فيلالي غويني - عيسى بلهادي

 

محمد علوش: الحراك الشعبي لايزال يتّسع رفضاً لبقاء الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في الحكم بعد انتهاء ولايته الرابعة. يكادُ الرئيس يكابد عُزلة سياسية بعد تخلّي أكبر حزبين داعمين له عنه، جبهة التحرير الوطني والتجمّع الوطني الديمقراطي. في كلمته التي توجّه بها إلى الجزائريين أثنى قائد الجيش الفريق أحمد قايد صالح على الحراك الشعبي ولم يأتِ على ذِكر الرئيس ولو بكلمةٍ واحدة.

الفراغ في السلطة هو ما يلوح في الأفق حتى الآن، لا الرئيس سيبقى في منصبه لما بعد انتهاء ولايته في الثامن والعشرين من نيسان / إبريل المقبل، ولا المعارضة تقبل خارطة الطريق التي يقودها رئيس الحكومة بعد إلغاء موعد الانتخابات.

فإلى أين يتّجه الشارع في مطالبه؟ مَن سيتولّى الرئاسة إذا تخلّى بوتفليقة عن المنصب في الموعد المحدّد؟ ما مصير ندوة الحوار الوطني وإلى متى سيؤجّل موعد الانتخابات الرئاسية؟  في ظل هذا الفراغ كيف سيجري التوافق على الدستور الجديد؟

للنقاش معنا من الجزائر العاصمة فيلالي غويني، رئيس حركة الإصلاح الوطني، ومعنا أيضاً عيس بلهادي، الأمين العام لجبهة الحكم الراشد.

حيّاكم الله وأهلاً بكم مشاهدينا في حوار الساعة. ونرحّب بضيفينا ونبدأ مع الأستاذ فيلالي غويني، رئيس حركة الإصلاح الوطني، لنسأل عما يدور من معلومات أو ما يتم تداوله من معلومات لا سيما مع ما نُشر في قناة النهار المقرّبة إلى حدٍ ما من السلطة، بأن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة خلال الساعات القليلة الماضية ربما يعلن عن تخلّيه عن منصبه بعد انتهاء ولايته، ما الجديد في هذا الموضوع؟

فيلالي غويني: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، شكراً لكم الأخوة الكرام في قناة الميادين على هذه الاستضافة، وأحيّيكم وأحيّي كل السادة المشاهدين.

بطبيعة الحال الحراك التي تعشيه الجزائر هذه الأيام ارتقى بمكانة الجزائريين والشعب الجزائري وبعموم الفاعلين في الساحة الوطنية إلى مصاف الوعي السياسي الحقيقي الذي قلّ نظيره في باقي الدول وباقي المجتمعات. ما نعيشه اليوم أخي الكريم هو حال تحوّل سياسي كبير بطبيعة الحال يشارك فيه ويصنعه ويتفاعل فيه كل المؤثّرين في الساحة الوطنية، سواء كانت سلطات أو أحزاب سياسية أو طبقة سياسية بشكل عام أو حراك شعبي أو حتى عموم الجزائريين والجزائريات. وبطبيعة الحال لا نتوقّع لهذا التحوّل إلا النجاح، ونجاحه مرتبط بطبيعة الحال بتغليب لغة العقل، بتغليب الحوار الهادئ، بالذهاب إلى الحلول الهادئة والمتدرّجة والممكنة كذلك.

وبخصوص ما تفضّلتم به من أن الرئيس سيعلن عن قرارات هامة، أنا أتوقّع شخصياً أن هناك المزيد من القرارات التي سيعلن عنها السيّد الرئيس تماشياً واستجابةً وتفاعلاً مع هذا الحراك الشعبي الكبير، الذي بطبيعة الحال نحن نتكلّم على قطاعات واسعة في المجتمع التي تتظاهر أسبوعياً وأيضاً خلال أيام الأسبوع، وهذا بطبيعة الحال ستقابله القيادة السياسية في البلاد بكل تفاعل وبكل انسجام، وهذا ما أكّدته القرارات السابقة التي كانت تستجيب في كل مرة لمستوى معين من المطالب.

الواقع أن ما قدّمه السيّد الرئيس كسلّة للإصلاحات السياسية للخروج من هذا الوضع وللذهاب بطبيعة الحال إلى جمهورية جديدة هو معتبر وجدير بأن يخضع للنقاش العميق وأن يلتفّ وينخرط فيه كل الفاعلين، أولاً إعادة ربما صوغ أولوياته، إعادة تسقيفه زمنياً بما يُرضي ويُدخل الطمأنينة إلى كل الأطراف، وبناء يجعلنا نتفادى هذا المحذور الذي تكلّمتم عنه منذ قليل أخي الكريم.

محمد علوش: سنفصّل أكثر في هذه القرارات التي اتخذت في الأيام القليلة الماضية أستاذ فيلالي، وأيضاً سنرى مدى إمكانية هذه القرارات أن ترى النور على سبيل التطبيق أو على طريق التطبيق. لكن دعنا نشرك الأستاذ عيسى بلهادي الأمين العام لجبهة الحكم  الراشد لنسأل في الساعات القليلة الماضية أكبر حزبين رئيسين مواليين للسلطة جبهة التحرير الوطني وكذلك التجمّع الوطني الديمقراطي، ما صدر من تصريحات من قيادات هذه الأحزاب أوحى بالتخلّي عن الرئيس أو عن دعم الرئيس بوتفليقة، عِلماً أن هؤلاء كانوا مشاركين في السلطة لسنوات طويلة، بتقديركم كيف يمكن أن تُقرأ الآن الحال السياسية للسلطة داخل الرئاسة؟

عيسى بلهادي: بعد بسم الله والحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله، تحيّة تقدير واحترام لكم في قناة الميادين ومن خلالكم مشاهدي القناة عبر العالم، وأيضاً تحية احترام لضيفك الكريم.

