هدى رزق - فراس رضوان أوغلو

المحور الأول

 

وفاء العم: انتكاسة كبيرة مُنيَ بها حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البلدية، الحزب الذي يحكم قبضته منذ سنوات على المشهد السياسي التركي. فخسارة رئاسة البلديات في المدن الكبرى ليست تفصيلاً.

هي أول انتخابات بعد التحوّل من نظام برلماني إلى نظام رئاسي، انتخابات أفرزت صعوداً للمعارضة ولذلك أبعاد داخلية وخارجية.

في الداخل، أردوغان متهمٌ بما آل إليه وضع الاقتصاد التركي بسبب مغامراته الإقليمية والأوروبية، وكانت الأزمة مع واشنطن القشّة التي قصمت ظهر العملة الوطنية. منتقدو أردوغان يتحدّثون عن تزايد الاعتقالات والتضييق على الحريات.

في الخارج التحديات أكبر في ظل تصاعد الصراع الأميركي الروسي في المنطقة. بالأمس، خيّرت واشنطن أنقرة بين العدول عن شراء منظومة صواريخ أس 400 الروسية ومغادرة الناتو. على الحدود التحدّي الكردي والأزمة السورية.

في خضم هذه التحديات، كيف يبدو موقع حزب العدالة والتنمية؟ المعارضة تقولها صراحةً، لن ننتظر أربع سنوات وسنعرقل عمل الحكومة.

أيُّ تحوّلٍ يشهده الداخل التركي؟ وهل سينعكس ذلك على سياسة أردوغان الخارجية؟

هذا ما سنناقشه مع ضيفتنا الأستاذة هدى رزق الباحثة في الشأن التركي، والكاتب والباحث السياسي التركي الأستاذ فراس رضوان أوغلو.

فأهلاً بكم في حوار الساعة.

 

(فاصل)

 

وفاء العم: أرحّب بكما مجدّداً ضيفينا الكريميْن.

أستاذة هدى، أهلاً بك. دعينا نبدأ من النتائج حتى ندخل في ما بعد في مرحلة ما بعد نتائج الانتخابات التركية.

هل كانت هذه النتائج مُفاجئة؟

 

هدى رزق: أهلاً بك. أعتقد بأن هذه النتائج لم تكن مُفاجئة بمعنى أن حزب العدالة والتنمية كان يتوقّع أن يخسر إزمير لأنّ إزمير كانت دائماً لحزب الشعب الجمهوري. أما أنقرة فكانت استطلاعات الرأي تقول بأنه يمكن أن يخسر أنقرة، لأنّ الخيار الذي اعتمده أردوغان، خيار المرشّح كان خياراً خاطئاً، بينما المرشّح الذي اعتمده حزب الشعب الجمهوري كان خياراً موفّقاً.

لذلك، أعتقد بأن أنقرة لم تكن مُفاجأة، استطلاعات الرأي كانت تقول إنه ربما سيخسر أنقرة، ولكن المفاجأة الكبرى كانت إسطنبول لأن أردوغان رصد لإسطنبول رئيس وزراء، رئيس الوزراء بن علي يلدريم، وبن علي يلدريم شخصية محبوبة، ولكن المشكلة أن بن علي يلدريم لم يكن هذه الشخصية القريبة من الشعب، لم تكن له تجربة في البلديات بعكس إمام أوغلو، هذه نقطة، والنقطة الأساسية هي أن خسارة إسطنبول لها دلالة رمزية عدا عن دلالتها السياسية.

 

وفاء العم: إذاً أنت ترجعين هذه الخسارة نتيجة لخيارات وليس لسياسة تتعلق بسياسة حزب العدالة والتنمية سواء في الداخل أو الخارج؟

 

هدى رزق: لا، أعتقد أولاً، عندما نتحدّث عن انتخابات نبدأ بالخيارات، خيارات المرشّحين، ولكن طبعاً خيارات المرشّحين ليست هي التي تقرّر فعلياً من سيأتي، تقرّر من سيأتي ولكنها ليست السبب الأساس في خسارة أردوغان. الخسارة الأساسية هي خسارة بسبب الواقع الاقتصادي، لا ننسى بأن هذه المشكلة الاقتصادية التي بدأت منذ 2014، ولكنها لم تك حادّة بالشكل الذي أصبحت عليه في عام 2019.

أعتقد بأنّ أردوغان كان يعتقد بأنه يمكن أن يتدخّل في سياسة البنك المركزي، وممكن أن يتدخل في الاقتصاد، وفي خياراته للوزراء، ولكن المسألة بدأت تستفحل لغاية العام 2018. في 2018 كانت هناك انتخابات، كانت هناك أزمة اقتصادية، ولكن كان هناك الاستفتاء، لكن مع الاستفتاء الناخبون صوّتوا لأردوغان في الاستفتاء.

لماذا صوّتوا له رغم أنه كانت هناك أزمة اقتصادية؟ ولكن صوّتوا له لسبب بسيط هو أنهم يعتقدون أن أردوغان هو الذي سينقذ البلاد من هذه الأزمة الاقتصادية، ولكن ما حصل أنه في العام 2019، بعد سنة من الاستفتاء العام 2018، وجد الناخبون بأن أردوغان لم يستطِع حل المسألة الاقتصادية بل أن الأمور استفحلت.

لذلك نستطيع أن نقول إنّ الأزمة الاقتصادية هي التي سبّبت هذه الخسارة بشكل مباشر.

 

وفاء العم: إذاً نتحدّث عن عاملين، الأول هو العامل الاقتصادي، وثانياً هي الخيارات.

 

هدى رزق: الخيارات.

 

وفاء العم: إسمحي لنا أن نشرك معنا الأستاذ فراس رضوان. أهلاً بك أستاذ فراس.

هل تتّفق مع ما قالته السيّدة هدى في ما يتعلّق بالأسباب الاقتصادية التي تقف وراء خسارة حزب العدالة والتنمية؟ هذا أولاً.

الأمر الآخر، هذه الخسارة هل تحمل مؤشّرات في الداخل والخارج أيضاً؟

 

فراس رضوان أوغلو: نعم بعض الأمور حقيقة يمكن أن نقول إنها صحيحة، مسألة الاقتصاد أو التضخّم الداخلي في داخل تركيا لعب دوراً حقيقة في قراءة الناخب التركي في مسألة الانتخابات وتحديداً في إسطنبول وأنقرة. هذه القراءة الداخلية بالنسبة للتضخّم الداخلي، نعم، لعب دوراً في التأثير على هذه القضية.

