أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

قيم الأنسنة والسلام في رسالة نبي الله عيسى عليه السلام

كان بين ميلاد عيسى والنبي عليهما السلام خمسمائة سنة وتسع وتسعون كما ورد في الأثر, وقد تضمن القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة الكثير من العبارات والجمل التي تشيد بنبي الله عيسى عليه السلام, وتتحدث عن تفاصيل نبوته ورسالته وعظمته وأخلاقه العالية والمحبة والإنسانية والأنسنة هي الخطوط العريضة لرسالة عيسى المسيح وهي رسالة رسول الإسلام أيضا والحب جزء أصيل من مشاعر الإنسان. كان عيسى عليه السلام كلمة الله وسره و معجزته الكبرى ولطالما أثني الله عليه كما ورد في الإنجيل والقرآن .. إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ, في سورة آل عمران الآية: 45 .. من لا يعرف «الحب» لن يستطيع أن يكتب حقا عن المسيح عليه السلام، فهو من أعظم رموز وناشرى المحبة فى الكون كله، ليس فى زمانه فحسب ولكن فى كل الأزمان.. وهو صاحب الكلمة الرائعة الأثيرة «الله محبة» فمن لا يعرف المحبة لا يصل إلى الله سبحانه، ولا يعرفه حق معرفته. هكذا قدم ضيفي من مصر المسيح كلمة الله...

 

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم وجعل الجنّة مثواكُمُ. وميلادٌ مجيدٌ.

كان بين ميلاد نبيّ الله عيسى والنبيّ محمّد عليهما السلام 599 سنة كما ورد في الأثر وهناك روايات أخرى تشير إلى أعداد أُخَر. وقد تضمّن القرآن الكريم والسنّة النبوية الصحيحة الكثير من العبارات والجُمل التي تشيد بنبي الله عيسى عليه السلام، وتتحدّث عن تفاصيل نبوّته ورسالته وعظًمته وأخلاقه العالية، والمحبّة الإنسانية.

والأنسنة هي الخطوط العريضة لرسالة عيسى المسيح، وهي رسالة رسول الإسلام أيضاً، والحبّ جزء أصيل من مشاعر الإنسان. يقول الله عزّ وجل "والذين آمنوا أشدّ حباً لله". وفي الصحيحين أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال " ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ الإِيَمَانِ، أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبّه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار".

وكلما ازداد العبد معرفة بربّه ازداد له حباً. قال إبن رجب الحنبلي "لا قوت للقلب والروح ولا غذاء لهما سوى محبّة الله"، محبّة تنعكس على معاملة العبد بمقتضى حاله، فيجمع بين المحبّة والخوف والرجاء لأن عبادة الله بالمحبّة وحدها لها مخاطرها.

كان عيسى عليه السلام كلمة الله وسرّه ومعجزته الكبرى، ولطالما أثنى الله عليه كما ورد في الإنجيل وكما ورد في القرآن، "إذ قالت الملائكة يا مريمُ إنّ الله يبشّرُكِ بكلمةٍ منه إسمه المسيح عيسى إبن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المُقرّبين"، في سورة آل عمران.

من لا يعرف الحب لن يستطيع أن يكتب حقاً عن المسيح عليه السلام، فهو من أعظم رموز وناشري المحبة في الكون كلّه، ليس في زمانه فحسب، ولكن في كلّ الأزمان، وصاحب الكلمة الرائعة الأثيرة "الله محبّة"، ومن لا يعرف المحبّة لا يصل إلى الله سبحانه ولا يعرفه حق معرفته. هكذا قدّم ضيفي من مصر المسيح كلمة الله.

ترك لنا عيسى عليه السلام إرثاً عملاقاً في الفكر الإنسانيّ والمنظومة الأخلاقيّة. سلامٌ على عيسى في الأولين وفي الآخرين. ومن أقواله "طوبى للمتراحمين أولئك هم المرحومون يوم القيامة، طوبى للمصلحين بين الناس أولئك هم المقرّبون يوم القيامة، طوبى للمطهّرة قلوبهم أولئك يزورون الله يوم القيامة، طوبى للمتواضعين في الدنيا أولئك يرثون منابر الملك يوم القيامة، طوبى للمساكين لهم ملكوت السماء، طوبى للمحزونين هم الذين يسرّون، طوبى للذين يجوعون ويظمأون خشوعاً هم الذين يسبقون، طوبى للمسبوبين من أجل الطهارة فإن لهم ملكوت السماء، طوباكم إذا حوسبتم وشتمتم وقيل فيكم كل كلمة قبيحة كاذبة حينئذ افرحوا وابتهجوا فإن أجركم قد كثر في السماء. يا عبيد الدنيا تحلقون رؤوسكم، تقصّرون قميصكم، تنكّسون رؤوسكم، ولا تنزعون الغل من قلوبكم". هكذا كان عيسى عليه السلام.