نحن في الجزائر نعيش حالاً استثنائية بين قوسين، خاصة بعد ما عرفه الحراك الشعبي من تزايد وتطوّر مستمر، بدايةً من يوم 22 فبراير إلى يومنا هذا. الشارع اليوم ومن خلال الإرادة الشعبية برمّتها خرجت عن بكرة أبيها بكل أطيافها وبكل ألوانها لتعبّر عن رفضها القاطِع غير القابل للنقاش وللتفاوض لتمديد العهدة الرئاسية الرابعة للسيّد الرئيس المنتهية ولايته ، أو لتأجيل الانتخابات الرئاسية التي نحن في آجالها القانونية والدستورية.

إذاً أزمتنا في الجزائر الآن هي أزمة حل، مَن يملك الحل ليضمن رؤية سياسية مشرقة تضمن تحقيق الانتقال الديمقراطي السلس من نظام طبعه الفساد ومن وضع قائم إلى وضع أحسن وأفضل، في ظل طموح الشعب الجزائري إلى الجمهورية الجديدة أو ما يصطلح على تسميته بالجمهورية الثانية.

الآن أحزاب السلطة غابت عنها البصيرة، تفتقد الآن البوصلة، فهي الآن لا أجد مبرراً غير أن الشارع أصبح له أثره في التأثير في صناعة القرار السياسي الجزائري.

قبل ذلك وقبل أن أجيب عن سؤالك سيّدي الكريم، دعني أقول بأنه لا اجتهاد مع نصّ الدستور، الدستور واضح، السيّد رئيس الجمهورية المنتهية ولايته استدعى الهيئة الناخبة ثم أعلن ترشّحه، ثم بعد تزايد المطالب الشعبية لرفض ترشّحه سحب ترشّحه، وبالمقابل ألغى المسار الانتخابي، وهذا ليس من حقّه لا قانوناً ولا دستوراً، وبالتالي أخرجنا من مرحلة الحل وذهب بنا بعيداً لنبحث عن الحل في المجهول، ونبحث عن الشرعية لقرارات الرئيس وقرارات النظام الحالي في موسكو وفي الصين ودول غربية أخرى. ولو نقم بدراسة الوضع الحالي بما يحدث في فرنسا نجد أن ماكرون الرئيس الفرنسي لم يتحرّك نحو أية دولة بل تحرّك داخل دولته ليستمع لانشغالات شعبه وليتحاور مع الفاعلين في الحراك الشعبي بشوارع ومدن وساحات فرنسا.

للأسف الشديد تلقّينا الآن مثلاً دعم الحراك من قِبَل حزبيّ السلطة جبهة التحرير الوطني والتجمّع الوطني الديمقراطي في وقتٍ ممكن جداً قد سبق حدث تنحي السيّد رئيس الجمهورية عن الرئاسة. السيّد الرئيس اقترح تنظيم ندوة وطنية خارج الإطار الدستوري بما يجعلها غير مؤسّسة هذه الندوة التي يطلب إليها، ودستور الجمهورية الجزائرية واضح في نصوصه ومواده، عند انقضاء العهدة الرئاسية يوم 28 أبريل تحديداً ندخل في مرحلة شغور منصب رئيس الجمهورية، بما يجعلنا حتماً أمام حال هذا الشغور، يعني ما تنطبق عليه أحكام المادة 102 لا سيما الفقرة الرابعة منه، التي تجعل السيّد رئيس الجمهورية في حُكم المستقيل وجوباً، بما يجعل الوضع هنا يُحال على هيئة المجلس الدستوري، ثم على البرلمان الجزائري بغرفتيه، لتسند رئاسة الدولة وجوباً إلى السيّد رئيس مجلس الأمّة، بصفته الرجل الثاني في هرم الدولة، ليقود المرحلة الانتقالية في حدود 90 يوماً يعكف خلالها هو والطاقم المرافق له في الحكومة والمؤسّسات الأخرى لتحضير وتنظيم انتخابات رئاسية تعدّدية نزيهة تكون فيها مؤسّسات الدولة وعلى رأسها مؤسّسة الجيش الشعب الوطني على مسافة واحدة مع كل الأطراف ومع كل المتنافسين على منصب الرئاسة.

إذاً أزمتنا كما قلت سابقاً هي أزمة حل، والحل موجود في الدستور سواءً باحترام المسار الانتخابي والتمسّك به كحل أساسي أو بالذهاب إلى إعلان الشغور بعد يوم 28 أبريل، ويكون الرئيس وقتها في حُكم المستقيل دونما أية حاجة إلى أيّ اجتهاد أو إلى أيّ اقتراح خارج الإطار الدستوري، هذا لأن الحالات التي برّر بها السيّد الرئيس تمديد العهدة بطريقة غير مباشرة من خلال قرار تأجيل الانتخابات إنما هو إدخال الجزائر في حال استثنائية نحن في منأى عنها. لا نحن في حال حرب ولا نحن في حال خطر داهم، الشعب الجزائري فقط خرج عن بكرة أبيه إلى الشارع ليعبّر عن حريته وعن رأيه في أن السيّد الرئيس قدّم ما عليه طيلة عشرين سنة والآن هو في وضع صحي لا يسمح له بمزاولة وأداء مهامه السياسية، وإلى غاية اللحظة لا نعلم إن كان الرئيس في الجزائر أم خارج الجزائر، وما صدر بإسمه من رسائل لا نعلم إن كان هو شخصياً قد كتبها ووقّعها بالنظر إلى وضعه الصحي المتدهور الذي هو أقرّ به في آخر رسالة توجّه بها إلى الشعب الجزائري.

