بيت القصيد

برنامج حواري مع شخصية إبداعية ثقافية أو فنية، يتضمن فقرات مصوّرة، ويتم التركيز في حلقاته على القضايا الإبداعية الفكرية والثقافية والفنية وعلاقتها بالقضايا العامة من خلال استضافة شخصيات عربية متنوعة في المجالات المذكورة: فن، أدب، فكر، فلسفة، نقد، شعر، مسرح، سينما، دراما تلفزيونية، رسم، غناء، إعلام، بالإضافة إلى بعض السياسيين ورجال الدين المثقفين.

الفنانة السورية روناهي مامو

 

زاهي وهبي: مساء الخير. أفضل التجارب وأجملها تلك التي تتداخل فيها الينابيعُ والمصادر المتعددة، فالنهر المتدفّق الجاري يغتني وتتضاعف غزارته كلّما كثُرت روافده. ضيفتنا فنّانة سوريّة كرديّة غرَفت من ثقافة الكُردِ وموروثهم الغنيّ بالفنون الجميلة مثلما تشبّعت أيضاً بالموروث الموسيقي والغنائيّ العربيّ الشرقيّ الساحر. إبنة (عفرين) و(كوباني – عين العرب) ترعرعت ونشأت في (حلب). شرِبت من مائِها وصقلت موهبتها على إيقاعاتها وقدودها وأصواتها الخارِقة. إقامتها لاحقاً في دولة (الإمارات) العربية كانت فُرصةً للاحتكاك في تجارب محليّة وأجنبيّة من جنسيّاتٍ مُختلِفة ومواصلة دراستها الفنيّة في "بيت العود" على يد الفنان العراقي القدير "نصير شمّا". أمّا حضورها في "بيت القصيد"، بيت المبدعين العرب فهو فرصةٌ للإطلالة على ثقافة مكوِّنٍ أساسيٍّ من مُكوّنات مشرقنا المُفعم بالخير والجمال، المُثخنِ للأسف كسيّدنا "يوسف" بجراح الغدر والخيانات، ولا شكّ لدينا بأنّ صوتَ ضيفتنا ضمّادة جرحٍ ومِزنة جمال. يُسعِدنا الترحيب بالفنانة السورية الكُرديّة السيّدة "روناهي مامو" أهلاً وسهلاً بكِ

روناهي مامو: أهلاً وسهلاً بك. بدايةً أُحبّ أن أشكرك على هذا الكلام الجميل، والـ أهلاً وسهلاً منك فيها الكثير من الحب، غمرتني بلطفك

زاهي وهبي: إن شاء الله وقت الحوار كلّه يكون مليئاً بالحبّ والجمال في حضوركِ وحضور صوتكِ

روناهي مامو: أكيد في حضورك سيكون جميلأً، هذا لا شك فيه

زاهي وهبي: نعم. سأؤجِّل السؤال عن معنى إسمكِ "روناهي" وسنسمع الجواب في "علامة فارِقة" أعتقد، حضرتك فسّرتِ هذا الإسم. ولكن أولاً، أعرِف أنّ حضرتكِ شغوفة في الغناء والموسيقى منذ الطفولة. كيف وُلِدَ هذا الشغف، يعني ما هي المناخات؟ ومتى أدركتِ أنّ لديكِ صوتاً مُختلفاً عن بقيّة الأطفال والأتراب؟

روناهي مامو: الشغف أتخايل، شغفنا في الحياة دائِماً عموماً يكون أشياء ربما في الجينات من دون أن نشعُر

زاهي وهبي: يعني هل هناك أحد في الأُسرة، في العائِلة يغنّي ويعزِف؟

روناهي مامو: أنا كنت أسمع دائِماً، مثلاً خالي كان دائِماً يلعب غيتار وكنت أراه حين كنت صغيرة في أول سنوات عمري، فكنت أراه يلعب الغيتار وأسمع الموسيقى التي كان يعزفها فكنت أُحبّ الحالة وأحبّ أن أقول معه ما كان يقوله، وهو يغنّي أيضاً فكنت أتماهى معه. أيضاً في أجواء (عفرين) والموسيقى الكردية الموجودة حيث دائِماً صوت البُزق فيها هو المصدر الأول للشجن الموجود في هذه الثقافة

زاهي وهبي: أشعر أنّ الموسيقى والفنون جزء أساسي من يوميات المُجتمع الكردي في أفراحه وفي أحزانه وفي طقوسه المُختلفة، هذا الانطباع صحيح؟

روناهي مامو: دائِماً الشعوب عندها أشياء تتميَّز بها، الشعب الكردي يتميّز بأنّه شعب ربما، مثلاً إذا أمكنني أن أتحدّث عن (عفرين)، عندما ينزلون في (عفرين) إلى مواسم الزيتون ومواسم قطاف الزيتون دائِماُ الغناء مسموع، حتّى الغناء من دون آلات يعني، من دون موسيقى الغناء موجود ودائِماً هناك صوت "البُزق" الذي تسمعه في السهرات ومن الممكن ألّا يرافقه الغناء، فالغناء الكردي أو الموسيقى الكردية يُمكن أن يتواجدا معاً ويُمكن أن تجدهما بشكلٍ منفصل عن بعضهما البعض

زاهي وهبي: طبعاً سنتحدّث عن سمات أو مميزات الغناء الكردي وأين يتقاطع مع الغناء العربي وأين يتخلِف، لكن قبلاً دعيني أتمنّى لـ (عفرين) وأهل (غفرين) وللمُدن السورية جميعها المُعذّبة الموجوعة الخلاص والفَرَج القريب. من كنتِ تسمعين يعني وأنتِ طفلة أو أنتِ فتاة يافِعة؟ أيّ فنانين؟ أيّة أصوات؟ سواء كرديّة أو عربيّة؟

روناهي مامو: لكي أكون صريحة لم أتربّ في جوّ فيه موسيقى معينة أسمعها، دائِماً عندي هذا الخليط

زاهي وهبي: الذي تحدّثنا عنه في المقدِّمة

روناهي مامو: دائماً أقول بأنني شخص محظوظ لأنني موجودة بين ثقافتين، كلّ ثقافة هي في حدّ ذاتها غنيّة جداً، الثقافة الكردية والثقافة العربية. وجودي في (حلب) أكيد أضاف لي الكثير لأنّك أنت موجود في مدينة الطرب، مدينة القدود، مدينة الموشّحات، يعني مدينة لها ثقلها تجاه الموسيقى والغناء. أيضاً الموسيقى الكردية أضافت لي الكثير، فهذا الخليط الذي عشته في وجود أسماء كثيرة، لا يمكنني أن أقول أنّني كنت أسمع اسماً محدّداً في الغناء العربي أو في الكردي، لا، لا أذكُر أبداً إسم أحد في قَدْرِ ما أذكُر أنها موسيقى عموماً، بناء عموماً  

زاهي وهبي: سنتوسّع ونتحدّث عن تجربتكِ وعن مشاريعكِ ولكن دعينا نذهب بدايةً برفقتكِ ورفقة زميلتنا "سحر حامد" إلى جنوب (لبنان)، إلى منطقة (صور)، إلى "بيت ياسمين" في "علامة فارِقة"

علامة فارِقة - روناهي مامو:

- إسمي "روناهي" ومعناه "ضياء الشمس" في اللغة الكردية. ربّما إسمي هو اختارني ولست أنا من اخترته

- أحبّ الغناء كثيراً ولهذا كان من اللازم أن أدرُس موسيقى، من اللازم أن أعرِف كيف أُغنّي

- مشواري في الشهرة بدأ متأخّراً لكن يظلّ الغناء شغفي وسأظلّ ألحق شغفي حتّى ولو متأخّرة

- أية موهبة أو أي شيء موجود معنا في الفطرة في الحياة دائِماً في حاجة لأن يكون مصقولاً في شكلٍ أكاديمي، إذا أردتِ، وألا يكون عشوائياً

- الموهبة أكيد تفرِض نفسها لكنها دائِماً في حاجة إلى صقل. فلهذا أنا توجّهت لأن أدرُس الموسيقى لكي أكون متمكّنة من أدواتي أكثر

- دائِماً أحلام الطفولة تكون وردية، دائِما ما نحلَم في أشياء عندما نكبر نجدها بعيدة جداً وربما لا تعود تشبهنا مع الوقت. منذ أن كنت صغيرة كنت أُغنّي، لا أدري، لم أكن أتخايل حين كنت صغيرة أنني ممكن أن أُغنّي وأن أقف أمام الناس، لكنني كنت أُحبّ الحالة. مع الوقت عندما كبِرت شعرت أنني هنا في الغناء

- بالنسبة لي، ذكريات الطفولة هي (حلب). ربما الأقرب لي هي (عفرين)، ذاكرتي في (عفرين) متعلّقة برائِحة الزيتون، في الجبال، في الأزياء الكردية والألوان الزاهية، الأشياء الربيعية في "نوروز" والنار. طفولتي هنا، في هذا المكان

