الأميركية، والإسرائيلية أيضاً، وسيندمون أشدّ الندم في ما هو مقبل من الأيام.

- وفاء العم: ما جاء في المقال يتفق كثيرا ًمع ما ذهبت إليه من خلال الحلقة، ولكن ما يدفعنا للسؤال وفق كل ذلك هو أيضاً هذه العقوبات تطال أيضاً حزب الله وتطال أيضاً محور المقاومة، الكيانات التي تدعمها إيران في مواجهة إسرائيل وبالتالي كيف ستؤثر هذه العقوبات على دعم المقاومة؟

- وفيق ابراهيم: أنا الحقيقة لا أعتقد أنها ستؤثر على حزب الله أو المقاومة باعتبار إذا ما ابتدأنا بشكل تدريجي إذا ما أخذنا الحشد الشعبي في العراق، بماذا سيتأثر؟ الحشد الشعبي في العراق هو جزء من منظومة تحالفات المقاومة، لا شيء أبداً، إذهبي إلى سوريا من سيتأثر؟ وجود حزب الله في سوريا مرتبط بالدولة السورية.

- وفاء العم: ولكن كيف سترد؟ كيف سيرد محور المقاومة على هذا الحصار الذي سيطاله بشكل من الأشكال على الصعيد الإقتصادي؟

- وفيق ابراهيم: حزب الله سيمارس حياته العادية من دون أن يردّ لأن الردّ هو عدم وقوعه في هذه العقوبات، هذه العقوبات معادية للبنانيين بأكثرهم وليس لحزب الله، لأنها هي عندما تقرأينها تجدين أنها تصيب 60% من الشعب اللبناني، 60% من الشعب اللبناني اليوم هذه العقوبات إذا ما طبّقت ستصيبهم مصرفياً، التعاملات المصرفية مفتوحة بين مثلاً عندنا طبقة إغترابية لبنانية، هذه الطبقة الإغترابية اللبنانية قسم منها من البيئة الاجتماعية لحزب الله في جنوب لبنان، أي أن هؤلاء يرسلون أموالاً إلى أهلهم، عندما تمنعهم أميركا من هذه التحويلات فإذاً تصيب قسماً كبيراً من اللبنانيين لا يقتصر على الشيعة بل على مجمل المغتربين في العالم وهم بالملايين، مثلاً حزب الله ليس لديه مؤسّسات ظاهرة يتعامل معها مادياً، حزب الله تنظيم جهادي لديه مؤسّسات منتشرة في كل بلدان العالم وليس في لبنان، لذلك هم يعرفون هذا الأمر، إنهم يطلقون عقوبات يعرفون أنها غير قابلة للتطبيق لكنهم يريدون إرباك لبنان، يعني مثلاً أنا لا أعتقد أن الذي أوقف تشكيل حكومة لبنان هو طلب مشاركة النواب السنّة المستقلّين فقط، هناك قرار، يعني مثلاً لو ترك الرئيس الحريري يشكّل حكومة من دون السنّة المستقلّين تصبح حكومة محمّد بن سلمان، لذلك من الطبيعي كان أن يقف السنّة المستقلّون الذين فازوا بأصواتهم وليس بأصوات حزب الله وأن يطالبوا بحصّتهم، تعطيل مشاركة هؤلاء...

- وفاء العم: حتى لا نذهب أكثر في الداخل اللبناني سيّد وفيق ولكن أنا ما أريد السؤال عنه هنا، هو كيف لا يتأثّر محور المقاومة وأيضاً الأطراف المرتبطة به بما فيهم حزب الله إذا لم يكن هناك إشكالية في دعم حزب الله؟

- وفيق ابراهيم: حزب الله يتأثر لأن لبنان يتأثر، لكنه هو على مستوى الحزب الجهادي لن يتأثر، هو لديه موارده المستقلة المخفية غير الآتية من إيران، لديه علاقات إقتصادية مع بيئات اجتماعية في لبنان وسوريا والعراق وأكثر من بلد، لذلك كل هذا مزاح.

- وفاء العم: وكأنك تقول بيئة حزب الله لا تتأثر؟

- وفيق ابراهيم: بيئة حزب الله جزء من البيئة اللبنانية، إذا تأثرت البيئة اللبنانية تتأثر بيئة حزب الله، بيئة حزب الله هم مغتربون، عمال، تجار، مثلهم مثل كل بيئة لبنان وهم متشابكون مع البيئات الأخرى ليس هناك بيئة شيعية اقتصادية خالصة، ليس هناك بيئة سنية اقتصادية خالصة، البيئات في لبنان تتمازج، نحن بلد صغير، هذا التمازج يؤدّي أما أن هذه العقوبات تصيب كل اللبنانيين أو لا تصيب أحداً وآخر من تصيبه هو حزب الله.