إذاً بعيداً عن كل هذه التناقضات فلنحتكم إلى الدستور ومن خلاله إلى الإرادة الشعبية.

محمد علوش: طبعاً المواد التي استندت إليها السلطة في القرارات التي اتخذها الرئيس بوتفليقة هي المواد 105 و 107 و110 وهي طبعاً تشير إلى الحالات الاستثنائية التي تمرّ بها البلاد.

ربما السلطة تقرأ بطريقة مخالفة عما تراه حضرتك أستاذ عيسى بلهادي.

على أية حال هناك انقسام الآن في قوى السلطة أو في الأحزاب المؤيّدة للرئيس بوتفليقة، وتحت عنوان أحزاب السلطة تنفض عن بوتفليقة كتب محمّد العيد في صحيفة الأخبار اللبنانية عن الخيارات المتاحة أمام الرئيس، نشاهد معاً.

- تقرير: الأخبار اللبنانية: أحزاب السلطة تنفّض عن بوتفليقة: الرئيس يتنحى اليوم؟ محمّد العيد

تبرز تخمينات متعدّدة إزاء ما سيفعله الرئيس الجزائري ومحيطه إذا استمر الحراك الشعبي، وهي تشير بأن أمام الرئاسة خيارين: إما إعلان استقالة بوتفليقة الآن، أو الانتظار إلى نهاية ولايته. لكن الخيار الأول يبدو مستبعداً، برغم أنه لن يمثل انتقاصاً من قيمة بوتفليقة، الذي لا يريد أن يخرج من الباب الضيّق، لكن الإشكال في أن الخيار الثاني سيضع الجزائر أمام حال فراغ دستوري، لا يعلم كيف يجري التعامل معها؛ إذ لا ينظّم الدستور في مواده حال خروج الرئيس من دون إجراءات انتخابات تعوّضه، وهو ما ينطبق على الوضع الحالي بعد إلغاء انتخابات 18 من نيسان / أبريل.

ولتجاوز هذا الإشكال، تدفع بعض شخصيات المعارضة باتجاه أن يُعيّن الرئيس بوتفليقة في هذه الفترة، قبل انسحابه، شخصية بإمكانها التفاوض بإسمه مع الناشطين في الحراك والنقابات ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب، لتشكيل هيئة رئاسية تتكوّن من شخصيات، بإمكان الرئيس أن يسلّمها كرسي الرئاسة بعد رحيله. وتشير مصادر الصحيفة في هذا الصدد، إلى أن بعض الأسماء مطروحة فعلاً على الطاولة، على غرار رئيسي الحكومة السابقين أحمد بن بيتور، ومولود حمروش، ووزير الخارجية السابق أحمد طالب الإبراهيمي، الذي قد يرفض بسبب متاعبه الصحية، وأيضاً يبرز الرئيس السابق إليامين زروال، الذي لا يزال يتمتّع بالشعبية. كذلك، هناك من يقترح اللواء المتقاعد رشيد بن يلس، الذي برز إسمه معارضاً في السنوات الأخيرة.

محمد علوش: أعود إليك أستاذ فيلالي غويني رئيس حركة الإصلاح الوطني، نريد منك تعقيباً على الخيارات الواردة في هذه الصحيفة، طبعاً يضاف إلى ذلك تصريح صديق شهاب هو المتحدّث بإسم حزب التجمّع الوطني الديمقراطي عندما اعترف أن ترشّح الرئيس لعهدة خامسة كان خطأً كبيراً، واعترف بأن هناك ما سمّاه قوى غير دستورية سيطرت على السلطة في الأعوام القليلة الماضية وعاثت فساداً في البلاد، هذا الاعتراف من قِبَل حزب سياسي مشارك في السلطة كيف يمكن أن يُقرأ؟ وهل يمكن أن يُهدّئ من الحراك الشعبي؟

فيلالي غويني: أولاً أخي الكريم ما صدر عن أحد قادة هذا الحزب تم تصويبه وتصحيحه من قِبَل رئيس هذا الحزب أو أمينه العام، وبيّن أن ما تكلّم به القيادي في هذا الاتجاه لا يعبّر عن خط الحزب وعن مواقف الحزب التي أكّد مرة أخرى من أنها داعمة للسيّد رئيس الجمهورية ومنسجمة تماماً مع ما يقترحه كحلول للمرحلة المقبلة.

وبخصوص حزب جبهة التحرير الوطني بطبيعة الحال إن دعم الحراك ودعم مطالب الحراك الآن لم يعد يقتصر على جهة من دون أخرى، وحتى كل باقي الفاعلين أشادوا بالحراك، أشادوا بسلميته، أشادوا بقوّته، أشادوا بوعيه، وبطبيعة الحال نحن في حركة الإصلاح الوطني قلنا هذا منذ البداية، لكن الآن وجهات النظر المختلفة تتركّز في الحل الممكن للخروج من هذا الوضع، حتى السيد رئيس الجمهورية عندما يتكلّم على ضرورة الذهاب إلى تغيير النظام.