- أُحبّ اللغة الكردية عندما أُغنّيها، فيها هذا الشجن وأشعُر أنّه حقيقي جداً، فربما أُحبها لأنني أحس أنها حقيقية جداً عندما أُترجِم مشاعري

- أغنّي الكردي، أُغنّي العربي، أُغنّي التركي، أُغنّي اللهجات السورية المتنوّعة الموجودة عندنا في المنطقة. أُحب دائِماً أن أستكشف الأشياء الجديدة

- أكيد الغُربة تجربة قاسية جداً ولها سلبيّات كثيرة لكن بالنسبة لي ربما الأشياء الإيجابية التي وجدتها في الغربة أنّها جعلتني أكثر قوّة، جعلتني أتعاطى مع المواقف بشكلٍ مختلِف. ربما الشعور في أنك شخص في مكانك وحيد ويُفتَرَض أن تكون قوياً أكثر، فإحساسك بأنك وحيد هو الإحساس الذي يجعلك تكون قوياً

- إبني في حياتي مركز قوّة وارتكاز نفسي. دائماً أجد نفسي في مواقف يُمكن أن أضعف أو يُمكن أن أنهار أو يمكن أن أتردّد فيها، وجوده دائِماً يُحسسني أنه ما من مجال لكلّ هذه الأشياء ومن اللازم أن تُكملي ومن اللازم أن تقفي ومن اللازم أن تستمرّي

- اليوم أنا في "بيت القصيد" لكي أقول، "تعالوا لنعيش معاً، تعالوا لنحبّ بعضنا البعض"

زاهي وهبي:  نضُم صوتنا إلى صوتكِ "ضياء الشمس". حلو جداً معنى إسمكِ، "روناهي" يعني في العربية "ضياء الشمس". انطلاقاً من الجملة الأخيرة التي قلتِها، كما تعلمين اليوم العرب والكُرد في الإقليم، في المنطقة، للأسف بسبب المشاريع الدوليّة والإقليمية والمطامع في بلادنا، العلاقة ليست على ما يرام، في السياسة على الأقلّ. كم الفنّ وكم الثقافة يُمكنهما أن يكونا جسر تواصل ونُقطة التقاء ووحدة حال؟

روناهي مامو: دائِماً الفن يكون على قدر ما هو مٌعبِّر ويكون الحالة التي يُصدرها لنا عن حال الشعوب التي تعيش وماهية التجارب التي يمرّ فيها دائِماً الفن، هو مرآة الشعوب في هذه الحالة، لكن دائِماً الفنّ يجمع. لا أشعر أن في الأغاني، على صعيد الأغاني دعني أتحدّث لأنّني أُغنّي فأتحدّث عن هذا الجانب. أشعر بنفسي حين أُغنّي سواء عربي أو كردي هناك أُناس يسمعون بحبّ، هناك أُناسٌ يسمعون لأنّهم اعتادوا أن يسمعوا ولأننا في الأساس مع بعضنا البعض نعيش في هذا المكان الجغرافي. في النهاية هناك جغرافيا تجمعنا، هناك تاريخ يجمعنا، هناك وحدة حال إذا أردت، وهناك جينات، جينات الحزن. أنت قلت لي قبل قليل نّ الموسيقى الكرديّة فيها شجن أو فيها حزن

زاهي وهبي: نعم

روناهي مامو: أنا أجد أيضاً الموسيقى العربية نفس الشيء. هذا طابع هذا المكان

زاهي وهبي: قبل أن نتحدّث عن هذه الجوانب. قلتِ أنّك تُحبّين أن تُغنّي، وعندما تغنّين يكون غناؤكِ بحبّ، والذي يسمعكِ، يسمعكِ أيضاً بحبّ. هلّ يُمكننا أن نُحبّكِ غناءً

روناهي مامو: طبعاً أكيد

زاهي وهبي: تفضّلي

روناهي مامو: نبدأ ونقول (تغنّي)

زاهي وهبي: شكراً "روناهي"

روناهي مامو: شكراً لك

زاهي وهبي: فعلاً صوت شجيّ، وقلنا أيضاً أنّ الذي يشرب من مياه (حلب)، يقولون مياه (حلب) دائِماً تُنقّي الصوت وتغسله. حضرتكِ إضافة إلى الشيء الذي ذكرتِه عن (حلب) والاستفادة ربما الموسيقية والغنائية والفنيّة عموماً، عندما دخلتِ الجامعة، جامعة (حلب) دخلتِ لدراسة الفلسفة وليس الفنون، لماذا؟

روناهي مامو: نحن معتادون في مُجتمعاتنا دائِماً أن فكرة الموسيقى والغناء والفنون، هذه دائِماً تأتي في المرتبة الثانية. عندما أنت تختار الدراسة دائِماً الأهل عندهم فِكرة أنّ الدراسة أن تكون مهندساً أو طبيباً أو محامياً، يعني في هذه المِهن التي إذا أردت يأخذها مُجتمعنا على أنها

زاهي وهبي: ينظر إليها في عين الاعتبار أكثر

روناهي مامو: تماماً، فدائِماً الفنّ هو شيء يُعتبر كهواية ومن الممكن ممارسته كهواية لكن لا يُمكن أن تحترفه أو يكون هو دراستك. فربما هذا هو السبب الذي وجّهني إلى ألاّ أدرُس في بداية دراستي الموسيقى. اتجهت إلى الفلسفة لأنّه ربما عندي أيضاً حالة شغف فيها وأُحبها يعني، أحب أن أقرأها فاتجهت إليها لأنني شعرت أنها ربما الخيار الأقرب لي

زاهي وهبي: ممكن أن تُساعِدكِ الفلسفة أكثر في خياراتكِ؟ بمعنى في اختيار الكلمات؟ في الحالة التي يُمكن أن يعيشها المُغنّي أو المُتلقّي أثناء تأديتكِ ومراقبتك له؟

روناهي مامو: أكيد لأنّ الفلسفة دائِماً في أيّ منحى في الحياة موجودة، سواء أكان في الفن أو في الأدب أو في أيّ مُنتَج أنت تُقدِّمه الفلسفة موجودة. ففي الآخِر تعتمد على تكوين فلسفتك الخاصة لتُكمِل مشروعك

زاهي وهبي: والعلاقة بين الفلسفة والموسيقى دائِماً موجودة عبر التاريخ. هناك الكثير من الفلاسفة كانوا موسيقيين في نفس الوقت. نرجع إلى الموسيقى العربية والكردية، قلتِ إنّ النقطة المُشتركة بينهما هو الشجن الموجود، أو في الغناء. إضافةً إلى الشجن، أين التقاطُع وأين الاختلاف بين هاتين الموسيقتين والغناءين إذا جاز التعبير؟

روناهي مامو: من وجهة نظري لا أجد هذا الاختلاف، لأننا في النهاية نتحدّث عن مُنتَج له علاقة في جغرافيا مُعيّنة، أنا دائِماً أرى الأمور من ناحية كيف تكون جغرافياً. كما تحدّثنا قبل قليل، حين كنت تتحدّث عن الماء

زاهي وهبي: والطبيعة

روناهي مامو: فالمياه التي نشربها هي مياه واحدة واللغات تختلِف وتتغيّر. لكن دائِماً، عندما نُريد أن نؤلِّف موسيقى نجد تداخلاً في مقامات كردية صارت في الموسيقى العربية، وفي المقابل أيضاً أثَّرت الموسيقى العربية في الغناء الكردي والموسيقى الكرديّة وأيضاً في الموسيقى الأرمنية الموجودة في (سوريا) والموسيقى الشركسية الموجودة. يعني هناك الكثير من الثقافات والكثير من التنوُّع عندنا في المنطقة، فهذا كله متداخل

زاهي وهبي: هذا المزيج، يعني في الكثير من مناطق (سوريا) و(العراق) نجد أنّ هناك مزيجاً من ثقافات، من حضارات، من إثنيّات، نجد العربي والكردي والسرياني والمارديلّي. في شخصيتكِ وفي تجربتكِ هلّ تداخلت كلّ هذه الأمور؟

روناهي مامو: تداخلت من حيثُ لا أدري. يعني أنا أبداً لم يكن عندي فكرة أنني ممكن أن أُغنّي في أكثر من لغة أو أُغنّي في أكثر من لهجة أو إلى ما هنالِك، دائِماً كنت أغنيها كلّها في اللا شعور، ولاحقاً شعرت فجأة أنّ هذا هو مشروعي، وأنا هنا، أنا في هذا المكان، وفعلاً هو لم يكن بمعنى مرسوم له خطّ مُحدّد ومن اللازم أن أفعل كذا لأكون كذا

زاهي وهبي: في شكلٍ عفوي وتلقائي، مِثل الحياة نفسها في هذه المُجتمعات التي نتحدّث عنها