 

وفاء العم: ما الذي تعنيه بالتدخّل الداخلي؟

 

فراس رضوان أوغلو: نعم، هناك بعض السياسات الاقتصادية ربما حصل فيها خلاف اقتصادي، ممكن أن نقول، ما بين الرئيس أردوغان والمصرف المركزي، الرئيس أردوغان ووزير المالية السابق نعمت تشيكشك، وأيضاً بعض الأمور التي لعبت دوراً، لكن كل هذا مرتبط حقيقة في السياسة الخارجية، لا نستطيع أن نفصل بينهما ولا حتى جزءاً بسيطاً لأن كلا الطرفين متعلّق في بعضهما، حتى تضخّم الليرة أعتقد خلال سنة حصل كل هذا التضخّم الكبير، 4 أو أقل من أربع ليرات للدولار إلى 5.6 أو 65 الآن.

لكن أيضاً قضية أخرى لعبت دوراً ثانوياً، هي نجاح المعارضة أعتقد في نقطتين مهمتين، النقطة الأولى حُسن التنظيم الانتخابي والدعاية الانتخابية اللذين استخدمتهما بشكل أفضل من المرات السابقة والنقطة الثانية أيضاً هي نريد أن نجرّب، نريد أن نغيّر، ولذلك التغيير هو تجريب شيء جديد، ربما الناخب قرأ لنجرّب أولاً كيف يكون حاكم مدينة أنقرة، كيف يكون حاكم مدينة إسطنبول، لأننا لو دخلنا في التفاصيل قليلاً لنجد أن أغلب الولايات أو الأقضية التابعة لأنقرة أو إسطنبول أغلبها لصالح ما يسمّى العدالة والتنمية.

ولكن هذه قراءة خدمية، ممكن أن نقول، لكن القراءة السياسية تختلف في انتخابات رئيس أو حاكم هذه البلاد، وثالثاً وأخيراً، عدد الأصوات التي صوّتت في تركيا لصالح ونحو تحالف الجمهور أو العدالة والتنمية، أكثر بستة ملايين صوت. هذه رسالة أخرى، لأنه ربما لو ترشّح مثلاً الرئيس أردوغان لولاية قادمة، هل سيفوز؟ بهذه المعطيات نعم، ولكن بالمعطيات التركية هناك رسالة واضحة بأنه لا بدّ من إجراءات سياسية معنوية، أقلّه في إسطنبول.

 

وفاء العم: أستاذ فراس، كيف تعامل حزب العدالة والتنمية في الداخل مع هذه النتائج؟

 

فراس رضوان أوغلو: لا يستطيع أي أحد، العدالة والتنمية أو غيره، أن يرفض أية نتيجة انتخابية، ولكن حتى الآن بسبب الطعون التي قدّمت من قِبَل الحزب في إسطنبول وأنقرة، أعتقد في أنقرة بحسب قراءتي الشخصية لا تؤثّر كثيراً، ولكن في إسطنبول في حال وافقت الهيئة العامة التأكّد، الآن هم يتأكّدون من 290000 صوت، في حال التأكّد من هذه الأصوات فعلاً أنها غير صحيحة قانونياً أي لا تمر بالانتخاب، لن تتغيّر النتيجة، ولكن إن وجد منها ليغيّر النتيجة أعتقد علينا أن ننتظر تصريحاً من الرئيس السيّد غوزال رئيس اللجنة العليا للانتخابات، ولذلك حتى الآن الكل يحترم سيناريو، إذا تأكّد الفوز سنبارك له والطرف الآخر اليوم قال نفس الأمر ولكنه يعترض حتى الآن، ولكن يجب تقبّل النتيجة الآن، لكن العدالة والتنمية تقول لا، هناك اعتراضات وطعون، ننتظر ماذا ستنمّ عنه الهيئة العليا للانتخابات.

 

وفاء العم: أستاذة هدى، هل تتّفقين مع ما ذكره حول الأسباب؟

 

هدى رزق: أعتقد أنه عندما نقول إنّ هناك أسباباً داخلية وأسباباً خارجية، طبعاً هناك تضافر للأسباب الداخلية والخارجية، أوافق على هذه المسألة.

 

وفاء العم: هل تتّفقين مع نقطة أن هناك تدخّلات خارجية أدّت لهذه النتيجة؟

 

هدى رزق: لا أقول إنّ هناك تدخّلات خارجية أدّت إلى هذه النتيجة، اعتقد أنّ هناك أسباباً داخلية وخارجية أدّت إلى أزمة إقتصادية، ولكن ليس إلى هذه النتيجة. هذه النتيجة هي نتيجة سياسة أردوغان، سياسة أردوغان الاقتصادية التي فشلت، وأيضاً سياسة أردوغان في الداخل التركي، لا ننسى بأنّ أردوغان هو الذي أصرّ على أن هذه الانتخابات هي انتخابات مهمة، أنّ هذه الانتخابات ستقرّر مصير تركيا وإلى آخره.

ولكن أعتقد أنه ليست هذه المسألة هي التي أدّت إلى هذه النتيجة، لا ننسى أن هناك تحالفات مهمة حصلت في الداخل التركي، هذه المرّة كانت المعارضة، حاولت المعارضة ألا ترتكب الأخطاء التي ارتكبتها في الماضي، حاولت اليوم المعارضة أن يكون لها، فلنقُل، تماسك، أن تتماسك، وهذا التماسك بالرغم من أن الحزب الجيّد هو حزب حركة قومية ولم يكن يريد أن يتحالف مع الكرد، ولكن هذه التحالفات التي حدثت من تحت الطاولة بين حزب الشعب الجمهوري وبين الكرد، وبين حزب الشعوب الديمقراطي، كانت مهمة جداً في كل من إزمير وأنقرة وإسطنبول.