قِيَم الأنسنة والسلام في رسالة نبي الله عيسى عليه السلام عنوان برنامج أ ل م. ويشاركنا في النقاش الدكتور والأستاذ الفاضل والأكاديمي والباحث والكاتب والمؤلف الدكتور ميشال كعدي، ومن مصر الحبيبة الأستاذ الفاضل ناجح إبراهيم القيادي السابق في الجماعة الإسلاميّة، وصاحب الكثير من المقالات والدراسات، وكثير من الرؤى والنظريات التي انتهى إليها، من إسلام التكفير ربما إلى إسلام الحبّ، من الأحاديّة إلى عيسى ومحمّد سويّةً نحو طريق الخلاص.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

 

كتاب "محمّد والمسيح معاً على الطريق" لخالد محمّد خالد:

الأنبياء إخوة، أمّهاتهم شتّى ودينهم واحد. هذا ما يريد الكاتب خالد محمّد خالد تأكيده من خلال كتابه "محمّد والمسيح معاً على الطريق"، أن يقول للذين يؤمنون بالمسيح وللذين يؤمنون بمحمّد، إن برهان إيمانكم إن كنتم صادقين أن تهبّوا اليوم جميعاً لحماية الإنسان وحماية الحياة. جاء عيسى ومحمّد من أجل الإنسان، جاءا أيضاً من أجل الحياة ليدعوا إليها أبناءها الشاردين عنها.

وإذا كانت الحياة لا يظفر بها ولا يحياها إلا أولئك الذين يكون لهم وجود حقيقي، فقد جعل الرسولان نُصب أعينهما اكتشاف هذا الوجود الحقيقي للإنسان، ووجودنا الحقيقي يبدأ من حيث توجد العلاقات الصحيحة وتُمارَس مع كل ما حولنا.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور ميشال، طبعاً أنا أحيّيك على مؤلّفاتك الكثيرة جداً التي تفيض بها علينا بين الفينة والأخرى لتزيدنا إشراقاً ونوراً، وتعطينا قبسات من فكر الإسلام، وأنت القادم من مدرسة عيسى عليه السلام.

عيسى عليه السلام أحدث انقلاباً إيجابياً في الكون وغيّر الدنيا برمّتها، من الظلام إلى النور، من البطش في الأمبراطوريات السابقة إلى السلام، من الكراهية إلى المحبة.

من ذا يكون عيسى المسيح عليه السلام؟

 

ميشال كعدي: في البدء كانت المقدّمة من أبدع ما سمعت.

 

يحيى أبو زكريا: حيّاك الله.

 

ميشال كعدي: وكانت المقدّمة هي عنوان كبير لمشاريع كثيرة ولقضايا كثيرة. شكراً لما قلته دكتور يحيى.

 

يحيى أبو زكريا: حيّاك الله يا سيّدي.

 

ميشال كعدي: أولاً، لا بدّ من الاعتراف الواضح تماماً أنني عرفت شخصيّة المسيح من خلال القرآن الكريم، قبل أن نصل إلى الشكوك، وإلى ما فعله الغرب، وما فعلته الصهيونية عندنا.

في الحقيقة، أنا عندما قرأت القرآن الكريم سبع مرّات، عرفت أنّ المسيح هو الذي قال فيه الرسول، رسول الإسلام والله على الأرض محمّد، لذلك شخصيّة المسيح أو نبيّ الله عيسى على الأرض هي من لدن الله، ومن لدن الحياة المنبثقة من عند الله. أليس هو القائل السلام عليّ يوم وُلِدت ويوم أموت ويوم أبعَث حياً؟

 

يحيى أبو زكريا: سلام الله عليه.

 

ميشال كعدي: هذا دليلٌ قاطع إلى أن المسيح وُلِد من دون دَنس، وبالمقارنة يجب أن نعترف أن المصطفى الرسول العربي محمّد بن عبد الله هو أيضاً توأم للمسيح، وإن كانت الولادة مختلفة، وإن كانت هناك فوارق بالسنين والأشهر والأيام. لذلك أقول بكلّ جرأة، إنّ الإسلام وإنّ المسيحية هما من دينٍ واحد ومن لدن الله، وعلينا أن نقرّ معترفين.

أما المسيح، عندما طُرح عليّ موضوع المسيح غيّر من مبادئ الإنسانية، طبعاً المسيح غيّر من مبادئ الإنسانية في ولادته، في حياته، في معاملاته على الأرض بعد الولادة. المسيح غيّر بمبادئ كثيرة، وهنا أقول ويجب أن يسمع العالم، إنّ كلّ ما عرفناه عن المسيح عرفناه أيضاً في القرآن الكريم.

المبادئ التي قلت عنها دكتور يحيى، المسيح نادى بالمحبة، المسيح نادى بالمساواة، المسيح نادى بكثير من القضايا الإنسانية والاجتماعية ليجعل من الإنسان قدوة في الحياة، ليكون الإنسان على الأقلّ قدوة لما يريده المسيح، ليس بالشكل وليس بالعمق، ولكن على الأقلّ أن يعرف الإنسان أن المحبة هي أساسٌ لكلّ المجتمعات البشريّة، وهذا ما نادى به المسيح، وما نادى به القرآن. من هنا، قلت إنني عرفت الكثير الكثير عن المسيح من القرآن الكريم.

 

يحيى أبو زكريا: وهكذا الأمر، نبيّان عظيمان عملاقان بينهما تقريباً 500 سنة، وغيّرا وجه الكون قاطباً، اليوم أتباع الديانة المسيحية فوق المليارين وأتباع الديانة الإسلامية أيضاً مليار و800 مليون تقريباً.