محمد علوش: ما قولكم أستاذ فيلالي في قول بعض أحزاب المعارضة من أن الحلول التي تقترحها السلطة هي تأتي تبعاً لزخم الشارع وبالتالي يتمّ تعديل في هذه القرارات تناسباً مع قوّة الضغط في الشارع، فإن كان هناك خفّة في هذا الضغط تبادر السلطة إلى قرارات تكرّس السلطة بين يديها في حين يشتد الضغط من قِبَل حراك الشارع، تطرح مبادرات جديدة للبحث عن حلول وبالتالي هذا يخلق عدم ثقة بين الحراك من ناحية وبين السلطة من ناحية أخرى؟

فيلالي غويني: لا، التدرّج في تقديم مقترحات الحلول بطبيعة الحال واكبه أيضاً التدرّج في سقف المطالب المرفوعة، وبطبيعة الحال في كل العالم، القيادات السياسية، الحكومات بطبيعة الحال، تنسجم مع مطالب المجتمع وإلا لا تستطيع أن تواكب ما يحدث من تطوّر. فبطبيعة الحال ما زال هناك بعد الوقت، وهنا ربما أختلف مع مَن يقول العكس، هناك بعض الوقت، السيّد الرئيس مازال رئيساً بكامل صلاحياته إلى غاية نهاية العهدة التي سيكون موفاها في 28 من الشهر المقبل، وإلى غاية ذلك التاريخ إن شاء الله ستنفرج الأمور ونذهب بطبيعة الحال إلى الحلول الهادئة المتدرّجة، التي في كل الحالات لن ينتج منها لا فراغ في السلطة ولا غياب مؤسّسات ولا إقصاء  أيّ طرف من الأطراف الفاعلة، لأن في النهاية لما نتكلّم عن الحوار لا يستطيع أيّ فريق أو أيّ طرف فاعل في الساحة سواءً كانت السلطة أو الطبقة السياسية أو الحراك الشعبي بما سيخرجه من ممثلين، لا يستطيع أيّ طرف أن يُقصي الطرف الآخر، فكلنا جزائريون وكلنا علينا واجبات ومسؤوليات من أننا نساهم جميعاً في إيجاد الحلول التوافقية، الحلول التي تضمن انتقالاً هادئاً وسلساً في الجزائر، والجميع متفقون من رئيس الجمهورية إلى كل المواطنين والمواطنات من أن الانتقال إلى الجمهورية الجديدة حان وقته.

أكثر من ذلك أظن أن حتى الجمهورية الأولى إن صحّ التعبير بهذا التأهّب وهذا التهيّؤ للذهاب إلى الجمهورية الجديدة، يعني انتهت، والآن الجميع يبحث عن أفضل السبل للخروج بأفضل الحلول التي تجد توافقاً واسعاً. وفي هذا الإطار دعني أؤكّد بأن الحلول الدستورية ما زالت قائمة، والحلول السياسية أيضاً مازالت قائمة وممكنة، والحلول الشعبية أيضاً بطبيعة الحال التي ستصدق وتجيز هذا أو ذاك أيضاً ماتزال قائمة. بمعنى أن العبقرية الجزائرية ينبغي أن تظهر في هذا الوقت، وقت الشدّة، الذي ينبغي أن يجنح الجميع إلى العقل والهدوء والتركيز في ما يجب أن يُفعل في المرحلة المقبلة.

محمد علوش: لكن البعض يقول إن الكرة الآن هي في ملعب السلطة، أن تظهر الكثير من المرونة في مقابل الحراك الشعبي الذي انتظر طويلاً ريثما يصله التغيير أو الحد من الفساد القائم؟

فيلالي غويني: بكل صراحة كل طرف عنده مسؤولية.

محمد علوش: كل طرف عنده مسؤولية. دعني أحوّل الكلام إلى الأستاذ عيسى بلهادي لنسأل ما إذا كان بالفعل..

فيلالي غويني: السلطة عندها مسؤولية والطبقة السياسية عندها مسؤولية وعموم الفاعلين كذلك.

محمد علوش: وبالتالي أتوجّه إليك بالسؤال أستاذ عيسى بلهادي لأسأل، أين كان الإشكال لدى قوى المعارضة بالطروح التي تقدّمت بها السلطة السياسية، السلطة قدّمت مبادرة تلو مبادرة، أصدر الرئيس بوتفليقة العديد من القرارات السياسية التي تؤكّد بالفعل لدى القارئ أو لدى المتابع أنه يريد حلاً سياسياً لهذه الأزمة ولا يريد الذهاب بها إلى التصعيد أو إلى الصدام مع الشعب، وبالتالي دعا إلى ما يسمّى بالحوار الوطني تديره شخصية من خارج إطار السلطة السياسية، أين الإشكال لدى قوى المعارضة؟

عيسى بلهادي: أذكر سيّدي الكريم أن الجزائر خاضت الكثير من هذه التجارب، فمثلاً مقترح الندوة الوطنية من طرف السيّد رئيس الجمهورية في الرسالة المنسوبة إليه بمبرّرات لا تنسجم ولا تتوافق مع مبرّرات ندوة الحوار الوطني عام 1994، لأن ندوة الحوار الوطني في عام 1994 كانت مبرّرة بناءً على الفراغ الدستوري المؤسّساتي آنذاك، رئيس جمهورية مستقيل، ثم رئيس جمهورية مُغتال، المجلس الأعلى للدولة في إطار قيادة جماعي، برلمان منحل، إذاً كل الظروف والشروط التي عاشتها الجزائر بعد استقالة السيّد رئيس الجمهورية الراحل الشاذلي بن جديد وتنصيب المجلس الأعلى للدولة وحل البرلمان إلى غير ذلك من المعطيات الأخرى، تختلف شكلاً ومضموناً مع واقع الحال الذي تعيشه الجزائر في حدود أنها قد تمكّنت من استكمال البناء المؤسّساتي بعد أول انتخابات رئاسية عام 1995 التي فاز فيها اليامين زروال ذكره الله بخير، ثم بعدها كانت لنا تجربة أن السيّد اليامين زروال الرئيس السابق لم يتمكّن من إدارة شؤون الحكم في ظل تضاربات وضغوطات لا نعرف مكنوناتها، إلا أنه عام قبل نهاية عهده دعا إلى الهيئة الناخبة، إلى تنظيم انتخابات رئاسية مسبقة، أشرف على تحضيرها هو شخصياً والطاقم الحكومي آنذاك الموافق له، وأرسى الجزائر شعباً ومؤسّسات إلى بر الأمان وسلّم الحُكم بطريقة سلمية وهادئة وسلسة إلى الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة.