روناهي مامو: تماماً، تماماً

زاهي وهبي: في الغناء ربما أبرز نموذج للتمازُج بين الموسيقى والألوان الغنائية هو الغناء المارديلّي الذي يحتوي على أكثر من لغة ربما في الأُغنية الواحدة. ما هو بالضبط الغناء المارديلّي؟ لو سمحت

روناهي مامو: الغناء المارديلّي هو نتيجة اللهجة التي تُحكى، الذي يُميّزه هي اللهجة إذا أردت. الغناء في اللغة العربية أضف إليها كلمات مُستخدمة كثيرة موجودة في السريانية، موجودة في الآراميّة، فهذا الخليط وهذا المزج في الكلام أحدثَ تكويناً جميلاً جداً في اللهجة، فاللهجة جميلة جداً خاصةً

زاهي وهبي: هي المارديلّي نسبة إلى (ماردين)

روناهي مامو: طبعاً منطقة (ماردين)، وطبعاً اللهجة المارديلّية محكية في (ماردين)، محكية في (ديار بكر)، محكيّة في منطقة (الجزيرة) السورية عندنا ومحكيّة في (الموصل) في (العراق)، فهي متنوّعة وموجودة

زاهي وهبي: للأسف لم تتم الإضاءة على هذه الألوان الفنيّة والغنائِيّة والموسيقية، وهي جزء من المشهد مثلما قلنا الثقافي في هذا المشرِق. سمعناكِ باللغة العربية، هلّ نسمعكِ بالكردية أم بلهجة المارديلّي الآن؟

روناهي مامو: ماذا تُحبّ؟

زاهي وهبي: ما يُريحكِ

روناهي مامو: (تُغنّي)

زاهي وهبي: ما هذه الصبيحة والمأساويّة الحلوة هذه. "صبيحة" هو إسم فتاة أكيد، يُغنّي لها

روناهي مامو: يتغزّل بها ويحادثها ويقول لها ما معناه أنه يخاف عليها من السهَر، واطلعي نامي. الكلام بسيط جداً، إذا بحثت في محتوى الكلمات تجده جداً بسيط، جداً قريب من الناس، ليس فيه هذه الصوَر الشعرية التي يمكننا أن نقول قويّة لكنّها بسيطة ومن السهل الممتنع الجميل جداً

زاهي وهبي: والغناء الشعبي على كلّ حال قدّم عمالِقة في الشرقي عموماً، العربي وغير العربي

روناهي مامو: صحيح

زاهي وهبي: حضرتكِ كيف تُقدّمين نفسكِ؟ هلّ تعتبرين نفسكِ مُغنيّة أو فنانة كردية سورية عربيّة؟ بمعنى تًغنّين أيضاً بالعربية. ما هي هويتكِ؟

روناهي مامو: أنا أقول عن نفسي دائِماً أنني مُغنّية سورية

زاهي وهبي: سوريّة في الدرجة الأولى

روناهي مامو: لأنك حين تقول سورية فأنت تقول كردي وعربي ومارديلّي وأرمني، كلّ هذا الخليط. فعندما أقول سوريّة أكون أقول كلّ هؤلاء

زاهي وهبي: نعم، وهذا نعود ونقول مصدر غنى لبلادنا، هذا التنوُّع وهذا التعدّد ضمن الوِحدة، ضمن الوطن الواحد. للأسف حاولوا أن يضربوه، حاولوا أن يُفكّكوا هذه الفسيفساء في بلادنا. سنعود للحوار ونتعرّف أكثر على تجربتكِ، على مشاريعكِ الجديدة، على اللون الغنائي الذي يمكن أن تجدي فيه نفسكِ أكثر ولكن بعد أن نتوقف مع موجز إخباري سريع نُتابع "بيت القصيد"

المحور الثاني                            

زاهي وهبي: نسمع ونُصغي ونسأل ضيفة "بيت القصيد"، الفنانة السورية الكرديّة "روناهي مامو"، "روناهي" يعني "ضياء الشمس" في اللغة العربية، إسم جميل جداً. في الموسيقى والغناء الكرديين، نعرِف أنّه في معزِل عمّا يجري اليوم في بلادنا، الشعب الكردي عانى، صاحب مأساة عبر التاريخ، هل يعكِس هذا الأمر مُعاناة الشعب الكردي؟ هلّ تنعكس المُعاناة في الغناء والموسيقى؟ وكيف؟

روناهي مامو: طبعاً أكيد. من ناحية الكلمات، من ناحية حتّى الموسيقى والشجن الموجود

زاهي وهبي: نعم

روناهي مامو: أتوقّع حتّى أنّ الذي ليس عنده دراية في الكُرديّة أو في الموسيقى الكرديّة

زاهي وهبي: يحسّها

روناهي مامو: في مُجرّد أن يسمعها يحسّ أنّ فيها هذا الشجن، فيها هذا الوجع

زاهي وهبي: لكن في نفس الوقت، مَن يسمع هذه الموسيقى وهذا الغناء ويُشاهِد الدبكة أحياناً والأعراس الكردية يجد جانباً فرِحاً مبهجاً، ربما كما ذكرتِ في البداية، له علاقة في البيئة، في الطبيعة، في الشمس

روناهي مامو: أنا أحسّ أنّ هذا نقطة قوية جداً لكي أقول لك كم هذا الشعب، رغم الوجع، رغم كلّ المُعاناة التي يعيشها لكنّه يظلُّ شعباً يُحبّ الحياة وفي قدرته أن يخلِق الفرحة ويظلّ يعيشها ويُمارِسها في طقوسه ويومياته

زاهي وهبي: سيّدتي، هذه الليلة سنسمع عدّة آراء في تجربتكِ، نبدأ مع الفنان السوري القدير الأُستاذ "إبراهيم كيفو" في "كلام يوصل"

إبراهيم كيفو – فنان: ماذا سأقول عن "روناهي"؟ أُريد أن أقول مساء الخير عليكم وعلى "روناهي". شاءت الأقدار ألّا ألتقي بـ "روناهي" أبداً، لم ألتق بـ "روناهي" في أيّ شكلٍ من الأشكال وجهاً لوجه، ولكن أنا أعرِف "روناهي" جيداً و"روناهي" تعرفني جيداً، وهي دائِماً تضعني في الصورة في كلّ أعمالها خاصةً ما له علاقة في منطقة Mesopotamia، (الجزيرة) السورية أقصى شمال الشرق السوري يعني. هي تشتغل كثيراً على هذا الخطّ في شكلٍ جميل، في هذه المنطقة الجغرافية تحمِل هذه الرسالة معها وتنشرها في شكلٍ جميل وإن شاء الله تنشرها في منطقة الخليج في الوطن العربي، ونتحادث، وأنا أيضاً أحمِل هذا الموضوع في (أوروبا) وأيضاً في الوطن العربي، وإن شاء الله نلتقي مع بعض ونقوم بشيء أنا و"روناهي" معاً. "روناهي" أنا أعتبرها مثل المُقاتلة التي تصنع آلاتها، آلات الجمال، ولا نُريد أن نُشبِّه الموضوع كمقاتلة أو أنها آلات حربيّة، لكنها تصنع آلاتها لصناعة الجمال، لصناعة الموسيقى، لنشر ما هو موجود في المنطقة المُهمّة في (سوريا)، منطقة Mesopotamia التي حدودها من نهر (دجلة) إلى أقاصي (الفرات)، إلى (عفرين)، إلى (كوباني) أهل جدها، إلى (عفرين) أهل أمّها إلى مسقط رأسها في (حلب)، وما أدراكم ما (حلب) والموسيقى بالنسبة إلى (حلب). هي تحمل معها هذه الأمور كلّها وتشتغل عليها، وأنا أُريد أن أشكر جداً "روناهي" الرائِعة، "روناهي" التي تقوم بهذا العمل من دون كلل ولا ملل. يعني هي تذهب إلى مدارس أكاديميّة في المنطقة التي هي موجودة فيها كي تحصل على المحصول العلمي لخدمة ما تحمله. ماذا سأحكي عن "روناهي"، طبعاً أملي أن ألتقي بها ونقوم بشيء وأنا الآن إن شاء الله في صدد أن أقوم بشيء لـ "روناهي" له علاقة بـ (الجزيرة) لأنّ "روناهي" أيضاً تُغنّي في لغات جميلة جداً، تغنّي العربي، تُغنّي الكردي، تغنّي العربي التي هي في لهجة (ماردين) التي كلّ أهالي (الجزيرة) اتفقوا على أن يتحدثوا في هذه اللهجة الجميلة. وفي المناسبة هذه اللهجة تُشبه اللهجة اللبنانية كثيراً يعني، وأنا مسرور جداً أنني أتحدّث اليوم عن "روناهي" وأتمنّى أن يكون هناك أُناس كثيرون مثل "روناهي" لننقِل ما هو جميل من تُراثنا، من فولكلورنا الجميل لكلّ الناس، لكي يعرِف الناس ما هو المخزون وما هي الجواهر الموجودة والمكنونة عندنا في بلادنا، في (سوريا)، في (لبنان)، في بلاد (الشام)، في الأخصّ في بلاد (الشام) ويعود تاريخها إلى آلاف السنوات، تاريخ النوتة الموسيقية الأقدم إلى تاريخ الأبجديّة الأقدم. سؤالي الآن إلى "روناهي"، أُريد أن أُوجِّه لها سؤالاً وأتمنّى أن تجيبني بكلّ أريحيّة. أنا أجد "روناهي" في الكثير من الأحيان تُركِّز على خطّين في عملها الفنّي، في مشوارها الفنّي، تُركِّز على الخطّ الكلاسيكي المصري أو الطربي إن كان حلبياً، وكأنّها في الكثير من المرّات تُركِّز على أمّ كلثوم" و"أسمهان" و"ليلى مُراد" وعلى القدود والموشّحات الحلبيّة، وفي نفس الوقت أيضاً تتابع الطرف الثاني الذي هو في شمال (سوريا) سواء أكان الكردي أو العربي أو المارديلّي. أنا أُريد أن أرى أين ستميل كفة الميزان عند "روناهي" في النهاية؟ تريد أن تبحث في الأمور المتعلقة بالفولكلور والتاريخ في منطقتنا الجميلة أو هي تُركِّز على الطرف الثاني؟ أتمنّى أن تُجيبينني يا "روناهي" لأنّ هذا شيء مهمّ بالنسبة لي وللمستمعين يعني. طبعاً الموسيقى موسيقى وهي لغة واحدة لكن أتمنّى أن تُجيبينني وشكراً لكم وأتمنّى لـ "روناهي" التوفيق وللبرنامج الرائِع التوفيق