وما ذكرته ذكره أيضاً الدكتور خالد محمّد خالد في كتابه "معاً على الطريق محمّد والمسيح"، ولضيفنا من مصر أيضاً الكثير من المقالات والدراسات عن المسيح. بين يديّ مقالة بعنوان "المسيح إبن مريم مدرسة المحبة الصافية"، ويقول في مطلعها "من مِن الآن يا سيّدي تستطيع نفسه أن تعمل بمقولتك العظيمة أحبوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم".

أستاذ ناجح، أنت أعدت تقديم المسيح عليه السلام في مرحلةٍ عصيبة في خط طنجة جاكرتا. اليوم المسلمون يتباغضون، يتكارهون، يتلاعنون، يتشاتمون، يتسابّون، كلٌ يقول الجنة لي وأنت لك جهنم وبئس المصير. تأتي جنابك لتقدّم لنا المحبّة من جديد في شخصية المسيح.

هل كنت قاصداً ذلك، وأنت تكتب عنه هذه المقالات الغزيرة جداً في فكره، في حبّه، في منطقه، في تواضعه، في قدسيّته؟

 

ناجح إبراهيم: نعم سيّدي، أولاً أنا أحيّيك على مقدمّتك الرائعة، وأحيّي أيضاً الصديق العزيز الأستاذ ميشال، وأحييه على كلماته أيضاً.

وأودّ أن أقول إنني وجدت دعوات الانتقام والثأر والاحتراب الداخلي والاحتراب المذهبي والتفجير والاغتيالات وما إلى ذلك، لم أجد شيئاً يمكن أن يصرف الناس عن هذا كله أفضل من دعوة محمّد والمسيح. وأنا في الحقيقة تعمّقت في دراسة المسيح وأحببته حباً جمّاً، وربما كلما أكتب مقالاً، وحتى الآن كتبت حوالى 300 مقال عن السيّد المسيح، كلما تعمّقت في فكره وتعمّقت في إنسانيته وروحه ورسالته، كلما أحببته حباً كبيراً.

وفي الحقيقة من لا يعرف الحب لا يستطيع أن يكتب عن المسيح، من لا يعرف التسامح لا يستطيع أن يكتب عن السيّد المسيح. السيّد المسيح رسالته رسالة عميقة جداً. إذا طبّقنا عُشرها ستُحَلّ كل مشاكل الوطن العربي والإسلامي، إذا طبّقنا بنداً واحداً يمكن أن تُحَلّ كل المشاكل. السيّد المسيح لم يأتِ بالعدل كما جاء الرسل الآخرون إنما جاء بالإحسان، الإحسان درجة فوق العدل وأنا أقول دائماً لتلاميذي، عليكم بالإحسان لأنكم إذا أخطأتم وأنتم في درجة الإحسان ستقعون في مرتبة العدل فتكونون في أمن وسلام، أما إذا استمريتم على العدل ولن تستطيعوا ذلك ستقع إلى مرتبة الظلم بين الحين والآخر.

السيّد المسيح أسطورة عظيمة ونبيّ عظيم ونبيّ كريم، ومن عَظمة القرآن أنه مدحه مدحاً كبيراً. سورة آل عمران كلها تتحدّث عن عمران وهو جد المسيح وآل عمران وهم آل المسيح كلهم. لم يتحدّث القرآن عن المسيح فحسب، إنما تحدّث عن أمّه وعن جدّه وعن زوج خالته وعن خالته، وعن سيّدنا يحيى الذي يُطلَق عليه في المسيحية يوحنا. كل هذه المعاني وأعظم مدح له كما قال الأستاذ ميشال، والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً.

هذه اللحظات الثلاث أصعب لحظات في حياة الإنسان، إن سلم فيها سلم من كل شيء، يوم يولد يولد سليماً من كل الآفات الخُلقية والخَلقية وكل الأمراض والأدواء سواء أمراض القلوب أو أمراض البدن، والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت، هذه أصعب لحظة يمكن أن يقابلها الإنسان، لو سلم فيها لسلم بعد ذلك، ثم ويوم يبعث حياً.

وعلى فكرة، وأنا أكتب دائماً عن المسيح، أقول يا ليتني ألقاه يوم القيامة ويا ليته يشفع لي ويا ليت هذه الكلمات التي أكتبها عنه تكون مقرّبةً لي إليه، وتكون وسيلة إلى القرب منه والمحبّة فيه. المسيح يساوي الحب، الله محبّة، تصوّر درجة الإحسان، باركوا لاعنيكم، أحبوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم.

أنت تصلّي له أي تدعو له، وأنا خلصت في نهاية حياتي أنك لا تدعو على الذي يظلمك، لا تدعو عليه ولكن تدعو له، وأن خلاصة النبي أيضاً صلّى الله عليه وسلّم أنها جاءت بأمرين، المسلمون غفلوا عن الأمر الثاني واهتموا بالأمر الأول الذي هو العدل، والذي يهتم بالعدل سيسقط في الظلم يوماً ما إن استطاع أن يستمر في العدل حتى. القرآن أيضاً فيه هذا الإحسان، فيه نظرية ابني آدم، لئن بسطت إليّ يدك، الناس تتصوّر أن الإسلام ليس فيه هذا الإحسان، لا، لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك أقتلك.