لا ننسى بأن حزب الشعوب الديمقراطي كان لديه عام 2015، 13 في المئة من الأصوات وفي ما بعد عندما قلب أردوغان الطاولة العام 2015 على نتائج الانتخابات وكانت هناك انتخابات في تشرين الثاني العام 2015 حصل حزب الشعوب الديمقراطي على 11 بالمئة، اليوم حزب الشعوب الديمقراطي جيّر جميع هذه الأصوات إلى حزب الشعب الجمهوري. هذا يعني بأن حزب الشعب الجمهوري والتحالف، تحالف المعارضة استفاد من هذه الأصوات. فإذاً لدينا اليوم تكتل للمعارضة.

 

وفاء العم: وهل استفادت المعارضة من أخطاء أردوغان؟

 

هدى رزق: طبعاً استفادت من الأزمة الاقتصادية، استفادت أيضاً من سياسة أردوغان الداخلية، لأن أردوغان في الداخل كان قاسياً، إن لم نقل كانت سلطته، فلنقُل إنّ هناك لا ديمقراطية فعلية في ممارسة أردوغان السياسية.

لذلك اليوم استغلت المعارضة هذه المسألة، واستغلت أيضاً سياسة أردوغان، التراجع في سياسة أردوغان مع الغرب، التراجع مع الاتحاد الأوروبي، التراجع مع الولايات المتحدة الأميركية، وحصدت هذه النتائج.

إذاً هناك عدّة عوامل أدّت إلى حصول المعارضة على هذه النتيجة وخسارة أردوغان.

 

وفاء العم: أستاذ فراس، هل يتحمّل أردوغان المسؤولية؟ يتم تحميل الرئيس التركي مسؤولية ما آلت إليه الأمور اقتصادياً، وأيضاً السياسة الداخلية كما ذكرت السيّدة هدى في ما يتعلّق بالتضييق على الحريات، حملات الاعتقالات التي تزايدت، وبالتالي هذا أدى إلى حال من التململ في الداخل التركي ورغبة في التغيير؟

 

فراس رضوان أوغلو: بالنسبة للمسألة الاقتصادية، أعتقد هناك بعض الأمور يجب أن تُراجَع، كما صرّح أردوغان نفسه، ربما في أمور الاقتصاد لأن قضية الاقتصاد كبيرة جداً، ولا يمكن إنكار الدور الأميركي في ضرب الاقتصاد التركي ودور بعض الدول في الإقليم أيضاً، هناك تحالفات، وهذا طبيعي.

 

وفاء العم: ولكن لماذا تريد الولايات المتحدة ضرب الاقتصاد التركي؟ بمعنى لماذا تريد إضعاف حظوظ أردوغان الولايات المتحدة الأميركية؟

 

فراس رضوان أوغلو: لأنه ببساطة، سياسته الخارجية لم تعد تقريباً تتوافق مع السياسة الأميركية في بعض الأمور، وهذا يزعج الولايات المتحدة الأميركية. يبدو أنّ فكرة الرئيس أردوغان بأن استقلالية تركيا في بعض الأمور وخصوصاً العسكرية، هذه أعتقد سبّبت الكثير من المشاكل مع الولايات المتحدة الأميركية، ولكن على الصعيد الداخلي هنالك نقطة واحدة يمكن أن أتفق معها، نعم، هي ربما الخصومة التي حصلت لدى أردوغان بسبب ربما سياسته، مثلاً هو لا يرى أن حزب الشعوب الديمقراطي حزب ديمقراطي أو مناسب لأنه يتعامل مع حزب العمال الكردستاني، هذه النقطة، المعارضة تتهم أردوغان بأنه قاسٍ في المعاملة مع بعض السياسيين في الداخل أو المعارضين، قاسٍ لكن نقول قاسياً ضمن النصّ وليس هناك ما يقال.

الاعتقالات الكل متفق عليها وهي ليست حلاً أو ما شابه ذلك، لكن الأصوات الحقيقية لحزب الشعوب الديمقراطي المتواجدين في إسطنبول وأنقرة، نعم، لعبت دوراً كبيراً، لكن الأحزاب الكردية أو المقترعين الكرد في شرق تركيا، هناك خمس أو ست ولايات كردية تماماً ذهبت للعدالة والتنمية، هذا لم يكن يحدث في السابق، ولذلك نرى أنّ التوزّع أصبح من ناحية القوى الكردية الانتخابية، قسم كبير الآن مع العدالة والتنمية، لنقُل إنه أقرب إلى التديين أو أقرب لفكرة العدالة والتنمية من الناحية السياسية لكن اليساريين بشكل عام هم أعطوا أصواتهم، المتواجدون في أنقرة وإسطنبول، هناك من لم يكن متواجداً في إسطنبول وهذا لعب دوراً قوياً في عدد الأصوات، التحالفات السياسية، هذه رسالة قوية بأن هناك تحالفاً سياسياً يريد إنهاء وإسقاط أردوغان في الداخل التركي.

المعارضة ليست ضعيفة هذه المرة ولديها حظوظ قوية، أعتقد من الناحية السياسية. هل سيؤثّر نجاحهم إن حصل وتمّت الموافقة على النجاح في إسطنبول وأنقرة؟ هل سيؤثر في السياسة الخارجية؟ لا أعتقد بشكل كبير لأن هناك نوعاً ما، بعض الفصل بين كلا الطرفين.

 

وفاء العم: سأعود إلى نقطة السياسة الخارجية أستاذ فراس، ولكن إسمح لنا أن نستعرض هذا التقرير في صحيفة الحياة، "الانتخابات التركية وإعادة تشكيل الخريطة السياسية"، عمر كوش.

 

الحياة: الانتخابات التركية وإعادة تشكيل الخريطة السياسية، عمر كوش

تكمن أسباب التغيّر في الخريطة السياسية التركية في جوانب عديدة يتجلّى بعضها في المجال السياسيّ، وبعضها الآخر في الاقتصاد والوضع المعيشيّ. غير أنّ مرحلة النهوض الاقتصادي الكبير التي بدأت مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم قد انتهت، إذ إنّ البحبوحة الاقتصادية التي تمتّعت بها الطبقة الوسطى، إضافة إلى فئات من الفقراء، خاصةً في المدن، قد ولّت مع ارتفاع تكاليف الحياة والهزات التي ضربت الاقتصاد التركي، إلى جانب حملات الاعتقال والملاحقة الواسعة التي حصلت بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة والتضييق على المعارضة، الأمر الذي جعل أحزاب المعارضة تصوّر الانتخابات البلدية التي جرت وكأنّها معركة من أجل استرجاع الحريات.