زاهي وهبي: وإن شاء الله نشاهد الأُستاذ "إيراهيم كيفو" ضيفاً عزيزاً في "بيت القصيد"

روناهي مامو: أنا أوجِّه له تحيّة كبيرة جداً وأشكره وأُقدِّر حماسته

زاهي وهبي: أرأيت كيف يتحدّث عنكِ؟ بشغف

روناهي مامو: تماماً، لأنّه يُحبّ هذا المشروع وفي الآخِر "إبراهيم كيفو" معروف تماماً كم هو قادر على جمع أكثر من لغة وأكثر من لهجة وأن يُقدّمها جميعها في مشروعه، فهو متحمِّس لهذا المشروع عموماً، وأنا أشكره جداً وأشكُر هذه اللهفة وهذا الحبّ

زاهي وهبي: هل هناك مشروع تعاون بينكما؟ يقول إنّه من الممكن أن يُقدِّم لكِ عملاً

روناهي مامو: إن شاء الله

زاهي وهبي: أنتما لم تلتقيا، يعني الغريب أنّ هناك هذه المودّة وهذا الإعجاب في عملكِ من دون لقاء مُباشَر

روناهي مامو: هو يدعمني مهنياً وحابب مشروعي جداً وإن شاء الله يكون هناك شيء بيننا قريباً

زاهي وهبي: كما تعلمين، هذا شيء يُعطي مصداقية أكثر للرأي. يعني عندما يكون شخص يُعطي رأياً إيجابياً في شخصٍ آخر ولا يعرِفه شخصياً

روناهي مامو: صحيح. أنا دائِماً أقول له: "حلمي في الحياة أن ألتقي بك وأن اُغنّي معك"، أنا أحبّه كثيراً عندما يُغنّي الأغاني المارديليّة وأغاني (الجزيرة) عندنا

زاهي وهبي: لربما نجمعكما في "بيت القصيد" وتأتين كضيفة شرف على الحوار، ويكون ربما العمل المُشترك بينكما قد تمّ

روناهي مامو: يا ليت

زاهي وهبي: وبالنسبة إلى سؤاله؟ إنّ كفّة الميزان عندكِ إلى أين ستميل أكثر، إلى الغناء الطربي الشرقي المعروف في الغناء العربي أو غناء ربما كردي أو مارديلّي أو عربي من شمال (سوريا) ومن (الجزيرة)؟

روناهي مامو: بالنسبة إلى السؤال، قبل أن أقول إلى أية كفّة سترجّح "روناهي" أُريد أن أقول أنني درست في "بيت العود العربي"، درست الموسيقى الكلاسيكية، الموسيقى الشرقيّة والمقامات الشرقيّة فكان مشروعي في هذا المكان أن أدرُس الموسيقى الكلاسيكيّة، الموسيقى العربيّة وأُقدِّم لـ "أمّ كلثوم" ولـ "عبد الوهاب" ولـ "أسمهان"، أُقدِّم لهذه الأسماء التي هي المدرسة المصريّة إذا أردنا أن نقول، طبعاً أُقدِّم أيضاً القدود وأُقدِّم الموشّحات والقصيدة

زاهي وهبي: سيزعل منكِ أهل (حلب)

روناهي مامو: تماماً. فأنا بالنسبة لي هذا جزء كامل من دراستي، من مشروعي، في أن اُحصِّل أكاديمياً وعلمياً في مجال الموسيقى. بالنسبة لمشروعي أنا أو الأشياء التي تشبهني، الكفّة إلى أين ستميل؟ ستميل إلى الأشياء التي تشبهنا أكثر. دائِما ما يرجَّح عندنا هو نحن أين نجد أنفسنا أكثر

زاهي وهبي: أين تجدين نفسكِ أكثر؟

روناهي مامو: أكيد أجد نفسي في الكفّة الثانية

زاهي وهبي: غير "بيت القصيد" أين تجدين نفسكِ أكثر؟

روناهي مامو: (تضحك)، أجد نفسي مع الموسيقى الموجودة في (سوريا)، هذا الـ Harmony الموجود

زاهي وهبي: الأقرب إلى الغناء الشعبي من الغناء الطربي، يعني يُمكننا أن نقول في المنتصف؟

روناهي مامو: يُمكننا أن نقول في هذا الجوّ أكثر

زاهي وهبي: واليوم أيضاً الغناء الطربي ما عاد كما السابق، يعني المُستمِع ما عاد عنده الوقت ليجلِس ويسمع أُغنية مدّتها نصف ساعة أو ساعة، تغيّر، حتّى الغناء الطربي تغيّر. بماذا تريدين أن تردّي له التحية وتهدينه غناء للأُستاذ "إبراهيم كيفو"؟ شيء هكذا، تعتقدين أنه يحب أن يسمعه

روناهي مامو: (تغنّي)

زاهي وهبي: جميل. ماذا قلتِ؟

روناهي مامو: أشكرك. تريد أن أُترجمها لك بحزن

زاهي وهبي: الفحوى

روناهي مامو: هي تتحدّث عن الهِجرة القسرية، الوجع في الهِجرة، الوجع في أن تضطرّ أن تترُك بيتك وتترُك مكانك وتكون خارِجه. طبعاً هي أُغنية قديمة وأُغنية موجودة

زاهي وهبي: على كلّ حال هذه حال الملايين في بلادنا، يعني من (سوريا) إلى (العراق) إلى (اليمن) إلى (ليبيا) إلى (فلسطين) الأولى في هذا الوجع. أيضاً غنّيتِ لضحايا (سنجار)، هذه المنطقة التي عانت على يد "الدواعش" ما عانته. ما كان عنوان العمل، "غذاء الروح" أو شيء من هذا النوع؟

روناهي مامو: لا، العمل عنوانه "الورد الأسود"

زاهي وهبي: ورد أسود، حتّى الورد

روناهي مامو: وهي كانت أيضاً قائِمة على فكرة كم هذا المكان صار فيه، من ناحية السَبي الذي حدث، الذي كان موجعاً كثيراً، من ناحية أنّ الشعب هذا كمّ تشرّد وكيف عانى وكيف اضطُهِد بسبب اعتقاده إذا أردت، بسبب جغرافيته الموجود فيها التي لم يكن له قرار التواجد فيها، فوجِد فيها ربما في مكان وزمان

زاهي وهبي: بسبب التطرّف والإرهاب والفِكر الداعشي الإقصائي والإلغائي للأسف

روناهي مامو: تماماً

زاهي وهبي: من بعد إذنكِ، هذه الأُغنية المُهداة لضحايا (سنجار) سنُشاهِد جزءاً من الكليب الذي قدّمتِه حضرتكِ، نُشاهده معاً. (يُعرَض مقطع من الفيديو كليب). أتعلمين؟ أولاً نُحيّي جهودكِ وتعبكِ والتزامكِ أولاً في تقديمك فنّاً راقياً وفناً يُلامس الوجدان الإنساني عموماً، عرباً وكرداً وشمالاً وجنوباً وشرقاً، ونعم نُكرّر أنّ هذا المزيج هو الذي شكّلَ تجربتكِ في شكلٍ أساسي. نسمع كردياً، نسمع عربياً، نسمع إلى آخره، نحسّ أنّ السرياني كأنّه أساس في كلّ الموسيقى، أم أنا مُخطئ؟