لن تسير الحياة إلا بالإحسان، أي بيت ليس فيه إحسان سيفشل، أي مؤسّسة ليس فيها محسنون ستفشل، أية دولة ليس فيها محسنون ستفشل، أي مكان وأي كيان ليس فيه إحسان سيفشل، لن تستقيم الحياة بأن آخذ هذه مقابل هذه، لن تستقيم. لا بدّ من فئة تحسن وتعطي، تعطي بغير مقابل، تعطي بغير منّ، تحسن إلى الذين أساؤوا إليها، تعطي من حرمها وتصل من قطعها وتغفر لمن ظلمها، إن لم تكن هذه القواعد التي جاء بها السيّد المسيح وجاء بها الرسول عليه الصلاة والسلام، يمكن الإسلام هو خاتم الرسالات  جعل أمرين، العدل لنفسه لا ترتضي الإحسان وجعل للنفوس السامية، نفوس الصدّيقين والمحسنين والكرام، جعل لهم الإحسان حتى في آية القصاص عندما قال ولكم في الحياة قصاص يا أولي الألباب، جاء في نهايتها، "فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ"، أمر بالعدل ورغب في الإحسان.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ ناجح، قلت قبيل قليل إنّك أكتشفت هذه الأمور في نهاية الحياة. صدّقني أنت في بدايتها. المرء عندما يعتنق الحب ويكتشف هذه الطاقة الإيجابية ويسمو في عالم اللاهوت والأرواح هو يولد مجدّداً.

وهكذا المسيح كان. ما كان ييئس أحداً. كان يأخذ بالناس إلى المولى عزّ وجلّ. ودعني ألخّص ما قلته في مقالتك الجميلة "المسيح إبن مريم مدرسة المحبة الصافية". لقد بذل المسيح عليه السلام الحب حتى لمن بذل له السيف، فقال "من أخذ السيف بالسيف هلك".

ما أحوجنا اليوم إلى الحبّ، وإلى المحبّة. ما أحوجنا إلى يسوع وإلى الأسباط وإلى موسى ويعقوب وإسماعيل وإبراهيم وذا الكفل ونوح وآدم. وما أحوجنا إلى محمّد إبن عبد الله. عبدنا الفقهاء، وعبدنا أئمّة الضلال وأئمّة الدم والذبح، فهلكنا وانتهينا وانكسرنا.

مشاهدينا فاصلٌ قصير، ثمّ نستأنف حلقة الحبّ والتألّق مع يسوع المسيح عليه السلام.

 

 

"نزول عيسى إبن مريم آخر الزمان" للإمام جلال الدين عبد الرحمن السيوطي:

ورد في آخر فصول الكتاب ما يلي: روى أبو داود وإبن حبان عن أبي أمامة الباهلي، قال "خاطبنا الرسول الأكرم فحدّثنا عن الدجّال"، فذكر الحديث إلى أن قال، "وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدّم يصلّي بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى إبن مريم فرجع ذلك الإمام ينقص، يمشي القهقرة ليتقدّم عيسى يصلّي، فيضع عيسى عليه السلام يده بين كتفه، ثمّ يقول له، تقدّم فصلِّ، فلك أقيمت، فيصلّي بهم إمامهم، فإذا انصرف قال عيسى عليه السلام افتحوا الباب فيفتح ووراءه الدجّال".

ويذكر السيوطي أيضاً، "كيف أنتم إذا نزل إبن مريم فيكم وإمامكم منكم والزمان في دمشق وأنه يتوجّه إلى فلسطين بعد نزول الدجّال وإنه يقتله هناك في باب الد والمسلمون معه". وثبت عن الرسول الأكرم أنه يأتي المسلمين وهم قائمون للصلاة، ويريد أميرهم أن يتأخّر حتى يؤمّ الناس النبي عيسى عليه السلام، فيأتي عيسى ويقول "إنها أقيمت فصلّ بهم".

وجاء في بعض الروايات الجيّدة أنّ أميرهم في ذلك الوقت المهدي، وهو محمّد بن عبد الله من بيت النبي الأكرم من ذرية فاطمة، فيقول له المهدي، "تقدّم يا روح الله"، فيأتي ويقول "صلّ أنت لأنها أقيمت لك"، ثم يتولّى القيادة بعد ذلك عيسى عليه السلام.

 

 

المحور الثاني

 

كتاب "يسوع إبن الإنسان" لجبران خليل جبران:

 كتبه جبران بالإنكليزية وترجم لاحقاً إلى اللغة العربية.

يؤوّل فيه جبران حياة المسيح وتعاليمه على ضوء آرائه الصوفية، وهو يرسم صورة المسيح من خلال ما يقوله عنه 77 شخصاً عرفوا المسيح، ومعظمهم ورد ذكرهم في الإنجيل، وهم يمثلون الفئات البشرية المختلفة. وقد ابتدع جبران في كتابه منهجاً جديداً في تحليل شخصية يسوع التي أطفى عليها صفة الفرح والمحبة والقوة والصلابة، والثورة والتمرّد والصبر والعمل، وذلك في أسلوبٍ غنيٍّ بالصفاء والسلاسة والفكر.

ويختم الكتاب بمقارنةٍ بين سوء فَهْم الناس للمسيح وتعاليمه وصورة المسيح كما رسمها جبران المؤمن بالتصوّف.