هذا الرئيس الحقيقي الذي لا ننكر في حقّه أنه كان أحد أسباب  إخراج الجزائر من عنق الزجاجة وكان أحد أسباب إعادة بناء المؤسّسات الدستورية وإضفاء طابع الشرعية عليها.

للأسف الشديد الآن في ختام عهدته الرئاسية الرابعة أعاد الجزائر إلى قلب الزجاجة.

إذاً الآن الندوة التي يدعو إليها السيّد الرئيس المنتهية ولايته ومَن يوافقونه في إدارة الحُكم إنما هي ندوة خارج الإطار الدستوري.

وبالتالي أذكر وأعيد أن الحل، كل الحل في الدستور، إما أن يُعاد احترام المسار الانتخابي وإما أن ننتظر إلى يوم 28 أبريل من سنة 2019 ليتم إعلان حال الشغور ويكون حُكم الرئيس في حُكم المستقيل وجوباً. إذاً الأفلان والأرندي وانضمامهما إلى الحراك، هما لم يضما بقدر ما أنهما باركا وثمّنا هذا الحراك في محاولة تمييع هذا الحراك، لأن المكان الطبيعي لأحزاب السلطة الأفلان والأرندي وتاج والأمبيا إنما هو فلك رئيس الجمهورية المنتهية عهدته، وهي أحزاب يجب أن تتحمّل المسؤولية طيلة السنوات التي شاركت الرئيس في إدارة شؤون الحكم من 1999 إلى اليوم. وللإشارة فقط، هذه الأحزاب وأخصّ بالذِكر الأفلان والأرندي هي أحزاب آيلة إلى الزوال إما تحت ضغط الشارع وفي حدود مطالب الحراك الشعبي وإما في إطار الدستور أين يتم الانتقال، نقل السلطة من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى الرئيس الجديد الذي ننتظره لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى، خاصة وأن الأفلان والأرندي في المرحلة الأخيرة أصبحا يستمدان مبرّرات شرعيتهما السياسية من برنامج الرئيس، وقوّتهما ونفوذهما السياسي من وجود الرئيس، فالسؤال المطروح ما مصير هذه الأحزاب عندما يغادر الرئيس. وبالتالي هنا نجد أن حتماً مقضياً على الأفلان والأرندي وتاج والأمبيا وكل الأحزاب التي تدور في فلك الموالاة حتماً مقضياً أنها تؤيّد وتتمسّك بخيار بقاء الرئيس ولو هذا الرئيس يبقى فيه غير الروح كما نقول فإذاً لا نغطي الشمس بالغربال ونكون واضحين، الخيار والحل الأمثل في احترام الدستور والتمسّك بالخيارات المطروحة في الدستور، خارج الإطار الدستوري نكون قد ذهبنا بالجزائر إلى مستقبل مجهول.

الآن الجزائر تعيش ظرفاً استثنائياً ممكناً جداً، استثنائي بالنسبة للسلطة وليس بالنسبة للشعب، الشعب يعيش بطمأنينة وسكينة واستقرار.

محمد علوش: لو سمحت لي أستاذ، طبعاً بكل تقدير سنلفت النظر إلى هذه القضايا وغيرها خاصة أن الحديث عن الالتزام بالدستور والخوف أيضاً من انزلاق البلاد إلى الفراغ أيضاً في السلطة هو قلق مشترك لدى الجميع وبالتالي البحث عن حلول واجتراح حلول. البعض يقول هناك مصادرة على النيات في هذا الخصوص، هناك أزمة ثقة بين الطرفين، هل المبادرات ، الحلول المطروحة قد تنقذ البلاد من الانزلاق إلى مستنقع عاشته الجزائر تاريخياً ولا تريد العودة إليه، بعد الفاصل مشاهدينا أرجو أن تتفضلوا بالبقاء معنا.

المحور الثاني

محمد علوش: نجدّد بكم الترحيب مشاهدينا في هذه الحلقة من حوار الساعة، نتناول فيها الأزمة السياسية في الجزائر، عن مبادرات الأمل وسط هذه الأزمة التي تلفّ بالجزائر، كتب سليم قلالة في بوابة الشروق الجزائرية ما يلي.

- تقرير: بوابة الشروق: مبادرات الأمل... مَن ينفّذها؟ سليم قلالة

كثيرة هي المبادرات اليوم لإيجاد مخرج للحل الذي وصلت إليه البلاد. أغلبها إنما يركّز على ضرورة إقحام أهل الرأي والحكمة في الفصل بين المتخاصمين، سواء اليوم أو غداً. وقد تداول الكثير من الجزائريين أسماءً لا يرقى إليها أدنى شك، وهي بحق أسماء لها وزنها في الساحة الوطنية ولا تتطلّع بأية حال من الأحوال إلى ممارسة الحكم، بقدر ما تتطلّع إلى العمل من أجل انتصار الجزائر على كل الجبهات في إطار مبادئها الوطنية وقِيَمها التاريخية. ولعلّه الوقت المناسب اليوم لدعوتها إلى القيام بذلك، باعتبار أن نهاية أيّ خلاف هي الجلوس إلى طاولة المفاوضات مهما كانت طبيعة هذا الخلاف، عنيفاً أو سلمياً. وحتى الآن ما زال خلافنا سلمياً، سواء كشعب أو كسلطة، بل إنه ضرب أروع الأمثلة في سلميّته وطابعه الحضاري، وهذه مقدّمة مشجّعة للانطلاق في عمل سياسي حكيم وراشد تقوم به نخبة من الشخصيات الوطنية المشهود لها بحب الوطن والغيرة عليه والمعروفة بالنزاهة والانحياز للحق مهما كانت جبهته، وللمصالح العليا للشعب الجزائري قبل أي شيء آخر. وأظن أن تنظيم هذه النخبة من بضع شخصيات في شكل هيئة وطنية أمر يسير، ولا شك في أنه سنجد من بين الجزائريين مَن لا همّ لهم سوى إصلاح ذات البين، بل مَن لديهم الكفاءة الضرورية والأخلاق اللازمة لأداء مثل هذه المهمة.