روناهي مامو: عليك أن ترجع إلى (سوريا) وإلى اللغات الموجودة في (سوريا) في الأساس أكانت السريانية أو الآرامية، فأكيد في الآخِر هذه اللغات هي إبنة المنطقة، إبنة جغرافيا هذا المكان، فجغرافيا هذا المكان أكيد سيكون لها تأثير

زاهي وهبي: قبل قليل حين سمعتكِ تغنّين بالكردي، في نفس الوقت وكأنني أسمع ترتيلاً سريانياً، يعني هناك تقارُب كبير، وتشابه كثير

روناهي مامو: موسيقى الشعوب خاصّةً إذا كانت الموسيقى موجودة في جغرافيا واحدة لا يُمكن ألّا أن تتأثر ببعضها البعض، مستحيل يعني، مستحيل أن تجد موسيقى أو عدّة أنواع من الموسيقى موجودة في مكان واحد وتحسّ بأنها منفصلة عن بعضها البعض، لا أتخايل أنّ هذا الشيء وارِد لأن البيئة هي بيئة واحدة وجوّ الهواء والمياه والتراب كلّه واحد، ففعلياً هذا كلّه سيؤثِّر

زاهي وهبي: تحدّثنا عن (عفرين)، وأنا قلت في المقدمة أن حضرتكِ من (كوباني – عين العرب) ومن (عفرين)، هو الوالد من (كوباني – عين العرب) والوالدة من (عفرين). تحدّثنا عن (حلب) وأثرها في تجربتكِ، واليوم حضرتكِ مُقيمة في (دبيّ)، في دولة (الإمارات) العربية  

روناهي مامو:   في (أبو ظبي)

زاهي وهبي: في (أبو ظبي)، ودرستِ الفنّ كما قلنا في "بيت العود"

روناهي مامو: "بيت العود"

زاهي وهبي: ما الذي أضافه "بيت العود" لتجربتكِ؟

روناهي مامو: كما تحدّثنا في الربورتاج الذي شاهدناه قبل قليل

زاهي وهبي: نعم

روناهي مامو: دائِماً الموهبة هي شيء في الفِطرة، موجودة لكن لا يُمكننا أن نتعامل معها على أساس أنها قادرة على أن تثبِت نفسها أو تكون موجودة إن لم تكن مصقولة صحّ ومُقدّمة في طريقة صحيحة. أكيد "بيت العود العربي" أضاف لي الكثير من الأشياء، من أهمّها أنني تمكّنت أن أمتلِك أدواتي وفي أن أعرِف ما أُريده وما هو مشروعي وأين من اللازم أن أكون، فأكيد أضاف لي الكثير من الأشياء "بيت العود" ضمن أُسرة فنيّة تحت إشراف الدكتور "نصير شمّا"، أوجّه له تحية كبيرة جداً طبعاً، وهو من النّاس الذين منذ البداية حاول أن يكون إلى جانبي وأن يُساعدني في أن أكون أنا وأُعبِّر عن نفسي كما انا أو كما يُفترَض أنه من اللازم أن أكون. أضاف لي الكثير، ووجودي في قسم الغناء في إشراف الدكتور "فتح الله أحمد" وطبعاً أيضاً الدراسة التي قمت بها الأكاديمية، الدراسة الصوتية التي اشتغلنا عليها والبحث الذي قدّمته كمشروع تخرُّج، في قسم الغناء أنت دائِماً في حاجة لأن تُقدِّم مشروعاً لكي تتخرّج من قسم الغناء

زاهي وهبي: طبعاً

روناهي مامو: فأنا ذهبت مع خيار وحضرتك سألتني، لماذا اخترتِ "رفيق شكري"

زاهي وهبي: حضرتكِ قدّمتِ مشروع تخرّج في دراستكِ وبحثكِ عن فنان سوري مهم وقدير ولكن للأسف ربما لم تُسلّط عليه الأضواء كما يجب، والذي هو "رفيق شكري". لماذا اخترتِ هذا الفنان؟

روناهي مامو: اخترت "رفيق شكري" لأنّ في الفترة التي كان فيها "رفيق شكري" كانت الموسيقى أو الغناء الموجود هو الغناء المصري أو الموسيقى المصرية التي دائِماً هي طبعاً أكيد موسيقى موجودة، الغناء المصري موجود وله حجمه وله مكانته. كان صعب جداً في ذاك الوقت أن تُغنّي غناءً ليس مصرياً. يعني "رفيق شكري" في بداياته كان أخذ شخصية الموسيقار "محمّد عبد الوهاب" حتّى لدرجة أنّه كان يلبس في الطريقة التي يلبس فيها "محمّد عبد الوهاب"

زاهي وهبي: مُستلبِسه "محمّد عبد الوهاب"

روناهي مامو: تماماً، في طريقة لبسه، وهو من الناس المقرّبين حوله، يعني رجعت إلى الكثير من الناس وحاولت أن أقرأ في مراجع كثيرة لأعرِف تفاصيل أكثر عن سيرة ذاتية لهذا الشخص قبل أن أعرِف ماذا قدَّم. كانت تهمني مكامن شخصيته وكيف كان يُفكِّر. فهو في بداياته كان طبعاً مُضطهَداً جداً     وهو إبن (الميدان)، المنطقة الشامية المتحفِّظة إذا أردت

زاهي وهبي: حيّ (الميدان) في (دمشق)

روناهي مامو: تماماً، فأن يعزِف العود ويُغنّي، هذا كان بالنسبة له

زاهي وهبي: عن أيّة حقبة تاريخية نتحدّث؟

روناهي مامو: في الستينات

زاهي وهبي: نعم

روناهي مامو: فالذي صار أنّه بدأ في فكرة أن يُقدِّم نفسه لكن ضمن إطار الموسيقار "محمّد عبد الوهاب"، أينما يذهب وفي أيّة سهرات، أينما يتواجد دائِماً الشكل والأغاني التي كان يقدّمها هي لـ "محمّد عبد الوهاب"، كان يُحاول أن يكون نسخة عنه. بعدها فجأة بدأ في محاولة تقديم شيء مُختلِف

زاهي وهبي: أن يقدِّم نفسه، أن يقدّم هويته

روناهي مامو: فعندما حاول أن يُقدّم شيئاً مُختلفاً اتجه إلى الأغاني السورية. يعني كان هناك أغان سورية في حينها لكن الأغاني السورية كانت فولكلورية، أغاني التراث، الأغاني الموجودة. لكن هو كان أوّل من قدّم أُغنية سورية في اللهجة الشامية في ذاك الوقت. قدّم أُغنية جديدة لكن في اللهجة

زاهي وهبي: مثل ماذا؟

روناهي مامو: "بالفلا جمّالي ساري" التي حين نزلت كانت في إذاعات (حلب) وإذاعات (الشام)، الناس أحبّتها جداً وتفاعلت معها وهي لحدّ الآن مسموعة هذه الأُغنية

زاهي وهبي: أعطنا نموذجاً عملياً من "رفيق شُكري"

روناهي مامو: أكيد

زاهي وهبي: مثلما قلنا، هذا الفنان القدير الذي لم يأخُذ حقه، ويعطيكِ ألف عافية أنكِ أخترتِ أن تُقدّمي البحث في "بيت العود العربي" عن هذا الفنان. تفضلي

روناهي مامو: (تغنّي)

زاهي وهبي: ألف شُكر "روناهي مامو". مشاهدينا الكرام لحظات سريعة ثمّ نُتابع "بيت القصيد"

المحور الثالث:       

زاهي وهبي: مُشاهدينا الكرام نُتابع "بيت القصيد" مع الفنانة السورية الكرديّة السيّدة "روناهي مامو". "روناهي"، فعلاً اليوم حلقتنا مميّزة لأننا نطلّ على جانب من خلالكِ، إلى جانب الغناء والموسيقى العربيين نُطلّ على الموروث الكردي، على الغناء الكردي المارديلّي، غناء (الجزيرة) وحوض (الفرات)، وهذه الأضواء كما قلنا يعني ليست مُسلّطة كثيراً على هذا الفولكلور الغني في تلك المناطق من (سوريا) ومن بعض أجزاء (العراق). ما الذي يُميِّز منطقة (الجزيرة) مثلاً في (سوريا)؟ ما الذي يُميِّز الغناء فيها؟ الغناء في شكله كما قلنا يحتوي على لهجات وعلى لغات ربما متعدّدة، عربي، كردي، سرياني، ولكن في الموضوعات هلّ يتميّز في الموضوعات؟ في الإيقاعات؟ في ماذا؟