وإن كانت الانتخابات البلدية قد أثّرت على الخريطة السياسية التركية، إلا أنّ نتائجها لم تكن حاسمة لجهة تراجع الحزب الحاكم أو لجهة تقدّم أحزاب المعارضة. لذلك من غير المرجّح أن ترتفع الأصوات المطالبة بانتخاباتٍ برلمانيّةٍ ورئاسيّةٍ مبكرة، أو أن تلقى آذاناً صاغية، وسيعمل كل طرف من أجل الاستعداد للمرحلة المقبلة، مع الأخذ بعين الإعتبار أنّ خطاب حزب العدالة والتنمية لا يزال يلقى أنصاراً كثراً، ولا سيما في مناطق الأناضول وفي جنوب تركيا وشرقها، لكن ذلك لن يمنع المعارضة من استغلال الضغوط الداخلية إلى جانب الضغوط الخارجية المتمثلة في توتّر العلاقات التركية الأميركية بسبب صفقة صواريخ أس 400 التي تعتزم تركيا شراءها من روسيا، وكذلك بسبب الوضع السوري في ظلّ ملفات دولية وإرهاصاتها الداخلية.

وبالتالي، فإنّ التوجّهات السياسية التركية مرشّحة لاحتمالات حدوث تغييراتٍ كثيرة، سواءٌ على مستوى الداخل التركي أم على مستوى السياسة الخارجية.

 

وفاء العم: سيّدة هدى، هل نحن أمام إعادة تشكيل الخارطة السياسية؟ وهل سيكون لذلك انعكاس على السياسات الخارجية التركية؟

 

هدى رزق: أعتقد أننا في الداخل اليوم، نحن أمام متغيّرات، ولكن لا نستطيع أن نقول إنّ هناك إعادة تشكيل للخريطة السياسية، هذا كلام كبير.

فلذلك اليوم أعتقد بأنه سيكون هناك بعض المتغيّرات، ولكن براغماتية رجب طيب أردوغان سوف تسود في الداخل، وأعتقد أنه سوف يحاول أن يقوم بإصلاحات هيكلية من أجل الموضوع الاقتصادي، وأيضاً سوف يخفّف لهجة الاستقطاب في الداخل، وأعتقد بأنه سوف يحاول أن يتفاهم مع المعارضة.

هذا من جهة الداخل، ولكن أعتقد بأن هذا الداخل لن يؤثّر في السياسة الخارجية.

 

وفاء العم: ولكن المعارضة لديها أزمة أيديولوجية مع أردوغان؟

 

هدى رزق: حتى لو كان لديها أزمة أيديولوجية، المعارضة حاولت في ما مضى، وهي حاولت ولا تزال تحاول أن يكون لها تأثير على السياسة الخارجية، ولكن البلديات، ولنقُل بأن المعارضة اليوم تحاول أن ترمّم ما خسرته، ولكن لا تستطيع اليوم القيام بدور كبير في الخارج. هي سوف تحاول أن تربح في الداخل، وأن تقوم بنشاط سياسي في الداخل، وأن ترمّم ما خسرته، ولكن هذا سيأخذ وقتاً طويلاً، سيأخذ على الأقلّ سنتين أو ثلاث أو أربع، في هذا الوقت سيكون أردوغان قد بدأ بترميم وضعه الاقتصادي الداخلي ليحاول كسب واسترجاع ما خسره، أي إسطنبول وأنقرة.

ولكن لا أعتقد بأنّ المعارضة الداخلية سوف يكون لها تأثير على السياسة الخارجية، السياسة الخارجية، سوف تحاول طبعاً، ولكن اليوم هي تحاول عبر بعض الصحافة أن تقول بأن أس 400، يجب ألا نشتريه، ويجب ألا تكون الأس 400 هي سبب الخلاف مع الولايات المتحدة.

 

وفاء العم: ولمسنا ذلك حتى في موضوع الأزمة السورية.

 

هدى رزق: ولكن لا ننسى بأنه ليس هناك خلاف كبير جداً بين المعارضة وبين أردوغان في ما خصّ المسألة الكردية وفي ما خصّ حزب العمال الكردستاني. حتى مسألة شرق الفرات ومسألة منبج، هذه المسائل بالنسبة إلى الداخل التركي، لا ننسى أن الداخل التركي هو قومي في البداية، فلذلك لا أعتقد بأن هذا الداخل التركي سوف يقف بوجه سياسة أردوغان في ما خصّ الكرد.

ولكن في ما خصّ إدلب وفي ما خصّ الإسلاميين والإرهابيين، أعتقد بأن هذا الداخل يقف ضد أردوغان بهذه المسألة، وهو يريد أن يتخلّص من المسألة السورية، حل هذه المسألة بالنسبة إليه هي مسألة حيوية. لذلك اليوم هناك خلاف فقط على مسألة الإرهابيين ودعم الإرهابيين وليس على مسألة الكرد، لأنّ مسألة الكرد بالنسبة إلى كلّ الأتراك هي مسألة حيوية، هي مسألة مهمة جداً، لأنّ الكرد يخشون أيضاً، إذا كان هناك حكم ذاتي، وإذا كانت الولايات المتحدة الأميركية تدعم حكماً ذاتياً في الداخل السوري، هذا بالنسبة إلى الأتراك مسألة خطيرة جداً، لأن هذا ربما سينعكس على الداخل التركي، والأتراك جميعهم، حتى حزب الشعب الجمهوري وكل الأتراك هم ضد هذه المسألة.

 

وفاء العم: إذا كان هناك إجماع تركي في ما يتعلق بالتعامل مع الملف الكردي إذا صح التعبير وهناك أيضاً خلاف بين المعارضة وأردوغان في ما يتعلق بكيفية التعامل مع الأزمة السورية.

سأعود إلى هذه النقطة ولكن إسمحي لي أن أوجّه هذا السؤال للأستاذ فراس أوغلو.

أستاذ فراس، في ظل هذه التحديات تقول المعارضة بأنها لن تنتظر أربع سنوات، ستقوم بعرقلة الحكومة بغرض أن تكون هناك انتخابات مبكرة.