- وفاء العم: نحن نتحدّث فقط عن حزب الله ولكن أيضاً نتحدّث بشكل عام عن دعم المقاومة في كل مكان، يعني دعم المقاومة الفلسطينية أيضاً كيف يمكن أن يتأثر؟ إذا كانت واشنطن تسعى بسياسة تفكيك الحلفاء، هل تنجح واشنطن في تفكيك هذا الخط المتصل من طهران إلى العراق فدمشق، فلبنان، فلسطين؟

- وفيق ابراهيم: لو كان هذا الخط خط تجارة اقتصادية لقلت لك أنه يتأثر، يعني بماذا يتأثر المقاومون في غزة؟! هل هم تجار يعملون على الاستيراد والتصدير، هم بالكاد يصل إليهم ما يؤدي إلى إشعال فتيل المجابهة مع إسرائيل، لذلك أميركا تستهدف كل العالم العربي، أميركا لا يهمها أصدقاء ولا حلفاء، هي تمارس هذه العقوبات لإظهار سلطانها الدولي على الجميع وهي متأكدة أن حزب الله لن يتأثر، أنا متأكد أن الأميركيين يعرفون أكثر مني أن حزب الله لن يتأثر لأنه حزب لا يمارس التجارة، يعني الآن هذه العقوبات على كل أحد يعمل في الوسط الاقتصادي، يصادف أن حزب الله يحمل في الوسط الجهادي وليس في الوسط الاقتصادي.

- وفاء العم: وفق المعطيات الموجودة أستاذ وفيق أيضاً عندما نتحدث عن وجود محور يمتد من طهران إلى لبنان ففلسطين، في المقابل دول مجلس التعاون تذهب نحو التطبيع بشكل علني، هذا ما أعلن مؤخراً من عمان بأنه سيتم فتح سكك حديد من عمان إلى إسرائيل وهذا أمر يعني بأن إسرائيل أصبحت على الضفة الأخرى من إيران، ألا يشكل ذلك خطراً؟ هذا أولاً، كيف سترسم معالم المنطقة على صعيد ملف القضية الفلسطينية وصفقة القرن، تمر أو لا تمر؟

- وفيق ابراهيم: أولاً ما يحدث في عمان هو مسألة أميركية، أميركا هي التي تحاول إنشاء خطوط الحديد وتحاول إنشاء هذا الوضع الاقتصادي - طبعاً لإسقاط القضية الفلسطينية ولإسقاط إيران - إنما أنا أسأل من الأقرب إلى الآخر، وجود إسرائيلي في عمان وبحر الخليج أم وجود إيران والمقاومة في جنوب لبنان وسوريا، يعني أنا أعتقد أن هذا الأمر واضح يعني الضغط على إسرائيل أكبر بكثير من مشاريع..

- وفاء العم: ولكن من يضمن ألا تكون هناك قواعد إسرائيلية في الخليج؟

- وفيق ابراهيم: لأن عدد سكان إيران 100 مليون بينما عدد سكان كامل الخليج الموجود من دون العراق واليمن لا يتجاوز الـ 25 مليون نسمة، يعني هناك فارق، واحد. اثنان، هذا المشروع هو مشروع خيالي لأن العرب، يعني لاحظي كل ما انتصر العرب تراجع المشروع الإسرائيلي، كل ما هزم العرب يتقدم المشروع الإسرائيلي، اليوم هناك هزيمة في الخليج، لكن في المقابل ما أن تتكامل الدولة السورية ويشتد ساعدها وتستعيد سيادتها بالتنسيق مع العراق يتم وقف هذا المحور الذي تتكلمين عنه، عربياً وليس إيرانياً، لأن بالتوزانات العربية عندما يشتد ساعد قلب المنطقة الذي هو المنطقة السورية العراقية تقف السعودية وكل الخليج عند حد معين، ألم يكن هذا الأمر مطبقاً بزمن عبد الناصر.

- وفاء العم: أتمر صفقة القرن أو لا تمر وفق هذه المعطيات؟

- وفيق ابراهيم: لا تمر بكل تأكيد، صفقة القرن تحتاج إلى توقيع فلسطيني، توقيع فلسطيني واحد تصبح صفقة القرن قابلة للتحقق، اليوم ليس هناك فلسطيني قابلاً أن يوقع بما فيه محمود عباس، محمود عباس اليوم يراوغ، لا يتكلم، يهرب، يفرّ، لكنه يعرف أن مسألة التوقيع مسألة خطيرة جداً، غزّة هي المثال الساطع لعدم التوقيع ومثال غزّة سينتقل إلى الضفة وإلى كل مكان فيه فلسطينيون لأن الأمر خطير هذه المرة، يعني هناك بلد يدّعي أنه يحمي الحرمين الشريفين، يحاول بيع الحرمين الشريفين وفلسطين وسوريا وكامل العرب.

- وفاء العم: أشكرك كل الشكر وصلنا ربما إلى ختام حلقة اليوم، شكراً لك أستاذ وفيق ابراهيم الباحث في الشؤون الإقليمية على كل هذا الشرح الوافي لما يتعلق بالعقوبات الأميركية كسياسة موجّهة إزاء إيران أو أيضاً حتى إزاء دول المنطقة ودول العالم. الشكر موصول لكم مشاهدينا على حُسن المتابعة إلى اللقاء.