روناهي مامو: التميّز في الموضوعات دائِماً طَرحه هو الطرح الـ Lite

زاهي وهبي: البسيط

روناهي مامو: البسيط، الخفيف، يعني البساطة إذا أردت. يعني دائِماً في هذه البيئة الموجود فيها، إذا أردت أن نقول البيئة الزراعية، دائما فيها حالة البساطة والناس الذين يكونون على فِطرتهم أكثر، فالموسيقى دائِماً هنا تكون Pure أكثر إذا أردت

زاهي وهبي: خام، صاف

روناهي مامو: حتّى من ناحية الموضوع إذا أردت، أيوه تماماً خام وصافي، يعني أشياء ليست داخِلة في خصائص المقاسات، لا، هي آتيه هكذا، كما خلقها الله يعني إذا أردت

زاهي وهبي: كم مُهمّ هذه الشيء اليوم، تقديم مثل هذا وهلّ يُمكن تقديم أشياء إلى هذا الحدّ خام، هذا الحدّ صافية في زمن عولمة؟ تعلمين حضرتكِ اليوم تداخل الأنواع الموسيقية في بعضها، الـ Mix Music وهذه القضايا اليوم في العالم كلّه. كم هو مهم وضروري تقديم شيء له خصوصية؟

روناهي مامو: أكيد مهم وضروري لأننا نحن في الآخِر، عندما تحدّثنا أنا وأنت قلت لك إنّ القصّة ليست قصّة أحد يغنيّ جيدا وجميلاً أو أحد يجيد الغناء أو أنّ صوته جميل، القصّة ربما أبعد من هذا. ماهية رسالتك، ماهيّة مشروعك فعلاً الذي أنت مُستعِد فعلاً أن تُحارِب من أجله. فكرة أننا نحن في منطقة جميلة جداً لها خصوصيتها، كم في إمكاننا أن نُدافع عن هذه الخصوصية، كم في إمكاننا أن نظلّ نقول أنّ هذه خصوصية نريد أن نقولها حتّى لو كان الناس ربما كما الآن قلت حضرتك في زمن الـ Mix Music والعولمة والسرعة، صارت هذه الأغاني ممكن أن يكون هناك أناس كثيرون أو جيل ربما لا يسمعها، لكن الذي يصير بصراحة أنني أنا في مُشاركاتي مثلاً وفي حفلاتي أُقدِّم هذا اللون وهناك جمهور من أجيال مُختلفة تحضر وتسمع. الناس يتفاعلون ويحبّون والدليل أنّ الجميل دائماً يصِل، الحقيقي يصل

زاهي وهبي: صحيح. كم من خلال هذه الألوان الغنائية ممكن أن نتعرّف على البيئة لو لم نكن قد زرناها في المعنى الجغرافي للكلمة؟ كم يُمكن أن نتعرّف على نمط ربما الحياة، نمط الثقافة الموجود من خلال الكلمات والغناء؟

روناهي مامو: أكيد، أنا كلّما أُغنّي، خاصة أنا وجودي في (الإمارات) العربية، المكان الجميل في تنوّعه، يعني فيه جنسيات مُختلفة ودائِماً في الحفلات، يعني مثلاً في مهرجان (الشارقة) للموسيقى العالمية الذي صار في أوّل السنة كنت مُشارِكة

زاهي وهبي: تم تكريمكِ فيه

روناهي مامو: كنت مُشارِكة في المهرجان، أكيد كنت سعيدة جداً في هذه التجربة. كنت أتخايل في البداية أنني سأقّدِم موسيقى عربية وغناء عربياً لأن المهرجان كان "مهرجان الشارقة للموسيقى العالمية"

زاهي وهبي: نعم       

روناهي مامو: عندما تحدّثت مع القائِمين على المشروع، القائمين على المهرجان، قلت لهم: إننا نرغب أيضاً في تقديم الموسيقى الكرديّة، لكن كم ممكن أن يتفاعل معنا الناس؟ لا أدري لكن كنت أرغب أن أقول ذلك. أعرِف أن هناك جنسيات أُخرى موجودة غير العربية ستسمع العربي لأننا اعتدنا أننا في بلد نُغنّي العربي وهناك جنسيات كثيرة يُحبّون اللغة العربية ويحبّون الموسيقى العربية، لكن كم ممكن مثلاً إذا قدّمنا ثقافة أُخرى؟ موسيقى أُخرى؟ عندما غنّيت الكُردي كان هناك تفاعُل من الناس وجنسيّات مُختلِفة، يعني هناك أفارِقة

زاهي وهبي: لا يفهمون اللغة ولكن

روناهي مامو: تماهوا مع الموسيقى ومع النغمة. طبعاً أيضاً الشعب الإماراتي شعب لطيف جداً ويُحبّ كثيراً أن يعرِف عن الموجودين عنده وكم ثقافتهم تعنيهم، بمعنى "يهمنا أن نعرِف من أنتم". فكنت أجد هذا التشجيع كثيراً حين يقولون: "نعم، نحن نرغب أن نسمعكِ تغنين الكردي"

زاهي وهبي: دائِماً نقول في هذه الحالات عندما نكون نسمع شيئاً ولا نفهم الكلام أو المضمون. في الفنّ أحياناً الفهم ليس دائِماً هو الأساس، أحيانا يكون الإحساس له الأولوية

روناهي مامو: تماماً

زاهي وهبي: الإحساس الذي يعطيه لك هذا الصوت، هذا النغم، هذا الإيقاع مهم جداً

روناهي مامو: صحيح

زاهي وهبي: وهذا الأمر يحدث في الشِعر أيضاً، أحياناً الشاعر يلقي على مسامع أُناس لا يجيدون اللغة التي يلقي فيها لكنهم يسمعون

روناهي مامو: تكون الكاريزما عنده قادرة على أن يستحضر الحالة التي يقولها في الكلمات حتّى ولو لم تكن واضحة. أنا بالنسبة لي أُغنّي الكردي والناس لا يفهمون الكلام مئة في المئة، أوكي؟ وهناك أُناس لا يعرِفون أساساً وللمرة الأولى يسمعون، وحتى هناك أناس لا يعلمون حتى ما هو الغناء الكردي ويرغبون في التعرّف عليه، فعندما تسمعه كما حين ترى أيّة لوحة

زاهي وهبي: تجريدية مثلاً أو لوحة سريالية

روناهي مامو: تجريدية مثلاً أو سريالية، فتحاول أنت أن تفهمها وتأخذها من وجهة نظرك أنت. اللون وكم يؤثِّر عندك ويختلف في تأثيره ودرجاته بين شخص وآخر، فهذا كله بالنسبة لي أحسّ أنّه لا، تصل أكثر لأنك تُخاطب الإحساس الخام بعيداً عن موضوع الكلمة والمعنى والترجمة

زاهي وهبي: أنا حقيقةً ذكرت الشعر لأنني أُريد أن أُسمعكِ رأياً في تجربتكِ لشاعِر وصديق، صديق مُشترك لكِ ولي، وسيناريست معروف هو الأُستاذ "عدنان العودة" نسمعه في كلام يوصل ونتحدّث عما هناك من مشروع مُشترك

روناهي مامو: الله يستُر من أسئِلة "عدنان"

زاهي وهبي: نسمع الأُستاذ "عدنان العودة" في "كلام يوصل"