ما هي الخيارات أمام أردوغان في الداخل قبل أن نتحدّث عن الخارج، ما هي الخيارات أمامه وأمام حزب العدالة والتنمية في الداخل؟

 

فراس رضوان أوغلو: حالياً وفق المعطيات، حتى لو فازت المعارضة لنقل في أنقرة وإسطنبول، لا أعتقد أنّهم قادرون على أن يقيموا انتخابات مبكرة، ولا حتى قادرين أعتقد على مثلاً أن يغيّروا فعلياً في السياسة الخارجية، ولكن أعتقد أنّ القارئ الفطن الذكي او أيّ شخص كان في الحكم، عليه أن يقرأ هذه التطوّرات بشكل مهم للتغيير على أقلّه بعض التعيينات في السياسة الداخلية، ولكن حتى الآن لا يمكن أن نقول إنّ المعارضة قادرة على أن تقوم فعلياً بأي شيء من هذه الأصوات، لكنها هي حتماً تستمر من أجل النجاح.

 

وفاء العم: حتى وإن نتحدّث أنها هي غير قادرة، لكن هذا ألا يُعَدّ مؤشّراً لتراكم ربما شعبية المعارضة، بما يسمح بتغيير إن لم نقل الآن، بعد أربع سنوات، أم أردوغان قادر على تلافي وتدارك الأخطاء التي ارتكبت؟

 

فراس رضوان أوغلو: حقيقة هذا فيه مساران متساويان، المسار الأول، نعم، المعارضة هي الآن.

 

وفاء العم: انقطع الاتصال، ربما نعاود الاتصال به، ولكن إسمحوا لنا مشاهدينا أن نأخذ فاصلاً سريعاً نعود بعده لمتابعة حوار الساعة. ابقوا معنا.

 

 

المحور الثاني

 

وفاء العم: أهلاً بكم مشاهدينا من جديد في هذه الحلقة من حوار الساعة.

نبدأ الجزء الثاني من الحلقة بما ذكرته صحيفة العرب، "انتصرت الليرة التركية على أردوغان"، فاروق يوسف.

 

العرب: انتصرت الليرة التركية على أردوغان، فاروق يوسف

كان من الممكن أن يهزم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خصومه مثلما فعل عبر السنوات الماضية من حكمه، لو أنّ الليرة التركية حافظت على سعر صرفها في الأسواق.

لقد اعتقد الرجل الذي حققت خطاباته الحماسيّة النسبة الأعلى على مستوى الإقبال الجماهيريّ، لا في تركيا وحدها بل وأيضاً في أجزاء من العالم العربي، أنّ أفكاره هي التي تدفع الأتراك إلى التمسّك به وبحزبه، ونتائج الانتخابات الأخيرة تؤكّد أنه لم يكن مصيباً في اعتقاده.

لقدت هزمت الليرة حزبه. لم يفهم أردوغان أنّ أساس نجاحه يكمن في القفزة الاقتصادية التي حقّقها القطاع الخاص في عهده. ولم تكن تلك القفزة لتحدث إلا لسبب عدم تداخل السياسي مع الاقتصادي، وهو أمر كان يمكن أن يُحسَب لمصلحة أردوغان لولا أن الرجل أدخل تركيا في نزاعات إقليمية ودولية لم تكن ضرورية إلا لأسباب عقائدية. وما يجب الاعتراف به، أنّ تركيا كانت قد استعادت عن طريق اقتصادها مكانتها في العالم باعتبارها دولةً فتيّة، لم تكن دول الغرب تملك عقدةً تمنعها من فتح أسواقها أمامها.

إلا أنّ أردوغان باعتباره واحداً من رعاة فكرة الإسلام السياسي، لم يكن حريصاً على أن يدعم ذلك النجاح الاقتصادي بعلاقاتٍ سياسيّةٍ منسابةٍ ومريحة ولا تدعو للريبة والشك. وإذا ما كانت أزماته مع دول أوروبية مثل ألمانيا وهولندا قد مرت بسلام، فإنّ الأزمة التي افتعلها مع الولايات المتحدة لسببٍ تافه، ضربت الاقتصاد التركي في الصميم.

 

وفاء العم: نرحّب من جديد بالأستاذ فراس رضوان أوغلو. أهلاً بك أستاذ فراس من جديد.

كان قد انقطع معك الاتصال وكنا نتحدّث عن خيارات أردوغان. أترك لك المجال فقط لإكمال هذه الفكرة حتى نتحدّث عن البُعد الخارجي في ما يتعلق بالسياسة التركية.

 

فراس رضوان أوغلو: نعم كنت أودّ أن أقول إن هناك مسارين متوازيين، المسار الأول إعادة بناء الحزب الحاكم وتصحيح بعض الأمور الداخلية إن كان على صعيد الأطر الداخلية للحزب أو على صعيد التحالفات أو على أي صعيد من الناحية الداخلية.

وعلى الصعيد الآخر، استمرار المعارضة في هذا الطريق لأن المعارضة لديها نقطة ضعف بأنها ليست متفاهمة بشكل كبير، وفي حال بقي هذا التجانس.

 

وفاء العم: أستاذ فراس، لدينا مشكلة في الصوت، سنعاود الاتصال بك ونعود لاستكمال الحديث بطبيعة الحال، سيتصل بك الزملاء أيضاً لاستكمال النقاش.

أستاذة هدى، ريثما ننتظر إعادة الاتصال بالأستاذ فراس، دعينا نذهب إلى البُعد الخارجي. هل كانت تريد الولايات المتحدة الأميركية أن تضعف أردوغان فعلاً؟ هل المعارضة أقرب للولايات المتحدة؟

 

هدى رزق: سأعلّق أيضاً على ما ذكرته جريدة العرب. هناك اتهام لأردوغان بأنه بسبب أيديولوجيته وبسب تدخّله في الدول العربية وبسبب سياسته مع الولايات المتحدة الأميركية، حصل ما حصل. أعتقد اليوم إن المسألة الاقتصادية، في الأساس هناك مشكلة في المسألة الاقتصادية، مشكلة بنيوية في المسألة الاقتصادية، وطبعاً أردوغان لم يلتفت إلى معالجة هذه المسألة البنيوية، وأعتقد بأنّ الولايات المتحدة الأميركية بَنَت هي وبعض دول الخليج على هذه المسألة، على هذه الثغرة الكبيرة. هناك ثغرة وهناك مَن بنى على هذه الثغرة، وأعتقد بأنه ليست الولايات المتحدة الأميركية هي سبب الأزمة الاقتصادية ولكنها بَنَت على هذه الأزمة الاقتصادية.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا أعتقد أن سياسة أردوغان، أن أردوغان تدخل في الدول العربية وتدخل في سوريا وفي مصر بمعزل عن السياسة الأميركية، هو في البداية رجل السياسة الأمريكية، هو متحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية، والخلافات بدأت في العام 2014 مع الولايات المتحدة الأميركية.