فمسيح جبران ليس إلهاً كما يتعتقد المسيحيون بل هو إنسان حر جبار متمرّد على التقاليد الدينية والاجتماعية، يعشق الفرح ويحمل إلى الناس رسالة الغفران والمحبة والسلام.

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. من أدرك حلقتنا الآن، نحن نتحدّث عن قِيَم الأنسنة والسلام في رسالة نبي الله عيسى عليه السلام.

طبعاً هنالك كُتّاب وباحثون في العالم العربي كتبوا الكثير عن عيسى عليه السلام، هذا الرجل التغييري الذي استطاع أن يغيّر الكون برمّته. كلنا يذكر كتاب "عبقرية المسيح" لعباس محمّود العقاد وأيضاً كتاب جبران خليل جبران "يسوع إبن الإنسان"، وأيضاً كتاب السيوطي الذي يتحدّث عن نزول عيسى في آخر الزمان ليدير الكون أيضاً مع الإمام المهدي كما ورد في كتاب السيوطي.

دكتور ميشال، طبعاً المسيح عليه السلام بهذا اللحاظ، أولاً هو لم يعمّر كثيراً، وكان مصداقاً لمعجزة الله، كلّم الناس في المهدي صبياً ودلّ الناس على المولى عزّ وجل من صغره، أي كان حديث الله، معجزة الله، كلمة الله، روح الله في الأرض.

هل لهذا دخل في ذلك التغيير العملاق الذي أنجزه في المشهد الكوني؟

 

ميشال كعدي: الأنسنة، ممّا لا شك فيه على الإطلاق ولا جدال، خُلِق المسيح، وُلِد المسيح، ووُلِد الرسول، وكلّ ولادةٍ لها معناها في الحياة. المسيح أنسن البشر والرسول أنسن الناس بوجوده وبكلامه وبقرآنه وبكلامه المُنزَل الذي أطلقه على الناس.

من الطبيعيّ بمكان أن تكون لولادة المسيح العجائبيّة ما قلنا فيه وما قاله الحبيب ناجح، ومن الطبيعيّ أيضاً بمكان أن نتحدّث عن القرآن المُنزَل الذي أنزِل على المصطفى، فالمسيح هو المصطفى، والرسول العربي محمّد بن عبد الله بن عبد المطلب هو أيضاً كمصطفى أنزِل على الأرض. أنا اعتبرت الرسول واعتبرت المسيح، كل واحد منهما أتى على الأرض ليمثل الإنسانية بكلّ فصولها وبكلّ مفاهيمها وبكلّ تفاصيلها.

أولاً، الأنسنة كيف تتمثّل؟ تمثّلت بالقرآن الكريم، وتمثّلت بالإنجيل. القرآن الكريم أعطى مبادئ إنسانيّة، والإنجيل أعطى مبادئ إنسانيّة، والمسيح والرسول، كلّ واحد منهما تمكّن من الإنسانيّة وتمكّن من مبادئ الحياة البشرية التي أرادها الله، عندما ترى المسيح بولادته، وعندما ترى المصطفى بولادته، وإن يكُن هناك فرق في الولادة، ولكنّ الهدف كان واحداً في الوجود.

من هنا، الناحية الدينية والإنسانية هي التي تجمع، ناحية المحبّة هي التي تجمع. المسيح قال، وقال بصدقٍ، المحبّة وحدها تصل بالإنسان إلى الله، تصل بالإنسان إلى الجنّة، تصل بالإنسان إلى الله، تصل بالإنسان إلى الحقيقة المثلى في الوجود، وأين نجد ذلك أيضاً؟ نجد ذلك أيضاً في القرآن.

إذا أردت بعد الآن، وإن شاء الله يسمح الوقت لكي نتمثل ببعض الآيات الكريمة التي تجد فيها أين تكمن المحبة وأين تكمن الإنسانية وأين تكمن الأنسنة الكاملة مع النبيّيْن، النبي الرسول والنبي المسيح الذي أعطى ذاته من أجل الإنسانيّة، وكذلك الرسول أعطى نفسه من أجل مبادئ إنسانية، هو الإسلام، والإسلام، أنا شخصياً لم أكن مسيحياً إن لم أكن مسلماً، أنا شخصياً.

 

يحيى أبو زكريا: أنت جمعت الخيرين وجمعت الفضلين، ويكفي أن أطروحة الدكتوراه التي أنجزتها كانت عن الإمام علي إبن أبي طالب أمير المؤمنين، فكنت سبّاقاً إلى كتابة وإنجاز أطروحةٍ لم تسبق إليها على الصعيد الأكاديمي العربي دكتور ميشال، بورك فيك.

أستاذ ناجح، كيف حمى الإسلام المسيحية؟ وكيف حمت المسيحية الإسلام؟ هذه المعادلة الجميلة التي كنت سبّاقاً إلى الكتابة عنها، كيف تقدّمها الآن في مشهدٍ مرئي؟

 

ناجح إبراهيم: من عجائب محمّد والمسيح ومن أجمل ما في رسالتيهما أنّ أتباع المسيح هم الذين حموا الإسلام، وأنا قلت إنني من محبّي النجاشي حباً كبيراً، والنجاشي هو أول من حمى الإسلام ودافع عن الإسلام، والغريب أنّ الملك الوحيد الذي مدحه الرسول عليه الصلاة والسلام في حياته كلّها هو ملك مسيحي، هو النجاشي، وكان وقتها مسيحياً. قال تذهبون إلى النجاشي وهو ملك لا يُظلَم عنده أحد.