كلام يوصل

عدنان العودة – شاعر وكاتب: تحيّاتي لك "زاهي"، تحياتي لمشاهديك طبعاً وتحياتي لضيفتك المُميّزة اليوم، الخاصة بالنسبة لي، الفنانة "روناهي مامو"، الحديث عن "روناهي مامو" بالنسبة لي كإنسان وفنان وشاعِر يستدعي في الضرورة ذكريات خاصّة بي، ذكريات لها علاقة في طفولتي. أنا عشت في منطقة عربية خالِصة على الضفّة اليُمنى لـ (الفرات)، وهذه المنطقة كانت منطقة عربية خالِصة، على الجهة المُقابلة كان هناك خليط من الكُرد والعرب والسريان والأرمن في منطقة (الجزيرة) السورية. أوّل مرّة تعرفت فيها على الكُرد كنت طالباً في الصفّ الخامس، كان عندهم حصّادات فكانوا يأتون ليحصدوا للعرب وكان طبعاً أصحاب الحصّادات من (كوباني – عين العرب). في تلك الفترة كنت طالباً في الصف الرابع أو الخامس وتعرّفت على الموسيقى الكردية وتعرّفت على اللغة الكردية، تعرّفت على "محمّد شيخو" وعلى "عارِف جزراوي" وعلى "شيفان بروير" وأسماء أُخرى، وفي طبيعة الحال تعرّفت على الكُرد بعد ذلك. بعد خروجي من (سوريا) قمت بمشروع إسمه "الرِواق" في (دبيّ) وتعرّفت عن طريق "الرِواق" على "روناهي مامو". وحقيقة كان الوسيط بيننا صديق لبناني، صحافي لبناني قال لي أنّ في إمكاني أن أستضيفها لكنني لم أكن أعلم، قال لي إن إسمها "روني" ولم أكن أعلم أنها كرديّة. استضفت "روناهي" وهذا بالنسبة لي كان مثل الذي "لقى لقيّة"، يعني أنّ "روناهي" كرديّة وتُغنّي الكردي وتغنّي "محمّد شيخو" فكان أنها أعادتني إلى مرابع الطفولة الأولى. بعد استضافتي لها في "الرِواق" صار بيننا حقيقةً علاقة شخصية وشراكة فنية، وحقيقةً أهميّة هذه الشراكة في الفترة الحالية بسبب وجود حالة اصطفاف حاد بين الكُرد والعرب في شمال (سوريا) وفي منطقة (الجزيرة) السورية. فنحن بدأنا طبعاً المشروع بشكلٍ عفوي في أن نُقدِّم موروث هذه المنطقة الشِعري والقصائِد التي أكتبها باللهجة الفراتيّة وهي تُقدِّم الأُغنية الجزراوية بشقّيها طبعاً العربي والكردي والمارديلّي والأرمني والسرياني، والحقيقة أنّ هذا المشروع يعني لاقى قبولاً كبيراً وتأثيراً كبيراً عند شريحة كبيرة من العرب والكُرد بعيداً عن حالة الاستقطاب والتشنّج والتعصّب التي يعيشها الكرد والعرب اليوم في المنطقة العربيّة في شكلٍ خاص أو المنطقة في شكلٍ عام. طبعاً تلا هذه الأُمسية أُمسيات وقدّمنا حوالى أربع أُمسيات في (بيروت) وأُمسيتين في طبيعة الحال في (الإمارات) العربية، والمشروع مُستمرّ على أن نُكمِله في أماكن أُخرى. يعني سعيد جداً أنا في هذه التجربة مع "روناهي"، "روناهي" شخص حساس، شخص لطيف، شخص موهوب وشهادتي بها مجروحة وأنا أُحب صوتها كثيراً ويؤثِّر بي. "روناهي" طبعاً أنا أتمنّى لكِ النجاح دائِماً وسؤالي لكِ هو التالي: عندما بدأتِ كنتِ شخصاً عفوياً جداً، حتّى في الفيديوهات التي تنزلينها على "فيس بوك" وعلى الـ Social Media انتِ عفوية جداً وأنا في رأيي هذا أحد أهمّ الأسباب التي جعلت الناس يُحبّونكِ. اليوم أصبحت كثيراً شخصاً مُوَنوَن، في أي معنى؟ أنه عندما تعتلين المسرح يجب أن يكون كلّ شيء Perfect، كلّ شي من اللازم أن يكون على البِكلة. أعرِف كم هو صعب طبعاً أن يُقدِّم المُغنّي نفسه في هذا الوقت، لكن سؤالي لك، إلا تعتقدين أنه إذا خسِرتِ هذه العفوية ستخسرين عاملاً مهمّاً جداً من العوامل التي جعلت الناس يحبونكِ؟ فكيف في إمكانك أن تُحافظي على هذه العفوية لكي تظلّين بالنسبة لي أعتقد شخصاً طبيعياً ومحبوباً أكثر؟ كيف في إمكانكِ أن تُحافظي على هذه العفوية؟ أتمنّى لكم لقاء سعيداً وتحياتي

زاهي وهبي: شكراً للشاعر والصديق والمثقف الأستاذ "عدنان العودة"

روناهي مامو: أُريد أن أوجِّه له تحية 

زاهي وهبي: تفضلي. "موَنونه"، صرتِ "موَنونه" كثيراً؟ "موَنونه يعني موسوسه، تخافين على شغلِك تخافين على طلّتكِ  

روناهي مامو: بصراحة هذا لا يلغي العفوية

زاهي وهبي: نعم، الحرص

روناهي مامو: الحرص لا يلغي العفوية، الحرص هو كم أنت فعلاً مع الوقت، عندما تجربتك تنضج تصير شخصاً أكثر مهنيةً، يصير الغلط ممنوعاً. الغلط الممنوع لا يعني أنّك صرت شخصاً غير عفوي، لا، أنا في إمكاني أن أُمارِس عفويتي في بساطة، يمكنني أن أكون في بساطة. سألني "عدنان" عن كيف في إمكاني أن أُحافِظ على هذه العفوية، هي الفكرة ليس في أن أُحافظ عليها أو أخسرها، الفكرة هي أنها أنا. أنا إذا ما زلت عفوية سأظل أنا ولن يتغيّر الموضوع

زاهي وهبي: للحقيقة أنا أشهد، لقاؤنا الأول، عندما رأيتكِ لأوّل مرة لم أشعر برسميّات، فوراً انكسر الجدار إذا أمكننا القول

روناهي مامو: هو أنا يعني، أنا أُعبِّر عن نفسي في هذه الطريقة. فكرة أنك حينما تكون بدأت في مشروع وبدأت تشتغل في مهنية أكثر، النضج في المشروع أكيد سيجعلك حريصاً أكثر على أن يكون شغلك مثلما قال "عدنان"، "على البكلة". نعم، أنا حريصة الآن على أية خطوة أو أي شيء يمكن أن ننفذه، حتّى لو كان على صعيد فيدو على الـ Social Media، أحاول قدر الإمكان أن يكون على البِكلة لكيلا أزعِج المتلقّي، لكي أكون على قدر ثقة المتلقّي، لكن في الوقت نفسه أتخايل أنّ عفويّتي من الصعب أن أخسرها لأنني لن أقدر أن أكون أحداً آخر

زاهي وهبي: إن شاء الله لن تخسرينها. أنتما قدّمتما أُمسيات مُشتركة، يعني شِعر وغناء، وعندكما مشروع مشترك

روناهي مامو: طبعاً

زاهي وهبي: ألبوم كامل أم أُغنية؟

روناهي مامو: لا، ليس ألبوماً، حالياً أنا أشتغل على مشروع ألبوم وحالياً "عدنان" له أربع أغاني

زاهي وهبي: حصّة الأسد يُمكننا أن نقول، نعم. وفي اللون الجزيري الفراتي؟

روناهي مامو: والله هو منوّع

زاهي وهبي: لا، الذين كتبهم "عدنان"

روناهي مامو: لم آخذ من "عدنان" لوناً واحِداً، فيهم اختلاف

زاهي وهبي: حسناً، سنسمع شيئاً منهم كتحية أيضاً لـ "عدنان" ولكن بعد أن نتوقف لو سمحتِ لي مع استراحة سريعة نتابع "بيت القصيد"

المحور الرابع:  

روناهي مامو: (تغنّي)

زاهي وهبي: ألف ألف شكر، تحيّة للشاعر الصديق "عدنان العودة"، من كلماته؟

روناهي مامو: أكيد من كلمات "عدنان العودة" وألحان "حسام نُعمان"، أوجِّه تحية لكليهما لأنها حالة أحببتها كثيراً

زاهي وهبي: لون فيروزي قليلاً إلى حدٍّ ما

روناهي مامو: فيها شيء مُختلِف، والأغنية أنا غنّيت جزءاً منها، وتختلِف لاحقاً، يعني "حسام" قام بعمل يُجنّن وأشكره كثيراً وأوجِه له تحيّة، وطبعاً "عدنان" كتب كلاماً، الله يُسامحه دائماً، يوجِّع لنا قلبنا فأنا أحببت الحالة بصراحة، هي من السهل الممتنِع

زاهي وهبي: نعم. إسمحي لنا أن نسمع رأياً أيضاً في تجربتكِ، أيضاً من منطقة (الجزيرة) أعتقد السورية ولكن مقيمة في (لبنان)، الشاعرة والإعلاميّة السيّدة "نوال الحوار"