فإذاً كلّ التدخّل الذي قاده أردوغان في الدول العربية منذ 2011 ولغاية 2014 كان بالاتفاق مع الولايات المتحدة الأميركية ومع أوروبا أيضاً. ولكن الخلافات بدأت منذ 2014 بسبب تغيّرات سياسية لا مجال الآن لذِكرها، لأننا اليوم نتحدّث عن الانتخابات، ولكن هناك فعلاً خلافات. الولايات المتحدة الأميركية أرادت إضعاف أردوغان، فعلاً هي أرادت إضعاف أردوغان منذ العام 2016.

 

وفاء العم: لكن هل البديل هي المعارضة؟ هل المعارضة أقرب إلى الولايات المتحدة الأميركية من أردوغان؟

 

هدى رزق: لا، أولاً المعارضة ليست أقرب للولايات المتحدة الأميركية من أردوغان، والولايات المتحدة الأميركية هي تراهن على أردوغان لكنها لا تراهن على المعارضة، ونحن نعلم بأنّ أوروبا والولايات المتحدة الأميركية منذ البداية، منذ 2002 و2003 راهنت على رجب طيب أردوغان، وهي تعي بأن المعارضة، حتى مسألة العسكر وقفت الولايات المتحدة الأميركية، وقفت أوروبا مع أن يكون هناك إقصاء للعسكر عن السياسة.

لذلك هي أرادت، أعتقد أن أردوغان تمرّد على السياسة التركية العام 2014، لذلك اليوم السياسة الأميركية بدأت تنحو منحىً آخر، هو محاولة إضعاف أردوغان وليس ضرب أردوغان واستبداله بالمعارضة السياسية، لأن هذه المعارضة فعلياً كانت تأخذ دائماً في الانتخابات 48 بالمئة أو 49 في المئة وأردوغان 50 في المئة. فلنكُن عادلين ولنقُل بأنه دائماً تركيا كانت منقسمة، هناك 2 أو 4 في المئة فارق بين أردوغان وبين المعارضة، نصف الشعب التركي ضد أردوغان، دائماً كان ضد أردوغان ونصف الشعب التركي كان دائماً، أو بالأحرى نصف الشعب إضافة إلى 2 كان دائماً مع أردوغان.

لا يجب أن نرى أن هذه المسألة هي مسألة كبيرة جداً، أن نراها ضخمة، أن نضخّم الأمور، ولكن يجب أن نقول بأنّ هذه انتكاسة لأردوغان والغرب لا يستطيع اليوم أن يتحالف مع المعارضة، هو يستعمل المعارضة من أجل الضغط على أردوغان.

 

وفاء العم: هل تتّفق مع هذا الكلام أستاذ فراس؟ الولايات المتحدة الأميركية تريد إضعاف أردوغان ولكنها لا تريد إسقاطه؟

أستاذ فراس هل تسمعنا؟

 

فراس رضوان أوغلو: أسمع بشكل جيّد.

 

وفاء العم: كنت أسأل، هل تتّفق مع ما ذهبت إليه الأستاذة هدى بأن الولايات المتحدة الأميركية تريد إضعاف أردوغان ولكنها لا تريد إسقاطه؟

لا يسمعنا جيّداً، أيضاً سنحاول الاتصال به بطبيعة الحال.

في هذه النقطة المهمة التي تتحدّثين عنها، هل يخضع أردوغان للضغوط الأميركية؟

 

هدى رزق: أردوغان اليوم قال في خطاباته، وقال أيضاً في الداخل بأنه في أكثر من مقابلة، بأنه لن يذهب للبنك الدولي، طبعاً الولايات المتحدة الأميركية تراهن على ذهابه للبنك الدولي لإنقاذ الاقتصاد. هو لا يريد الذهاب مرّةً أخرى إلى البنك الدولي، لأنه نعلم أن تركيا ذهبت في ما مضى للبنك الدولي وقد سدّدت ديونها، وهو كان يفتخر بأن تركيا قد سدّدت هذه الديون. أعتقد بأنه سيلطّف لهجته مع الولايات المتحدة الأميركية ولن يملك.

 

وفاء العم: إسمحي لي أستاذة هدى ولكن يبدو بأن هناك أزمة جديدة في الأفق الآن، نتحدّث عما قالته واشنطن، إما انهاء عقد صفقة منظومة صواريخ الأس 400 مع روسيا، وهذا يفتح أيضاً النقاش حول العلاقة بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية، أو الخروج من الناتو، هذا ضغط جديد على أردوغان.

كيف ما قاله مولود جاويش أوغلو بأن الصفقة تمّت؟

 

هدى رزق: طبعاً، بالأمس قال جاويش أوغلو بأن الصفقة تمّت ولكن الولايات المتحدة الأميركية أيضاً تضغط على أردوغان ولكنها تعي تماماً بأن الصفقة قد تمّت وتعي أيضا بأن الأف 35 أيضاً هي صفقة قد تمّت وأن تركيا دفعت مئتي مليون دولار وهي أيضاً في طريقها إلى استثمار مليار و250 مليون دولار، وأن الطيّارين الأميركيين هم يتدرّبون اليوم في قاعدة لوك، وتركيا تنتج قطع الغيار وقطع التركيب للأف 35، ولكن أعتقد بأن هذه الضغوط لن تنفع، هي ضغوط والولايات المتحدة الأميركية تعي بأن هذه الضغوط لن تنفع، ولكنها تمارسها، تمارسها لأنه أيضا الناتو يمارس هذه الضغوط على تركيا لأنه لا يريد من تركيا أن تذهب في السياسة إلى روسيا.