محمد علوش: وحتى تمكين هذه الكفاءات للخروج من الأزمة أعود إليك أستاذ فيلالي غويني رئيس حركة الإصلاح الوطني، بحوار مع رئيس الحكومة السابق والمرشّح الرئاسي عام 2014 علي بن فليس يقول إن الحملة الدبلوماسية المتواصلة التي تقودها الحكومة الآن خارجياً هي ليست دفاعاً عن المصالح العليا للدولة وإنما للدفاع عن المصالح الآنية والضيّقة للنظام السياسي، يريد الاستقواء بالخارج لضمان بقائه المرفوض من الشعب. إذا كان شخصية بهذا الوزن وكان رئيس حكومة يقول عن السلطة هذا الكلام، كيف يمكن الحديث عن إمكانية بناء ثقة بين الطرفين تعزّز من إقبال الكفاءات التي تحتاجها الجزائر لإدارة المرحلة في هذه الفترة الحرجة من هذه البلاد؟

فيلالي غويني: أخي الكريم دعني أرجع قليلاً فقط لتعقيب عن النقطة التي كانت منذ قليل بينك وبين زميلي وأخي الأستاذ بلهادي، بخصوص مستقبل الخارطة السياسية في الجزائر ومستقبل الأحزاب السياسية مهما كان موقعها. دعني أذكر بأن حال الرفض التلقائي أو الآلي لا تخدم أيّ حل مستقبلاً، فلا يمكن إلغاء أحزاب سياسية وكيانات حزبية بأكملها وهي متواجدة في مختلف المناصب والمواقع وعندها حضور شعبي بجرّة قلم كما يقال أو بهتافات متظاهرين بطبيعة الحال. لا يمكن أن نقول بأن مستقبل الأحزاب هو إلى الزوال، ربما نقول كلاما أعمّ وأكثر عموماً، هو أن صحيح الساحة السياسية ستعرف نوعاً من إعادة الصوغ، ستكون هناك إعادة صوغ المشهد السياسي في الجزائر، ولكن بطبيعة الحال هذا الصوغ سيأخذ في الحسبان كل النقائص والعيوب والاختلالات المسجلة في المرحلة المقبلة لأنه حتى الأحزاب السياسية عندها دور وعندها مسؤوليات في المرحلة الماضية حتى وإن كانت محدودة ومحدودة جداً مقارنة بتلك التي يجب أن تتحملها السلطة كسلطة فاعلة في البلاد، وبطبيعة الحال الخطاب الذي نريد أن نسمعه أو أن نكرّسه هو ذلك الخطاب الجامع الذي لا يستثني أحداً ولا يُقصي أحداً من الفاعلين في الساحة الوطنية.

أعود لأقول بأن ما تشهده الساحة من تحليلات سياسية وأراء ومبادرات والعديد من المبادرات تخرج بين الساعة والأخرى، هذا كله ثراء، هذا كله يدلّ على حجم الحيرة الموجودة عند عموم الجزائرين والجزائريات وحرصهم على الخروج إلى وضعٍ أفضل بأسرع وقتٍ ، ولكن بطبيعة الحال بشكل هادئ ومتدرّج ولا يمكن بأية حال من الأحوال أن نفكّر في الحلول الراديكالية جملة واحدة وفي دفعة واحدة. هذا غير ممكن، وهذا ربما سيؤول بالبلاد وبالمجتمع إلى محاذير نحن نخشاها بطبيعة الحال ولا نتمنّاها أن تكون.

ما تقوم به الدبلوماسية الجزائرية هذه الأيام بالإضافة إلى كونه عملاً عادياً لأن وزير الخارجية يطّلع بمهامه، صحيح أن خصوصية الحال التي تعيشها الجزائر طرحت العديد من الأسئلة والاستفهامات والاستفسارات ربما عند جيراننا، عند شركائنا، عند كثير من الفاعلين في العالم، وإن شئنا أو أبينا هناك قوى فاعلة في العالم تلاحظ وتتابع التطوّرات مثلها ومثل أية دولة أخرى في العالم، والكثير من الأحداث السابقة في دول أخرى رأينا وشاهدنا كيف تفاعلت وتعاملت مع باقي الدول، يعني كلٌ بقدر.

ما يقوم به السيّد لعمامرة، واضح ويصرّح به عقب كل لقاء وعقب كل اجتماع بمَن يلتقيهم من الدبلومياسيين ومن قادة العالم، وبطبيعة الحال حرص القيادة السياسية في البلاد وهي تؤكّد على أن يكون الحل جزائرياً وبين الجزائريين وفي ندوة الحوار، هذا دليل على ألا خيار آخر ولا نيّة في ما يُصطلح عليه بالتدويل أو نقل ما يجري في الجزائر للتدارس خارج الجزائر. أنا لا أوافق هذا الطرح، ولكن شئنا أم أبينا هناك عالم أنتم ماذا تقومون به اليوم كقناة إعلامية، أنتم تواكبون الحدث وتستفسرون وتطلبون توضيحات وتنوّرون الرأي العام ولكن فليبقى ذلك في هذا الحد أو في تلك الحدود.