كلام يوصل

نوال الحوار – شاعرة وإعلامية: من الأشياء الحلوة في الحياة أن يُعطينا الزمن فُرصة يمكننا فيها أن نشهد للناس الذين نُحبُّهم. دائِماً يقولون أنّ شهادتي بفلان مجروحة. شهادتي في "روناهي" ليست فقط مجروحة، ربما مطعونة دعنا نقول، لأنّها عزيزة على نفسي. "روناهي" مُطرِبة شفّافة، صادقة، تختار موسيقاها في عناية، هي إبنة تُراث وموروث شعبي أكثر من رائِع. لربما نعرِف أنّ التراث أو الموروث الكردي هو كردي مع فارسي مع تركي، خليط من الحضارات المتجانسة تعطينا نوعاً من موسيقى متشابهة، فهي ورثت كلّ هذا المجد، هي إبنة (عفرين). في الفترة الأخيرة تعرِف كيف صارت الأحداث في (سوريا)، فبمُجرّد أن يقولوا (عفرين) يخطُر على بالك القتل، يخطُر على بالك الدم، لكن الناس لا يعرِفون أنّ (عفرين) فيها قطعان شارِدة من الغزلان الجميلة وفيها أصوات رائِعة، منها "موناهي مامو"، فـ "روناهي" أتت من كلّ هذا في كلّ ألقها، تُشبِه أغصان زيتون (عفرين). أشعُر أحياناً أنّ "روناهي" تظلّ دائِماً في جوّ المقام أو الجوّ الشرقي أو في جوّ من الطرب القديم، فأنا أتمنّى على "روناهي" أن تعود لتغنّي أشياء مواكبة للعصر وإلّا تبقى النسق القديم ولو أنه نسقٌ جميل وحلو، وأتمنّى أن تبدأ "روناهي" في شغلها الخاص بها، هي قارِئة ممتازة للشِعر ومثقفة جيدة، وأتمنّى أن تختار نصوصاً من الشعراء الحداثيين وأن تلحِّنها لأن صوتها خامة ممتازة وتستحق أن تؤّدي قصائِد من هذا النوع. أُحبّ أن أسألها سؤالاً وأقول لها: "روناهي" في (بيروت) سأخبِّرك بالكردي ( ..) أهلاً وسهلاً بكِ، وأُريد أن أسألكِ. أنتِ لو صُنِّفتِ في يوم بمطربة فقط تغنّين في اللغة الكردية ستلتزمين اللغة التي أنتِ مثلاً نشأتِ وتربّيتِ عليها أو ستظلين تغنين الغناء الكردي والعربي والمارديلّي وكلّ أغاني المنطقة مع بعضها البعض؟ أتمنّى أن تُجيبينني على هذا السؤال

زاهي وهبي: شكراً للشاعرة الصديقة "نوال الحوار"، تفضلي

روناهي مامو: أكيد أشكرها وأنا أقول لها " سار سارو تشيف نويل"، معناها "على عيني ورأسي بالكردي. الكلّ يرغب أن أخرُج من Mood الكلاسيك إذا انتبهت

زاهي وهبي: صحيح

روناهي مامو: هي تسأل إذا كان في إمكاني أن أُغنّي في لغة واحدة فقط أو أن أتأطّر في لون واحد، هذا بعيد قليلاً عن شخصّيتي

زاهي وهبي: ستظلّين تغنين العربي والكردي

روناهي مامو: والكردي والتركي والأرمني

زاهي وهبي: تجيدين الغناء الأرمني؟

روناهي مامو: أُحاول أن أتعلّمه، يعني أنا دائِماً أُحبّ هذه الموسيقى، موسيقى الشعوب، التي نحن أساساً منها

زاهي وهبي: لأنني دائماً أقول إنّ الشعب الأرمني ثقافته غنية جداً وحبّه للفنون مُلفِت للحقيقة. كم قدّموا موسيقيين

روناهي مامو: والسرياني، هناك الكثير من الغناء، يعني عندنا منطقة، يعني (سوريا) مكان خلّاق أنت فقط حاول أن تغرِف منه 

زاهي وهبي: وأنا دائِماً أقول إنّنا أخذنا على عاتقنا في "بيت القصيد" وفي سقف عالٍ من قناة "الميادين" أن نُقدِّم هذا التنوّع الثقافي ونُقدِّم ألوان الطيف في بلادنا خصوصاً في مواجهة المدّ الظلامي ومُحاولات الإقصاء والإلغاء والتهميش والتهجير إلى آخره. على السريع لأنّ الوقت بدأ يُداهمنا، وقبل أن نختُم بصوتكِ المِسك، قدّمتِ برفقة الشاعِرة والإعلامية والصديقة العزيزة الدكتورة "بروين حبيب"، الشاعرة البحرينية المقيمة في (الإمارات)، قدّمتما في (البحرين) حفلة وأُمسية تكريماً للشاعر الكبير "نزار قبّاني". كيف كان هذا العمل المُشترَك أو التلاقُح بين الغناء والشِعر في تكريم "نزار قبّاني"؟

روناهي مامو: "بروين" هي شخص جميل جداً وأنا أوجِّه لها تحية كبيرة جداً. أنا و"بروين" التقينا في البداية في مشروع جمعني معها كشاعِرة، وجمعني مع مصمّمة المجوهرات والتشكيلية السورية "مهى السباعي"

زاهي وهبي: نعم، أحيّي السيّدة "مهى السباعي"

روناهي مامو: والتشكيلية الإماراتية "نجاة مكّي"، أقمنا مشروعاً إسمه "نساء من ضوء"، وبدأنا في أننا مجموعة إناث نشتغل بين الغناء والشِعر والتشكيل والتصميم. هنا بدأنا أنا و"بروين"

زاهي وهبي: من النسوة يعني، مجموعة مع بعضهنّ البعض

روناهي مامو: أيوه، في الجمال، وإذا ليس في الجمال في الحب

زاهي وهبي: نُمسّي السيّدة "نجاة مكّي" طبعاً

روناهي مامو: نمسيهنّ كلّهن، أحبهنّ من قلبي. بعدها جاءتنا دعوة من "مركز الشيخ إبراهيم" من الشيخة "ماي"

زاهي وهبي: نعم، الشيخة "ماي الخليفة"

روناهي مامو: "ماي الخليفة" في مملكة (البحرين). فذهبنا وقدّمنا شيئاً أنا و"بروين" له علاقة بـ "نزار قبّاني" وفي الجمال والحبّ. فكان لا يوجد أجمل من أنّ "بروين" مثلاً تُلقي أشعار "نزار قبّاني" لأنني أُحبها حينما تقول الشِعر، فقدّمنا شيئاً كان قريباً جداً من الناس، قالت قصائِد لـ "نزار" وغنّيت أنا من الأغاني المُغنّاة لـ "نزار قبّاني"، اخترنا بعض القصائِد وغنّيناها، وكان الحفل جميل جداً، والتجربة القابلة أكيد ستتكرّر. هناك شيء قريب الآن ممكن

زاهي وهبي: على كلّ حال إن شاء الله نراكِ في المهرجانات المُهمة الغنائية في العالم العربي، نشاهدكِ في (لبنان)، نُشاهدكِ في (تونس)، نُشاهدكِ في (عمّان) وفي (سوريا) طبعاً التي تستعيد عافيتها بإذن الله

روناهي مامو: إن شاء الله يا ربّ

زاهي وهبي: سؤال أخير قبل أن أُعطي حضرتكِ مسك الختام غناءً، شاركتِ الفنان الكردي الكبير "شيفان بروير" في (كازاخستان) في حفلة

روناهي مامو: في حفل في (كازاخستان)

زاهي وهبي: ماذا أضاف لكِ؟

روناهي مامو: هذا الحفل، أنا (كازاخستان) قبل هذه التجربة لم أكن أعرِف هذا البلد، وعندما ذهبت بدعوة من " شيفان بروير" كان هناك شيء له علاقة باحتفاليّة للشعوب تُشبه أعياد الربيع إذا أردت. المكان في (كازاخستان) هو مكان أيضاً متنوِّع، يعني منطقة جغرافية فيها روس وأرمن وكُرد وكزخ

زاهي وهبي: إثنيّات مختلفة

روناهي مامو: منطقة فيها إثنيات مُختلفة، فأضافت التجربة لي الكثير لأنني تواصلت مع كلّ هؤلاء الناس عن طريق الموسيقى. يعني هم سمعوني وربما لم يفهمونني، لكنّهم أحبّوا الموسيقى. أنا حضرت في هذه التجارب سواء في الغناء أو الموسيقى أو الرقص لمجموع هذه الإثنيات فكانت فعلاً تجربة أضافت لي وكانت غنية بالنسبة لي، أضافت لي الكثير

زاهي وهبي: حسناً، تفضلي

روناهي مامو: ننهي؟ (تُغنّي)

زاهي وهبي: " روناهي مامو"، "ضياء الشمس ألف شُكر على تشريفكِ "بيت القصيد" ونتمنّى لكِ كلّ التوفيق

روناهي مامو: شكراً لك، ربّي يُسعِدك وأشكُرك، وشكراً للاستضافة الكريمة

زاهي وهبي: تتكرّر بإذن الله مع أعمالكِ المُقبلة الجديدة. قبل أن أختُم، أُريد أن أقول أنّ أحد الأصدقاء سألني، "لماذا لا تترُك تقديم البرامج الثقافية والفنية وتُقدِّم برامج تُركِز على قضايا الأُمّة؟"، فقلت له، "الأُمّة التي لا تحفظ ثقافتها وفنونها وفولكلورها وإبداعها لا تستطيع الحفاظ على ايٍّ من قضاياها"

روناهي مامو: تماماً

زاهي وهبي: الثقافة هي حصن منيع لكلّ قضايا الأُمّة. نلتقيكم الأُسبوع المقبل على خير بإذن الله