 

وفاء العم: هذا يطرح السؤال حول ما يتعلّق بالعلاقة ما بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية.

ما الذي يريده أردوغان؟ الصراع بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا يأخذ في التصاعد، بالتالي الانقسام عالمياً يجري على هذا الأساس.

هل تستطيع تركيا اللعب على التبايانات أم ستصل إلى نقطة مضطرة للاصطفاف إلى جانب أيّ من الطرفين؟

 

هدى رزق: تركيا رجب طيب أردوغان لا تريد أن تكون دولة وظيفية، هي لا تريد أن تكون دولة وظيفية، هي تريد أن تكون دولة فاعِلة، ورجب طيب أردوغان قال منذ سنة بأنه يجب أن يكون هناك أكثر من خمس دول مقرِّرة في الأمم المتحدة.

 

لذلك اليوم رجب طيب أردوغان لا يريد أن يكون دولة وظيفية، هو يريد أن تكون تركيا دولة فاعِلة، لذلك اليوم هو لا يريد أن يكون عند روسيا ولا عند الولايات المتحدة الأميركية، وأن تكون دولة مستقلة، في ما يعني اختيارها للسلاح واختيارها لسياساتها، ولكن هذا لا يعني أنه يريد أن يخرج من الناتو، ولا يخرج من التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية، ولا يريد أن يعادي الاتحاد الأوروبي، ولا أيضاً أن يعادي روسيا.

 

وفاء العم: أستاذ فراس أرجو أن تكون تسمعنا الآن.

أستاذ فراس؟

يبدو أنّ الاتصال في كلّ مرة يتعثّر. في كل الأحوال، كل الشكر للأستاذ فراس رضوان أوغلو الكاتب والباحث السياسي على مشاركته، كنّا نتمنّى أن يكون معنا لوقت أطول حتى نفهم في الداخل التركي ما الذي يجري.

إسمحي لنا أستاذة هدى أن نستعرض ما قالته صحيفة رأي اليوم، "انعكاسات النتائج التركية ستشمل الجميع". نتابع.

 

رأي اليوم: انعكاسات النتائج التركية ستشمل الجميع

أتت نتائج الانتخابات التركية لتعمّق الصَدع في منطقة الشرق الأوسط القلقة وغير المستقرّة بسبب تداخل الشأن المحلي بالإقليمي بالدولي فيه.

تشابك الدوائر الثلاث صنع علاقاتٍ غريبةً في المنطقة، تفرض على الأعداء المساكنة والتعايش قبل الأصدقاء.

لا بدّ من أن نعي أنّ أيّ تغيير أو فوضى في تركيا سينعكس على الجميع في المنطقة، سوريا، العراق، إيران، فلسطين، روسيا، وغيرها.

فتغيّر النهج السياسي الحالي سيؤدّي إلى خطٍ سياسي وعسكري أكثر قرباً من الولايات المتحدة وأجندتها في المنطقة.

نتائج الانتخابات المحلية التركية لن تتوقّف مفاعيلها على الصعيد المحلي، وهي إن كانت دعوة لحزب العدالة والتنمية لمراجعة عددٍ من سياساته الداخلية والإقليمية والدولية، إلا أنها ستترك أثراً واسعاً في تحديد الهامش الذي يتحرّك فيه الحزب.

حزب العدالة والتنمية بسياساته الإقليمية، وضع تركيا في منطقة وسط بين الحلف الغربي بقيادة الولايات المتحدة، والحلف المشرقيّ بقيادة روسيا.

كان أكثر انفتاحاً وقرباً من إيران وروسيا، ومثّل لهما منفذاً تجارياً واقتصادياً مهماً، برغم اختلافهم حول القضية السورية التي بقيت إحدى النقاط الشائكة، لكنها لم تمنع التعاون بين الدول الثلاث في ميادين أخرى.

 

وفاء العم: أسمع منك تعليقاً، لا نتحدّث فقط عن الصراع بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية، ولكن أيضاً مع الدول الإقليمية التي تصطفّ تحت هذه الدول، إيران التي تسعى الولايات المتحدة الأميركية إلى الضغط عليها بكل السُبل الاقتصادية وما إلى ذلك، ونتحدّث في المقابل عن الولايات المتحدة الأميركية.

كيف يمكن أن يتعامل أردوغان في المرحلة القادمة مع كل هذه المتناقضات؟

 

هدى رزق: هناك ثلاث مشاكل يتعامل فيها مع الولايات المتحدة الأميركية، أولاً هناك مشكلة محمّد فتح الله غولن، وثاني المشاكل هي مشكلة خلق بنك، وهي المشكلة التي خلقتها الولايات المتحدة الأميركية بشأن المساعدة التي قدّمتها تركيا لإيران عند العقوبات السابقة، وهي النفط مقابل الذهب، وهناك مسألة ثالثة ومهمة جداً هي المسألة الكردية، وهي المسألة الأهم بالنسبة إلى أردوغان.

أردوغان يريد من الولايات المتحدة الأميركية أن تكفّ عن دعم وحدات الحماية الكردية في سوريا، وهو يعتقد بأنّ الولايات المتحدة الأميركية يجب، إذا كانت فعلاً تركيا هي حليف للولايات المتحدة الأميركية، فيجب على الولايات المتحدة الأميركية أن تقف إلى جانبها وليس إلى جانب وحدات الحماية الكردية، وهذه المسألة هي التي تعرقل كل الأمور بين الولايات المتحدة الأميركية وبين تركيا.

لذلك أعتقد بأنّ رجب طيب أردوغان سوف يقوم بتلطيف اللهجة مع الولايات المتحدة الأميركية.

 

وفاء العم: ما التنازل الذي يمكن أن يقدمه أردوغان للويات المتحدة الأميركية؟

 

هدى رزق: ليس هناك تنازلات بل هناك مسألة مهمة هي المسألة الكردية، هو يطلب من الولايات المتحدة الأميركية أن تقدّم هي التنازل في المسألة الكردية، ولكن هو يعتقد بأنه هل الأس 400 هي تنازل؟ هو يقول إنه لا يستطيع أن يتنازل عن الأس 400 لأن الأس 400، هناك العلاقة مع روسيا وهو لا يستطيع أن يتخلّى عن العلاقة مع روسيا لأسباب مهمة هي أسباب اقتصادية وليست فقط أسباباً سياسية، ولذلك رأينا بالأمس جاويش أوغلو عندما قال بأننا نحن نقف ضد روسيا بمسألة القرم، وفي المسألة الأوكرانية، وهو يقول إننا لن نغيّر سياستنا.