الآن الندوة تمّ الدعوة إليها من أغلب الفاعلين في الساحة السياسية الوطنية، بطبيعة الحال منذ سنوات والجميع يدعوا إلى الذهاب إلى ندوة سياسية لنقاش قضايانا الوطنية ليس فقط في البُعد السياسي ولكن أيضاً في الملف الاقتصادي وما ينتظرنا من رهانات حقيقية ينبغي أن نكسبها في هذا الاتجاه، في الملف الاجتماعي، في الملف الأمني، فالذهاب إلى مثل هكذا ندوة له ما يبرّره بالإضافة إلى أنه مطلب الطبقة السياسية.

محمد علوش: كلام جيّد وواضح وفي الصميم أستاذ فيلالي، لكن دعنا نناقش به لما يمثل من أهمية، وهنا أتحوّل إلى الأستاذ عيسى بلهادي، طبعاً هل هو خوف المعارضة والحراك الشعبي من الذهاب إلى الندوة، ندوة الحوار الوطني، خوف ثقة على ذلك، لأنه البعض يقول إن الحل الوحيد هو بالذهاب إلى الحوار الوطني وأن تشارك المعارضة الحزبية وأن يكون هناك برنامج واضح لديها على خوض الانتخابات المقبلة، لأنه فقط الحديث عن ضرورة رحيل السلطة من دون أفق والحديث فقط عن بنود وظاهر النص الدستوري لا يكفي لحل الأزمة السياسية المتجذّرة في البلاد؟ ما قولكم؟

عيسى بلهادي: أولاً نحن نتحفّظ مبدئياً في شأن القبول بمقترح الندوة الوطنية، فمن بين ما تتضمّنه مبادرة الندوة الوطنية التي اقترحها السيّد الرئيس المنتهية ولايته هو تعديل الدستور، للأسف الشديد نحن قبل سنتين أو ثلاث سنوات من هذا التاريخ قمنا بتعديل الدستور بمبادرة وتحت إشراف السيّد الرئيس الحالي للأسف الشديد، وكنا نتمنّى أن يرقى هذا الدستور إلى تطلّعات الإرادة الشعبية وينسجم وطموحات الطبقة السياسية، ولكن ككل مرة السلطة تراوغ وتناور لأجل تمديد عُمر الجمهورية الأولى بما يعني الشرعية الثورية، بما يعني تمديد عُمر الفساد والمحسوبية والرشوة، وضرب عرض الحائط باهتمامات الشعب وممثلي الشعب، الآن الجزائر وأمام انفجار هذا الشارع المعبّر عنه بالحراك الشعبي جاء بسبب تراكمات، وهو في النهاية ظاهرة صحية، هذه التراكمات كان أحد أسبابها فقدان الثقة، هذه الثقة التي فقدها الشعب في حكّامه وفي مسؤوليه، بداية بأحزاب السلطة ومن خلالهم أحزاب الموالاة، ولا أستثني أيضاً بعض أحزاب المعارضة أو مَن يُحسبون على المعارضة، خاصة وأن هذه الأحزاب في مجموعها تقلّدت المسؤولية وتحمّلت جزءاً من السلطة في مراحل حُكم بوتفليقة وقبل حتى مجيء عبد العزيز بوتفليقة.

 إذاً الآن هذه الندوة الوطنية نراها بعين الواقع نقلاً لشهادة من الشارع ومن الحراك، الشعب الجزائري يريد فقط تنحي السيّد عبد العزيز بوتفليقة عن السلطة ويذهب ويستريح وجزاه الله عنا كل خير، ولا نبخس الناس أشياءهم، قدّم ما استطاع وما قدّره الله عليه والذي لم يقدر عليه أعطي فرصة لأربعين مليون جزائري، لـ 76 حزباً سياسياً، لأكثر من 85 ألفاً من مؤسّسات المجتمع المدني، مؤسّسات الإعلام، الجامعات، النخب، الكفاءات. إذاً هذا كله قادر على أن يصنع الفارق مع النظام السابق.

الآن الحراك الشعبي في سقف مطالبه هو تنحي السيّد عبد العزيز بوتفليقة وألا تمديد للعهدة الرابعة أساساً ولا تأجيل للانتخابات الرئاسية، لأن هذه الندوة الوطنية تعتبر كمقترح خارج الإطار الدستوري والخروج عن الإطار الدستوري هو في النهاية يعبّر عن عدم احترام.

محمد علوش: إذاً أنتم بصدَد عدم القبول بندوة الحوار الوطني وتطرحون الحل بالذهاب إلى الانتخابات.

ما هي العراقيل التي قد تواجه سيناريوهات الحل السياسي في الجزائر، حول ذلك كتب شفيق الغبرا في صحيفة القدس العربي، نشاهد معاً.

- تقرير: القدس العربي: الجزائر والحراك الشعبي - شفيق ناظم الغبرا

أدّت حادثة تجديد رئاسة بوتفليقة للمرة الخامسة إلى الكثير من التغيير والحراك الشعبي. ففي هذا التجديد تداخلت الأوضاع الاقتصادية كالفقر وجمود الحياة السياسية ومطالب المجتمع المختلفة في العمل والعدالة ومواجهة البطالة لتخلق حراكاً مفاجئاً. ويقترن هذا الوضع مع معرفة الجزائريين أن بلدهم غنّي بغازه ونفطه وزراعته وثرواته الطبيعية الأخرى، إنه بلدٌ قريبٌ من أوروبا جغرافياً وقد ناضل شعبه في حرب تحرير الجزائر ودفع ثمناً كبيراً ليكون مستقلاً عن فرنسا الاستعمارية.