 

يحيى أبو زكريا: الله الله الله.

 

ناجح إبراهيم: هذه كلمة عظيمة جداً، لا يُظلَم عنده أيّ أحد، لا يُظلَم عنده لا مسيحي ولا مسلم ولا يهودي ولا أي أحد، وهذا تعظيم لقيمة العدل عند أي أحد. يكون العدل عند السنّي ممدوحاً وعند الشيعي ممدوحاً وعند يهودي ممدوحاً، عند مسيحي ممدوحاً، عند خصومنا أو أي أحد فهو ممدوح. النبي العظيم لم يمدح ملكاً في حياته سوى هذا الملك وكان مسيحياً، لقيمة عظيمة هي قيمة العدل هي من أسمى القِيَم، قال اذهبوا إليه لأنه لا يظلم عنده أحد، هذه العلّة، فلما ذهبوا إليه حماهم ورعاهم وكفلهم وآواهم ولم يسلّمهم، جاءته الهدايا وأنت تعلم أثر الهدايا في النفوس، في نفوس حتى الأغنياء والملوك، رفض أن يسلّمهم.

كانت المسيحية بدأت بحماية الإسلام أولاً، كان الإسلام ضعيفاً، مطارَداً، تطارده الدنيا كلّها، فإذا بهذا الرجل يحمي هؤلاء ويرعاهم ويكفل لهم الحقوق، وفي نفس الوقت حينما أنت تأوي إلى بلد لا تخرّب فيها، وهذا درس للمسلمين في بلاد غيرهم، لا تذهب لتفجّر وما إلى ذلك. حينما تكون في بلاد أوَتك ورَعتك وحمَتك فلا تخرّب فيها. هؤلاء كما رعاهم النجاشي هم رعوا هذه البلاد ووقفوا إلى جوار النجاشي وحموه أيضاً، وهذا درس مهمّ جداً أنا كتبت عنه، سنن المسلمين في بلاد غيرهم، إذا أوَتك بلدة لا تفجّر فيها ولا تغتل فيها ولا تدهس فيها الرعايا، هذه البلدة.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح كما حدث في أكثر من بلد غربي أستاذ ناجح.

 

ناجح إبراهيم: كما حدث في أكثر من بلد غربي وفي أوروبا، هذا خطأ. من أعطاك الأمان لا بدّ من أن تمنحه أيضاً الأمان. هو منحك الأمان في البداية عليك أن تمنحه الأمان، ليس هذا تفضّلاً منك وإنما عدلاً على الأقل.

بعد ذلك الإسلام قويت شوكته وزاد وهزم بلاداً كثيرة جداً، وانتصر، وذهب إلى بلاد مثل مصر، كان الأقباط فيها مضطهَدين من الروم، يريدون أن يجبروهم على مذهبهم الكنسي بالحديد والنار والقتل وما إلى ذلك، وكان البابا بنيامين مطارَداً، وقُتِل أخوه بعد أن صُلّب وعُذّب، فجاء المسلمون إلى هذه البلاد. أولاً ذهبوا إلى كل هذه البلاد، لم يحطّموا كنيسة، لم يكسّروا صليباً، لم يؤذوا أحداً، بل كل جيوش المسلمين مرت بجوار الأديرة، هذه الأديرة ساعدتهم وهم لم يحطّموا ديراً، والرسول عليه الصلاة والسلام قال لهم ذلك، والرسول عليه الصلاة والسلام قال لهم لا تقتلوا طفلاً ولا أمرأة ولا شيخاً ولا فانياً ولا راهباً ولا ديراً، كل ذلك كان مطروحاً.

 

يحيى أبو زكريا: بل أستاذ ناجح قال المصطفى أيضاً أوصيكم بالقبط خيراً، أوصيكم بالقبط خيراً، نعم.

 

ناجح إبراهيم: طبعاً، من أذى ذمّياً فقد أذاني ومن أذى ذمّياً فأنا حجيجه يوم القيامة ومَن أذى ذمّياً في حديث ثالث فقد برأت منه ذمّة الله ورسوله، ولذلك جاءت جيوش المسلمين إلى مصر فإذا بها تعيد الانما وتكرمه وتعيد إليه أمواله وتجعله بابا للإسكندرية مرة أخرى، وكل ذلك مع التكريم والحفاوة وما إلى ذلك.

إذاً المسيحية بدأت بالخير وقدّمت الخير في البداية وحمت الإسلام وأنا من محبي النجاشي والنجاشي الآن مدفون وقد ذهبت إلى أديس أبابا وكنت أتمنّى زيارته في الحقيقة لكنه كان على بعد 900 كيلومتر من أديس أبابا، والمسلمون هناك يحتفلون كل عام بمولده وله قبر في قريته ومحافظته.

أنا كتبت عن النجاشي، كيف يكون لملك هذا العدل وهذا الإنصاف، فقرأت قصته أنه ظُلِم وهو صغير، فكَرِه الظلم وأحبّ العدل، وعشق العدل، وعشق التسامح.