فإذاً الرسائل للولايات المتحدة واضحة وصريحة، بأن تركيا لن تغيّر سياستها، بالأمس قالها جاويش أوغلو، أن مسألة الأس 400 أتت لأن الولايات المتحدة الأميركية لم تعطِ تركيا الباتريوت، وبأن باراك أوباما منع البنتاغون من إعطائنا الباتريوت فلذلك لجأنا للأس 400، هذا تبرير مهم وهذا تنازل مهم أيضاً، هناك تنازل مهم أيضاً، مسألة القرم وأيضا تفسير لماذا أخذت الأس 400 وأن هذه الصفقة قد تمّت ولا تستطيع تركيا التراجع. ولكن تركيا تطلب من الولايات المتحدة الأميركية التراجع في مسألة وحدات الحماية الكردية.

 

وفاء العم: دعينا نتوقّف عند الأزمة السورية، كنّا نتحدّث أيضاً في تباين المواقف بين المعارضة في تركيا وبين سياسة أردوغان.

هل تتغيّر سياسة أردوغان في ما يتعلق بالأزمة السورية في المرحلة القادمة؟ وهل تفرض المعطيات في الداخل ما يمكن أن يقوم به أردوغان في ما يتعلق بالأزمة السورية؟

 

هدى رزق: اليوم هناك لقاء بين بوتين وبين أردوغان في 8 نيسان (أبريل)، وأيضاً هناك لقاء في أواخر الشهر بما خصّ لقاء آستانة بين القوى الثلاث. أعتقد بأن الذي تعرضه، أو التسهيلات التي قدّمتها روسيا لأردوغان هي تسهيلات كبيرة في ما خصّ إدلب، لا ننسى بأنّ الاتفاق الذي تم في الصيف، مقرّرات سوتشي كانت تقول بأنه يجب على أردوغان أن يحسم مسألة إدلب، ولكن روسيا أعطته الوقت الكافي وأعتقد اليوم بأنه سوف يكون هناك تفهّم حول مسألة إدلب وما يجب العمل في مسألة إدلب، وروسيا أيضاً سمحت وأعطت الوقت الكافي لأردوغان في مسألة إدلب وراعت مسألة الانتخابات، لكن اليوم هناك لقاءات وهذه اللقاءات سوف تحسم هذه المسائل، وأعتقد بأن روسيا لديها أيضاً مصالح مع أردوغان، وهي لا تريد أن تفقد هذا التحالف. لذلك لا أعتقد أيضاً أن هذا التحالف سيأتي على حساب سوريا، ولكن أعتقد بأنه سيتم التفاهم بين أطراف آستانة بما خصّ سوريا، ولن تتغير مواقف أردوغان في ما يخصّ المسألة السورية، لا سيما المسألة الكردية. ربما سنشهد بعض التنازلات في مسألة إدلب، ولكن ليس في مسألة شرق الفرات.

أما بشأن المعارضة، أعتقد اليوم أن المعارضة التركية تتفق مع أردوغان في ما خصّ المسألة الكردية، ولكنها تتناقض معه في إنهاء المسألة السورية. هي لا تريد دعم الإسلام السياسي، هي لا تريد دعم الإرهابيين.

 

وفاء العم: ولكن هل لذلك تأثير على السياسة الخارجية؟

 

هدى رزق: أعتقد بأنها ستحاول الضغط في المسألة السورية لكي يتم إنهاء هذه المسألة، لأنّ المعارضة طبعاً تشتكي من وجود ثلاثة ملايين نازح سوري في تركيا، وهي ترى بأن هذا يؤثر كثيراً على الاقتصاد، وكان من أسباب أن يكون هناك أكثر من 13 في المئة من العاطلين عن العمل.

 

وفاء العم: ربما يداهمنا الوقت ولكن لا بدّ من تسليط الضوء أيضاً على علاقة أردوغان بدول مجلس التعاون الخليجي، نتحدّث عن خصومة من تحت الطاولة مع المملكة العربية السعودية والإمارات، على اعتبار بأن لديها خلافاً أيديولوجياً مع الإخوان المسلمين، وأيضاً في المقابل علاقة استراتيجية مهمة مع قطر.

هل يمكن أن تشهد المرحلة القادمة أيضاً تغيّراً في هذه السياسة أم سيبقى الوضع كما هو عليه؟

 

هدى رزق: مسألة الخاشقجي هي مسألة عكست نفسها على العلاقة بين تركيا وبين السعودية، وأعتقد بأنّ تركيا لن تتراجع في هذه المسألة، ولكن لن يكون هناك تحسّن في العلاقة بين السعودية وبين تركيا، لأنّ تركيا أيضاً تعتبر بأن السعودية وأيضاً الإمارات لعبت دوراً سيّئاً جداً، وهي استثمرت في الأزمة الاقتصادية ولعبت في البورصة التركية.

 

وفاء العم: سريعاً قبل أن نختم، هل أردوغان في ورطة بين تحديات الداخل والخارج؟

 

هدى رزق: أعتقد بأن الداخل سوف يفرض نفسه، ولكن لن يؤثّر فعلياً على السياسة الخارجية.

 

وفاء العم: إذاً تبقى السياسة الخارجية كما هي في وقت يحاول فيه أردوغان تدارك ما يجري في الداخل؟

 

هدى رزق: سوف يحاول أن يعجّل في حل بعض المسائل لكي يتفرّغ للداخل أيضاً.

 

وفاء العم: وصلنا ربما إلى ختام هذه الحلقة. أشكرك كل الشكر أستاذة هدى رزق الباحثة في الشأن التركي على كل هذه الاستفاضة في فَهْم المشهد التركي داخلياً وخارجياً.

الشكر موصول للأستاذ فراس رضوان أوغلو الكاتب والباحث السياسي التركي، كان معنا خلال هذه الحلقة.

كلّ الشكر لكم مشاهدينا على حُسن المتابعة. إلى اللقاء.