إن الحراك الثوري الجزائري الراهن أعمق مما يبدو عليه، فالواضح من خلال التظاهرات الراهنة أن الشارع الجزائري لم يعد يثق بنخبته السياسية بكل صنوفها بما في ذلك المعارضة التقليدية. إذ يبدو من المشهد أن الجزائريين يبحثون عن جمهورية ثانية. لكن هل من الممكن إزالة كل الطبقة السياسية الراهنة في الجزائر من دون تعريض الدولة للانهيار؟ وهل بالإمكان في لحظة تاريخية إيجاد صفقة مع الدولة العميقة الجزائرية لمصلحة الديمقراطية والتغيير؟ فالانتقال الديمقراطي، كما يبدو بعد أسابيع على حراك الجزائر، هو جوهر المرحلة الجزائرية.

لقد بدأ التغيير في الجزائر، لكن طريقه سيكون متعرّجاً، إذ تقول لنا التجربة إن التغيير لا يقع بين يوم وليلة، فهناك مَن يريد الالتفاف على المطالب بينما الشارع يتمسّك بمطالب بناء جزائر جديدة.

إن مرحلة الأخضر الإبراهيمي، بصفته رجل التسويات والحلول الوسط، قد تكون قصيرة. فمهمته قد لا تنجح في ظل أزمة الثقة بين المتظاهرين والسلطة السياسية الراهنة.

ومن الطبيعي أن يواجه الإبراهيمي صعوبة في إيجاد مَن يفاوض نيابة عن الشارع وخاصة في ظل ضعف أحزاب المعارضة وعدم الثقة بتوجّهاتها.

لهذا يمكن الاستنتاج بأن الشارع الجزائري يسير بخطى سريعة ضاغطاً لتلبية مطالب انتخاب مجلس دستوري يتولّى كتابة دستور جديد للبلاد.

محمد علوش: أعود إليك أستاذ فيلالي، طبعاً في دقيقتين إذا أمكن لأنه داهمنا الوقت، المعارضة ترفض ندوة الحوار الوطني، تريد من الرئيس بوتفليقة أن يغادر السلطة مع انتهاء ولايته، وأن تجرى انتخابات من دون الحديث عن أيّ أمر آخر، هل السلطة مستعدّة لهذا السيناريو؟

فيلالي غويني: هذا الطرح فيه نوع من التشدّد بطبيعة الحال، لأنه في كل دول العالم عندما تحدث خلافات وأزمات سياسية ترقى إلى هذا الزّخم وهذا المستوى، لا أظن أن هناك مَن يقبل بأن يُقصي طرف طرفاً آخر خاصة إذا كان طرفاً فاعلاً، لا يمكن وقد اتصلنا وتحدّثنا مع الكثير من السياسيين ومع الفاعلين ومع النخبة في الجزائر، إلا أن نذهب إلى حوار، لا يمكن لأيّ طرف أن يُقصي الآخر، ربما السؤال مطروح في حجم الضمانات، في مسألة ترميم الثقة المخرومة للأسف الشديد وهذا ممكن نبحث له عن إجابات، نبحث له عن حلول، ولكن في النهاية وكما حصل في كل دول العالم سيجلس الجميع إلى طاولة الحوار من أجل تدارس قضاياهم ملفاً ملفاً وإيجاد مختلف الحلول التوافقية للخروج من هكذا وضعة.

محمد علوش: إذاً أنتم في قوى السلطة أو القريبون من السلطة تجدون أن الجميع سيجلس في نهاية المطاف إلى الحوار الوطني للخروج من هذا المأزق. في دقيقتين أيضاً للضيف الأستاذ عيسى بلهادي، أسأل رجاءً أعرف هناك تأخّر في وصول الصوت إليك لكن رجاءً أن ننتظم وفق هذه الدقيقتين، في حال لم تقبل السلطة إلا بالطرح الذي تقدّمه حالياً وهو ضرورة الجلوس لندوة حوار وطني خوفاً من انزلاق البلاد إلى ما لا تُحمد عُقباه، هل المعارضة تملك من النضوج كما يقول البعض أن تصل إلى مستوى المفاوضات والمساومات وصولاً إلى التسوية مع السلطة؟

عيسى بلهادي: إذا كانت هذه الندوة الوطنية المدعو إليها من طرف الرئيس المنتهية ولايته حتماً مقضياً على الشعب الجزائري والإرادة الشعبية وافقت على ذلك لأن الأمر الآن بعد الله سبحانه وتعالى فهو متروك للحراك الشعبي الذي يعبّر بكل حرية وبكل سيادة.

طبعاً قلت أنا فقط للإشارة إذا لم نحترم الدستور سنذهب للحل الاستثنائي وهو حل البرلمان بغرفتيه بعد تنحيّ السيّد الرئيس ودخوله في حُكم المستقيل وتنصيب مجلس تأسيسي توكَل له مهمة الإشراف على المرحلة الانتقالية لضمان العدالة الانتقالية تنفيذياً وتشريعياً وقضائياً ومن ثم العمل على إعداد وثيقة دستور جديد تضمن خصوصية الشعب الجزائري في هويته بأبعاده الثلاثة الإسلام والعروبة والأمازغية بما يحفظ المؤسّسات القائمة ويثمّن وجودها، لأن الشعب الجزائري الآن واع ومؤسّسات الجيش واقفة.

محمد علوش: اتّضحت الصورة، نرجو أن تكون التجربة الجزائرية أفضل من بقية التجارب الأخرى. كل الشكر والتقدير لك أستاذ فيلالي غويني رئيس حركة الإصلاح الوطني ونشكر أيضاً الأستاذ عيسى بلهادي الأمين العام لجبهة الحكم الراشد، ونأسف طبعاً على التأخّر في وصول الصوت إلى الضيف. وكل الشكر لكم مشاهدينا لحُسن المتابعة وإلى اللقاء.