 

يحيى أبو زكريا: يا أستاذ ناجح أنت أثرت لواعجي وأشجاني.

دكتور ميشال، إذاً كما قال الأستاذ ناجح، المسيحية حمت الإسلام والإسلام في المقابل حمى المسيحية. في عهد نصارى نجران هو ميثاق شرف بين مسلمين وبين مسيحيين. مَن غيّر الخطة؟ مَن انقلب على الطرح؟

لماذا اليوم نجد وسائل إعلامية إسلامية، تكفير المسيحية، ورأينا ما فعل التكفيريون في سوريا من تحطيم الصلبان، وتدمير معلولا وقصف تمثال العذراء سلام الله عليها، وفي العراق أيضاً تدمير كنائس، وبالمقابل قنوات مسيحية تشكّك في الرسول محمّد وتتّهمه بأنه نقل من الأرامية والسومرية وما إلى ذلك؟ مَن يريد إحداث فتنة بين المُتحابين، بين المُتكاملين؟

 

ميشال كعدي: في هذا السياق، لا بدّ من أشياء يجب أن تُذكَر. المسيح الذي بشّر بأحمد، في مضمون كلام المسيح، وأنا الأدرى بذلك، لأنّ أطروحتي في اللاهوت، أنا والإيمان، أنا أدرى بذلك، ماذا كان يقصد المسيح بهذا الكلام. أراد المسيح عندما بشّر بأحمد أن يكون الاحترام المتبادل والمحافظة على سمعة أحمد ومَن سيأتي بعد أحمد، أي المصطفى الرسول، بدليل الكثير من الأشياء، منها عندما قال لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم، عزيزٌ عليه، القرآن الكريم، ما عندتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيمٌ، هذه من سورة التوبة، الآية 128، وعندما قال أيضاً، يجب ألا نفصل إطلاقا بين المسيحية والإسلام، ويجب ألا نفصل إطلاقاً بين المسيح ونفسية المسيح ونفسية الرسول، وقلت في بادئ الكلام إن المسيح والرسول توأمان، ما جاءا إلى الوجود إلا ليكمّلا للإنسان الحياة المُطلَقة القريبة من الله، القريبة من الكلام، والدليل قاطع إلى أنّ الإنجيل له ميزته خاصة والقرآن الكريم ميزته خاصة، والإثنان كانا بنتيجةٍ واحدة، المحبّة، بنتيجة واحدة، الرحمة، بنتيجة واحدة، وهذا ما قاله القرآن الكريم أيضاً، وما جاء بما معنى ذلك عند المسيح، عندما قال، قل "إنما أنا بشرٌ مثلُكُم يوحى إليّ إنما إلهكم إلهٌ واحدٌ، فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربّه أحداً"، سورة الكهف.

اضطررت لقراءتها حتى لا أخطئ بأية كلمة، لأن القرآن الكريم إن تخطئ بخطأ، هي الجرم، هي الخطيئة الكبرى، سورة الكهف، الآية 120.

 

يحيى أبو زكريا: أت روحك صافية، أنت تقرأ القرآن بروحيّة صافية.

 

ميشال كعدي: فهذا الكلام المنزل في القرآن الكريم قاله يسوع أيضاً وكتبه الرسل من بعده. أنا يجب أن أنوّه بقضية واحدة، كلمة بسم الله الرحمن الرحيم قالها القدّيس بولس فيلسوف الكنيسة والقدّيس مارون عندما أتى إلى الشمال بزيارته الأولى قال بسم الله الرحمن الرحيم، وهناك بعض الكهنة أخذوا على عاتقهم براءة ذمّة من الفاتيكان ليكتبوا على الإنجيل الذي فُسّر أو تُرجِم أو أُخِذ بتفاصيل حياته، كتبوا بسم الله الرحمن الرحيم، كلّ هذا يدلّ إلى أنّ الإسلام، قلت في بادئ الحديث، أنا لم أكن مسيحياً إن لم أكن مسلماً لله.

فذلك واضح إلى أنّ القرآن الكريم والإنجيل هما أيضاً توأمان، كما كان المسيح والرسول توأمين في الحياة، وما جاءا إلا من أجل المحبة، إلا من أجل الإنسانيّة، إلا من أجل الأنسنة وتبيان الحقيقة من وجود الإنسان على الأرض.

هذا هو المبدأ الصحيح لما نريد أن نقوله. أما من حاول أن يشكّك، فدعني أقول بشكل مباشر وصحيح، الغرب هو، الصهيونية هي، اليهود هم الذين فعلوا كلّ ذلك.

 

يحيى أبو زكريا: هذا التفريق وهذه الفتن.

 

ميشال كعدي: التشكيك والتفريق وعمل التفرقة بين الدينيْن هو عملٌ لا يمكن أن نقبل به، وعلينا جميعاً أن نقف موحَّدين من أجل كلمة المسيح، ومن أجل كلمة الرسول، ولو قرأ الإنسان القرآن الكريم كما أنا قرأته سبع مرّات، يجد أنّ الكلام الذي أتى من لدن الله وبشّر مريم، وقال، المسيح وهو في المهد صبياً قال، السلام عليّ يوم ولِدتُ ويوم أموت ويوم أبعث حياً.

 

يحيى أبو زكريا: سلام الله على عيسى في الأولين.

أستاذ ناجح، كيف نعيد نشر قِيَم الحب والتلاقي هاته التي كرّسها عيسى عليه السلام ونبيّنا أيضاً عليه الصلاة والسلام؟ كيف نعيد تكريسها ونشرها في الواقع الإنساني وفي الواقع العربي والإسلامي؟

 

ناجح إبراهيم: أولاً أن نعلم أن سيّدنا عيسى جاء بإحياءين، الإحياء المادي والإحياء المعنوي، ولم يأتِ بالقتل ولا التفجير ولا التدمير ولا الاغتيال. فلسفة الإحياء هي فلسفة عيسى وفلسفة الأنبياء جميعاً ولكنها واضحة في سيّدنا عيسى، جمع الله له الإحياءين، الإحياء المادي وأنه كان يبرأ الأكمه والأبرص ويُحيي الموتى بإذن الله، والإحياء المعنوي، إحياء الروح، بثّ المحبة والتسامح والعفو والصفح والغفران وهدم الذات والتواضع وعدم الكِبَر. إذا وُجد لدينا الإحياءان، الإحياء المادي والإحياء المعنوي، يمكن أن تنقذ الأمّة العربية والأمّة الإسلامية، إنما نحن استبدلنا بالإحياء المادي والمعنوي، القتل المادي بالتفجير والاغتيال وسفك الدماء، واستبدلنا بالإحياء المعنوي الموت المعنوي، الموت المعنوي بالكراهية والأحقاد والتلاسُن والغيبة والنميمة والتفحّش، حتى أهل الدين دخل فيهم التفحّش، التفحّش لم يكن يعرفه سوى السوق قبل ذلك، فإذا بالتفحّش يملأ الأمّة كلها وإذا بها يشتم بعضها بعضاً ويهين بعضها بعضاً ويلعن بعضها بعضاً على الفايس والتويتر وغيره وغيره. لن ترجع هذه الأمّة إلى سابق مجدها إلا إذا عادت إلى الإحياءين.

ربنا سبحانه وتعالى جمع لبعض الناس الإحياءين، أن يكون داعية وطبيباً ممكن أن يجمع له الإحياءين بدرجة، لأن كل أمر في النبي للصالحين والعابدين والصدّيقين حظ منها على حسب ما أخذ حظه من النبوّة، هناك واحد حظه كبير من النبوّة وهناك واحد حظه قليل من النبوّة، وفي الصدّيقين حظ كبير من النبوّة ولا بد لهذه الأمّة كي تحيا مرة أخرى بالإحياءين، فلسفة الإحياء.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت ودعني هنا أرفع أذان الحب وأنادي حيّ على الحب، حيّ على الحب، حيّ على الحب.

أستاذ ميشال، في كليمة إذا سمحت، المسيح كلمة الله، ففي كليمة كيف تقدّم المسيح سلام الله عليه وأنت البليغ، أنت فقيه لغوي؟

 

ميشال كعدي: من الضروري جداً أن أقول إن الإسلام كرّم المسيح ثلاث مرات والمسيحية كرّمته مرتين.

 

يحيى أبو زكريا: يا سلام، بوركت يا دكتور ميشال كعدي.

 

ميشال كعدي: أنا أتحدّث بكل صدق، أما المسيح فهو الكلمة النهائية للإنسان المؤمن وللإنسان الذي أعطى الإنسانية والأنسنة بكاملها.

 

يحيى أبو زكريا: والجميل أن الكتاب الذي ذكرته لجلال الدين الصيوطي "المسيح في آخر الزمان"، أنّ المسيح ينزل سلام الله عليه ويتقدّم أمام الإمام المهدي، فيقول له قم أنت وصلِّ في الناس، معنى ذلك أنّ تحالفاً كبيراً سيكون بين الإسلام والمسيحية لإدارة الكون على أساس الحب، على أساس الحب، على أساس الحبّ، لا الحرب.

دكتور ميشال كعدي شكراً جزيلاً لك، وقتنا انتهى، الأستاذ ناجح إبراهيم من مصر الحبيبة شكراً جزيلاً لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه، وأوصيكم بالحبّ دائماً، وليس بالحرب نهائياً.

دمت لنا دكتورنا العزيز.

 

كتاب "حياة المسيح في التاريخ وكشوف العصر الحديث" لعباس محمّود العقاد:

كما عرّفنا العقاد بعبقريات محمّد وعلي وخالد وعمر، نراه يكتب بالرقيّ والإبداع نفسيهما عن حياة المسيح عليه السلام، يناقش تاريخ ميلاده وكيف هو في التاريخ والحال السياسية والاجتماعية في عصر الميلاد، وأيضاً الدينية والفكرية، ويكتب عن الأناجيل ومدى إخلاص التلاميذ له، وفي الختام يخبرنا ماذا لو عاد المسيح.

يقول العقاد إنّ دعوات النبوّة للرسل المبعوثة من الله للبشر هي ظواهر إلهيّة كبرى، تغيّر الإنسانية، ومن أعظم هذه الظواهر نبوّة السيّد المسيح، فكان الميلاد ذاته معجزة ثم أجرى الله معجزات أخرى على يد المسيح في مجتمعاتٍ كانت غارقةً في الماديات.